المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قواعد في تدبر القرآن الكريم

محمد محمود كالو

صفحة ٢ من ٣

17 كذا قال، وهذا غلط في فهم الفرق بي (الوعد) و(الوعيد) في اللغة التي نزل بها القرآن، فالله اس يخلف وعده وهو: أن يعده بالخير، أما الوعيد وهو: الإيعاد بالعقوبة فإخلافه مَدوح ويسمونه عفوا و صفحا اس خُ لْ فا وكذبا " . وهناك من الناس من يفهم من الآية معنى تريعا صحيحا ، ولكن بالتممل يحصل على معنى زائد آخر، كما في قوله تعالى: ﱹوَاذْكُرْ فيِ الْكِتَابِ مَرْيمََ إِذِ انـْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَان ا شَرْقِيًّا ﱸ2 فالفهم السريع لكلمة ( انتبذت) هو ابتعدت وخرجت عن قومها لتتفرغ لعبادة ربها أو لحاجة لها، وهو فهم صحيح، لكن الآية تدل على ما هو أبلغ من هذا، فإننا إذا تمملنا الكلمة نَّد أن لها معنى آخر بعيدا وزائدا يدل على أن خروج مريم لَ يكن خروجا عاديا ، بل هو خروج شديد فيه طرح واعتزال، ونبذ لقومها، فكمن أهلها وقومها شيء منبوذ غير مرغوب فيهم بالنسبة لها . وكذلك قوله تعالى : ﱹوَقَدْ بـَلَغْتُ مِنَ الْكِبرَِ عِتِيّ ا ﱸ3،قال مجاهد: (عِتِيّ ا ) بمعنى: نحول العظم. وقال ابن زيد : العتي: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه اس يولد له . قال ابن عاشور في التحرير والتنوير : " والعُتيّ - بلم العي- في قراءة الجمهور : مصدر عتا العود إذا يبس، وهو بوزن فعول أصله عُتُووٌ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنّهم لما اتتثقلوا توالي ضمتي بعدهُا واوان وهُا بمنزلة - ضمتي - تَلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العي كسرة، ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها تاكنة إثـْرَ كسرة ، فلما قلبت ياء اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي اسم، وكمنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إاسّ لدفع ااسلتباس بينه وبي العُتوّ الذي هو الطغيان فلا مو جب لطلب تَفيف أحدهُا دون الآخر. شبَّ ه عظامَ ه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية، وإثباتُ وصف العُتي لها اتتعارة تَييلية" . ـ المراحل الثمان لطالب فهم القرآن، عصام بن صالح العويد، مركز التدبر للاتتشارات التربية والتعليمية، الرياض، الطبعة الأولى 430هـ2005م:45. 2 ـمريم :2. 3 ـمريم :3.

عدد الصفحات ١٧

18 أي وقع لنبي الله زكريا عليه السلام كِبـَرٌ في السن مبالغ فيه، حتّ انحلت منه عظامه، ويبست يبوتا شديدا ، فهو يتلرع إلى ربه بلعفه الشديد، حتّ يبس منه العظم، فمصبح بدنه بلا رطوبة ينتج منها ماء الولد، فكيف له مع ذلك بالولد؟! وهذا مثال آخر من قوله تعالى: ﱹفَمَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلىَٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ ﱸ2 فحينما نتممل كلمة (فَمَجَآءَهَا) فإن أصلها (جاء) ولو وردت هكذا كان المعنى أن المخاض جاءها، وهذا جزء من المعنى المقصود، فدخلت هُزة التعدية لتليف لها معنى جديدا آخر زائدا على المجيء، وهو أن المخاض ألجمها إلى جذع النخلة، فلم يكن هذا المجيء على تبيل ااسختيار؛ بل هو على تبيل ااسضطرار، ولهذا قال المفسرون : {أجَاءها}معناه: ألجْمها، وهذا من عظيم إدراكهم لمعاني القرآن الكريم . لذلك يقول الزجاج : "وإنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير، لأن كتاب اللَّه ينبغي أن يتبي، أاس ترى أن اللَّه يقول: ﴿ أَفَلا يـَتَدَبـَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾؟ فحُلِلْنَا على التدبر والنظر، ولكن اس ينبغي لأحد أن يتكلم إاس على مذهب اللغة، أو ما يوافق نقلة أهل العلم"3. ويقول العز بن عبدالسلام: "اس يتمتى تدبر القرآن وفهم معانيه إاس بمعرفة ذلك" 4 أي: بمعرفة اللغة العربية . ويقول شيخ الإتلام ابن تيمية: "فإن فهم الكتاب والسنة فرض، واس يفهم إاس بفهم اللغة العربية، وما اس يتم الواجب إاس به فهو واجب" . ـ تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية، 534م:2/1 . 2 ـمريم :23. 3 ـمعاني القرآن وإع رابه ، إبراهيم بن السري الزجاج، تحقيق : عبدالجليل عبده الشلبي، عالَ الكتب، الطبعة الأولى 403هـ 533م: /35. 4 ـطبقات الشافعية الكبرى، عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو وغيره، دار إحياء الكتب العربية (د.ت): 3/252.

عدد الصفحات ١٨

19 ويقولأيلا : "والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم، لو كان معناه صحيحا ، فكيف إذا كان باطلا في العقل؟!"2 . إ أنه اس يُطلب من كل قارئ للقرآن الكريم أن يكون عالما باللغة العربية نحويا كسيبويه والأخفش، بل المطلوب أن يحصل قارئ القرآن على الحد الذي يمُ كِّ نه من فهم كتاب الله تعالى وتدبره . ومن الغريب أن نَّد بعض الناس يتوقف تفاعله مع عبادة التدبر عند حدِّ السماع لأهُيته وفلائله؛ لأنه يشعر أن بينه وبي التدبر مسافاتٍ شاتعة حتّ يكون أهلا لممارتته، والتنعمِ بآثاره، ف يظن أنه اس بد من أن يكون على علمٍ بتفسير أيّ آية يتدبرُ ها، بل ربما خُيِّل إليه أنه اس يجوز أن يتدبر حتّ يكون بمنزلة العالَِ المفسِّ ر الذي يشار إليه بالبنان، فكم حَرَمَ هذا الظنُّ فئاما من الناس من لذة التدبر ومتعتِ ه، وحلاوةِ التممل في الكتاب العزيز ! وكم فاته م بسببه خير عظيم! واس شك أن الدافع الذي منعهم من ااسقتراب من روضة التدبر هذا دافعٌ شريف، وهو الخوف من القول على الله بغير علمٍ، ولكن الشمن هنا ليس كذلك ، فهناك فرق بي التدبر والتفسير من جهة المعنى، ذلك أن دائرة التدبر أوتع من التفسير من جهة أن التدبر هو إعمال النظر في مآاست الألفاظ والمعاني. قال ابن هبيرة: "ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن ، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة ، حتّ يقول الإنسان: أنا اس أتكلم في القرآن تورعا "3. ـاقتلاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (د.ت): /521. 2 ـدرء تعارض العقل والنقل، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد تالَ، جامعة الإمام محمد بن تعود، الطبعة الثانية، 4 هـ 55 م: 2/1. 3 ـ الذيل على طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب ، تحقيق: عبد الرحمن بن تليمان العثيمي، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى 425هـ2005م: 2/ 52.

عدد الصفحات ١٩

20 إن فهم الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والعلم بالله واليوم الآخر اس يشترط له فهم المصطلحات العلمية الدقيقةمن نحوية وبلاغية وأصولية وفقهية، فمعظم القرآن بيٌِّ واضح ظاهر يدرك معناه الصغير والكبير، والعالَ والأمي، فحينما سمع الأعرابي قول الله تعالى : ﱹفـَوَرَ بِّ السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّهُ لحََقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﱸ قال: من ذا الذي أغلب الجليل حتّ أقسم. وحينما أخطم إمامٌ في قراءة آية النحل : ﱹ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فـَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ اسَ يَشْعُرُونَ ﱸ2 قرأها (مِ ن تحتهم) صوَّ ب له خطَ مَ ه امرأةٌ عاوز اس تقرأ واس تكتب . إن القرآن بيِّ و اضح، وفهمه وفقهه وتدبره ليس صعبا بحيث يُ غلق المرء عقله؛ ويُ علق فهمه كله بالرجوع إلى كتب التفسير، فهذا مفهوم خاطئ، ومدخل من مداخل الشيطان على العبد ليصرفه عن ااسهتداء به ، ففهم القرآن نوعان 3: النوع الأول : يدخل فيه تفسير الغريب، واتتنباط الأحكام، وأنواع الداساست، وهو الذي يختص بمهل العلم على تفاوت مراتبهم. والنوع الثاني : هو الذي ينتج عن تمملِ قارئ القرآن لما يمرُّ به من آيات كريمة، يعرف معانيها، ويفهم داساستها، بحيث اس يحتاج معها أن يراجع التفاتير، فيتوقف عندها متمملا ؛ ليحرك بها قلبه، ويعرض نفسه وعمله عليها، إن كان من أهلها حمد الله، وإاس حاتب نفسه واتتغفر. المبحث الثاني: دراسة سنته و سيرته صلى الله عليه وسلم، لأنه كان الترجمان الحقيقي للقرآن الكريم، وكان خلقه القرآن، بل كان قرآنا يمشي على الأرض، فهو المبيِّ لمجمله، والموضِّ ح لمشكله، وإذا كان الأمر كذلك، فإن تدبر القرآن ـ الذاريات : 23. 2 ـ النحل: 22. 3 ـقواعد وضوابط التدبر، عمر بن عبد الله المقبل، بحث منشور على الشبكة، موقع المسلم: http://www.almoslim.net/node/139579

عدد الصفحات ٢٠

21 وفهمُه اس يتمتَّى إاس بالرجوع إلى ما ثبت من تيرته وما صح من تنته صلى الله عليه وتلم، فكانت حياته كلها قواس وفعلا وإقرارا من حي مبعثه إلى وفاته بيانا لهذا القرآن. ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسملون رتول الله صلى الله عليه وتلم عما أُ شكِ ل عليهم، وكان جلُّ تفسيره بيانا لمجمل، أو توضيحا لمشكل، أو تَصيصا لعام، أو تقييدا لمطلق، أو بيانا لمعنى لفظ أو متعلقه. ويفهم من هذا أنه صلى الله عليه وتلم اقتصر على بيان المعاني اللرورية التي اس تحتمل التمخير، أو التي اس تبيل إلى معرفتها إاس عن طريقه، وترك ما توى ذلك للأمة ليعملوا عقولهم في التدبر والتفكر، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي رضي الله ع نه: هل عندكم شيء من الوحي إاس ما في كتاب الله؟ قال : والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إاس فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ... الحديث . قال الزمخشري في الفائق : "ولَ يزل الموثوقُ بهم من علماء الأمة يستنبطون معاني التنزيل، ويستثيرون دفائنه، ويغوصون على لطائفه، وهو الحمّالُ ذو الوجوه، فيعود ذلك تسايلا له ببعد الغور، واتتحكام دليل الإعااز"2. وقد قسمالطبري - رحمه الله - التمويل إلى ثلاثة أقسام، فاعل الأول: "ما اس يوصل إلى علم تمويلِ ه إاس ببيان الرتول صلى الله عليه وتلم ، وذلك تمويل جميع ما فيه من وجوه أمرِ ه، واجبِ ه وندبِ ه وإرشاده، وصنوف نهيه، وووظائف حقوقِ ه، وحدودِ ه، ومبالغِ فرائلِ ه، ومقادير اللازم بعضَ خلقِ ه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكامِ آيهِ التي لَ يُدرَك علمُها إاس ببيان رتول الله صلى الله عليه وتلم له تمويلَه، بنص منه عليه، أو بداسلة قد نصبَ ها دالَّ ة أمَّتَه على تمويله"3. ـصحيح البخاري، كتاب العلم باب كتابة العلم برقم : . 2 ـالفائق في غريب الحديث ، محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق : محمد أبو الفلل ابراهيم وغيره، الطبعة الثانية، عيسى البابي الحلبي (د.ت):3/351. 3 ـتفسير الطبري جامع البيان عن تمويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق : عبد الله التركي، دار هار (د.ت): /23.

عدد الصفحات ٢١

22 إنالنبي صلى الله عليه وتلم كان فعله وقوله وأخلاقه كلها بيان للقرآن الكريم ، قال تعالى: ﱹيَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتـَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِيَ ﱸ . و كانت حياة النبي صلى الله عليه وتلم صدقٌ كلها ؛ حتّ عُرف في مكة بالصادق الأمي، ولذلك عندما تمل تعد بن هشام عائشةَ رضي الله عنها: يا أمَّ المؤمني أنبئيني عن خُلُ ق رتول الله صلى الله عليه وتلم قالت:ألستَ تقرأ القرآن ؟ قلتُ : بلى قالت: "فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وتلم كان القرآن "2. فمكارم أخلاق الن صلى الله عليه وتلم وصفاته العظيمة تفسير منه عليه الصلاة والسلام للقرآن ، أما البيان القولي اللفظي الظاهر، بمعنى أن يقول النبي صلى الله عليه وتلم معنى الآية كذا، ف هذا قليل. مثال ذلك ما أخرجه الشيخان، عن ابن أبي مليكة أن الن بي صلى الله عليه وتلم قال: (من حوتب عُذِّب) قالت عائشة رضي الله عنها : فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ﱹفَسَوْ فَ يحَُاتَبُ حِسَابا يَسِيرا ﱸ3؟ قال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك) 4. قال الشافعي رحمه الله: "كل ما حكم به الرتول صلى الله عليه وتلم فهو مَا فهمه من القرآن "5. ومن الأمثلة على ذلك ما أخرجه الشيخان عن عدي بن حا رضي الله عنه قال : لما نزلت :ﱹحَتَّّ يـَتَبـَيََّ لَكُمُ الخَْيْطُ الأَبـْيَضُ مِنَ الخَْيْطِ الأَتْوَدِ ﱸ عمدتُ إلى عقال أتود وإلى عقال أبيض، فاعلتُ هما تحت وتادتِ، فاعلت أنظر في ـ التوبة:5. 2 ـرواه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع الصلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم : 35. 3 ـااسنشقاق: 3. 4 ـأخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتّ يعرفه برقم: 03، ومسلم في كتـاب الجنـة وصـفة نعيمهـا وأهلهـا، باب إثبات الحساب برقم : 2312. 5 ـمقدمة في أصول التفسير، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور، الطبعة الثانية، 352هـ512م: 53.

عدد الصفحات ٢٢

23 الليل فلا يستبي لي، فغدوتُ على رتول الله صلى الله ع ليه وتلم فذكرتُ له ذلك، فقال: (إنما ذلك تواد الليل وبياض النهار) 2. وقد يقال بمن هذا من قبيل تفسير القرآن بالسنة، فقد قال تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وتلم: ﱹوَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبـَيَِّ لِلنَّاسِ مَا نـُزِّلَ إِلَيْهِ مْ وَلَعَلَّهُمْ يـَتـَفَكَّرُونَ ﱸ3. ويحظ في هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل لما بيَّ مهمة الرتول صلى الله عليه وتلم في تبيي القرآن للناس؛ ختم الآية بقوله: ﱹوَلَعَلَّهُمْ يـَتـَفَكَّرُونَ ﱸ. وفي هذا دليل على أن بيان الرتول صلى الله عليه وتلم اس ينافي تدبر الآيات، والتفكر فيها، والغوص في معانيها استتنباط وجوه جديدة من البيان . إن تفسير القرآن الكريم على وجه القطع اس يُعلم إاس في آيات قلائل، لأن العلم بالمراد يُستنبط بممارات وداسئل، والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه، فلم يم مر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته. و قد دعا النبي صلى الله عليه وتلم اسبن عباس: (اللَّهُمَّ فـَقِّهْهُ فيِ الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّمْوِيلَ ) 4 ولو بيّ الن صلى الله عليه وتلم جميع معاني القرآن ما كان لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء من فائدة . ومن أمثلة ذلك أيلا ما " أخرجه أحمد عن جابر بن عبد الله قال : كنا جلوتا عند النبي صلى الله عليه وتلم فخط خطا هكذا أمامه، فقال: هذا تبيل الله عز وجل ، وخطيْ عن يمينه، وخطيْ عن مااله، وقال: هذه تبيل الشيطان، ـ البقرة : 31. 2 ـأخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول الله تعـالى : (وكلـوا واشـربوا حـتّ يتبـي .. ) بـرقم : 3 1، ومسـلم في كتـاب الصـيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفار برقم :050. 3 ـالنحل:44. 4 ـرواه أحمد في مسند عبد الله بن عباس برقم :2353.

عدد الصفحات ٢٣

24 ثم وضع يده في الخط الأوتط وت: ﱹ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيم ا فَاتَّبِعُوهُ وَاس تـَتَّبِعُوا السُّبُلَ فـَتـَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ تَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تـَتـَّقُونَ ﱸ الآية"2. وفي هذا الحديث من الأتاليب الجديدة والمتَّبعة حديثا حيث اتتخدم النبي صلى الله عليه وتلم في تفسيره وتائل الإيلاح التعليمية لبيان معنى الصراط المستقيم. ومن ذلك اتتخدامه عليه الصلاة والسلام للتشبيهات البلاغية والتي تقرب معنى الآية لذهن القارىء، ك بيانه صلى الله عليه وتلم لـ(تِدْرَةُ الْمُنْتـَهَى ) فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث مالك بن صعصعة قصة المعراج وفيه : (ثمَُّ رُفِعَتْ إِليََّ تِدْرَةُ الْمُنْتـَهَى فَإِذَا نـَبـْقُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَاَرَ ، وَإِذَا وَرَقـُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيـَلَةِ ، قال: هذه تِدْرَةُ الْمُنْتـَهَى )3. وكان يفس ر صلى الله عليه وتلم ما يشكل على بعض الصحابة فهمُ ه، ومن ذلك ما "أخرجه أحمد عن عبدالله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية : ﱹالَّذِينَ آمَنُواْ وَلََْ يـَلْبِسُواْ إِيمَانـَهُم بِظُلْمٍ ﱸ شقَّ ذلك على الناس فقالوا: يارتول الله وأيُّ نا اس يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألَ تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﱹإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﱸ4 إنما هو الشرك "5. ـالأنعام:53. 2 ـرواه أحمد في المسند، برقم : 4511. 3 ـأخرج ه البخاري في صحيحه ، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج ، برقم 3214. 4 ـلقمان:3. 5 ـرواه أحمد في المسند، برقم :3513.

عدد الصفحات ٢٤

25 ومن ذلك أيلا ما رواه عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رتول الله صلى الله عليه وتلم قال : إن ﱹالمَغلُوبِ عَلَيهِمْ ﱸ اليهود، وإن ﱹاللَّ الِّيَ ﱸ النصارى " . وشاهِ دُ ذلك قولُ ه تعالى في اليهود: ﱹفـَبَاءُوا بِغَلَبٍ عَلَى غَلَبٍ ﱸ 2 وفي النصارى : ﱹقَدْ ضَلُّوا مِنْ قـَبْلُ وَأَضَلُّوا ﱸ3. وينبغي التنبه أنه يلحقهم في هذا الوصف من اتصف بصفاتهم وتَلق بمخلاقهم، واليهود أتوأ حااس من النصارى، وقد عقد الألوتي في تفسيره روح المعا ني؛ مقارنة بينهما ومَا ذكر من ذلك ما يلي : ـ اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد، ولذا قال تعالى : ﱹلَتَاِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَة لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيـَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﱸ4 والنصارى دون ذلك . 2 ـ أنهم كفروا بنبيـيْ محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا محمد صلى الله عليه وتلم، وفلائحهم وفظائعهم أكثر مَا عند النصارى ، ومن أخص أتباب وصف اليهود بالغلب كونهم قد فسدوا بعد علم، والنصارى فسدوا عن جهل فوصفوا بالللال . وكان النبي صلى الله عليه وتلم يفسر القرآن أيلا بطريق السؤال ليتمكن الجواب في نفس السامع أيمَّا تمكُّ ن كما في تفسيره لقوله تعالى ﱹوَالشَّمْسُ تََْرِي لِمُسْتـَقَرٍّ لهََاﱸ . ـ رواه أحمد في مسند عدي بن حاتم برقم :335 . 2 ـالبقرة :50. 3 ـالمائدة:11. 4 ـالمائدة:32.

عدد الصفحات ٢٥

26 فعن أبي ذر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وتلم في المساد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس ؟ قلت: الله ورتوله أعلم . قال: فإنها تذهب حتّ تساد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: ﱹوَالشَّمْسُ تََْرِي لِمُسْتـَقَرٍّ لهََا ذَلِكَ تـَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﱸ2. وأخرج الإمام مسلم في صحيحه ع ن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سمعت رتول الله صلى الله عليه وتلم وهو على المنبر يقول: " ﱹوَأَعِدُّوا لهَُمْ مَا اتْتَطَعْتُمْ مِنْ قـُوَّةٍ ﱸ3 أاس إن القوة الرمي، إاس إن القوة الرمي، إاس إن القوة الرمي "4. عن أبي تعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وتلم في قول الله عز وجل: ﱹوَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَتَطا ﱸ5 قال: "عداس "2 . ويدخل في تفسير القرآن بالسنة ما يسمى بالأحاديث القدتية ففيها تفسير كثير للقرآن الكريم . المبحث الثالث: معرفة أسباب النزول والمناسبات والوقائع، وتعد من القواعد المهمة في تدبر القرآن الكريم، لأن كثيرا من الآيات ارتبط نزولها بمناتبات ووقائع معينة، واس يمكن أن تفهم إاس بمعرفة الأتباب والمناتبات والوقائع التي نزلت لمعالجتها، حتّ اس يقال ـ مثلا ـ إن حادثة الفيل تبب لنزول تورة الفيل، مع أن السورة نزلت من أجل التذكير بها. ـ يس:33. 2 ـيس:33، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر برقم : 3021. 3 ـالأنفال:20. 4 ـرواه مسلم في كتاب الإمارة ، باب فلل الرمي والحث عليه، برقم :5 1. 5 ـالبقرة :43. 2 ـرواه أحمد في المسند، برقم 052.

عدد الصفحات ٢٦

27 ويرى بعض الن اس أنه اس فائدة في معرفة أتباب النزول ، فهي مجرد تاريخ يذكر فلا جدوى من ذكرها وااسهتمام بدراتتها ، و لكن هذا الرأي ليس بصواب، وذلك لأن لأتباب النزول فوائد جمة، مَ ن تدبَّ رها علِ م أهُيتَ ها، فمن فوائدها أنها تعي على معرفة وجه الحِ كْ مة الباعثة على التشريع، وهذه فائدة عزيزة يحت اجها الفقيه كثيرا . قال الواحدي عن أتباب النزول: " إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، اسمتناع معرفة تفسير الآية، وقصد تبيلها دون الوقوف إلى قصتها وبيان نزولها " . وقال شيخ الإتلام ابن تيمية: "معرفة تبب النزول يعي على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب "2. وقال ابن دقيق العيد:"معرفة تبب النز ول طريق قوي في فهم معاني القرآن "3. فمتباب النزول ومناتباتها تزيل اللبس والإشكال الوارد على الآية مثال ذلك : قول الله تعالى: ﱹإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبـَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهِِمَا ﱸ4 . فقد فهم عروة بن الزبير عدم فرضية السعي بي الصفا والمروة، لأن نفي الجُ ناح يُ فهَ م منه عدم التكليف، فسمل عن هذا خالتَ ه أمَّ المؤمني عائشة رضي الله عنها فبيَّ نت له أن الأمر ليس كما فَ هِ م، واتتدلَّ تْ على ذلك بسبب نزول الآية، وهو ما رواه عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: "تملت عائشة رضي الله عنها : ( أرأيتَ قول الله تعالى: ﱹإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبـَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهِِمَا ﱸ 5 الآية فوالله ما على أحدٍ ـ أتباب النزول، علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، تحقيق: كمال بسيوني زغلول ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1411هـ- 1991م:5. 2 ـمجموع فتاوى شيخ الإتلام أحمد بن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاتم ، طبع مجمع الملك فهد، 425هـ2004م: 3/335. 3 ـمنهج الفرقان فى علوم القرآن ، محمد علي تلامة، مطبعة شبرا، القاهرة، 533م: /32. 4 ـالبقرة : 53. 5 ـالبقرة : 53.

عدد الصفحات ٢٧

28 جُناح أاس يطوف بالصفا والمروة، قالت: (بئسما قلتَ يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أوَّ لتَ ها كا نت اس جناح عليه أن اس يطوف بهما، ولكنها أُ نزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يُ سلِ موا يهلُّ ون "لمناة" الطاغية التي كانوا يعبدونها عند "المُ شَ لَّ ل" وكان مَ ن أهلَّ لها يتحرَّ ج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أتلموا تملوا النبي صلى الله عليه وتلم عن ذلك فقالوا: يا رتول الله إنْ كنا نتحرَّ ج أن نطوف بي الصفا والمروة فمنزل الله عز وجل : ﱹإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﱸ الآية، قالت عائشة: "وقد تنَّ رتول الله صلى الله عليه وتلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) . فبالرجوع إلى تبب نزول الآية زال الإشكال عنها ؛ و الذي أدى إلى فهْ مِ عدمِ شرعيةِ السعي، وأنَّ مَ ن ترَ كَ ه اس إثم عليه، والأمر خلاف هذا فليس لأحد أن يترك السعي بينهما كما دل على ذلك تبب النزول . ومن أمثلة ذلك أيلا قو ل الله تعالى: ﱹوَلَيْسَ الْبرُِّ بِمَنْ تَمْتُوا الْبـُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبرَِّ مَنِ اتـَّقَى وَأْتُوا الْبـُيُوتَ مِنْ أَبـْوَابهَِا وَاتـَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تـُفْلِحُونَ ﱸ2 فالقارئ لهذه الآية الكريمة يشكُل عليه نفي البرِ في إتيان البيوت من الخلف؛ لأنه اس يعرف أن أحدا يرى أن في إتيان البيوت من الخلف بِ را - أي خيرا - ولكنه إذا رجع إلى تبب النزول وعرف أن الأنصار كانوا إذا حا وا اس يمتون بيوتهم إاس من الخلف، ويرون أن في ذلك بِ را ، وقد عابوا رجلا حجَّ ودخل بيتَ ه من بابه، فنزلت هذه الآية تنفي ما اعتقدوه ، و أثبت أن البر والخير في تقوى الله، اس في إتيان البيوت من ظهورها كما اعتقدوا، بل عليهم أن يمتوا البيوت من أبوابها. ـ رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله ، برقم :52 . 2 ـالبقرة : 35.

عدد الصفحات ٢٨

29 فعن البراء رضي الله عنه قال : "نزلت هذه الآية فينا ، كَانَتِ الأَنْ صَارُ إِذَا حَاُّوا فَاَاءُوا اس يَدْخُلُ ونَ مِنْ أَبـْوَابِ بـُيُوتهِِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا ، فَاَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابه، فَكَمَنَّهُ عُيـِّرَ بِذَلِكَ ، فـَنـَزَلَتْ : ﱹوَلَيْسَ الْبرُِّ بِمَنْ تَمْتُوا الْبـُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبرَِّ مَنِ اتـَّقَى وَأْتُوا الْبـُيُوتَ مِنْ أَبـْوَابهَِا ﱸ فبالرجوع إلى تبب النزول زال الإشكال . وعلم أتباب النزول تزيل الإشكال في فهم معاني الآيات، ففي عهد أمير المؤمني عمر رضي الله عنه أشكل على بعض الصحابة فهم قوله تعالى: ﱹلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتـَّقَوْا وَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ ثمَُّ اتـَّقَوْا وَآمَنُوا ثمَُّ اتـَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يحُِبُّ الْمُحْسِنِيَ ﱸ2 هذه الآية أشكلت على جماعة عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكانوا يرو ن أن الخمر مباحة ويحتاون بالآية، ولكن عمر بن الخطاب عارضهم في ذلك، وردَّ ابن عباس عليهم بسبب نزول الآية. فعن ابن عباس رضي الله عنهما : " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتِ بر جل من المهاجرين الأولي وقد شرب ، فممر به أن يجُ لَ د فقال: لََِ تَلدُ ني؟ بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر : وأي كتابِ الله تَد أن اس أجلدك؟ فقال له: إن الله عز وج ل يقول في كتابه : ﱹلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﱸ3 الآية، فمنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسني، شهدتُ مع رتول الله صلى الله عليه وتلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، فقال عمر: أاس تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس : إن هؤاسء الآيات أنزلت ـ البقرة : 35، والحديثصحيح البخاري كتاب العمرة باب قول الله تعالى وأتوا البيوت من أبوابها برقم : 105. 2 ـالمائدة: 53. 3 ـالمائدة: 53.

عدد الصفحات ٢٩

30 عذرا للماضي، وحاة على المنافقي؛ لأن الله عز وجل يقول : ﱹيَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنمََّا الخَْمْرُ وَالْمَيْسِرُ ﱸ الآية، ثم قرأ حتّ أنفذ الآية الأخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنَّ الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر رضي الله عنه : صدقتَ، ماذا ترون؟ قال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب تكر ، وإذا تكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فممر به عمر فاُ لِ د ثماني جلدة "2. وروى الترمذي عن البراء رضي الله عنه قال: "مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وتلم قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال : كيف بمصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر، فنزلت الآية "3 . فسببنزول الآية قد أزال الإشكال عنها ، حيث خصها بمن مات من الصحابة وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، وبه ردَّ ابن عباس على من أخطم في فهم الآية، فلواس تبب النزول لبقي هؤاسء على خطئهم حيث فهموا من الآية العموم. و من فوائد أتباب النزول أنها تعي على معرفة الحِ كمة التي من أجلها شُ رِ ع الحُ كم، وذلك أن تبب النزول يحكي الملابسات والظروف والأوضاع التي كان الناس عليها قبل تشريع الحكم ، فبالرجوع إليه نتعرف على الحِ كمة التي قصدها الشارع ، ومن الأمثلة على ذلك : ما ر واه مسلم عن تعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا ، وذلك قبل أن تحُ رم الخمر، قال : فمتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور ـ المائدة: 50. 2 ـرواه الدارقطني في تننه، كتاب الحدود: 3 / 22 ، وتفسير القرطبي : 2 / 253 ، وذكر في رواية الحميدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اتم هذا الرجل " قدامة بن مظعون الجمحي صهر عمر بن الخطاب وواليه على البحرين ". 3 ـرواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن ، باب اللهم بي لنا في الخمر بيان شفاء فنزلت التي في البقرة يسملونك عن الخمر والميسر ، برقم 2552، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

عدد الصفحات ٣٠

31 مشوي عندهم، وزق من خمر، قال : فمكلتُ وشربتُ معهم، قال : فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم ، فقلتُ : المهاجرون خير من الأنصار، قال: فمخذ رجل أَ حَ دَ لحِْ يَ ي الرأ س فلربني به فارح أنفي ، فمتيت رتول الله صلى الله عليه وتلم فمخبرته، فمنزل الله عز وجل فيَّ - يعني نفسه - شمن الخمر: ﱹإِنمََّا الخَْمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْاسمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تـُفْلِحُونَ ﱸ . فبالرجوع إلى أتباب نزول هذه الآية تبينت الحِكمة العظيمة من تشريع هذا الحُكم، لأن الخمر تُ سَ بِّ بُ أضرارا كثيرة ومفاتد عظيمة، ومن ضمنها ما حدث بي الصحابة من اعتداء بعلهم على بعض لما شربوها. فلواس أتباب النزول ما اهتدينا إلى هذه الحِكم النافعة على وجه التفصيل، ومعرفة هذه الحِكم تزيد المؤمن إيمانا وثقة في دينه، وما شرعه الله له من الأحكام النافعة المبنية على مقاصد عظيمة، وترغب الكافر في الإيمان إذا تبي له سمو التشريع الإتلامي ويسره وتهولته، وما اشتمل عليه من المنافع والمصالح والمقاصد الحسنة، وكثير من الناس قد أدهشهم ذلك، فكان تببا في إيمانهم. وربما يلتبس على بعض الدارتي التفسير على القياس بمتباب النزول، وهو موجود في تفاتير بعض السلف، ومن أمثلتِه، ما ذكره الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن قائلا : "ورد عن أبي أمامة في قوله: ﱹ فـَلَمَّا زَاغُوا أزَاغَ اللَّهُ قـُلُوبـَهُمْ ﱸ2 قال: هم الخوارج ". فالمفسِّر انتزع هذا المقطع من الآيةِ، ونزَّ له على الخوارجِ الذين لَ يكونوا عند نزولِ هذه الآياتِ، وإنما جاءوا بعد وفاة الرتول صلى الله عليه وتلم وانقطاع الوحي، وإذا نظرتَ إلى تياقِ الآيةِ، وج ـدتَ أنه في الحدي ثِ عن بني إترائيل، ـ المائدة: 50، والحديث رواهمسلم في صحيحه، كتاب فلائل الصحابة، باب ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت لـه ب سـهم لـيس فيـه نصل فمصبت جنبه فسقط، رقم : 143. 2 ـالصف: 5.

عدد الصفحات ٣١

32 وأنهم هم اوصوفون بهذا الوصف، لكن المفسِّر أراد أنْ يُنبِّه إلى دخولِ الخوارجِ في حكمِ هذا المقطع من الآيةِ، وأنهم مثالٌ لقومٍ مالوا عن الحقِّ، فممالَ اللهُ قلوبهم جزاء وفاقا لميلِهم، وتنْزيل ذلك المقطع من الآية على الخوارجِ إنما هو على تبيلِ القياسِ بممرِ بني إترائيل ، وليس مراده أنهم هم تبب نزوله ا. قال الإمام الشاطبي: "...كما قاله القاضي إسماعيل - في قوله تعالى: ﱹإنَّ الَّذِينَ فـَرَّقُوا دِينـَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا لَسْتَ مِنـْهُمْ فيِ شَيءٍ ﱸ بعد ما حكى أنها نزلت في الخوارج -: وكمنَّ القائل بالتخصيص، والله أعلم، لَ يقل به بالقصد الأول، بل أتى بمثال مَا تتلمنه الآية؛ كالمثال المذكور، فإنه موافق لما قال، مشتهرا (كذا) في ذلك الزمان، فهو أولى ما يمثل به، ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره عند القائل به، ولو تئل عن العموم لقال به ... وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمي، وهو الأولىَ لمناصبهم في ال علم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة"2. ومنه قولهتعالى: ﱹوَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانـَتَكَ فـَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قـَبْلُ فَمَمْكَنَ مِنـْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﱸ3. قال ابن عطيَّةَ: "وأما تفسير الآية بقصة عبد الله بن أبي السرح، فينبغي أن يحُرَّ رَ، فإن جُلبتْ قصةُ عبد الله بن أبي السرح على أنها مثالٌ، كما يمكن أن تَُْلَبَ أمثلةٌ في عصرنا من ذلك، فحسنٌ . وإن جُلبت علـى أنَّ الآية نزلت في ذلك، فخطاٌ؛ لأنَّ ابن أبي السرحِ إنما تبيَّ أمره في يوم فتح مكة، وهذه الآية نزلت عَقِيبَ بدرٍ "4 . ـالأنعام: 55. 2 ـااسعتصام، إبراهيم بن موتى الشاطبيّ ، تحقيق: محمد رشيد رضا ، المكتبة التاارية الكبرى (د.ت):03: . 3 ـالأنفال:1 . 4 ـتفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد الحق بن عطية الأندلسي، دار ابن حزم (د. ت): 3 5-320.

عدد الصفحات ٣٢