كهنة الإلحاد 210 وللإنسـان أن يتساءل: ما الذي يدفع رجلا علمي ا بيولوجي ا مثل داوكينز لهذا التصرف الشاذ علمي ا؟ فهذه مسألة لا توجد نظرية علمية تدعمها، ولا فرضية، ولا حتى أكذوبة تؤيدها، فما الذي يدفع ريتشارد دواكينز نحو هذا النفق المُظلم ؟ (1). ومن دواعي السفسطة أن يتساءل المرء: إذا كانت الجينـات بهذه المركزية في الطبيعة، ما الذي جعل الكائنات الحية تنتقل من مرحلة التكاثر اللاجنسي Asexual reproduction، الذي تحافظ فيه الجينات على نفسها تمام ا- حيث تنتقل من الأُم إلى الأبناء كما هي - إلى مرحلة التكاثر الجنسي Sexual reproduction، الذي تعجز فيه الجينات أن تُحافظ على نفسها بل تصير تابعة لاختيارات الإنزيمات أثناء عملية التلقيح ولا تنتقل كاملة أبد ا إلى الأبناء؟ (2). [ﰀ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ] {17} بل إن داوكينز لم يكتف بذلك في كتابه، فحاول تبرير وجود العقيدة الدينية عند جميع شعوب الأرض، حتى يخرج من مأزق التسليم بالغريزة الدينية، فافترض داوكينز وجود شيء يُدعى الميمات Memetics، وطبقا لتعريفه : فالميمات هي وحدة التناقل الثقافي بين الأجيال.. أي هناك ميم الدين، وميم العادات، وعن طريق هذه الميمات ينتقل الدين بين الأُمم جميعا . وبداهة لا يوجد في تاريخ العلم التجريبي شيء يُدعى ميمات .. فالميمات ليس ت عُضيات، ولا جسيمات، ولا ذرات ... وإنما افتراض نظري مُجرَّد (3). ولا ندري إلىالآن كيف خمَّ ن داوكينز وجود مثل هذه الميمات أصلا ؟ وكيف أمكنه ربط الميمات المُعينة بالأوضاع الفكرية المُحددة ؟ ثم كيف يتطرق داوكينز المادي إلى أشياء غير مادية لا توجد على الصبغيـات -الجينـات -؟ إننا بحق لا نجد مُبرر ا واحد ا يسمح لداوكينز بالترويج لتلك الأساطير باسم العلم. (1) المصدر السابق. (2) http://en.wikipedia.org/wiki/Asexual_reproduction. (3) http://en.wikipedia.org/wiki/The_Selfish_Gene.
عدد الصفحات ٢٠٩211 كهنة الإلحاد ولعل البرهان العلمي الحاسم في إبطال قضية الميمات، كان الحصول على خريطة الجينوم البشري، التي تم الانتهاء منها في عام 7331، فقد تبيَّن مدى خرافة الميمـات، والجين الأناني، حيث لم يعد للمسـألة سَنَدٌ جينيٌ - صِبغي - تعتمد عليه، وأصبحت أثر ا بعد عين (1) . بل إنه تم تفنيد تلك الخر افة عمل ي ا حتى قبل عمل خريطة الجينوم البشري، على يد أخصائيي علم نفس واجتماع، وعلم أعصاب الدماغ، فقد أثبت العلماء أن دجل داوكينز في كتابه الجين الأناني مجرد سلسلة من الافتراضات اللامنطقية، والتي أدت في الأخير إلى نتيجة مجنونة مُفادها أن البشر عبارة عن آلات نسخ للأفكار أو الميمات .. وكأن الإنسان تحت رحمة هذه الميمات (2) . بل وللسفسطي الذي في مستوى سفسطة داوكينز أن يتساءل: إذا كان الأمر كله ميمات فلماذا ظهر الملحدون؟ وإذا كانت الميمات ثابتة عبر كل العصور، فما مصدرها؟، أليس هذا دليلا آخر يمكن أن يستخدمه المتدينون في إثبات غريزة التدين؟ أيضا أليست هذه الميمات حُجة لوجود دليل الفطرة مادي ا؟ لكن السؤال الواقعي، والمنطقي في القضية: لماذا الملحد يدعم الأسطورة ويرفض العلم؟ أيض ا لماذا يؤسس الملحد لفلسفة الميمات والجين الأناني، ويرفض الخلق المباشر، والتدين الغريزي؟ إن الميمات والجين الأناني ما هي إلا نظريات أسطورية بمقياس العلم يدعمها الملحد ريتشارد داوكنز .. وهكذا عندما يبتعد الإنسـان عن الإله يفقد البوصلة، ويضل الاتجـاه، ويتخبط في هلاوس من الأسـاطير ينسب لها المركزية، وشيئ ا من القداسـة، عسى أن يجد (1) Dawkins' GOD: Genes, Memes, and the Meaning of Life... Alister McGrath. (2) Benitez-Bribiesca, Luis (2001): Memetics: A dangerous idea. p. 29.
عدد الصفحات ٢١٠كهنة الإلحاد 212 فيهـا بدي يحـل مكان الإله ... يقول الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {13}.
عدد الصفحات ٢١١213 كهنة الإلحاد الذر َّة آية من آيـات الخلق على عُمق كادريليون جزء من المتر من المادة " الكادريليون وحدة قياس أطوال يُعادل 13 أُس-15من المتر" يوجد عالم الإلكتروناتelectrons، وهو عالمٌ فسيحٌ جد ا، يدور فيه الإلكترون حول نواة الذرة بسرعة 1333 كيلو متر في الثانية (1). ويدور الإلكترون في مدارات ثابتة ومنفصلة، ولا تتخلف عن بعضها البعض أبدا ، وبالتالي لا يحدث التصادم..!! إنها عملية خلق واعِ ٍ؛ لأن الإلكترونات متطابقة تماما ، ومع ذلك تدور في مدارات مختلفة، وتتبع مسارات ثابتة دون إخفاقٍ ولا اصطدام. وهذه السُّ رعة الخاصة بالإلكترون - 1333 كيلومتر في الثانية-، هي السرعة المثالية التي تُتيح للإلكترون الالتفاف حول النواة دون السقوط فيها.. لأن الإلكترون سالب الشُحنة، بينما بروتونات النواة protons موجبة الشحنة، وهذا يستدعي التجاذب بينهما، لكن هذه السرعة الرهيبة تتيح عدم التجاذب، وبالتالي عدم انهيار الذرة..!! إن النموذج الذري يخضع لنظام بديع، لا يتخلف ولا يفسد.. مع أن الملليمتر الواحد به تريليونات الإلكترونات (2). فسبحان الخالق البارئ المُصور .. [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {14}. والنموذج الذري يقتضي أن يكون عدد البروتونات معاد لعدد الإلكترونات حتى تستقر الذرة، وبالتالي يستقر الكون كله، كل هذا يجري في عالم غير واعٍ، المليارت منه لا تملأ النقطة في نهاية الجُملة (3). ( (1 http://www.britannica.com/EBchecked/topic/183374/electron. (2) http://www.newton.dep.anl.gov/askasci/phy05/phy05351.htm. (3) http://en.wikipedia.org/wiki/Atom.
عدد الصفحات ٢١٢كهنة الإلحاد 214 وداخل العالَم الذري نجد أن كل شيء يتحرك بتوازن مُتقن، فالبروتونات متشابهة الشحنة المُفترَض فيها أن تتنافر داخل نواة الذرة، ومع ذلك هي تتغلب على هذه المعضلة بالقُوى النووية القوية strong nuclear force فتتماسك ولا تتنافر (1). ويوجد سبعة أغلفة إلكترونية حول نواة الذرة، ولكل غلاف عدد مُحدد من الإلكترونات التي لا تتغير أبدا .. وهذا النظام ينطبق على كل الذرات في الكون، فالكون مبني بخُطة واحدة، ومن خامة واحدة. كل هذه الحسابات الدقيقة للتوازن الذري تجري كلَّ لحظةٍ في كل جزء من مليارات الأجزاء من جسدك، ومن الطاولة أمامك، ومن شاشة الحاسوب التي تُطالِع من خلالها الآن، ومن عقلك الذي تستوعب به هذه الكلمات، ومن بصرك، ومن لسانك، وجميع أجزاء الكون تكشف لنا عن تدبير مالك الملك عظيم الخلق صاحب الحِكمة والإرادة المطلقة الذي لا يترك ولو ذرة واحدة عاطلة في الكون، بل الكل(الكون) يدور ويُسبّح ب حمده آناء الليل وأطراف النهار: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ] {44}. ومن العجيب أنَّ ما نراه من تنوّع الألوان والمواد والعناصر، وبل كل طاقة، وتفاعل يجري في الكون هو مُجرد تغير في مستوى الإلكترون، وفي سريانه، وفي شكل الذرة وارتباطها بغيرها من الذرات، لت شكيل جُزيئات ومُركَّبات، من خلال الارتباطات الأيونية Ionic bonds أو الكيميائية Chemical bonds أو التساهمية Covalent bonds، تُجرَي خلالها أنواع من المُقايضة على الإلكترونات بين الذرات المتعاقدة، أو تتقاسمها في أغلفتها الخارجية، من أجل القَبول بال ترابط مع الذرات الأُخرى (2). وحتى اليوم يواجِه الع لم هذه الترابطات بتعميمية شديدة؛ لأنه لم يعرف بعد: لماذا تسلك الذرات هذا السلوك العقلاني الرشيد؟ (1) http://aether.lbl.gov/elements/stellar/strong/strong.html. (2) http://www.ndt -ed.org /Education Resources /Community College /Materials /Structure/ bonds.htm.
عدد الصفحات ٢١٣215 كهنة الإلحاد ولماذا تتقيد الذرات بهذا المبدأ التعاقدي الصارم لمقايضة الإلكترونات، أو تقاسمها؟ ولماذا تقبل الذرة هذا التعاقد، وترفض تعاقد ا آخر؟ بل ويتحدث العلم عن مُعجزة الرفض، حيث ترفض الذرة أن تتعاقد مع ذرّةٍ ما، في حين تقبل التعاقد مع أُخرى (1). ولولا هذا الرفض لأصبحت الحياة مستحيلة، لأن الذرة لو قَبِلت كل تعاقد فإن مادة أصابعك ستتفاعل مع لوحة المفاتيح وستلتصق بها، وسيظهر مُ ركبٌ جديد منهما، وماد ة الماء ستتفاعل مع الكوب ويظهر جُزيء جديد، ومادة مكتبك ستتفاعل مع السيراميك وتنشأ مادة جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا يعني استحالة الحياة، فرفض التعاقد يُعادل في إعجازه قَبول التعاقد. وإذا جال الإنسان بناظره إلى صيغة العقد بين الذرات، لتكوين المُر كَّ بـات والجُزيئ ات، سيكتشف أنَّ التعاقد يكون إلى أجَلٍ مُحدد، فمثلا : التعاقد بين الهيدروجين والأوكسجين لتكوين جُزيء الماء، هو تعاقد هيدروجيني Hydrogen Bonding، حيث يتفكك هذا التعاقد ثم يترابط مُجدد ا مليارات المرات في الثانية الواحدة، مما يُتيح الخاصية السائ لة العجيبة للماء، فعُمر التعاقد بين الأوكسجين والهيدروجين يجب أن يستمر جزء من مائة بليون جزء من الثانية، ثم ينحل ثم يعود للتعاقد فورا ، وهذا يجعل من الماء سائلا (2). ومن المدهش أنَّ صيغة هذا الترابط الهيدروجيني سريع التحلل تُحقق معجزة أُخرى في البحار والمحيطـات، حيث تتيح هذه الصيغة من الترابط للماء أنْ يُصبح أكثر لزوجة في الحالة السائلة، فإذا تحوَّل إلى الحالة الصلبة، قلَّت لزوجته، وطفا لأعلى وأتاح لملايين الأحياء بأسفله أن تعيش في أمان. إن قوانين الفيزياء، وقوانين الكيمياء، وقوانين المادة التي تحكم هذا النموذج الذرّي العجيب، الغاية في الإتقان تشهد بالتوازن المُعجِز داخل هذا العالم الذي يفتقد إلى الوعي، فلا قوة إلا قوة الله في الحقيقة ولا حِكمة إلا حِكمته وكل إرادة منه سبحانه، والعلم لن يخترع (1) http://chemed.chem.purdue.edu/genchem/topicreview/bp/ch8/valence.html. (2) http://www1.lsbu.ac.uk/water/hbond.html.
عدد الصفحات ٢١٤كهنة الإلحاد 216 قُوى كونية جديدة ولن يُضيف توازنات مُختلفة عماأودعه الله في أول ذرة في أول لحظة من خلق الكون، وكل ما في وسع العلم التجريبي أنْ يفعله هو أن يُطلق على هذه التوازنات مُسمّيـات وأن يُبيِّن إعجاز التوازن فيها . فمَن يستحق الخضوع حق ا هو خالق تلك المنظومة العملاقة المتوازنة، سبحانه القوي العزيز الذي أمرنا أنْ نسيرَ في الأرض فننظرَ كيف بدأ الخلق: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {13}.
عدد الصفحات ٢١٥217 كهنة الإلحاد في البدء كان التمثيل الضوئي ظاهرة التمثيل الضوئي- البنـاء الضوئي - photosynthesis في النبات، كانت أول ظاهرة حيوية تنشـأ على الأرض - طبقـ ا للفلسفة الداروينيـة - (1). وطالما أنها أولُ الظواهر الحيوية بزوغـا ، فالمُفترَض أنْ تكون ظاهرة بسيطة، ومُفككـة إلى أقصى حد، ويُمكن إعادة تجربتها معملي ا بمواد أوليـة مرات عديدة، لكن هذه الظاهرة ما زال قسم كبيـر منها إلى اليوم عصِي ا على الفهم العلمي، وفي أعلى درجـات التعقيد..!! (2). وإذا نظرنا إلى طحلب السيانو باكترياcyanobacteria أول كائن حي على الإطلاق - وفق ا لأدبيات التطور -، سنكتشف أن ظاهرة التمثيل الضوئي ارتبطت به عبر حُبيبـات اليخضـور - الكلوروفيـل Chlorophyll- التي تملأ جسده (3). وحبيبة اليخضـور الموجودة في السيانو باكتريا، هي نفسها حبيبة اليخضور التي توجد في جميع أشجار ونباتات العالم إلى الآن، وتعمل بنفس القدر من الكفاءة والجاهزية منذ البدء.! (4). وداخل هذه الحُبيبة التي يبلغ حجمها واحد بالألف من الملليمتر، يوجد مائة مكوِّن عضوي يشمل الإنزيمات والريبوسومات ribosomes، والمواد الكيميائية الكفيلة بإتمام عملية البناء الضوئي، حيث تجري سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية في زمن قياسي خلال جزء من الألف من الثانية (2). وظاهرٌ جلي جد ا أنَّ طحلبَ السيانو باكتريا يَعرِفُ طريقة التمثيل الضوئي بمثاليةٍ تامة، وبمنتهى الكفاءة، ويَعرِف كيف يتكاثر، والطريقة المُثلى للتغذية، ومدى حاجته للمزيد من (1) http://www2.estrellamountain.edu/faculty/farabee/BIOBK/biobookps.html. (2) http://www2.estrellamountain.edu/faculty/farabee/BIOBK/biobookps.html. (3) http://www.ucmp.berkeley.edu/bacteria/cyanolh.html. (4) http://mmbr.asm.org/content/62/3/667.full. (5) http://biology.clc.uc.edu/courses/bio104/photosyn.htm.
عدد الصفحات ٢١٦كهنة الإلحاد 218 ثاني أوكسيد الكريون الموجود بالجو، وجميع المعلومات التي يحتاجها مُسجلة ومُشفَّ رة في شريط الDNA الخاص به، ويقوم بتعبئة المواليد الجُدد بالجينات بشكل مثالي (1). والحق أن افتراض هذا التعق يد في أول كائن حي يسكن الأرض، ثم افتراض عامل المصادفة في نشأته، هو ضرب من الخيال العلمي لا قِبل للاحتمالات الرياضية به؛ لأنَّ السيانوباكتريا يشتمل على نصف مليون قاعدة نيتروجينية nitrogen base تقريبا (2). وأي تبديل لقاعدة نيتروجينية مكان قاعدة أُخرى، أو اختفاء إحدى القواعد، أو ظهور قاعدة إضافية، هذا يعني فشل منظومة التمثيل الضوئي في الغالب، وبالتالي موت الكائن ، وعليه فالمطلوب نصف مليون قاعدة في المكان الصحيح، وبحساب الاحتمالات فاحتمال ظهور طحلب واحد من السيانوباكتريا هو 13 أُس753.333 -لوجود نصف مليون قاعدة نيتروجينية بترتيب ثابت -، في حين أنَّ عدد ذرات الكون كُله 13 أُس13، أي أننا نحتاج إلى ملء الكون كله مليارات مليارت مليارات المرات من الكائنات المُشوهة الميتة، غير الصحيحة في ترتيب القواعد النيتروجينية، من أجل إنتاج كائن حي واحد سليم من السيانوباكتريا. وعلينا قبل إجراء هذا الاحتمال الخيالي أنْ نفترض أننا تجاهلنا مُعضلة الحياة - لأنَّ الحياة ليست مجرد مصفوفة من القواعد النيتروجينية المتلاصقة -، وأنْ نفترض أيض ا أننا تجاهلنا معضلة التحول الحيوي morphogenesis - حيث إن مصفوفة القواعد النيتروجينية لا تعني وظيفة بحدّ ذاتها، فكتابة مواصفات الطول مهما كانت دقيقة، لا تتحول إلى صفة الطول، وهذا ما يُعرف بمعضلة التحول الحيوي -. والخلاصة كما ذكرنا آنفـ ا: المصادفة في نشأة السيانو باكتريا هي الخيال العلمي، لكن : (1) Cyanophyceae. Access Science. Retrieved 21 April 2011. (2) Journal of Clinical Biochemistry and Nutrition 51 (3): 227–234.
عدد الصفحات ٢١٧219 كهنة الإلحاد كيف قام هذا الكائن الأول بوضع هذه المصفوفة من القواعد النيتروجينية بهذه الصيغة التي أنتجت حياة؟ ثم كيف قام بتشفير المعلومات داخل جسده - في شريط ال DNA -؟ ثم ما أدراه بآلية التشفير؟ وكيف تسنَّى له استخدام منظومة مُعقدة كاليخضور منذ البدء؟ وقبل ذلك كيف قام بتخصيص إنزيمات وريبوسومات ومواد كيميائية مستقلة ليستخدمها اليخضور فيما بعد؟ حيث يوجد قرابة 133 عنصر ضروري لعملية التمثيل الضوئي، ولن يُ فيد التمثي ل الضوئي في حال فُقِ د واحد منها..!! ومِن المستحيل أنْ تنشأ جميع العناصر دُفعة واحدة .. ولا معنى لها إذا ظهرت فرادى...!! مَن الذي وضع الآلية لمثل هذا التخطيط الذي لا يُضاهَى في منطقة مجهرية صغيرة جد ا؟ وتبع ا لذلك لن يكون هناك سيانو باكتريا بدون شريط حمض نووي DNA، ولن يظهر شريط الحمض النووي بدون معرفة ما يريد السيانو باكتريا المالك للحمض النووي..! إذن اللعبة الداروينية أعلنت سخافتها عند أول كائن افترضت ظهوره. وسُبحان الله من عجائب الأمور أنَّ حُبَيبة اليخضور تلك التي يبلغ حجمُها واحدا بالألف من الملليمتر، ويبلغ جدارُها واحدا بالمائة مليون من المتر تُمثل رئة العالم أجمع، حيث تحصل على ثاني أوكسيد الكربون من الجو، وتطرح الأوكسجين كمُنتج ثانوي، ولا سبيل للأوكسجين إلا عبر حُبيبة اليخضور (1). (1) Charles Henrickson (2005). Chemistry. Cliffs Notes
عدد الصفحات ٢١٨كهنة الإلحاد 220 ويطرح العالم سنو ي ا قرابة 153 بليون طن ثاني أوكسيد كربون، عبر تنفس الكائنات الحية، ومن الوقود الذي يستخدمه البشر في المصانع والسيارات، والمطلوب من حُبَيبات اليخضور المجهرية تحمُّل كل هذا العِبء، وإنتاج الغذاء أيض ا (1). [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ] {344} (1) http://www.cbsnews.com/news/carbon-dioxide-emissions-rise-to-2 million- pounds-per-second.
عدد الصفحات ٢١٩221 كهنة الإلحاد ما قبل الانفجـار الكبير.. الس ُّؤال المُّحر َّم في العلم في عام 1472 وضع عالِم الفيزياء الألماني Werner Heisenberg مبدأ عدم اليقين أو مبدأ الريبة uncertainty principle، وهو مبدأ فيزيائي من المبادئ التي تحكم الكون، ويُعَ د أحد أهم أُسس الفيزياء الحديثة (1). يَنُص مبدأ عدم اليقين على أنه"يستحيل تحديد موقع وسُرعة الإلكترون electron في وقتٍ واحد "، فنحن ممنوعون من معرفة موقع وسُرعة الجسيم في آنٍ و احد، وليس لنا أنْ ن ختار إلا نِصف الحقيقة، إمـا السُّ رعة أو الموقع، أما الحقيقة الكاملة فنحن ممنوعون من معرفتهـا (2) . يُعَدُّ مبدأ عدم اليقين قانون ا صارم ا من قوانين الطبيعة، ولا يرتبط بأي شكل من الأشكال ببعض القصور الموجود في أجهزتنا، أو بقدراتنا على الرصد ، بل هو قانون كوني، وطِبق ا للقانون لا يمكن تحديد خاصيتين مُقاسَتين من خواص جملة كمومية quanta، إلا ضِمن حدود مُعينة من الدِقة، أي أن تحديد أحد الخاصيّتين يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، وبالتالي هو مبدأ يُعلِّمنا أنه ليس في وسع الإنسان إلا المعرفة الجُزئية، أما المعر فة الكُلية فهذه حكمة لم يُسمح لنا أن نطَّ لِ ع عليهـا. ولذا فهذا المبدأ من أعظم المبادئ أثر ا في تاريخ العلم الحديث، حيث إنه يضع حد ا لقُدرة الإنسان على قياس الأشياء، وكان لهذا المبدأ تأثيرٌ فلسفي عميقُ الأثر على العقل العِلمي، يقول الفيزيائي النمساوي [Schrödinger " لقد تم الحصول على صورة معتدلة لهذا العالم، بتكاليف باهظة، ولم يحدث هذا إلا بعد أن انتزعنا أنفسنا خارج الصورة، وتراجعنا إلى موقع المراقبين الذين لا مصلحة لهم" (3). (1) http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hbase/uncer.html. (2) http://www.pbs.org/wgbh/aso/databank/entries/dp27un.html. (0) الاحتمالات المثيرة للنظرية الكمية.. تأليف عالم الفيزياء الروسي"ليونيد بونوماريف".. ص730.
عدد الصفحات ٢٢٠كهنة الإلحاد 222 وبالتالي فالفيزياء التجريبية أكَّدت لنا أنه بالت جربة توجد حُدود مُحرَّمة على العل م، كما أثبتت الرياضيـات نفسَ الأمر فيما يُعرف بمبرهنة جودل Gödel Incompleteness Theorem، وتنُص مبرهنة جودل على أنه: "ما من نظام رياضي متناسق إلا ويحوى عبارة رياضية واحدة على الأقل صحيحة، ولكن لا يمكن برهنة صِحتها بدء ا من مُ سلمات النظام الرياضي" (1). وعلى هذا، فحَسَب مُبرهنة جودل، لا يوجد ن ظامٌ رياضي كامل إذا كان متناسق ا ، وقد أربكت مبرهنة جودل مَن يجعلون الحقيقة حِكر ا على ما يُقاس في المعمل أو ما يُستنتج رياضي ا، فالتجريد الرياضي مع أنه أكثر العلوم البشرية إتقان ا ونظام ا، لم يَعُدْ نظاما مُ غلقا، ولم يبق في الإمكان البرهنة عليه من داخله. إذن العلم لا يقبل أن يكون الحَكمَ الأخيرَ على القضية الكُلية في الوجود ؛ لأنه بذلك يكون مثل لابس ثوبي زور، وكالمُتلبس بما لم يُعط، والذي يَطلُب من العلم أن يُجيب عن الأسئلة الكُلية في الوجو د، يكون قد قرَّر مُسبق ا أن يقف في صدام مع العقل والعلم مع ا. وعلى ضوء ما سبق ذِكره، سننتقل إلى النقاش حول أكبر لغز يجول بأذهان العُلماء المعاصرين وهو: ماذا كان قبل الانفجـار الكبير، الذي نشأ منه الكون Big Bang؟ في البداية، هذا سؤال غير علمي إطلاق ا، ولا يقع جوابه في إطار العلم التجريبي، فالعلم التجريبي يخضع لحدود الزمان والمكان، وما قبل الانفجار الكبير يقع خارج حدود الزمان والمكان، ولذا هو سؤال غير علمي، ولم ولن يدخل دائرة العلم التجريبي. ولكن مَن يتأمل في السؤال يجد أنه سؤال عقلي مائة بالمائة، بل وفي قمة العقلية، بل إن العقل يُلِ حُّ في البحث عن إجابة، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين حدود العِلم وحد ود العقل، فهذا سؤال مرفوض علمي ا، يقبع خارج إطار العلم التجريبي المادي، ومع ذلك هو سؤال صحيح عقليـ ا. (1) http://plato.stanford.edu/entries/goedel-incompleteness/.
عدد الصفحات ٢٢١223 كهنة الإلحاد وهنا يفترق العلم والعقل منذ اللحظة الأُولى لنشأة الكون، ويُ قرِّر ال علم حدوده التي يرتضي بها مُرغم ا . بتعبير آخر، العلم ذاته هو الذي يُقِّر بأن ما قبل الانفجـار الكبير يُعد حِجـر ا محجـور ا ، لا يجوز للعلم أن يُعطِي فيه رأي ا ولو جدلي ا؛ لأنه حين يفعل ذلك يكون قد فقَد أهم صفاته التي تُميّزه، فالعلم في صيغته النهائية هو: "ملاحظة الظواهر بُغية تفسيرها"، وبالتالي فالعلم مُقيـَّد بحدود الزمان والمكان والمادة والطاقة، وما قبل الانفجـار الكبير لا زمان ولا مكان ولامادة ولا طاقة، وكل الطاقة ظهرت فجأة في لحظة الانفجـار الكبير (1). وهنا يجب أن يجف القلم، ويتوقف العلم التجريبي مُعترفـ ا بقصورِه، فالتفكي ر في: ماذا كان قبل الانفجار الكبير؟ يؤدي بداهة إلى عالم جاء من العدم، وهو ما نـادت به الكُتب الدينيـة. ففكرة بداية الكون في الزمان، هي فكرة تُقلِق أي ملحد بسبب لوازمها اللاهوتية (2). ولذا كان الفيزيائي الملحد Steven Weinberg يتمنى نظرية الكون الثابت الأزلي، لأنها أكثر جاذبية، وأبعد عمَّـا نادت به الأديان (3). لكن أُمنيات ستيفن وايننبرج اصطدمت أول ما اصطدمت بحائط العلم نفسه، ولم يعد لها مكان داخل العلم المادي، يقول الفيزيائي البريطاني DENNIS SCAIMA "لم أُدافع عن نظرية الكون المُستقر لكونها صحيحة، بل لرغبتي في كونها صحيحة، ولكن بعد أن تراكمت الأدلة فقد تبين لنا أن اللعبة قد انتهت" (4). (1) أليكس فلبينكوalex filippenko عالم الفيزياء الفلكية بجامعة كاليفورنيا.. video source. (7) الخالق والفلكيون..جاسترو.. ص74. (0) عالم داخل العالم.. نيل توروك.. ص 771. (4) Introduction..The Unity of the Universe. N.Y., Doubleday ..Dennis William Sciama..introduction.
عدد الصفحات ٢٢٢كهنة الإلحاد 224 فاللعبة قد انتهت فعلا ، وبذلك يعترفAntony Garrard Newton Flew فيلسوف الإلحاد في القرن العشرين قائ: "يقولون إن الاعتراف يفيد الإنسان من الناحية النفسية، وأنا سأُدلي باعترافي.. إن نموذج الانفجار الكبير شيء محرج جد ا بالنسبة للملحدين، ذلك لأن العلم أثبت فكرة دافعت عنها الكتب الدينية". (1). وكلما توسعت مداركنا، كلما علِمنا أننا يستحيل أن نكون أسياد مصائرنا، ومُع طياتنا تؤكد لنا دوم ا أننا لن نعلم إلا ما يشاء الله لنا فقط أنْ نعلمَه، ولن ن تجاوز ذلك سواء أشئنا أم أبينا [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ] {155}. (1) Henry Margentau, Roy A. Vargesse. Cosmos, Bios, Theos. La Salle Il: Open Court Publishing, 1992, 241.
عدد الصفحات ٢٢٣225 كهنة الإلحاد نظام التشفير داخل نواة الخلية، هو الخلق المباشر مع دخول عام 1455 كان العالَم على موعِد م ع أعظم الكُشوف التي غيَّرت مجرى العلم، فقد قام العالمان James Watson و Francis Crick، باكتشاف بنية الحمض النووي DNA داخل نواة الخلية، وقبل ذلك التاريخ كان يُنظر إلى الخلية على أنها كُتلة بلازمية هُلامية Protoplasmic mass لا أكثر (1). وقد تبيَّن أن جميع الطلبات التي يحتاجها الكائن الحي ليقوم بوظائفه الحيوية، توجد مُشفَّرة في نواة الخلية داخل ذلك الشريط النووي DNA، بنظام تشفير رباعيC G T A، وعندما يحتاج الكائن الحي إلى بروتين ما، للقيام بوظيفة حيوية، تبدأ الخلية في فك التشفير في ال جزء المطلوب من شريط الحمض النووي DNA، لإنتاج البروتين المحدَد الذي سيقوم بتلك الوظيفة الحيوية (2) . ويوجد داخل نواة كل خلية في الإنسان ثلاثة مليارات نيوكليوتيد nucleotide - النيوكليوتيدة هي الوحدة الأساسية لبناء شريط الحمض النوويDNA-، أي ثلاثة مليارات حرف بنظام التشفير الرباعي C G T A،وتنضغط كل هذه القاعدة المعلوماتية العملاقة في مساحة 1 على1333 من الملليمتر، مع أننا لو قُمنا بنسخها على الورق، فإنها تم1333 مجلد بواقع533 صفحة لكل مجلد (3). تُتيح المعلومات المُسجلة داخل شريط الحمض النووي DNA، كل البروتينات التي يحتاجها الإنسان، ويتحدد من خلالها كل خصائصه، مثل معلومات الطول والملامح، ولون العين، وملمس الشعر، وشكل البشرة، وشبكة الخلايا العصبية، وبلازما الدم، وكل معلومة داخل جسد الإنسان يحتاجها طيلة عمره، كل هذه المعلومات داخل شريط مُلتف على نفسه (1) http://www.nobelprize.org/nobel_prizes/medicine/laureates/1962/watson- bio.html. (2) http://www.sciencedaily.com/articles/p/protein_biosynthesis.htm (3) Wall Street Journal" article: Storing Digital Data in DNA.. jan. 2013".
عدد الصفحات ٢٢٤