المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كهنة الإلحاد الجديد

هيثم طلعت

صفحة ١٣ من ٢٥

كهنة الإلحاد 194 يحاول العلم تقديم تفسير جزئي من خلال خاصية التركيب الديناميكي الهوائي لشكل حبة اللقاح، وأيض ا من خلال كون مخاريط الإناث أكثر اتساع ا من مخاريط الذكور وشكلها المخروطي يُسهل عملية دخول غبار الطلع.. لكن أيض ا سيبقى السؤال: كيف تصل كل حبة غبار طلع إلى فصيلتها نفسها دون غيرها على الرغم من وجود عدد ضخم من حبات غبار الطلع في الهواء؟ ولا ندري كيف للمصادفة أن تؤسس لمنظومة تزاوجية بهذا التعقيد الذي ما زال يحير العلماء، كيف يحدث التواصل..؟ ثم كيف تنشأ أنظمة ذكورية وأُنثوية وريح وغبار طلع كل هذا في نفس التوقيت؟ ومن الهام أن نعلم أن مخاريط الزهور ظهرت بشكلها فجأ ة في الطبيعة كما تُقرر الداروينية نفسها فحتى المتحجرات أثبتت الظهور المفاجيء لها. بعض حبات غبار الطلع مُزودة بجيوب هوائية تتيح لها أن تسافر 033 كيلو متر في الهواء، وحولها آلاف الأنواع من حبات غبار الطلع لنباتات أخرى مُختلفة لكن دون أن تحدث أي فوضى بينها [ﮈ ﮉ ﮊ ] {11} ويوجد في أرجل النحلة الخلفية جيوب تسمى سلة اللقاح تقوم النحلة بتجميع ما علق في جسمها من هذه الحبوب في تلك الجيوب. تُرى ما العلاقة التي تسمح للحيوان أو للحشرة أن يكون مسئولا مُباشر ا عن تلقيح النبات؟ وكيف نشأت هذه العلاقة؟ وكيف استفاد منها النبات؟ وما الثمن الذي يدفعه النبات للحفاظ على مورثاته التي ينقلها إلى الأجيال التالية؟ لقد اتبعت النباتات منذ البدء استراتيجيات مثالية لتوجيه الحيوانات التي تحمل غبار طلعها..، فالإشارات اللونية للنبات تدل الحيوانات والطيور على الثمرات الناضجة ، كما ترتبط كمية الرحيق بجاهزيتها للتخصيب..، ويعرف النبات الكائن الحيواني الأصلح للتلقيح فيُفرز روائح عطرية تجذب هذا النوع من الكائنات (1). (1) معجزة النبات، هارون يحيى.

عدد الصفحات ١٩٣

195 كهنة الإلحاد والنباتات التي يتواجد غبار الطلع في مركزها تجذب الحشرات بلونها فقط ولا تُتيح الرحيق إلا لمن يدخل إلى المركز. هنا الحشرة حصلت على الرحيق ولم تعلم بالدور الهام الذي تقوم به – التلقيح –، أيض ا الزهرة كائن غير عاقل فكيف لها عمل هذه المقايضة وكيف لها معرفة ما تطلبه الحشرة بالضبط، وكيف تُزين نفسها بألوان جذابة لتجذب الحشرة إليها إذا كانت غير عطرية؟ لا إجابة صدفوية ولا عشوائية في الأمر إنها قدرة الخالق العظيم الذي بث في الأرض من كل دابة، وأو دع فيها طريقة كسب رزقها وقوام حياتها و حفظ نسلها، فسبحان الخالق البارئ المصور سبحان الله العظيم... [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {14}. بل إن بعض الزهور مثل زهرة الأوركيدا تتخذ صورة تُطابق تمام ا أُنثى النحل فيأتي ذكر النحل محاولا تلقيحها فتلتصق حبات غُبار الطلع في رأسه، ويقوم بالعملية نفسها في أوركيدا أخرى فيقوم بالتلقيح المثالي دون أن يدري ، ولا مجال للحديث عن عامل التدرج أو الداروينية في الأمر. بل إن الأكثر إثارة لكل عاقل أن زهرة الأوركيدا تُفرز نفس الرائحة الخاصة بأُنثى النحل – فيرميون اُنثى النحل - وليس شكلها فقط ، كل هذا وهي كائن لا يعي من أمره شيئ ا، ولا يُدبر من أمره شيئ ا، وتعيش في توازن بيئي مثالي مع غيرها من الكائنات فلا تطغى عليها فسبحان فاطر الخَلق مُودِع عجيب الصنع في كل شيء . وبعض الزهور تأخذ شكل أُنثى الدبور تمام ا كبديل للرحي ق الجاذب للذكور، هذه الأمور تناقض منطق التطور ذاته القائم على التدرج، فهذه الزهور إما تظهر فجأة ومعها الدبابير ولها نفس شكل أُنثى الدبور أو لا تظهر، ثم إن خواص الفكر والإدراك واتخاذ قرار هي خواص في قمة العقلانية ولكنها لا تستطيع أن تُغير من واقعها شيئ ا حتى لو أدركت وفكَّرت وعقلت... فما بالنا بحساب الزمن – زمن التلقيح – والشكل والحجم الخاص بالحشرة التي ستُقلد شكلها، وانتاج غبار طلع بالكمية الكافية وحساب خاصية التصاقه بجسد الحشرة ، وضغط كل المورِّثات في حبة غبار الطلع الصغيرة وتحصينها بجدار سميك مع خفة الوزن في نفس الوقت؟ كل هذه الحسابات هي آيات للعاقل يخشع بسببها للخالق العظيم المُبدع ..

عدد الصفحات ١٩٤

كهنة الإلحاد 196 [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ] {344}. وحبوب اللقاح من الداخل مَخزنٌ غَنِي بالفيتامينات والبروتين والماء وا لسكريات والدهون والإنزيمات وفيتامين ب 1 وب7 وب0 وب5 وب4 وب17، ومن المعلوم أن فيتامين ب5 من النوادر في الطبيعة، كل هذا إلى جانب شفرة الجينات الكاملة المُسجل عليها كل معلومات إنشاء شجرة عملاقة فيما بعد ..، كل هذا تحمله حبوب اللقاح التي يزن 10333 منها جرام ا واحد ا (1). (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Pollen.

عدد الصفحات ١٩٥

197 كهنة الإلحاد الله القيوم والكون المقهور لعظمته من منظور فيزيائي الله القيوم الذي قام به خلقه، فهو سبحانه القيوم بذاته الباقي على صفاته المقيم لغيره والمانح صفات خلقه، فهو الذي منح الإنسان فطرته، ومنح الحيوان غريزته، ومنح الإلكترون وزنه وحركته، وهو سبحانه ا لَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ فكل ما في الكون خاضع لميزان دقيق لا يطيش عنه ولا يحيد.. منذ الأزل إلى أبد الآبدين!! يقول علماء الفيزياء أنه عند اللحظة 13 أس-00 من الثانية وهي لحظة لا يمكن استيعابها لقصرها الشديد ظهر كل شيء فجأة وظهر الكون، ففي جزء من مليون من مليون من مليون من مليون من الثانية ظهر الكون من أصغر من ذرة إلى أكبر من مجرة. (1). ففي اللحظة صفر عندما لم تكن هناك مادة أو زمن نشأ الكون ووحدات بنائه في إطار مُخطط عظيم، وفي أقل من ثانية كان حجم الكون أكبر من مجرة درب التبانة بملاي ين المرات (2) . لقد ظهرت كل الطاقة فجأة وتكوَّن النظام المثالي والقوانين الثابتة والثوابت الكونية المدهشة في لحظة الخلق العُظمى والإبداع الأدهش على الإطلاق. ثم ظهر تكثف عجيب للمادة يقابل هذا التمدد الهائل وقرر البروتون والنيوترون أن يتحدا مع أن كثافتهما تقع في الخط الفاصل بين الوجود واللاوجود، إننا أمام عملية واعية (1) History of the World in Two Hours .اليكس فلبينكو عالم الفيزياء الفلكية جامعة كاليفورنيا (2) during this cosmological inflation, the universe expanded by a factor of 1,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000 in.00000000000000000000000000000000001 second . It was as if a coin 1 centimeter in diameter suddenly blew up to ten million times the width of the Milky Way.. source:The Grand Design..Stephen Hawking

عدد الصفحات ١٩٦

كهنة الإلحاد 198 وموجِهة بشكل فائق، وهذا ما يقرره الدكتور محمد باسل الطائي أستاذ فيزياء الكم ورفيق [: " طبقا لميكانيك الكم فإن العالم دون الذري يحتاج حتم ا إلى مُدبِّر ومُحرك في كل لحظة Operator formulation of quantum mechanics إن ميكانيك الكم يثبت أن الله قيوم.. أي قائم بالكون في كل آن.. وفي كل لحظة " (1). في تلك اللحظة العظمى من الخلق لو تغيرت كمية أي جُسيم يظهر، فإنه سيتم تدمير مستوى الطاقة الذي يحدده ذلك الجسيم، ويمنع تحول الطاقة إلى مادة، ويتوقف الكون عند البيضة الكونية Cosmic egg، ولابد في تلك المرحلة الحرجة أن يكون عدد الجُسيمات بالشكل المطلوب وبالنسبة المطلوبة، فلو زاد عدد البوزيترونات عن عدد الإلكترونات فإن الذرة لن تظهر ويتوقف الكون عند البيضة الكونية Cosmic egg مر ة أخرى ". ولو تساوى عدد الإلكترونات والبوزيترونات فإن الناتج طاقة مجردة ويتحول الكون إلى مجرد ظاهرة طاقوية جوفاء. أيض ا لابد أن تتساوى أعداد الإلكترونات والبروتونات في تلك اللحظة المثالية .. أيض ا لابد أن يكون الجسيم بنسبة أعلى من الجسيم المضاد حتى لا يتحول الكون إلى ظاهرة إشعاعية سرابية مجردة. إنه الخلق المباشر وحده الذي يتيح تلك التوازنات والنسب والخروج من العدم إلى الوجود، فسبحان بديع السماوات والأرض القيوم في كل آن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: كيف قررت الجسيمات ماهية الذرات التي سوف تُكونها وبأية كميات؟ لماذا لم تقم كل البروتونات والنيوترونات بتكوين ذرة هيدروجين واحدة وانتهى الأمر؟ إذن الخلق لابد أن يستتبعه إعداد بعناية Fine Tuning وهذه الكلمةFine Tuning دخلت إلى الفيزياء عن طريق الفيزياء وليس عن طريق الدين. (1) البروفيسور محمد باسل الطائي.. محاضرة الله والكون والإنسان.

عدد الصفحات ١٩٧

199 كهنة الإلحاد فالكون منذ اللحظة الأولى مُعَد بعناية فائقة، فمثلا إذا كانت نسبة الكتلة بين البروتون والإلكترون أقل قليلا مما هي عليه لما استقرت الشمس ولما ظهرت الحياة ..، وإذا كان البروتون أثقل مما هو عليه الآن بنسبة 3.7% فقط فإنه سيتحلل فور ا إلى نيوترون وسيعجز أن يُمسك بإلكترونات، وستنهار الذرة قبل أن تتكون، وينهار الكون بأجمعه فور تكونه (1). إن قوانين الفيزياء التي ظهرت في أول ثانية من نشأة الكون هي نفسها التي تحكم عالمنا اليوم، هذه القوانين تم ضبطها بعناية وإلا فإن أي خلل أو أي تغيير في أي من الثوابت الكونية سيفرز كونـا مُجهض ا، ولذا يقول " لو كان معدل التمدد بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أصغر حتى ولو بمقدار جزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء، لانهار الكون قبل أن يصل إلى حجمه الحالي " (2). وهناك سؤال ربما لم يطرحه أحد على نفسه من قبل ألا هو: ما الذي جعل الزمن يتحرك للأمام في لحظة الخلق الأولى ؟ فالزمن طبق ا للنسبية هو أحد الأبعاد الأربعة التي تُحرِّك الكون بكل ما فيه ويُشكل مع المكان النسيج الكوني المعروف بالزمكان، ومن خلال نظرية مكيانيكا الكم اكتشفنا أن تحرك الزمان للأمام هو أحد الاحتمالات وليس واجب ا يفرضه قانون ما... الآن السؤال: ما الذي يدفع الز من للتحرك للأمام؟ ولماذا لم يتوقف ويتوقف معه المكان ويقتصر الكون على بيضته الأولى..؟ بل إن توقف الزمن لحظة الخلق أقرب فيزيائي ا من تحركه للأمام، فطبق ا لشفرة أوكام Occam's razor فإن أبسط التحليلات لمشكلة معقدة هي الصحيحة، وينبغي اختيار أبسط نظرية تناسب حقا ئق المعضلة، ونسيج زمكاني في غاية التعقيد يتحرك بس رعة ا لضوء هو بداهة أبعد عن منطق شفرة أوكام من بيضة كونية مستقرة لحالها. (1) عالم الكونيات الامريكي ماكس تيجماركMax Tegmark. space.mit.edu/home/tegmark/multiverse.pdf (7) ستيفن هاوكنج.. موجز تاريخ الزمن ص 171.

عدد الصفحات ١٩٨

كهنة الإلحاد 200 إننا أمام لحظة خلق فريدة، خَلَقَ اللهُ الكونَ العظيمَ، وأودَعَ في كل جزئية من جزئياته أعاجيبَ الخلق وبديع الصنع ، ولم يطلب من الإنسان إلا التسليم أمام الواحد القهار الذي جبر الكون على قوانين ونواميس لا تتخلف ولا تتبدل. فقد قضت حكمة الله العُظمى أن يُختبر الإنسان فيما هو دون ذكائه الفطري بكثير..، قضت حكمته العُظمى أن يُختبر الإنسان في التسليم لله بالخلق والأمر، وأن يستقيم لله كما تستقيم له كل نواميس الكون، فالعبد العاصي هو شذوذ في كون يُسبح الله وينحني لآلائه الكبرى.. ومع ذلك فما زال يفشل في هذا الاختبار البسيط الكثير من الخلق. فسبحان الحي القيوم الذي لا إله إلا هو

عدد الصفحات ١٩٩

201 كهنة الإلحاد التخصصية الوظيفية تقبع في قلب الخلية الحية نواة الخلية، وهي مُكوِّن معرفي The Know How، والمكون المعرفي هو قاعدة معلوماتية Data Base، يُشفر داخلها كل ما تحتاجه الخلية، ويحمل الجرام الواحد منها معلومات يمكن أن تملأ مليون مليون قرص مضغوط CD، وتتواصل الخلية مع بقية خلايا الجسم بحسب وظيفتها ومكانها، والعمل المطلوب منها بالضبط، وعلى أساس ذلك تتخذ الشكل المناسب لعملها بحيث تقوم بوظيفتها على النحو الأمثل والأكفأ، مثلا محور الخلية العصبية Axon يحمل نبضة كهربية يقوم بتوصيلها إلى الخلايا التالية له حتى تصل النبضة إلى العضلة فتقوم بوظيفتها، ولذا يحيط بهذا المحور غلاف عازل Myelin Sheath، يقوم بعزل المحور عما حوله لأنه يحمل نبضات كهربية، أيض ا كرات الدم الحمراء تأخذ شكل كروي حتى تسرع حركتها في مجرى الدم، وتقوم بتفريغ نفسها من كل العضيات وتفريغ نفسها حتى من النواة - وهذا يعني أن الحياة لا علاقة لها بالنواة- لتتفرغ فقط لحمل الأوكسجين وبذلك تتسع الكرية الواحدة ل 713 مليون جزيئة هيموجلوبين، لو قلَّ عدد الكرات الحمراء إلى النصف فقط يموت الكائن الحي، ولو اتخذت أي شكل بخلاف الشكل الكروي فإن الإنسان يعاني من الأنيميا الحادة مدى الحياة، خلايا الكيراتين تتخذ شكل مُعين ثم تقوم فجأة بمهمة انتحارية وتقرر أن تموت لتُشكل ال شعر والأظافر، أما القرنية التي تُشكل أنقى وأدق عدسة في العالم بالإشتراك مع عدسة العين فإنها لا تحمل أية أوعية دموية لتغذيتها حتى لا تؤثر على الرؤية، وإنما تتغذى من دموع العين، وتحصل على الأوكسجين من الهواء مباشرة ، أما شبكية العين التي تق وم خلاياها بتحو يل الرؤية البصرية إلى نبضات عصبية بحيث يُعيد المخ ترجمتها - ولا ندري استناد ا على أي مرجع يُترجِم المخ هذه المعلومات، وما هو مصدر معلوماته الأسبقية التي تتيح له فهم النبضة وترجمتها الترجمة الصحيحة التي تؤدي إلى استيعاب الرؤية البصرية، وكيف يدرك ما حولنا ليستوعبه بمجرد رؤيتنا له؟ -، ثم كيف تتحدد قدرات الحواس ويتم تحجيمها بحسب ما يطلبه الكائن الحي، فلو تصورنا مثلا أن للإنسان حاسة شم مثل الكلب فإنه كان سيعيش أسوأ وأتعس لحظات حياته بمجرد وجود رذاذ من البول على صنبور عربة إطفاء على بعد مئات الياردات عنه، فكل شيء موجود بقَدر [ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ] {49}، أيض ا ما المبرر

عدد الصفحات ٢٠٠

كهنة الإلحاد 202 لتتجمع ملايين الخلايا لتكوين صمام مخرج الجهاز الهضمي مع أنه ليس قضية حياتية، ولو كان الأمر عفوي ا فصمام كهذا لا معنى له، فكل ما سيحصل هو أن الكائن لن يتحكم في خروج الفضلات ولكنة لن يموت، بل إن هذا الصمام يتمتع بميزة من أعجب ما يكون إذ ينقل للمخ إحساس يختلف بحسب المادة الموجودة خلفه، فيعرف الإنسان ما يحتبس بداخله هل هو ريح أم براز، فيقرر التصرف الأنسب بطريقة تليق بكائن خُلق في أحسن تقويم، إن التخصصية في الشكل والوظيفة والهدف والإنتاج آية على روعة الخلق وبديع الصنع، فلا توجد تخصصية بلا تشفير داخل نواة الخلية، ولا يوجد تشفير بلا مُكوِّن معرفي، ولا يوجد مكوِّن معرفي بلا وعي وخلق وقدرة وإرادة أبدعت الإنسان في أحسن تقويم، ثم يأتي هذا الإنسان ويتسائل أين الله، أعطني شاهد ا؟ إن الذي يستطيع أن يبتلع سذاجة الإلحاد، يستطيع بعدها أن يبتلع أي شيء. [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {13}، سبحانك ربنا سِرنا فنظرنا.

عدد الصفحات ٢٠١

203 كهنة الإلحاد الله هو الأول والآخر.. نظرة في فيزياء الكوانتم [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {7}. الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ومدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة ، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن. ثم ختمت الآية بما يفيد إحاطة علمه بكل شيء من الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة، ومن العالم العلوي والسفلي، ومن الواجبات والجائزات والمستحيلات، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. فالآية كلها في شأن إحاطة الرب- سبحانه- بجميع خلقه من كل وجه، وأن العوالم كلها في قبضة يده كخردلة في يد العبد، لا يفوته منها شيء، وإنما أتى بين هذه الصفات بالواو مع أنها جارية على موصوف واحد ؛ لزيادة التقرير والتأكيد (1). قبل اكتشاف فيزياء الكوانتم كانت هناك فلسفة ذات صيت في أوربا تنادي بأن الكون واجب الوجود .... وبما أن الكون موجود إذن هو موجود وليس هناك احتمال آخر بديل لوجوده... وهذه الفلسفة كانت أكثر إلحاد ا من الفلسفة اليونانية القديمة التي كانت ترى أن الله هو المُحرك الأو ل لا أكثر. بعد ثورة فيزياء الكوانتم التي قادها القرن العشرين تبين أن العالم تحت الذري يخضع لعدد لا نهائي من الاحتمالات وأن كوننا هو الاحتمال الوحيد الصحيح.. فمثلا اكتشف العلماء أن النسبة بين الإلكترون والبروتون هي 1 :13 أس02 وهي النسبة الوحيدة التي تسمح بتشكيل الذرة وبالتالي ظهور الكون. وللذين لا يعرفون لغة الرياضيات فإن 13 أس02 هي قيمة تُماثل وضع دولار أمريكي وسط حزمة من الدولارات تمتد ملايين الأمتار، واختيار أي دولار آخر من بين هذه التريليونات تريليونات الدولارات يعني خطأ العملية تمام ا. (1) شرح العقيدة الواسطية.. محمد خليل هراس.. ص177.

عدد الصفحات ٢٠٢

كهنة الإلحاد 204 فاختيار أي دولار يخالف هذا الدولار يقابل اختيار أي ثابت كوني يُخالف ذلك الثابت الكوني المُحدد ويالتالي يعني انهيار الكون قبل أن يبدأ . وأيضا كلا من الإلكترون والبروتون يحمل شُحنة كهربية وفقا لخصائصه، وهذه حقيقة ظهرت بعد الثاني ة الأولى من خلق الكون، وهي حقيقة اختيارية احتمالية وليست واجبة الوجود، وأدنى تغيير في شدة هذه الشُّ حنة من شأنه أن يؤدي إلى انطلاق الإلكترونات بعيد ا عن النواة أو وقوعها داخلها، وفي كلتا الحالتين سيؤدي ذلك إلى استحالة وجود الذرة وبالتالي استحالة وجود الكون، ومع ذلك فمنذ الثانية الأولى من خلق الكون قامت البروتونات بجذب الإلكترونات بالقوة المطلوبة بالضبط لتكوين الذرة. إذن خروج الكون هو خروج اختياري ثم كان على أعلى درجات الإعداد بعناية. ولذا يرىنظرية الأوتار الفائقة أن مُعطياتنا عن الثوابت الكونية – مثل النسبة بين الإلكترون والبروتون -، تقف كلها على حافة سكين وكلها مُستقلة عن بعضها البعض، وفي الوقت نفسه تتلاقى لتسمح فقط بإحداث الحياة، وتغيُّرُ أىِّ مُعطى من هذه المعطيات التي نشأت مستقلة لم يكن يسمح لها بالتلاقي فضلا عن إمكانية إيجاد حياة أو حتى منظومة كونية (1). والآن لو افترضنا أننا نرغب في رؤية الذرات الموجودة داخل رأس دبوس صغير - مثلا - فإننا بحاجة إلى تكبير رأس الدبوس بحيث يصير بحجم الكرة الأرضية وفي تلك الحالة لن يتجاوز حجم الذرَّة كرة قدم صغي رة.. لماذ الذرات بهذا الحجم المدهش؟ إذا افترضنا أننا نرغب في رؤية النواة داخل الذرَّة فإننا بحاجة لتكبير كُرة القدم السابقة لتصير بحجم ملعب كرة قدم كبير وفي تلك اللحظة فلن يتجاوز حجم نواة الذرة حبة غُبار صغيرة للغاية.. فحجم نواة الذرَّة يساوي جُزء من عشرة بلايين جُزء من حجم الذرَّة .. ومع ذلك توجد كُتلة الذرة كلها في النواة 44.5% (1) موقع إدج العلمي المُتخصص . http://www.edge.org/3rd_culture/smolin_susskind04/smolin_susskind.html.

عدد الصفحات ٢٠٣

205 كهنة الإلحاد والآن التساؤل الهام: كيف تكون كتلة ملعب عملاق كلها موجودة فقط في حبة غُبار منه والباقي فراغ تـام؟ إن هذا النظام الذري بهذا الشكل وهذا التوازن بين كتلة النواة في مقابل حجمها داخل الذرة هو النظام الوحيد الذي يسمح بتشكيل الكون وبحدوث التفاعلات الفيزيائية. هذا الأ مر لا يُمكن استيعاب حدوثه بالصُّ دفة أو الخبط العشوائي إن ه تدبيرُ وإحكامُ وعجيبُ صُنْعِه . كان هناك أحد العلماء يدعى فيكتور ستينجرVictor Stenger، وكان مشغو تمام ا بهذه الثوا بت الدقيقة والتوازنات العملاقة، فقام ببرمجة أنظمة كمبيوتر، وعمل محاكاة بإدخال تعديلات على بعض الثوابت السابقة ولكنه اعترف في النهاية أنها ثوابت على أقصى حد من الإعداد بعناية (1). وهذه الثوابت توجد مجتمعة فلو نقص أحدها ما كان هناك كون، هذا فض عن أرقامها المنضبطة تمام ا إنه أمرٌ مُعَقدٌ للغاية . وذات مرة استطاع فيكتور ستينجرVictor Stenger أن يخرج بصيغة لأحد الأكوان مع بعض التعديلات الطفيفة على الثوابت الفيزيائية، واضطر من أجل ذلك لتغيير ثابت طول بلانك فصار أكبر مليارات المرات من حجمه الطبيعي، وظن أنه أخرج صيغة كون جديد مع بعض التضحيات - التضحية بثابت طول بلانك -، لكن بعد التدقيق في تلك الصيغة تبين أن زيادة طول بلانك ستؤدي إلى انتقال ظاهرة التداخل والحيود التي تحدث بين الموجات لتحدث بين الجسميات والأجسام الكبيرة، وبالتالي فإن الأرض المُتشكلة حديث ا سترتطم بالقمر والمريخ في كل لحظة، ويرتطم المشترى بزُحل، ويرتطم عطارد بالمجموعات النيزكية القريبة منه، وتتحول المجموعة الشمسية إلى غابة من الارتطامات العملاقة التي تفتت الكواكب والأفلاك نتيجة ظاهرة التداخل والحيود تلك.. (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Victor_J._Stenge.

عدد الصفحات ٢٠٤

كهنة الإلحاد 206 ولو افترضنا أنه نشأت حياة في هذا الجو القاتلفإن الكائن الحي ستتداخل خلاياه في خلايا كل كائن حي مجاور، وستتداخل أعضاء الكائن الحي في أعضاء كل كائن مُجاور وستتحول الحياة إلى جحيم لا يُطاق.. لقد أثبت لنا Victor Stenger دون قصد أن الكون ليس مُعَدا بعناية لنشأته فحسب بل لنشأة حياة مستقرة فيما بعد. إن الكون خرج من بين احتمالات لا نهاية لها،ولم يكن واجب الوجود بل كان احتمالي ا، ولم يكن الله هو المحرك الأول بل كان سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن...، لقد انفتحت أعيننا بفضل ميكانيكا الكم على لمحة من فيوضات نِعم الله علينا...، وعلِمنا أن الله على كل شيء شهيد ومُدبر وحكيم وعليم فسبحان الله [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {9}.

عدد الصفحات ٢٠٥

207 كهنة الإلحاد الجين الأنـاني قال الله تعالى : [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {54}. الكِبر هو أول ذنب عُصي الله به، وهو أصل دين الملحد، وهو سوق الشيطان وقِوام بضاعته، وعليه ينصب رايته.. وقلَّ من انتصر على نفسه وتواضع للحق متى ظهر واستعلن . نذكر هذا الكلام ونحن في معرض الحديث عن الكِبر الذي يمنع صاحبه من التسليم للحق، ويدفعه دفعـ ا للإغراق في الأُسطورة، بدلا من الرضوخ للبيِّنـات.. وإذا توجَّه الم رء بنظره إلى القرن التاسع عشر حيث العلوم البيولوجية في مهدها، وحين كانت الخلية في عهد داروين مجرد تكوين هلامي - بقعة سوداء - تحت الميكروسكوب، أو لطخة بروتوبلازمية Protoplasmic Blot على حد تعبير البعض، وكان من السهولة بمكان تمرير صدفوية نشأتها من أجل التأثير على عامة الناس الذين لا يُفكِّرون في مثل هذه الموضوعات . وبعد أن أظهرت الميكروسكوبات الإلكترونية في خمسينيات القرن الماضي آلاف العُضَيات المتخصصة specialized organelles داخل كل خلية، وبعد ثورة اكتشاف الحمض النووي، صار الحديث عن صدفوية الخلية ضرب ا من الجنون. وملامح النظام الإل هي في الخليّة الحيّة ظاهرةٌ، فالخلية الحية تحتوي على مُركبات مُعَقدة غير قابلة للاختزال، فعلى سبيل المثال: يوجد إنزيم متخصص في فك شفرة الحمض النووي لتخليق البروتين، وهذا يستدعي وجود الإنزيم والحمض النووي مع ا، والأمر لا يقبل التطور أو التدرج. (1) . ومن المعلوم في علوم البيولوجيا الجزيئية Molecular biology أن لحظة البدء في عمليّة فك التشفير لها علاقة برسالةٍ تأتي إلى ذلك الإنزيم ليقوم بفك الشفرة Decode وهذه الرسالة مُحَمَّلة على الـ RNAالرسولMessenger RNA.. إذن لابد أيضا ان يتواجد RNA الرسول منذ البدء. (1) http://www.proteinsynthesis.org/protein-synthesis-steps/.

عدد الصفحات ٢٠٦

كهنة الإلحاد 208 ومن ملامح التنظيم الإلهي أن هذه العمليّة –عمليّة فك الشفرة- بحاجةٍ إلى نظام تبريد، لا نقول: تحدث في مصانع عملاقة، ولكن في نواة خليّة لا يزيد حجمها عن 1 ميكرو متر- الميكرومتر واحد على مليون من المتر -، وهذه التقنيّة الحيويّة مهمّة حتى لا يحترق شريط الحمض النووي أثناء هذه العمليّة السريعة (1). إذن هذه عملية مُعقدة غيرُ قابلةٍ للاختزال Irreducible complexity، والتعقيد غير القابل للاختزال: هو نظام مُكوَّن من العديد من الأجزاء المتفاعلة المترابطة مع بعضها بشكلٍ جيد، والتي تسهم في الوظيفة الأساسية للنظام، بحيث إن إزالة أي جزء من هذه الأجزاء سيؤدي إلى توقف النظام عن العمل.. مثال ذلك: تروس الساعة فلابد أن تتواجد التروس مع ا وفي وقت واحد وإلا لن تعمل الساعة فهذه منظومة غير قابلة للاختزال. وبالمثل هذه العمليات المُعقدة المترابطة داخل نواة الخلية إمـا أن تنشـأ مرة واحدة أو لا تنشـأ..،فالافتقار لوظيفة واحدة يؤدي إلى توقُّ ف عملية تخليق البروتين بالكامل، وبالتالي لا يوجد ذلك الكائن الحي (2). وكل هذا يجري باستمرار في خلية حجمها1 على53 من حجم النقطة في نهاية هذه الجملة. وللإنسان أن يتساءل قبل كل ذلك: ما مصدر التشفير داخل الحمض النووي؟ فالتشفير عملية واعية غائية عقلانية، تهدف لتخزين المعلومات، لاستخدامها في المستقبل.! كل هذه الأمور المُعقدة غير القابلة للاختزال تجعل الحديث عن صُدفوية نشأة الخلية مجرد لغو فارغ، ولذا يقول [William Stokes العالم الدارويني" لو أحضرنا مليارات الكواكب مثل كوكب الأرض، وامتلأت كل هذه الكواكب عن آخرها بالأحماض الأمينية، وانتظرنا عليها مليارات السنين، فلن نحصل على بروتين واحد". (3). (1) المصدر السابق. (7) المصدر السابق. (3) The Origin Of Species Revisited.. W.R.Bird P.305.

عدد الصفحات ٢٠٧

209 كهنة الإلحاد إذن إنتاج بروتين واحد طبقا لويليام ستوكس William Stokes يتطلب مليارات الكواكب ممتلئة بالأحماض الأمينية، فما بالنا والخلية الحية يوجد بها آلاف البروتينات المُ تخصصة، التي تعمل مع ا في منظومة متكاملة، وليس مجرد بروتين واحد (1). لقد أثبت العلم بوسائله المُتطورة مدى تعقيد الخلية، واحتياجها إلى قانون متكامل ومتوازن، وهذا بطبيعة الحال يقود إلى الإيمان بالله- تعالى - الخالق البارئ المصور . لكن مَن قال بأن كل عالِم في ا لطبيعة موضوعي ومنصِف ينقاد لما تدلّ عليه التجارب والبحوث؟ ويتعامل معها بحياديّة؟ بين أيدينا مثالٌ لملحد شهير هو Richard Dawkins،وهو عالم بيولوجي إلا أنَّ قناعاتِه الإلحادية جعلته يتبنّى أمور ا غير منطقيّة فرار ا من أية إلزامات تفرضها علي ه الحقائق العلميّة، فاضطر للتأسيس لفلسف ة الجين الأناني في كتاب يحمل نفس الاسم SELFISH GENE،وافترض في كتابه هذا أفكار ا غارقة في الأسطورة، والدجل، والشعوذة، من أجل إفراز حل بديل لمعضلة الخلق المباشر، فافترض أُسطورة الجين الأناني الحريص على ذاته، وعلى الانتق ال من جيل لآخر (2). وكأنداوكينز لا يقبل فكرة الإله، والخلق المباشر، فافترض أسطورة الجين الإله .. وبالفعل هو يتحدث في كتابه عن مركزية الجين في الطبيعة، وكأن الجين بيده مقاليد الأمور، وأنَّ الكائنات الحية مُسخَّرة للجين، وتقوم بنقل الجين للأجيال التالية لا أك ثر، وهذا إدخال للأُسطورة في العلم من أجل سحب البساط من تحت ناقدي الداروينية (3). (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Protein. (2) http://en.wikipedia.org/wiki/The_Selfish_Gene. (3) http://science.jrank.org/pages/10160/Meme-Criticism-Memetic-Theory.html.

عدد الصفحات ٢٠٨