17 -المبحث الأول: دراسة المتشابه اللفظي في الحروف -المبحث الثاني:دراسة المتشابه اللفظي في اللفظ والتركيب. -المبحث الثالث:دراسة المتشابه اللفظي في فواصل الآي.
عدد الصفحات ١٧18 الفصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل الثاني التعريف بعلم المتشابه اللفظي و فيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف المتشابه اللفظي والفرق بينه و بين المتشابه المعنوي المبحث الثاني: أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم المبحث الثالث: نشأة علم المتشابه اللفظي وتطوّره الفصل الأول: التعريف بعلم المتشابه
عدد الصفحات ١٨19 المبحث الأولتعريف المتشابه اللفظي و الفرق بينه و بين المتشابه المعنوي أولا: تعريف المتشابه في اللغة: تدور معاني مادة (شبه) في اللغة حول معنيين: الأول: التماثل، الثاني:الالتباس. فمن الأول قوله تعالى:﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابهًِا وَلهَُمْ فِيهَ ا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(25)﴾(البقرة). ومن الثاني:قوله تعالى:﴿إِنَّ الْب َقَرَ تَشَابَهَ عَلَي ْنَا وَإِناَّ إِنْ شَاءَ اللََُّّ لَمُهْتَدُونَ (70)﴾( البقرة). و أكثر ما يستعمل في التماثل صيغة (تشابه)، و في الالتباس صيغة: ( اشتبه).1 والقاموس المحيط: "تشابها و اشتبها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا 2 . وفي المعجم الوسيطتشابه الشيئان: أشبه كل منهم ا الآخر حتى التبسا و في التنزيل:﴿ إِنَّ الْب َقَرَ تَشَابَهَ عَلَي ْنَا وَإِناَّ إِنْ شَاءَ اللََُّّ لَمُهْتَدُونَ (70)﴾( البقرة).). 3 وفي القاموس الفقهي:" المتشابه في القرآن الكريم:المتماثل. و منه قول الله تعالى:﴿ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مخُْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّي ْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابهًِا وَغَي ْرَ مُتَشَابِهٍ( 141)﴾( الأنعام) أي متشابه في المنظر، و غير متشابه في المطعم.4 1 الحنين، فوّاز بن سعد،/ الضبط بالتقعيد للمتشابه اللفظي في القرآن المجيد/ ص8. 2 الآبادي ، فيروز، القاموس المحيط/ص 3 مجمع اللغة العربية بالقاهرة/ المعجم الوسيط/ دار الدعوة بدون تاريخ/ ج 1/ 471. 4 سعدي أبو حبيب،1988م/ القاموس الفقهي، ط2،دمشق، دار الفكر/ص190.
عدد الصفحات ١٩20 وفي مشكل القرآن لابن ق تيبة:"و أصل التشابه: أن يشبه اللفظ في الظاهر و المعنيان مختلفان، قال الله عزّ و جل في وصف ثمر الجنة:﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابهًِا(25)﴾(البقرة) أي متفق المناظر، مختلف الطعوم. وأما عن معاني هذه المادة كما جاءت في القرآن بمختلف أوزانها و مشتقاتها فقد تناول ذلك( المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته) و لا بأس أن نذكر عنه ذلك فيما يلي: - 1-(مُشْتَبِهٌ﴿وَالزَّي ْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَي ْرَ مُتَشَابِهٍ َ( 99)﴾(الأنعام). (التقارب،التشابه). 2-(تَشَابَهَ[ )- أ-تشابه الرجلان: أشبه كل منهما الآخر:﴿ تَشَاب َهَتْ ق ُلُوب ُهُمْ قَدْ ب َي َّنَّا الآْياَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)﴾(البقرة) (التشابه). ب-تشابه الأمر:اختلط:أَمْ جَعَلُوا للََِِّّ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ف َتَشَابَهَ الخَْلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللََُّّ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 16)(الرعد) (الاختلاط 3-(مُتَشَابِهٌ) (اسم الفاعل) متفاعل- أ-يشبه بعضه بعضا، لونا أو جودة أو صورة، و يختلف طعما: وَالزَّي ْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَي ْرَ مُتَشَابِهٍ َ (99)(الأنعام). (التشابه ب-يصدق بعضه بعضا:اللََُّّ ن َزَّلَ أَحْسَنَ الحَْدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابهًِا مَثَانيَِ (23)(الزمر)، و قيل: يشبه بعضه بعضا في الإعجاز و النظم و التصديق. 4-(مُتَشَابهَِاتٌ فاعل/جمع مؤنث سا، و تحتمل أكثر من وجه في التأ ويل، أو غامضات لا تفهم معانيها:هُوَ الَّذِي أَن ْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آياَتٌ محُْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِاتٌ(8)(آل عمران) (الغموض
عدد الصفحات ٢٠21 5-(شُبِّهَو شبه عليه الأمر :التبس واختلط:وَمَا ق َت َلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ كِنْ شُبِّهَ لهَُمْ(157)(النساء) أي وقعت لهم الشبهة فظنوا أنهّم صلبوا المسيح و إنما صلبوا غيره (الغموض)1 الخلاصة بعد هذا العرض السري ع لمادة (شَبَهَ) في كتب اللغة و غيرها، نخلص إلى أنّ هذا اللفظ يطوف بين معنيين أساسيين كما ذكرنا في البداية: - 1-الأول: التماثل والتساوي، و قد يكون هذا التماثل شديدا، أو يكون في صفة أو جانب من الجوانب. وهذا المعنى الأول من معنيي التشابه هو الذي أخذ منه تسمية علم المتشابه اللفظي من آيات القرآن، وهو الذي يدور حوله مضمار هذا البحث إلا ما نذكره من الفرق بينه وبين المعنى الثاني من معني ي التشابه وهو الالتباس والخلط وعدم الوضوح الذي أخذ منه النوع الثاني من المتشابه؛ ألا وهو المتشابه المعنوي الذي يتعلق بفهم معنى الكلمة وتفسيرها على حقيقة ما تؤول إليه. 2-الثاني:الالتباس والخلط، وعدم الوضوح ، و تمييز المقصود من الكلام، إما لاحتماله معان متعددة، أو كونه من المغيبات، و التي يتجنب الخوض فيها اختيارا للأولى و الأسلم.2 وبعد انتهاءنا بالحديث عن المتشابه في اللغة نأتي إلى الحديث عنه في اصطلاح المتخصصين لنرى تعريفه عندهم فنقول: ثانيا: المتشابه في الاصطلاح:- 1 أحمد مختار بمساعدة فريق عمل، 1423ه2002م/ المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، ط 1، الرياض، السعودية/ ص بتصرف. 2 الجبالي،محمد رجائي أحمد، 2012م/ رسالة دكتوراه غير منشورة: توجيه المتاشابه اللفظي في القرآ ن الكريم بين القدامى و المحدثين: أحمد الغرناطي، و فاضل السامرّائي ، دراسة مقارنة/ ص:37.
عدد الصفحات ٢١22 بدأ ظهور اصطلاح المتشابه اللفظ ي بشكل مبدئي في عصر التابعين، وذلك عند تفسيراتهم للمحكم و المتشابه اللذان ورد ذكرهما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَن ْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آياَتٌ محُْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فيِ ق ُلُوبهِِمْ زَيْغٌ ف َي َتَّبِعُو نَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِت ْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأَْوِيلِهِ وَمَا ي َعْلَمُ تأَْوِيلَهُ إِلاَّ اللََُّّ وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ ي َقُولُونَ آمَنَّ ا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَْلْبَابِ ( 7)(آل عمران) وم ا جاء في قوله تعالى عن التشابه بين آيات كتابه العزيز في سورة الزمر: اللََُّّ ن َزَّلَ أَحْسَنَ الحَْدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابهًِا مَثَانيَِ ت َقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يخَْشَوْنَ رَب َّهُمْ ثمَُّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَق ُلُوب ُهُمْ إِلىَ ذِكْرِ اللََِّّ ذَ لِكَ هُدَى اللََِّّ ي َهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللََُّّ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)(الزمر و لنذكر عن بعض التابعين الذين روي عنهم تفسير المتشابه اللفظي في القرآن بما يقارب ما استقرّ عليه الاصطلاح في تعريف المتشابه اللفظي في القرآن الكريم قبل ذكره: - 1-روي عن مجاهد أنّه قال:" المتشابهات ما أشبه بعضه بعضا في المعاني و إن اختلف ألفاظه". 2-روي عن عبد الرحمن بن زيد أنّه قال:"المتشابه هو: ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة با ختلاف المعاني واتفاق الألفاظ ، وقصة باختلاف الألفاظ وات فاق المعاني". و ضرب له مثلا فقال:" إنّ قصة موسى تكررت في أمكنة كثيرة، وهو متشابه، وكله معنى واحد، و متشابهه: اسلك يدك، أدخل يدك..." 3-عن قتادة، قوله تعالى:اللََُّّ نزلَ أَحْسَنَ ا لحَْدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابهًِا الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. 4-عن السديّ (كِتَاباً مُتَشَابهًِا) قال: المتشابه: يشبه بعضه بعضا 5- عن سعيد بن جُبَير، في قوله تعالى:(كِتَاباً مُتَشَابهًِا) قال: يشبه بعضه بعضا، ويصدّق بعضه بعضا، ويدلّ بعضه على بعض.
عدد الصفحات ٢٢23 6-عن الحسن، في قولهاللََُّّ نزلَ أَحْسَنَ الحَْدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابهًِ ا مَثَانيَِ قال: ثنىّ الله فيه القضاء، تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها". هذه الروايات ذكرها ابن جرير الطبري في تفسيره 1. 7-ابن زيد في قوله: (مَثَانيَِ) مردّد، رُدِّد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء في أمكنة كثيرة 8- وقال ابن كث :"وَ قَالَ ب َعْضُ الْعُلَمَاءِ: وُيرْوى عَنْ سُفْيَانَ بْ نِ عُي َي ْنَةَ مَعْنىَ ق َوْلِهِ: { أَنَّ سِيَاقَاتِ الْقُرْآنِ تاَرَةً تكونُ فيِ مَعْنىً وَاحِدٍ، ف َهَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَتاَرَةً تكونُ بِذِكْرِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، كَذِكْرِ الْ مُؤْمِنِينَ ثمَُّ الْكَافِرِينَ، وَكَصِفَةِ الجَْنَّةِ ثمَُّ صِفَةِ النَّارِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، ف َهَذَا مِنَ الْ مَثَانيِ، كَقَوْلِهِ ت َعَالىَ: إِنَّ الأب ْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [14،13]وَكَقَوْلِهِ :كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَ فِي سِجِّينٍ [فِينَ7]كَلا إِنَّ كِتَابَ الأب ْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [18]هَذَا ذِكْرٌ وَإِن لِلْمُتَّقِينَ لحَُسْنَ مَآبٍ [49 ]، إِلىَ أَنْ قَالَ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّ اغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [55]، وَنََْوِ هَذَا مِنَ السِّيَاقَاتِ ف َهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْمَثَانيِ، أَيْ فيِ مَعْن َي َينِْ اث ْن َينِْ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ السِّيَاقُ كُلُّهُ فيِ مَعْنىً وَاحِدٍ يُشْبِهُ ب َعْضُهُ ب َعْضًا، ف َهُوَ الْ مُتَشَابِهُ وَلَيْسَ هَذَ ا مِنَ الْمُتَشَابِ هِ الْمَذْكُورِ فيِ ق َوْلِهِ: مِنْهُ آياَتٌ محُْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْ كِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِاتٌ [ عِمْرَانَ7]2. ونستخلص مما سبق ذكره من تفسيرات التابعين وبعض الصحابة: أن المتشابه بمعنى الآيات المكرّرات المتشابهة في معانيها و ألفاظها، له أصل في أقوال السلف، و يمكن القول بأنّه تأصيل و تأسيس لما اصطلح على تسميته ب "علم المتشابه اللفظي" كما سمّاه الرزكشي في البرهان تحت النوع الخامس، و ب : "الآيات المشتبهات " كما سماّه به السيو طي في الإتقان في النوع الثالث و الستون، كما سماه من قبل في كتابه " التحبير في علم التفسير" ب :" الأشباه". 1 الطبري، محمد ابن جرير، أبو جعفر، 1420ه-2000م، المحقق: أحمد محمد شاكر/ جامع البيان عن تأويل آي القرآن/ ط 1/ مؤسسة الرسالة، /ج 21،ص279-280. 2 ابن كثير، أبو الفداء، إسما عيل بن عمر،1420ه-1999م، المحقق:سامي بن محمد سلامة/ تفسير القرآن العظيم/ دار طيبة، ط 2/ ج7،ص94.
عدد الصفحات ٢٣24 أما علي ابن حمزة الكسائي الذي يقال أنّه أول من وصلنا كتابه في هذا العلم، فقد سمّاه ب :"مشتبهات القرآن" و في بعض نسخه:"متشابه القرآن" ،و سمّاه محمود ابن حمزة الكرماني في كتابه "البرهان في توجيه متشابه القر آن لما فيه من الحجة و البيان" ب :"متشابه القرآن" أيضا، و قد سبقه إلى هذه التسمية ابن المنادي. أما التعريف الاصطلاحي الذي عرف به هذا العلم عند غير التابعين الذين سبق ذكرهم ، فنجد أول محاولة لذلك عند الزركشي في البرهان حيث قال:" هو إيراد القصة الواحدة في صور شتى، وفواصل مختلفة، و يكثر في إيراد القصص و الأنباء" 1، ووافقه السيوطي على هذا التعريف في الإتقان، و علّق محمد طلحة بلال الميار على تعريف الزركشي فقال:"و يلاحظ على هذا التعريف أنّه يخصص موضع المتشابه بما يقع منه في القصص، و هذا حق، إلا أنّه غير منحصر فيها، بل يقع التشابه في غير القصص و الأنباء" ثم ذكر له تعريفً ا فقال:"هي الآيات المكررات في اللفظ بسياقها أو مع إبدال".2 ويمكن أن نأخذ تعريفا آخر لهذا العلم عند السيوطي في كتابه "التحبير في علم التفسير" فيقول عن تعريف المتشابه اللفظي:"هو الآيات المتشابه ة مما في إحدى المتشابهتين مما ليس في الأخرى من تقديم أو تأخير أو زيادة". 3 وهذا التعريف أشمل مما س بق ذكره عن الزركشي في البرهان و تبعه السيوطي عليه في الإتقان، فتعريف الإمام السيوطي للمتشابه اللفظي في القرآن في كتابه "التحبير في علم التفسير" أحسن مما ذكره ب عد ذلك في الإتقان، لأنّه ألّف التحبير أوّلا، ثم ألّف الإتقان بعده. 1 الزركشي، بدر الدين، محمد بن بهادر ابن عبد الله، 1391ه ، المحقق:محمد أبو الفضل إبراهيم/ البرهان في علوم القرآن/ دار المعرفة، بيروت /ج1،ص112. 2 الميار، محمد طلحة،/إعانة الحفاظ على ضبط الآيات المتشابهة في الألفاظ/ ص:93. 3 السيوطي، عبد الرحمن بن كمال، 1421ه-2001م/التحبير في علوم التفسير/ دار الفكر، بيروت، لبنان/ص110 .
عدد الصفحات ٢٤25 وعرّفه الدكتور محمد رجائي أحمد الجبالي بقوله:" هو تكرار اللفظ في الآية أو في السورة، أو في سور شتىّ، دون تكرار المعنى، و قد يتطابق المتشابه اللفظي في المبنى، لكنّه يختلف في المعنى و الغرض".1 وهذا تعريف حسن ، و لكن يلاحظ على قوله في أول التعريف:" هو تكرار اللفظ في الآية" عدم شموله لأنواع التشابه بين الآيات، لأنّ التكرار في الآيات القرآنية أحيانا يكون في لفظ واحد و أحيانا يكون في ألفاظ متعددة، وقد يكون في جمل، و غير ذلك. وعرّفه الراغب الأصفهاني في كتابه"المفردات في غريب القرآن" بقوله:" والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إمّا من حيث اللفظ أو من حيث المعنى".2 وهذا التعريف إذا تأمّلناه سنلاحظ أنّ ه اشتمل على نوعين من التشابه و هما:- 1-التشابه من جهة اللفظوهو موضوع حديثنا، و هو الذي اصْطُ لِحَ على تسميته ب " المتشابه اللفظي" أو "متشابه القرآن" أو "الآيات المتشابهة" كما ذكرنا ذلك قبل قليل. 2-التشابه من جهة المع:و هذا النوع من التشابه هو ا لذي يسمى ب "المتشابه المعنوي" وهو ضد المحكم، و هو الذي جاء ذكره في سورة آل عمران في قوله تعالى: هُوَ الَّذِ ي أَن ْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آياَتٌ محُْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فيِ ق ُلُوبهِِمْ زَيْغٌ ف َي َتَّبِعُ ونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِت ْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأَْوِيلِهِ وَمَا ي َعْلَمُ تأَْوِيلَهُ إِلاَّ اللََُّّ وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ ي َقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُ و الأَْلْبَابِ ( 7)(آل عمران)، وقد وقع اختلاف شديد و عويس ب السلف و الخلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، و العلماء من بعدهم في تفسيرات المحكم و المتشابه من آيات القرآن و تبعا لذلك اختلفوا: هل يجوز أن يقال:في القرآن شيء لا يعلم معناه؟، و هل 1 الجبالي،محمد رجائي أحمد، 2012م/ رسالة دكتوراه غير منشورة: توجيه المت شابه اللفظي في القرآن ال كريم بين القدامى و المحدثين: أحمد الغرناطي، و فاضل السامرّائي ، دراسة مقارنة/ص:48. 2 الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، بدون تاريخ/المفردات في غريب القرآن/ المكتبة التوفيقية/ص 257.
عدد الصفحات ٢٥26 يجوز كذلك أن يخا طبنا الله بما لا نعلم معناه؟، و من أراد الاستقصاء في معرفة هذا الخلاف فعليه بمراجعة ما ذكره الزركشي في البرهان ، و السيوطي في الإتقان،1، والشوكا "فتح القدير".2 وقد ظهر للباحث بعد البحث و التتبع عن المتشابه اللفظي في القرآن الكريم ، أنّ البعض قد خلّط الحديث بين نوعي المتشابه(اللفظي والمعنوي) و بعض المؤلفات في هذا الموضوع تذكر الكتب المؤلفة في المتشابه اللفظي، مع أنهّا تتحدث عن المتشابه الذي هو ضد المحكم أو ما سمي بالمتشابه المعنوي، فمثلا الدكتور حسين نصّار، ألّف كتابا باسم "المتشابه" و اقتبس في أول الكتاب من مقال الإمام السيوطي في معترك الأقران في إعجاز القرآن قوله:" الوجه التاسع من وجوه إعجازه: إنقسامه إلى محكم و متشابه" و ذكر كذلك في آخ ر الكتاب مؤلفات في المتشابه، ولم يميّز منها ما كان في المتشابه الذي هو ضد المحكم، و ما كان في المتشابه اللفظي من آي القرآن ،و لنذكر بعض هذه المؤلفات التي ذكرها: - 1-"متشابه القرآن" أو "الرد على الملحدين في متشابه القرآن" أو "ما سأل عنه الملحدون من آي القرآن" هذه الأسماء الثلاثة هي اسم لكتاب واحد ، لمحمد بن المستنير المعتزلي المعروف ب "قطرب". 2-"متشابه القرآن لأبي سهل بشر بن المعتمر الهلالي المعتزلي رئيس معتزلة بغداد، (ت: 210.) 3-متشابه القرآن لأبي الهذيل محمد بن عبد الله المعتزلي الملقب ب "العلاّف"،(ت:235.) 4-"متشابه القرآن" لأبي الفضل جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي (ت: 236.) 5-"متشابه القرآن" لأبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي من أشهر المعتزلة، و إليه انتهت رئاسة المعتزلة في عصره، (ت: 303.) 1 انظر النوع السادس و الثلاثون 36) في البرهان للزركشي، و النوع السادس و الأر بعون(46) في الإتقان 2 الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، 1414ه/فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفس دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت،ط1/ج1،360.
عدد الصفحات ٢٦27 هذه الكتب الخمسة ذكرها الدكتور حسين نصار ، و كلها تحمل اسم متشابه القرآن ، و هي لرجال من المعتزلة، و هناك مؤلفات غيرها للمعتزلة تحمل هذا الاسم و لم يذكرها الدكتور حسين نصار و هي:- 6- "المتشابه في علم القرآن" لأبي الحسن علي بن عيسى الرمّاني المعتزلي(ت:384ه 7-"متشابه القرآن " لأبي الحسن قاضي القضاة عماد الدين عبد الج بار بن أحمد من معتز لة البصرة، و الكتاب مطبوع ، و قد ذكر ابن نديم في الفهرست تحت الكتب المؤلّ فة في متشابه القرآن ، كثير من مؤلفات المعتزلة ، و هو خير من يذكر عنهم هذه المؤلفات لأنّه معتزلي أيضا.1 وقد بدا للباحث أنّ المعتزلة اهتموا بالمتشابه الذي هو ضد المحكم، و ألّ فوا في ذلك مؤلفات يشرحون و يفسرون فيها آيا ت القرآن عامة، وآيات الصفات والعدل و التوحيد ، على ما يوافق مذهبهم، فمن يطالع كتاب القاضي عبد الجبار المعتزلي "متشابه القرآن" يفهم ذلك عنهم ، و قد ذكر ذلك في مقدمة كتابه. 2 ونعود إلى استمرار ذكر المؤلفات في المتشابه ال ذكرها الدكتو ر حسين نصّار و منها:- 6-"مك التأويل القاطع بذوي الإلحاد و التعطيل في توجيه متشابه اللفظي من آي التنزيل" لمحمد بن جعفر بن الزبير الغرناطي(ت: 708ه 7-" درّة التنزيل وغرّة التأويل لأبي عبد الله الخطيب الإسكافي(ت:421ه 8-"البرهان في توجيه متشابه القرآن القاسم محمود بن حمزة الكرماني(ت: 505ه 9-"مشتبهات القرآن " لعلي بن حمزة الكسائي(ت: 169ه3 وهذه المؤلفات كلها مطبوعة ، و هي ظاهرة بشكل وا ضح أنهّا في أحد نوعي المتشابه وهو المتشابه اللفظي، و ليس المتشابه المعنوي الذي هو ضد المحكم. 1 ابن نديم،محمد بن إسحاق أبو الفرج، 1417 ه- 1997 م ،المحقق إبراهيم رمضان/الفهرس ت/دار المعرفة - بيروت – لبنان، ط2/1/56 . 2 و انظر: عبد العزيز حاجي، 1424ه-2003م/تفسير آيات العقيدة/دار الصابوني،القاهرة،مصر/ج 2/673-679. 3 الدكتور،حسين نصّار1424ه-2003م/المتشابه/مكتبة الخانجي، القاهرة،مصر،ط 1/153-155.
عدد الصفحات ٢٧28 الخلاصة و خلاصة ما ذكرناه فيم ا سبق؛ أنّه حدث خلط و عدم تمييز، عند بعض العلماء و الباحثين، فلم يفرقوا بين نوعي المتشابه -كما استقرّ عند العلماء المحققين المتخصصين- عندما يتحدثون عنه. و مما نؤكد به ما ذكرنا من أنّ المتشابه الذي ورد ذكره في القرآن نوعان، هو ما ذكره الزركشي في البرهان فقال: " وقال بعضهم المتشابه اسم لمعنيين: 1- أحدهمالما التبس من المعنى لدخول شبهة بعضه في بعض نَو قوله:" إن البقر تشابه علينا". والثاني اسم لما يوافق بعضه بعضا ويصدقه قوله تعالى :"كتابا متشابها مثاني". ثم علّق الزركشي قائلا: "فإن كان المراد بالمتشابه في القر آن الأول؛ فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول إلى مراده ، وإن جاز أن يطلعهم عليه بنوع من لطفه ، لأنه اللطيف الخبير، وإن كان المراد الثاني ، جاز أن يعلموا مراده ".1 1 الزركشي، بدر الدين، محمد بن بهادر ابن ع بد الله،1391ه / البرهان في علوم القرآن 2/74.
عدد الصفحات ٢٨29 المبحث الثاني:أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكر لقد اختلف العلماء والباحثون في تصنيف و تقسيم أنواع التشابه ، و الاختلاف بين آيات القرآن، فلا تكاد تّد فيها اتفا ق اثنين منهم على هذا التصنيف، و ذلك لأنّ كل عالم أو باحث في هذا الموضوع ، ينظر فيها في جد أمامه جمّا غفيراً من الصور والأشكال و الهيئات والأحوال المختلفة من الآيات التي تشبه بعضها بعضا في الألفاظ، فتراه يحاول فهم نوع هذا التشابه و الاختلاف، فيسلك في استخراج ذلك طريقته الاجتهادية في ذكر نوعها أو شكلها، فممن حدّد نوعية التشابه بين الآيات المتشابهات من المصنّفين في هذا العلم:- 1-الإمام ابن المنادي في كتابه"متشابه القرآن العظيم 2-عبد الرحمن ا بن الجوزي في كتابيه: "فنون الأفنان في عيون علوم القرآن" و"المدهش في الوعظ". 3-بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي في كتابه:"البرهان في علوم القرآن 4-محمد فاضل السامرّائي في دراسته المتشابه اللفظي في كتاب ملا ك التأويل لابن الزبير الغرناطي بعد أن ذكر تصنيف الزركشي لأنواع المتشابه اللفظي في البرهان. 5-محمد طلحة الميّار في كتابه"إعانة الحفاظ على ضبط المتشابهات في الألفاظ 6-الدكتور فاضل صالح السامرّائي في كتابه:"التعبير القرآ والآن نبدأ بذكر تصنيف ابن المنادي لأنّه أول من حاول ذكر أنواع التشابه بين الآيات المتشابهة في كتابه"متشابه القرآن العظيم": - 1-التصنيف الأول: تصنيف ابن المنادي:- 1-التقديم والتأخير. 2-الجمع والتوحيد.
عدد الصفحات ٢٩30 3-الإبدال 4-الإظهار والإدغام. 5-التأنيث والتذكير. 6-أواخر الآي (وهو ما يسمى بفواصل الآي).1 2-التصنيف الثاني:تصنيف ابن الجوزي:- و أما ابن الجوزي فقد اقتصر في ذكر أنواع الم تشابه اللفظي على ثلاثة أنواع و هي:- 1-الإبدال 2-الزيادة و النقصان. 3-التقديم والتأخير. 3-التصنيف الثالث:تصنيف الزركشي - و قد اقتصر على ذكر ثمانية أنواع له و هي: 1-الأول: أن يكون في موضع على نظم وفى آخر على عكسه وهو يشبه رد ا لعجز على الصدر ووقع في القرآن منه كثير. 2-الثا: ما يشتبه بالزيادة والنقصان. 3-الثالث: التقديم والتأخير وهو قريب من الأول. 4-الرابع: بالتعريف والتنكير. 5-الخامس: بالجمع والإفراد . 1 انظر:الميّار محمد طلحة،إعانة الحفاظ/ص190.
عدد الصفحات ٣٠31 6-السادسإبدال حرف بحرف غيره. 7-إبدال كلمة بأخرى 8-الإدغام وتركه. 4-التصنيف الرابع: تصنيف محمد فاضل السامرّائي:- قال الدكتور محمد فاضل صالح السامرّائي بعد أن ذكر تصنيف الزركشي:" و يمكن أن نضيف إلى الأقسام التي ذكرها الزركشي أقساما أخرى و هي:- 1-مل اختلف في التوكيد و عدمه. 2-ما اختلف في صيغ الوصف 3-ما تباين في صيغ جموعه 4-ما اختلف من حيث التجرد و الزيادة. 5-ما اختلف في أحرف الزيادة 6-ما اختلف فيه الفعل من حيث البناء للمعلوم و المجهول. 7-ما اختلف فيه الفعل من حيث التذكير و التأنيث. 8-التكرار 1 5-التصنيف الخامس:تصنيف محمد طلحة الميّار يقول في كتابه:"إعانة الحفاظ على ضبط الآيات المتشابهات في الألفاظ" بعد أن ذكر تصنيف بعض العلماء للتشابه اللفظي في القرآن :و في رأي أنّه يمكن تفشيم الإبدال إلى قسمين:- 1 السامرّائي،محمد فاضل،2011م المتشابه اللفظي في كتاب ملاك التأويل لابن الزبير الغرناطي/دار عمار،عمّان،المملكة الأردنية/ص:24.
عدد الصفحات ٣١32 1-القسم الأول:إبدال كلي : وذلك بتغيير صيغة اللفظ، ويكون له صور و هي: 1-إبدال حرف بآخر 2-إبدال كلمة بأخرى من لفظها 3-التعريف و التنكير. 4-الجمع والإفراد 5-التأنيث والتذكير 6-الإظهار والإدغام.1 6-التصنيف السادس:تصنيف فاضل صالح السامرّائي: وقد قسّمه إلى خمسة أقسام و تحت بعض الأنواع أقسام وهي: - 1-التقديم و التأخ 2-الذكر و الحذف: و قسمّه إلى قسم- القسم الأول:قد يحذف في التعبير القرآني لفظ أو أكثر، حسبما يقتضيه السياق فقد يحذف حرفا أو يذكره أو يجتزئ بالحركة ، للدلالة على المحذوف، كل ذلك لغرض بلاغي تلحظ فيه غاية الفنّ و الجمال. القسم الثاني:و هو أن يذكر في موطن ما لا يذك ره في موطن آخر يبدو شبيها به، و ليس عدم ذكره من باب الحذف، و إنمّا هو قد يزيد لفظا أو أكثر مراعاة لما يقتضيه السياق أو يستدعيه المقام. 3-التوكيد:وقد قسّمه إلى عشرة أقسام وهي:- 1-الإتيان بالم التي تفيد التوكيد في مكان، و عدم الإتيان به في مكان آخر. 2-إدخال نون التوكيد على الفع ل في الموضع الذي يقتضيه و تركه فيما لا يقتضيه. 3-التأكيدب "إن" في موضع و عدمه في موضع آخر. 4-التوكيد بالحروف الزائدة في موضع و تركها في موضع آخر. 1 الميّار،محمد طلحة/إعانة الحفاظ على ضبط الآيات المتشابهات في الألفاظ/ص:187-188.
عدد الصفحات ٣٢