كهنة الإلحاد 130 فالجواب الديني يقدِّم للعاقل المُنصف ما لا تُقدمه الفرضيات الإلحادية الهاربة من فخ المعايرة الدقيقة للكونFine tuning، والمعايرة الدقيقة لحظة الخلق، والتشفير في الكائنات الحية Coding، وهي أمور تدعو للتسليم بخالق واعٍ حكيمٍ قادر . ففرضية مُصمم ذكي من كونٍ آخر أو UFO أو غرباء زاروا الأرض، هذا ليس جوابا في حد ذاته وإنما هو إرجاء المطلب المعرفي الذي يرومه السائل إلى درجة من درجات تسلسل لا نهائي لا يوصلنا إلى جواب البتة! فما فعل المُلحد بهذا في الحقيقة إلا أن أضاف في الطريق إلى إثبات العلة الأُولى الفاعلة- الله -، افتراض ا متهافت ا لعلةٍ وسيطة لا يجد العقلاء من القرائن ما يوحي - ولو من بعيد - بوجودها أصلا ! لكنه الهروب من التكليف الديني إلى دين بلا قيود ولا إلزامات، إنه دين اليوفو دين الملاحدة الجديد! إن مشكلة الملاحدة مشكلة نفسية بالأساس، تتمثل في كراهيتهم الدخول في مقتضيات إثبات ذلك الخالق الغيبي، التي هي وجوب الخضوع لأمره ونهيه وتألهه وعبادته! ثم إن من مسلمات مُعطياتنا عن حدث الخلق الأول سواء ا للكون أو الحياة؛ أن منظومة الخلق تلك جاءت بنواميس وقوانين كونية حتمية، فكيف يُقال: إن الغرباء الذين هم داخلون في جملة تلك النواميس وخاضعين لها، قاموا بكسر تلك النواميس والقوانين وأوجدوا عندنا حياة؟ (1) . لكن يبدو أن الحاد الجديد مضطر إلى التسليم بفرضيات من هذا القبيل؛ لأنها الوحيدة المتاحة في مقابل الدين! لكن هذه الفرضيات لا تحل المشكلة بل ربما مع الوقت تطرح تساؤلات فلسفية أعمق، وللمرء أن يتساءل لماذا الإقدام على فرضيات غاية في الغرابة والدهشة والبُعد عن التجريب والاختبار والرصد الإمبريقي كتلك الفرضيات؟ (1) المصدر السابق، ص011.
عدد الصفحات ١٢٩131 كهنة الإلحاد إن هذه الفرضيات هي فقط ترحيل للمشكلة إلى حيث نكون غير موجودين وانتهى الأمر على ذلك! ثم إن عملية إبداع مصمم بهذا الذكاء هي عملية مدهشة للغاية، وتحتاج إلى قوانين خاصة هي الأخرى، وبالتالي ربما نكتشف أن الذين افترضوا هذه الفرضيات سيجابَهون يوم ا ما بإلزامات ماورائية أعظم بكثير مما لو كانوا تخلَّوا عن تلك الفكرة.. إننا ننتقل خطوة ما ورائية أعلى وأكثر عمق ا بهذه الفرضيات! أضف إلى ذلك أن هذه الطريقة الفلسفية للهروب من المُشكلة تُناقض شفرة أوكام Occam's razor وهي شفرة فلسفية،وطبق ا لهذه الشفرة فإن أبسط التحليلات لمشكلة معقدة هي الصحيحة، وينبغي اختيار أبسط نظرية تناسب حقائق المعضلة، لكن هؤلاء الملاحدة الجدد يختارون أعقد نظرية، فخالفوا المعقول والمنظور والمأمول! إن التسليم لله هو نهاية قصة المصير الإنساني سواء شئنا أم أبينا، إنه الاستجابة المُثيرة للقضية الإنسانية الكُبرى. إن الإسلام لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا مُحرماته، وإنما من شيء يشمل هذا كله ويسمو عليه - من حقيقة التسليم لله- إنه استسلام لله، والاسم إسلام!
عدد الصفحات ١٣٠كهنة الإلحاد 132 إسقاط أُسطورة إله أسبينوزا كان أينشتاين يؤمن في أغلب فترات حياته بإله أسبينوزا، حيث يعتقد أن قوانين الكون تؤلف سُلطة مُهيمنة على الكون، وأن الإ له هو تلك القوانين وهو تلك السُّ لطة المُطلقة العجيبة. وهذه الفكرة الحلولية قام بالتأصيل لها باروخ اسبينوزا الباحث اليهودي في القرن السابع عشر واعتبر أن الجوهر هو الطبيعة والله معا ، فهو يتصور أن الطبيعة والله هما وجهان لنفس الصفحة .. وهذه الفلسفة استمدها اسبينوزا من موسى بن ميمون العلامة اليهودي القرطبي، الذي عاش في بلاد الإسلام طيلة عمره وانتقل من قرطبة إلى القاهرة، وتأثر بالمدارس الكلامية والفلسفة الصوفية في الحلول والاتحاد. لم يُلحد أينشتاين يوم ا ما، وكان يعتبر فكرة الإلحاد فكرة سخيفة وتعود في الأصل إلى حماس الشباب في الهروب من الأدلجة الدينية، وكان يُصنف نفسه بالفيزيائي المؤمن كما جاء في رسالة العزاء التي أرسلها إلى عائلة رفيقه الإيطالي ميشيل بيسو. لكنه في المقابل كان يرفض فكرة الإله القومي اليهودي - إله الشعب المختار الذي لا يقبل أحدا من العالم إلا الذي جاء من نسل أبوين يهوديين -، ولذا تمرَّد على ديانت ه اليهودية وقال كلمته الشهيرة "أؤمن بإله أسبينوزا، الذي يكشف نفسه في التناغم القانوني في كل ما هو موجود". إذن التناغم القانوني هو شرط هذا الإله وصِفته الأصيلة التي لا يُعرف إلا بها! ولذا اهتز أينشتاين بشدة عندما وصلته نتائج ميكانيكا الكم، لأن هذه النتائج تُفرز صخب ا لا قانون ا متناغم ا، ولذا وصف ميكانيكا الكم في خطاب له إلى صديقه ميشيل بيسو في ديسمبر عام 1475 بأنها" معادلات من صميم السحر الأسود". وقد اعتبر أينشتاين أن ميكانيكا الكم تنسف فلسفة اسبينوزا القائمة على التناغم القانوني في الكون، وأرسل رسالة إلى صديقه ماكس بورن في 0 ديسمبر1471 قال فيها" الله لا يلعب النرد " God doesn't play dice
عدد الصفحات ١٣١133 كهنة الإلحاد ولم يتوقف أينشتاين عند هذا الحد، بل إنه في عام 1405 بمساعدة اثنين من العلماء وهما Boris Podolsky and Nathan Rosen أو إختصار ا للثلاثة EPR قرر الثلاثة أن يضعوا حد ا لقفزات ميكانيكا الكم وقام الثلاثة بنشر ورقة بحث بعنوان " هل توصيف ميكانيكا الكم للحقيقة يعتبر كاملا ؟" Albert Einstein, Boris Podolsky, and Nathan Rosen, "Can Quantum-Mechanical Description of Physical Reality Be Considered Complete?"Physical Review 47 (1935), p. 777 )1( . وفيها أوضح العلماء الثلاثة أن ميكانيك الكم تفترض أن الفوتونين الناتجين عنتحلل ذرة البوزيترونيم positronium، إذا انطلقا وسافرا وصارت المسافة بينهما حتى عشر سنوات ضوئية فإنه يمكن حصرهما بل وقياس زاوية الاستقطاب بدقة، وفي حالة أنه تم قياس زاوية الاستقطاب لكلا الفوتونين وتبين أن القياس متطابق، إذن لابد أنهما تواصلا لحظي ا حتى يعرفا أي زاوية من زوايا الاستقطاب سيتبعان، وهذا مستحيل لأنهما لو تواصلا لحظي ا بمجرد وضعهما تحت الرصد فهما إذن تواصلا بسرعة أكبر من سرعة الضوء، وبالتالي انتقلت المعلومة بينهما بسرعة أكبر من سرعة الضوء، وهذا مستحيل علمي ا طبقا لنظرية النسبية الخاصة. لذا فقد قرر أينشتاين أن نيلز بور باستنتاجاته تلك سيفتح الباب واسع ا لكل المتناقضات وأن ميكانيكا الكم بها خطأ جوهري.. فكيف يتواصل فوتونان لحظي ا؟ كيف تنتقل المعلومة بينهما بسرعة أكبر من سرعة الضوء؟ كل هذه الحرب الشعواء مِن قِبل أينشتاين مُستخدم ا أسلحة العلم للدفاع عن إله أسبينوزا.. وما أن جاء عام 1417 إلا وتبين معملي ا وتجريبي ا أن أينشتاين كان على خطـأ، فقد أثبت الفيزيائي الفرنسي آلين أسبكت Alain Aspect وفريقه صحة ما ذهب إليه نيلز بور، فقد (1) http://en.wikipedia.org/wiki/EPR_paradox.
عدد الصفحات ١٣٢كهنة الإلحاد 134 أثبتـا عمليـ ا أن الفوتونات فعلا تستطيع لحظي ا أن تتواصل فيما بينها بغض النظر عن المسافات الفاصلة بينها هل هي عشرة أمتار أو عشر سنوات ضوئية أي أن المعلومة تسافر أسرع من الضوء.... بل سرعتها آنية لحظية (1) . ومنذ سنوات قليلة تم تأكيد الأمر بأدلة تجريبية أُخرى في مفاعل جيو133 وفي أماكن أُخرى من العالم..فيما يعرف بمُعضلة التأثير الشبحي ع ن بُعد. لكن لماذا لم يستوعب أينشتاين ميكانيك الكم - مع أن نوبل التي حصل عليها كانت في ميكانيك الكم، بل إنه هو الذي صَّك كلمة كوانتم -.. لماذا يتمرد على تلك الفيزياء الوليدة لماذا كان يحاربها حتى وفاته -مع أنه يعلم بداخله يقين ا أن كل التجارب في مصلحتها -؟ مشكلة أينشتاين كانت في عقيدته .. عقيدة إله أسبينوزا .. عقيدة الحلول والاتحاد .. عقيدة الإله الذي يحل في قوانين الطبيعة.. لو كان أينشتاين آمن بالإله العظيم البائن من خلقه - المنفصل عن مخلوقاته - الإله الذي ليس كمثله شيء الذي يعرف كيف يخلق ويختار بين الإحتمالات، وبالتالي فهو فعلي ا لا يلعب النرد، لو كان فعل ذلك لما وقع في تناقض عاش فيه طيلة عمره، ولما توقفت أبحاثه العظيمة ببزوغ فجر ميكانيك الكم ولما مات في أمريكا بعد عقودٍ من فشلٍ يتلوه فشل في مسألة التوحيد بين القوى الأربع في الطبيعة. لقد كان- أبو ميكانيك الكم - دوم ا يقول لأينشتاين " إنك لن تستطيع أن تفرض على الله كيف يتصرف في العالم". لم يتفهم أينشتاين هذه الحُجة لإيمانه العقيم ب إله أسبينوزا. فمشكلة أينشتاين الحقيقية أنه كان يفترض العالم واجب ا وقوانينه واجبة وليس احتمالي ا ولذا كانت صدمته كبرى من ميكانيك الكم، ولذا كان يقول: " إنني دوما أتساءل هل كان لله اختيار آخر غير خلق هذا العالم؟". (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Alain_Aspect.
عدد الصفحات ١٣٣135 كهنة الإلحاد فهو كان يرى العالم واجب ا لكن ميكانيك الكم أثبت أن العالم احتماليٌ ووجوده ممكن لا أكثر.. وهذا ينسف المنظومة الفلسفية عند أينشتاين في عقيدته بخصوص إله أسبينوزا. ربما لو عاش أينشتاين للعام 7317 ورأى بعينه جائزة نوبل في الفيزياء تُمنح لعالمين في فيزياء الكوانتم لأبحاثهما في إمكان العالم واحتماليته لا أكثر، ربما ساعتها كان سيتراجع لكنه عاش في فترة رأى فيها بعيني رأسه النجاحات المتتالية لميكانيك الكم تجتاح العالم كله، ورأى إله أسبينوزا أسطورة تتبخر وأن العالم ليس واجب ا وإنما احتماليٌ وكان من الممكن ببساطة ألا يخلقه الله، لكن سيطرت عليه دوغما وحدة الوجود حتى وفاته! فسبحان الله القيوم الذي إذا أراد شيئ ا كان [ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ] {81}.
عدد الصفحات ١٣٤كهنة الإلحاد 136 المحرك الأول عند أرسطو المُحرِّ ك الأول عند أرسطو، أو الإله الذي خلق الكون ثم تركه، هذه آخر مغالطات الملحد التي يستخدمها بعد فشله في كل ألاعيبه وسفسطاته الالحادية وبعد إقراراه بالمُسبِّب وتسليمه بحِكمة الص نع والمعايرة الدقيقة للوجود! ففكرة المحرك الأول عند أرسطو، هي انتقال من إشكال الإلحاد إلى إشكال الربوبية. وفكرة المحرك الأول أصبحت فكرة أسطورية الآن. فقد ثبت أن نظام حياتنا ووجودنا كله يعمل بطريقة تخالف القانون الثاني للثرموديناميك، وهذا قانون كوني يحكم الكون بدء ا من الذرة إلى المجرة وهذا القانون ينص على أن كل شيء في الكون يتجه نحو البرودة ونحو التفكك ونحو الانهيار، وفي لحظةٍ ما في المستقبل سيصل الكون إلى الموت الحراري thermal death of universe، لكن منظومة الحياة تسير على العكس من ذلك تمام ا فهي تسير نحو التعقيد ونحو البناء والنمو المطردين، ولذا فمنظومة الحياة تسير عكس القانون الثاني للثرموديناميك، ولذا لابد من تدخل أعلى، تدخل مباشر كل فيمتو ثانية - والفيمتو ثانية هي أقل زمن ممكن لرصد حدوث تفاعل كيميائي حيوي-، فالتدخل المباشر هو الضمان الوحيد لاستمرارية الحياة، ولولا هذا التدخل ما كان للحياة أن تخطو خطوة واحدة للأمام، بل كان على كل شيء أن يتفكك مباشرة لا أن يتعقد وينمو. فالله الخالق وهو الحافظ للحياة، وتستمد الحياة منه باستمرار كيانها وقيمتها فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه، والحمد لله رب العالمين!
عدد الصفحات ١٣٥137 كهنة الإلحاد هل النسبية المعرفية لها وجود؟ هل النسبية تراكم احتمالي في الذات أم تراكم وجودي؟ هل النسبية تراكم معرفي أم تراكم فيزيقي؟ هل النسبية زخم احتمالي تصوري، أم كومة مادية!؟ هل النسبية شيء قائم بالذات – شيء معرفي إبستمولوجي -، أم شيء له وجود أنطولوجي مادي!؟ هذا السؤال ينسف نسبية الأخلاق ونسبية المعرفة ونسبية المعطيات بوجهٍ عام، ويؤكد مثالية الوجود ومطل قية الأخلاق، ويثبت انهيار المنظومة الإلحادية في تفسير الظاهرة الوجودية. لو قال الملحد أن النسبية شيء له وجود أنطولوجي مادي، قلنا إذن لا يوجد قوانين ولا علم ولا فكر وتكون حتى هذه العبارة " النسبية شيء له وجود أنطولوجي مادي " نسبية هي الأخرى، وساعتها يسقط التمايز ولا نعرف ما هو أسفل ولا ما هو أعلى ولا ما هو كبير ولا صغير، وبداهة هذه سفسطة لم يقل بها حتى المجانين، فالعلم له قوانينه وللحياة كينونتها المستقرة وللعقل مبادئه، ولولا هذه الأساسيات ما حدث تقدم يُذكر في حياة البشر وما وُجد بشر أساسا .! ولو قال الملحد أن النسبية شيء له وجود معرفي إبستمولوجي فكري، قلنا هذه مصيبة أكبر من سابقتها لأنها تعني نسبية هذه العبارة أيض ا وعدم جديتها وتعني عدم جدوى الفكر أو جدوى نتائجه، وبالتالي كل أفكار البشرية لغوٌ فارغ، لكن البديهة المُركبة في البشر على العكس من ذلك تمام ا ألا وهي الاستقرار على النتائج الفكرية، ثم الانتقال منها إلى غيرها وهذا يعني وجود حقائق فكرية يمكن الوصول إليها والاستقرار عليها، ثم الانتقال منها إلى غيرها! إذن لا يوجد شيء يُسمى نسبية في هذا الوجود المادي ولا في الوجود الفكري الإبستمولوجي. والذي يتخذ النسبية منهج ا له هو يعتبرها حقيقة مطلقة فوقع في التناقض الذاتي.
عدد الصفحات ١٣٦كهنة الإلحاد 138 والاختلاف بين البشر ليس مرجعه النسبية كما يحاول أن يُصور لنا الملحد الكاهن وإنما مرجعه أن كل صنف من البشر يحرص أشد الحرص على ما يعتنقه لا أكثر. إذن النسبية خرافة أسطورية يروجها ملحد ماكر ويصدقها ربوبي فاشل، ولا وجود لها إلا داخل افتراض جدلي يفتقد الوجود الأنطولوجي والإبستمولوجي معا !
عدد الصفحات ١٣٧139 كهنة الإلحاد
عدد الصفحات ١٣٨كهنة الإلحاد 140 قال الله تعالى: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] [الطور: 05-01]. يُقرِّر القرآن الكريم أن العدم null لا يصنع شيئا [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {75}، وهذه بداهة عقلية مركوزة في الأذهان. إن برهان السببية في هذا الإطار أعلى من القانون، بل وعليه تقوم جميع علوم الدنيا ومقاصد الغايات، ولولا هذا البرهان القبلي – أي الذي يسبق أي تجربة- لما سلَّمنا بصحة تجربة ولا قضية ولا مُبرهنة ولا فكرة، ولصارت جميع علوم الدنيا لغو ا فارغ ا، ولصار مهرجو السيرك أكثر مصداقية من العالِم والفلكي والفيزيائي والمُفكر، فلولا اليقين العلمي من نتائج التجربة - ونتائج التجربة هي إحدى مسلمات السببية والدليل على صحتها - ما قام علم ولا استقرت فكرة ولا استوعبنا قضية في الدنيا، وبما أنه يوجد عِلم وبما أنه توجد حقائق علمية وأٌسس نظرية يستقر عليها الإنسان ثم ينتقل منها إلى غيرها، يبقى برهان السببية دليلا جوهري ا وأصيلا على إثبات الموجِد والخالق، وعلى صحة القضية ال تي نحن بصددها. ولم يَكفُر بمبدأ السببية إلا الملحد وعليه قبل أن يَكفر بالسببية أن يَكفر اضطرار ا بكل علوم الدنيا، وببدهيات عقله حتى يتسنى له أن يحيا في اتساقٍ مع إلحاده . فلا يوجد شيء يسير في هذا الكون بلا قانون، فالكل مُسخَّر تماما ، بمنتهى السببية من المِ جرة إلى ما دون الذرَّة، وحتى التذبذب الكمومي يخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا يستطيع أن يتمرد على أُسس الميثودولوجيا السببية. ولذا عندما حاوَل بشر ما بعد الأنبياء في أزمنة الفترات أن يتمردوا على التوحيد النقي، وأن يُسقِطوا تجسدات الإله في الشمس أو في الكواكب أو في تصاريف الطبيعة، كان الرد القرآني مستهجنا ، وموضح ا تخريف هؤلاء بأن كل ما حولك في الطبيعة مُسخَّرٌ ومُسَيَّرٌ في قوانين صارمة، فكيف تعبده [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ] {54}.
عدد الصفحات ١٣٩141 كهنة الإلحاد فلا يستحق العبادة إلا الخالق، ولا يستحق أن يكون له الخلق والأمر إلا الله، فتبارك الله رب العالمين، فالله هو المُسيِّرُ لتلك الأجرام بالسببية، ومحاولة التشكيك في برهان السببية هي محاولة للقضاء على إمكانية قيام علم طبيعي ذو قوانين ثابتة وكلية وضرورية. إذن نقد السببية هو نقد لكل علوم الدنيا وأصول القواعد وكليات البدهيات! ولا أدري كيف لمُلحد أن يُعمِل السببية في معمله ويُسِّلم بوجودها ويُسلِّم بيقينية مُعطياتها، ويُسلم بنتائج تجاربه، ويُعمل السببية في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ في حياته الشخصية وفي بحثه وحاله ومآله، ثم يوقف السببية في أصل كل هذه الأمور، ويفترض العدم مصدر ا وحيد ا للوجود ويُصِر على ذلك !! النقد: لكن البعض ينتقد برهان السببية ويقول: (1 ) يرى ديفيد هيوم أن السببية هي اطراد تكراري غير مُلزِم لا أكثر . (2 ) الغزالي حُجة الإسلام يُنكر السببية . (3 ) الخوارق تأتي في أصلها ضد السببية. (4 ) التذبذب الكمومي Quantum Vacuum Fl uctuationsما علاقته أص بالسببية؟ الرد على النقد: أُسطورة ان السببية هي اطراد تكراري غير مُلزِم لا أكثر . إذا أضفنا حامض مع قاعدي فإن النتيجة الحتمية هي ملح وماء ولو أعدنا التجربة مليار مرة، ولولا هذا التلازم ما قام علم ولا تأسست حياة، ولا استقر للناس معاش، والذي يدعي أن السببية هي إطراد تكراري غير مُلزم فإن كلامه أيض ا هو مجرد اطراد تكراري غير مُلزم، ولو كان لكلامه حقيقة فهو كلام خاطيء ولا يفيد معن ى تلازمي ا، وإنما مجرد اطرادي تكراري، إذن أي فكرة تحارب السببية هي فكرة ذاتية الهدم، تهدم نفسها بنفسها، فنقد السببية هو نقد بلا قيمة، نقد فلسفي لا أكثر، لأنه لو كان صحيح ا فهو الآخر كلام مُطرِّد وليس إلا فكرة ذهني ة.
عدد الصفحات ١٤٠كهنة الإلحاد 142 ثم على أي دليلٍ من خارجنا نحن مضطرون للتمرد على برهان السببية؟ فالذي يحارب السببية يحارب بدهيات العلوم وال فكر والقواعد والقوانين والمبادئ والأصول بلا قاعدة ولا قانون ولا مبدأ ولا أصل!! فكل العلوم والقواعد والأصول تؤكد صحة السببية، وليس ثمة استثناء، إذن نقد السببية هو نقد للعلوم والقواعد والقوانين والأصول. إن إنكار السببية يؤدي إلى الشكيَّة المطلقة، وإبطال العلوم والدراسات بحجة أن كل شيء ممكن، ولو كان هذا الإنكار صحيح ا لما حدث تقدم في حياة البشر، وبما أنه يوجد تقدم في حياة البشر إذن ثمة قواعد نصل إليها ونستقر عليها ثم ننتقل منها إلى غيرها، إذن برهان السببية هو مُسلَّمة الوجود البشري بإطلاق! والذي يريد أن ينتقد لمجرد النقد فعليه أن يأتي بدليل فلسفي أو تجريبي أو عقلي أو تجريدي أو نقلي يدعم موقفه وإلا فليصمت، فكما يقول الأصوليون إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعي ا فالدليل. والذي يحاول أن ينتقد برهان السببية الذي استقرت عليه العقول، يصبح مثار سخرية حتى من علماء المادة قبل غيرهم. يقولئ ا بالفلسفة التي تدور في هذا الإطار في كتابه الأخير التصميم العظيم ص01 بنسخته الأصلية"في عام 1722 قام أسقف باريس بوضع منشور من 714 هرطقة تجب إدانتها في أنحاء البلاد، وأحد هذه الهرطقات هي الإيمان بالسببية، وبتلازم قوانين الطبيعة، ولم تمض شهور حتى مات الأسقف بسبب تلازم أحد قوانين الطبيعة حين سقط عليه سقف الكاتدرائية بفعل قانون الجاذبية وبفعل السببية التلازمية!". إن الذي يحارب البدهيات هو مسفسط حتى الثمالة، ولا يفعل ذلك إلا في إطار السفسطة العقلية وفي قاعات الدرس بينما هو في واقع حاله يمارس الإيمان بالسببية في كل لحظةٍ وبلا تردد! أُسطورة أن الإمام الغزالي رحمه ا -حُجة الإسلام - يُنكر السببية . أما بخصوص الإمام الغزالي رحمه الله فهو ينكر السببية التي تجعل الجوهر في المادة وفي السبب والمُسبِب، رد ا منه على الماديين والدهرية، فإنكار السببية في هذا الإطار هو
عدد الصفحات ١٤١143 كهنة الإلحاد لإثبات تدَّخل أعلى، أي سببية لكن على مستوى كُلي وهو الله عز وجل وهذا يتضح من كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله حين قال: " إن الله يأتي بالأشياء بالأسباب وبدون أسباب وبضد الأسباب"، فهذا ليس نقد ا للسببية بل هو توكيد للسببية لكن على إطارٍ أعظم وأن قيو د الطبيعة ليست شرطية! وهل يوجد عاقل لا يستطيع الجمع بين إيماننا بالسببية كبديهة عقلية وبين كلام الغزالي رحمه الله؟ بل هل ثمة إنسان على ظهر البسيطة يؤمن بالله ويؤمن بالسببية كبرهان عقلي جوهري، ثم يستهجن شيء من كلام الغزالي رحمه الله!!؟ إن نقد الإمام الغزالي ليس للسببية كبرهان عقلي وبديهة عقلية، وإنما نقد السببية كشيء جوهري في ذات الأشياء! فالإمام الغزالي ينفي ضرورة التلازم بين الظاهرة وأسبابها، ويُسند الأمر إلى تقدير الله إن شاء وقعت الظاهرة وإن شاء لم تقع! وهذا المنهج تتبناه الفرق الكلامية بالمناسبة. أما عن الخوارق فالخوارق هي توكيد للسببية؛ لأنها جاءت بتدخل إلهي في إطار نظام مؤسسي، والاستثناء المُقيَّد يؤكد القاعدة كما هو مُقرر عند الأصوليين، إذن الخارق يؤكد وجود مُسبِّب وهو الله، فلولا المُسبِّب ما وقع الخارق، وبالتالي فالخارق هو توكيد إضافي على صحة برهان السببية.! حُجة التذبذب الكمومي Quantum Vacuum Fluctuations، التي ناقشناها في الفصل الثالث من هذا الكتاب، هل تخالف مبدأ السببية؟ بخصوص مبدأ عدم اليقين عند التصميم العظيم لستيفن هاوكنج ص 114- 121 بنسخته الإنجليزية حين قال: "في حال مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج يجب أن نعلم أنه يستحيل أن يوجد مكان يخلو من الطاقة ونقل الطاقة، ولابد أن يحتوي على أقل قدر من الطاقة في هذا الفراغ، ويحدث أن تظهر وتختفي
عدد الصفحات ١٤٢كهنة الإلحاد 144 لحظي ا جسيمات، لكن هذا الظهور والاختفاء محكوم بعالم الكوانتم المادي – له قوانين وأُسس وأُطر ضابطة- أي أننا لسنا في العدم بل في عالم مادي.. ولو صح أن هذه الجسيمات تحتوي على طاقة لانهائية لكان المفترض بمجرد ظهور الكون وظهور هذه الجسيمات لانهائية العدد والطاقة أن تؤدي إلى انكماش الكون على نفسه فور ا وانتهائه وهذا بداهة ما لم يحدث". : أن ظهور هذه الجسيمات لا يخالف قانون حفظ الطاقة، إذن يخضع لبرهان السببية في جميع تجلياته، لكنه لا يخضع للإطار الزمني، وهذا أول الإشكال وآخره، فالجسيمات يمكن أن تقترض طاقة من المستقبل فتظهر ثم تتلاشى دافعة القيمة التي قامت باقتراضها بالضبط لحظة التلاشي، لكن هذه المساومة واقتراض طاقة من المستقبل تحدث في الإطار المادي داخل حدود الزمان والمكان، فلولا الزمان المخلوق والموجود لما كان لهذا الاقتراض وجود ولا معنى! ولا جدال بين الفيزيائيين على أن العدم الكوانتي هو عدم موجود داخل حدود الزمان والمكان، والكون جاء من اللازمان واللامكان! ولا جدال أن التذبذب الكمومي في جميع صوره يخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا يستطيع أن يتمرد على قوانين المادة ولا يستطيع كسر قانون حفظ الطاقة. فالتذبذب الكمومي خاضع لقوانين متصل الزمكان space time continuum، ويدخل مع المكان في نسيج متصل لا يمكن تجزئته أو تمزيقه – تجريدي ا وليس أنطولوجي ا- ، ولذا فالتذبذب الكمومي يحدث داخل هذا النسيج بقواعد النسيج وعندما يستلف طاقة من المُستقبل، ففي هذه الحالة هذا مستقبل بالنسبة للراصد، لكنه جزء لا يتجزأ من النسيج الكوني وبالتالي استلاف طاقة لا يُحدِث خرقا في قانون حفظ الطاقة، لأن النسيج الزمكاني في لحظة حصوله على تلك الطاقة التي قام بإقراضها لحظة تلاشي الجسيمات لم يتغير شيء فيه، ولم يختل قانون حفظ الطاقة، ولم ينفصل الزمن عن الأبعاد المكانية الثلاثة. ولا أجد حُجة لألاعيب الإلحاد المعاصر في الكفر بالصانع إلا من قبيل قوله تعالى: [ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {54}، وبالتالي برهان السببية برهان جوهري لم يتم كسره.
عدد الصفحات ١٤٣145 كهنة الإلحاد ولا يكفر ببرهان السببية إلا الملحد ! و لذا فهو في حرب شعواء أمام العلم والعقل والبرهان الحتمي العِليّ السببي، ومن أجل ذلك أنا أقول دائم ا أن الملحد يستحق الخلود في النار بسبب غباوته قبل كفره وإلحاده، لإنكاره أعظم البدهيات تُر ا - برهان السببية-، حيث إنه يفترض السببية كقانون في كل شيء ثم ينزعها بعد ذلك من أصل كل شيء، فهو يؤمن أن السببية أقوى وأعظم قانون في الوجود، ثم ينزعها من أصل كل الوجود ومن أصل كل موجود، فصار أُضحوكة كل مرصود [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ][05-01]!
عدد الصفحات ١٤٤