المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قواعد في تدبر القرآن الكريم

محمد محمود كالو

صفحة ١ من ٣

1 قـــــواعـــد في تدبر القرآن الكريم د. محمد محمود كالو بحث مقدم للمؤتمر العالمي الأول لتدبر القرآن الكريم بعنوان: ( تدبر القرآن الكريم وأثره في حياة الأمة ) المنعقد في الدوحة ـ قطر

عدد الصفحات ١

2 32- 32 شعبان(8 )4121هـ الموافق 3- 5 يوليو(7 )3142م مقدمة: الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى، وعلى آله وأصحابه الشرفا، أما بعد: فإن الحديث عن تدبر القرآن حديث جليل، لأن القرآن الكريم خطاب الله تعالى للخلْق، والتدبر جوابهم عنه، وإذا كان تفسير القرآن يخبر عن معناه، فإن التدبر يحكي أثره في النفس والحياة . وتدبر القرآن واجب على الأمتيْ ، أمة الدعوة وأمة ااستتاابة، فالمؤمنون بفلل الله تعالى يتمملون آيات الله فتقشعرُّ جلودهم خوفا من الوعيد، ثم تلي جلودهم عند سماع الوعد؛ لما يرجون من رحمته . أما الكافرون فإنهم أعرضوا عن التدبر فكانوا كما قال الله تعالى فيهم : ﱹوَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنـْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﱸ لقد دعا القرآن إلى التدبر دعوة مباشرة صريحة، وأبان أن علة إنزال القرآن هو التدبر، واس شك أ نها علة عظيمة تقود إلى كل فلاح وفوز في الدنيا والآخرة . ـ النحل:33.

عدد الصفحات ٢

3 وتدبر القرآن اس يقف بالمؤمن عند مجرد السماع والتمثر، بل يتعدى إلى العمل وااستتاابة لله ورتوله صلى الله عليه وتلم، وهذا أصل عظيم من أصول التدبر، ولهذا فقد ذمَّ الله تعالى اليهود الذين يزعمون أنهم آمنوا بالكتاب، والحال أنهم اس يعملون به. قال القرطبي : " حثَّ على تممل مواعظ القرآن، وبي أنه اس عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ – مع تركيب العقل فيه – اسنقادت لمواعظه، ولَرأيتَها – على صلابتها ورزانتها – خاشعة متصدعة ، أي: متشققة من خشية الله " . و هذا البحث يتحدث عن بعض القواعد التي كان يسلكها تلفنا الصالح في تعاملهم مع كتاب الله، و التي يمكن بها ااسنتفاع في تدبر القرآن الكريم، و التي بسبب غفلة الكثيرين عنها أو بعلها أصبحوا اس يتمثرون واس ينتفعون بما فيه من الآيات والعظات، والأمثال والحكم. و قد و قفتُ على بعض الكتابات في هذا الموضوع لبعض العلماء السابقي ما بي كتاب مطبوع أو بحث منشور، من ذلك: – قواعد التدبر الأمثل، عبد الرحمن حسن حبنكة . 2 – مفهوم التدبر تحرير وتمصيل، نخبة من المتخصصي . 3 – تدبر القرآن الكريم بي النظرية والتطبيق، رقية طه العلواني . 4 - مفاتح تدبر القرآن والنااح في الحياة، خالد بن عبد الكريم اللاحم. 5 – فن التدبر في القرآن الكريم، عصام بن صالح العويد. ـ الجامع لأحكام القرآن والمبي لما تلمنه من السنة وآي القرآن، محمد بن احمد القرطبي، تحقيق : عبد الله التركي، مؤتسة الرتالة ببيروت، الطبعة الأولى 421هـ2002م: 20/333.

عدد الصفحات ٣

4 2 – تدبر القرآن، تلمان بن عمر السنيدي. 1 – تعليم تدبر القرآن الكريم أتاليب عملية ومراحل منهاية، هاشم بن علي الأهدل . وقد اتتفدت من جميع هؤاسء في كتابة البحث، ولواس هذه المراجع وغيرها لما قام هذا البحث على توقه . في هذه الدراتة المتواضعة حاولت إبراز بعض القواعد المهمة لتدبر كتاب الله تعالى، وقد قسمت البحث بعد هذه المقدمة إلى تمهيد وأربعة مباحث وخاتمة تشمل النتائج، على الشكل التالي: تمهيد: ويشتمل على تعريف المفردات ، وشروط التدبر وعوائقه وثمراته ، و التقسيم الأنسب للتدبر. المبحث الأول: من قواعد التدبر معرفة لغة العرب وأتاليبهم البيانية. المبحث الثاني: من قواعد التدبر دراتة تنته وتيرته صلى الله عليه وتلم . المبحث الثالث: من قواعد التدبر معرفة أتباب النزول والمناتبات والوقائع. المبحث الرابع: من قواعد التدبر إنزال القرآن على واقع الأمة وقلاياها. الخاتمة: تشمل نتائج البحث. والله أتمل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب. /4/20 3م مدينة العي/ الإمارات العربية المتحدة د. محمد محمود كالو

عدد الصفحات ٤

5 تمهيد: اس بدَّ قبل الولوج في ذكر هذه القواعد، أن أمهد بإشارة مختصرة، بتعريف مفردات عنوان البحث، (وهي القواعد، والتدبر)، وبيان شروط التدبر وعوائقه وثمراته ، وتوضيح التقسيم الأمثل للتدبر، فمقول: أ ـ تعريف المفردات: ـ القواعد جمع قاعدة، اتم فاعل وأصلها اللغوي يعود إلى مادة (قعد)، وهي ـ كما يقول ابن فارس ـ : أَصْلٌ مُطَّرِدٌ مُنـْقَاسٌ اس يخُْلَفُ ... وَقـَوَاعِدُ الْبـَيْتِ : أَتَاتُهُ ، وقوَ اعِ دُ الهوْ دَ جِ : خَ شَ بَ ات أرْ بع، معْ ترَ ضَ ات في أتْ فَ له" ولهذا يقال: "الْقَاعِدَة: أصل الأسِّ، وَفيِ التـَّنْزِيل : ﴿وإذْ يـَرْفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِنَ البَيِتَ وَإِسمَْاعِيل﴾، وَفِيه: ﴿فَمتى اللهُ بـُنـْ يَ انـَ هُ م مِ نَ الْقَوَاعِد﴾ قَالَ الزّجاج : الْقَوَاعِد: أتاطي الْبناء الَّتيِ تـَعْ مِده، وقواعد الهَ وْ دج: خَ شَ بَ ات أرْ بَ ع، معْ ترَِ ضَ ة في أتْ فَ لِ ه، قَ دْ رُ كِّ بَ تْ فِ يهِ ن " 2. وبناء على هذا فالقواعد: هي الأصول التي تنبني عليه مسائلُه وفروعُه. والقاعدة اصطلاحا : "قَلِيَّة كُلية منطبقة على جزئياتها"3 . ـمعام مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، طبعة دار الفكر (د.ت): 5/ 03. 2 ـالمحكم والمحيط الأعظم، علي بن إسماعيل بن تيده، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج وغيره، معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ، 311هـ 553م: /52، وتيسير التحرير ، محمد أمي المعروف بممير بادشاه، طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر 350هـ: / 5. 3 ـ التعريفات ، علي بن محمد الشريف الجرجاني، طبعة 535م، بيروت: 11.

عدد الصفحات ٥

6 ـ أما التدبُّر: فـ"هو آخر الشيء، وخَلْفَه خلاف قبله" . ويقال: "دَبـَّرَ الأَمْرَ وتَدَبـَّرَة : نَظَر في عاقِتَبِه، واتْتَدْبـَرَه: رَأَى في عاقِبتِه ما لََْ يـَرَ في صَدْرِه، وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبُّرا : أي بمُخَرَةٍ، قالَ جَرِبرٌ 2: واس تـَتـَّقُونَ الشَّرَّ حَتّّ يُصِيبَكُمْ واس تـَعْرِفُونَ الأَمْرَ إاس تَدَبُّرا قال الزبيدي: " وَقيل: التَّدَبُّر: التَّفكُّر، أَي: تحَْصِيل المَعْرِفـَتـَيِْ لتَحْصِيل مَعْرِفةٍ ثَالِثَة "3 . هكذا حكاهالزبيدي بصيغة التمريض، ولعل ذلك لوجود فرقٍ بينهما، كما أبانه أبو هلال العسكري في فروقه، حيث قال: "الْفرق بَي التفكير و التدبر: أَن التدبر تصرف القلب بِالنّظرِ فيِ العواقب ، والتفكر تصرف القلب بِالنّظرِ فيِ الدَّاسئِل" 4 . والتدبر من الكلمات الواردة في القرآن الكريم على أصل معناها اللغوي ولَ تنتقل إلى أصل شرعي جديد، وهذا حال أغلب كلمات القرآن . وقال ابن عطية: "والتدبر: النظر في أعقاب الأمور وتمويلات الأشياء، هذا كله يقتليه قوله : ﴿أَفَلا يـَتَدَبـَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾5 وهذا أمر بالنظر وااستتداسل" 2 . ـ معام مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، طبعة دار الفكر (د.ت): 2/324. 2 ـلسان العرب، محمد بن مكرم المشهور بابن منظور، دار صادر، بيروت (د.ت)، مادة (د ب ر). 3 ـتاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتلى الزبيدي، تحقيق : عبد الكريم العزباوي، مطبعة حكومة الكويت، 353هـ 512م: /225. 4 ـالفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، تحقيق: محمد ابراهي م تليم، دار العلم والثقافة، القاهرة (د. ت): 15. 5 ـتورة محمد : 24. 2 ـتفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد الحق بن عطية الأندلسي، دار ابن حزم (د. ت): 455.

عدد الصفحات ٦

7 وقال الخازن : "أصل التدبر: النظر في عواقب الأمور والتفكر في أدبارها، ثم اتتعمل في كل تفكر وتممل ، ويقال تدبرت الشيء أي نظرت في عاقبته، ومعنى تدبر القرآن : تممل معانيه، وتفكر في حِ كَ مِ ه وتبَ صُّ رُ ما فيه من الآيات" . قال ابن القيم: " وتدبُّر الكلام : أن ينظر في أوله وآخره، ثم يعيد نظرَه مرة بعد مرة، ولهذا جاء على بناء التفعُّل، كالتفهُّم والتبيُّ " 2. قال عبد الرحمن حسن حبنكة: "التدبر هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر داساست الكلم ومراميه البعيدة "3 أما بإضافة كلمة التدبر للقرآن الكريم فيمكن الخروج بتعريف لكلمة التدبر اصطلاحا بمنه: تممل القرآن بقصد ااستعاظ وااسعتبار. ب ـ شروط التدبر: إن الحث على التدبر عام لجميع الخلق دون اتتثناء، لأن الله يسَّره للذكر، فقال الله تعالى: ﱹوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فـَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﱸ4 وقال تعا: ﱹكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبـَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَْلْبَابِ ﱸ5 فلم يخص يخص الباري جل جلاله ذلك بمهل العلم دون غيرهم، إاس أن الناس متفاوتون في التدبر والفهم، فمنهم من يفهم من الآية حُ كْ ما أو حُ كْ ميْ ، ومنهم من يفهم عشَ رة أحكام أو أكثر، ومنهم من يقتصر فهمه على مجرد اللفظ ، وألطف من ذلك ضَ مُّ الآية إلى نص متعلق به فيفهم من ااسقتران فهم زائد، وهذا باب عايب في تدبر القرآن الكريم اس يحسنه ـ تفسير الخازن المسمى لباب التمويل في معاني التنزيل ، علي بن محمد البغدادي الصوفي، دار الفكر، بيروت 355 هـ515 م: /523. 2 ـمفتاح دار السعادة، ابن القيم الجوزية، تحقيق : تيد إبراهيم وغيره، دار زمزم (د.ت): /33. 3 - قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عزوجل ، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، الطبعة الرابعة 430هـ2005م : 0 4 ـالقمر: 1. 5 ـص: 25.

عدد الصفحات ٧

8 إاس الحاذق النادر من أهل العلم، كما فهم أمير المؤمني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قولَ ه تعالى: ﱹوَحمَْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا ﱸ مع قوله تبارك وتعالى : ﱹوَالْوَالِدَاتُ يـُرْضِعْنَ أَوْاسدَهُنَّ حَوْلَيِْ كَامِلَيِْ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﱸ2 أن المرأة قد تلد لستة أشهر، حيث " أُ تِِ عثمان رضي الله عنه بٱمرأة قد ولدت لستة أشهر؛ فمراد أن يقلي عليها بالحدّ؛ فقال له عليّ رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﱹوَحمَْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرا ﱸ3 وقال تعا:ﱹ وَٱلْوَالِدَاتُ يـُرْضِعْنَ أَوْاسَدَهُنَّ حَوْلَيِْ كَامِلَيِْ ﱸ 4،فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل تتة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولَ يحدَّ ها"5. وكما فهم بعض الصحابة رضي الله عنهم من آية الفرائض في أول تورة النساء وآخرها أن الكلالة : من اس ولد له واس والد. هذا و تنحصر شروط التدبر في ثلاثة أمور: الأول: وجود المحل القابل (القلب الحي). الثاني: العمل الذي يصدر من المكلف ( القراءة أو ااستتماع مع حلور القلب ). الثالث: قدر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع . ـ الأحقاف: 5. 2 ـالبقرة : 233. 3 ـالأحقاف: 5. 4 ـالبقرة : 233. 5 ـالجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي :5 / 55.

عدد الصفحات ٨

9 وقد جمََعَ تْ آيةٌ في كتاب الله تعالى هذه الشروط، وهي قوله تبحانه وتعالى: ﱹإِنَّ فيِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قـَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﱸ وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : "ما كان بي إتلامنا وبي أن عاتبنا الله بهذه الآية : ﱹأَلََْ يَمْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تََْشَعَ قـُلُوبـُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نـَزَلَ مِنَ الحَْقِّ وَاسَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قـَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَْ مَدُ فـَقَسَتْ قـُلُوبـُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنـْهُمْ فَاتِقُونَ ﱸ2 إاس أربع تني"3. واس ريب أن هذا العتاب الإلهي ملمونه : الدعوة إلى التفكر والتدبر في آثار ما تحدثه قراءة القرآن في قلوبهم؛ إذْ الأصل أن يكون له أثر على لي القلب، وخشيته، ودمع العي، وهو أيلا تحذيرٌ من أن يكون حظهم من القرآن مجرد تلاوة اس تدبر فيها، وإاس فإن النتياة المحتومة، هي قسوة قلوبهم كما قست قلوب من تبقهم . قال الخازن في تفسيره : " وتدبر القرآن اس يكون إاس مع حلور القلب، وجمع الهم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية "4 . ومن صور الوقوف على تدبر القرآن تكرار الآية ، فقد قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه " قام النبي صلى الله عليه وتلم بآية حتّ أصبح يرددها، والآية : ﱹإِن تـُعَذِّبـْهُمْ فَإِنـَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تـَغْفِرْ لهَُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلحَْكِيمُ ﱸ5 وجاءت نقول كثيرة عن السلف في ترديدهم لبعض الآيات وتدبرها والتفكر فيها حتّ نادى منادي السحر. ـ ق: 31. 2 ـالحديد: 2. 3 ـأخرج ه مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ألَ يمن للذين آمنوا أن تَشع قلوبهم لذكر الله ، برقم : 3027. 4 ـتفسير الخازن، علي بن محمد البغدادي :2/ 32. 5 ـالمائدة: 3 ، والحديث رواه ابن ماجه في تننه،كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل ، برقم :350.

عدد الصفحات ٩

10 وهذا تميم الداري رضي الله عنه قام بآية حتّ أصبح: ﱹأ مْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتـَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نََّّْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ تَوَاء محَّْيَاهُم وَمَََاتـُهُمْ تَاء مَا يحَْكُمُونَ ﱸ . و عن عباد بن حمزة قال دخلتُ على أسماء وهي تقرأ ﱹ فَمَنَّ اللهُ عَلَيـْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﱸ2 قال: فوقفتْ عليها فاعلتْ تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقليتُ حاجتي ثم رجعتُ وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو"3. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " اس تـَهُذُّوا القرآن هذَّ الشِّ عر، واس تنثروه نثر الدَ قَ ل، و قفوا عند عاائبه وحركوا به القلوب، واس يكن همُّ أحدِ كم آخرَ السورة "4. أي اس ترموا بكلماته من غير روية وتممُّ ل كما يرمى الدقل ـ بفتحتي ـ وهو رديء التمر فإنه لرداءته اس يحفظ ويلقى منثورا . وقال ابن قدامة رحمه الله : " وليعلم أن ما يقرأه ليس كلام بشر، وأن يستحلر عظمة المتكلم تبحانه، ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لَ يحصل التدبر إاس بترديد الآية فليرددها"5 . ج ـ من عوائق التدبر: ولكي يحصل التدبر التام فلا بد من إزالة العوائق المانعة وهي : ـ مختصر منهاج القاصدين، أحمد بن عبد الرحمن المقدتي، تحقيق : شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، دار البيان، بيروت، 353هـ 513م: 53، والآية من تورة الجاثية :2 . 2 ـالطور: 21. 3 ـ المصنف، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة ، باب الرجل يصلي فيمر بآية رحمة أو آية عذاب، برقم : 667. 4 ـ زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم الجوزية، تحقيق : شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، مؤتسة الرتالة بيروت، الطبعة الثالثة 4 3هـ553م: /325. 5 ـمختصر منهاج القاصدين، للمقدتي: 53.

عدد الصفحات ١٠

11 أولا: ترك التدبر تقليدا : ﱹأَفـَلَمْ يَدَّبَّر وا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لََْ يَمْتِ آبَاءهُمُ الأَْوَّلِيَ ﱸ فلو جاءهم ما جاء آباءهم الأولي لآمنوا به، وهذا مانع من التدبر من خارج النفس . ثانياا : ترك التدبر عنادا : ﱹأَفَلا يـَتَدَبـَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قـُلُوبٍ أَقـْفَالهَُا ﱸ 2 وهذا مانع من التدبر من داخل النفس. ثالثاا : ترك التدبر إنشغااس بالدنيا، فالقلوب اسهية غافلة، إنهم يستمعون القرآن بآذانهم، ولكنه اس يصل إلى قلوبهم؛ اسنشغالها بممور أخرى، قال الله تعالى: ﱹمَا يَمْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبهِِّم محُّْدَثٍ إِاسَّ اتْتَمَعُوهُ وَهُمْ يـَلْعَبُونَ (2 )اسهِيَة قـُلُوبـُهُمْ ﱸ3 . د ـ ثمرات التدبر: ـ حصول اليقي في القلب، كما قال تعالى : ﱹهَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدى وَرَحمَْةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ﱸ4 ، فمن قرأ القرآن بتدبر وتممل حصل له الهدى و اليقي التام؛ لأن القرآن كالماء العذب، والقلب كالشارة التي اس تستطيع أن تعيش وتنمو إاس بهذا الماء، فالقلب كلما تفكر في معاني كلام الله حصل له الري والشبع، والنمو وااستتقرار . ـ المؤمنون: 23. 2 ـتورة محمد : 24. 3 ـالأنبياء: 2-3. 4 ـالجاثية: 20.

عدد الصفحات ١١

12 2 ـ زيادة الإيمان، قال الله تعالى: ﱹوَإِذَا مَا أُنزِلَتْ تُورَةٌ فَمِنـْهُم مَّن يـَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانا فَمَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فـَزَادَتـْهُمْ إِيمَانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﱸ ، وإنما ازداد المؤمنون إيمان ا بسبب فهمها، واعتقاد ما فيها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير ، ثم مع ذلك مستبشرون. أما المنافقون، ومن في قلوبهم مرض؛ فبسبب إعراضهم عن الفهم والتدبر يسمل بعلهم بعل ا أيُّ كم زادته هذه إيمان ا؟! 3 ـ الهداية إلى العلم الصحيح، ودفع أمراض القلوب والأبدان ، قال تعالى: ﱹوَلَوْ جَعَلْنَاهُ قـُرْآنا أَعْاَمِيّا لَّقَالُوا لَوْاس فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْاَمِيٌّ وَعَرَبيٌِّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُد ى وَشِفَاء ﱸ2 ، أي هذا القرآن يهدي المؤمني إلى ثمرة العلم الصحيح النافع، ويدفع عنهم أمراض القلوب والأبدان، فلا يكون في قلوبهم شك واس ريب؛ لأنهم فهموا مراد الله تعالى. 4- معرفة حقيقة الدنيا، وأنها ظل زائل، و كثيرها قليل، قال تعالى: ﱹإِنمََّا مَثَلُ الحَْيَاةِ الدُّنـْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتـَلَطَ بِهِ نـَبَاتُ الأَرْضِ مََِّا يَمْكُلُ النَّاسُ وَالأَنـْعَامُ حَتََّّ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفـَهَ ا وَ ازَّيـَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنـَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيـْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نـَهَارا فَاَعَلْنَاهَا حَصِيدا كَمَن لََّْ تـَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نـُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يـَتـَفَكَّرُونَ ﱸ3. ـالتوبة: 24. 2 ـفصلت: 4 . 3 ـيونس: 24.

عدد الصفحات ١٢

13 5- ااسعتصامبحبل الله وااسجتماع بعد التفرقة والتشرذم، قال تعالى : ﱹوَاعْتَصِمُواْ بحَِبْلِ اللَّهِ جمَِيعا وَاسَ تـَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَمَلَّفَ بـَيَْ قـُلُوبِكُمْ فَمَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَ انا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَمَنقَذَكُم مِّنـْهَا كَذَلِكَ يـُبـَيُِّ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ ﱸ . 2- الشعور بالأمن والهداية، قال الله تعالى: ﱹالَّذِينَ آمَنُواْ وَلََْ يـَلْبِسُواْ إِيمَانـَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لهَُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﱸ2. 1- حصولالخشية ولي القلوب من ذكر الله، قال تعالى: ﱹاللَّهُ نـَزَّلَ أَحْسَنَ الحَْدِيثِ كِتَابا مُّتَشَابهِا مَّثَانيَِ تـَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يخَْشَوْنَ رَبـَّهُمْ ثمَُّ تَلِيُ جُلُودُهُمْ وَقـُلُوبـُهُمْ إِلىَ ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّ هِ يـَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُلْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﱸ3،فبسماع آيات الله، يحصل للقلوب قشعريرة وخشية ، وينتج عن ذلك لي و اطمئنان وهداية. هـ ـ التقسيم الأنسب للتدبر: هناك تقسيم بالنسبة للمتدبِّر، و آخر بالنسبة للمتدبَّر، فالأول: يقسم إلى تدبر العلماء، وتدبر الفقهاء، وتدبر أهل اللغة والبيان، وتدبر العبَّ اد والصالحي، وتدبر عامة المسلمي، وتدبر حديثي العهد بالإتلام، وتدبر الكفار، وتدبر المنافقي، وغيرهم. ـ آل عمران : 03. 2 ـالأنعام: 32. 3 ـالزمر : 23.

عدد الصفحات ١٣

14 أما الثا: فيقسم بحسب الموضوعات (المتدبَّر): كتدبرات العقيدة، وتدبرات الأحكام، وتد برات الأخلاق ، وتدبرات اللغة، وتدبرات التربية ، ونحو ذلك، وهذا التقسيم هو الأنسب لمقاصد التدبر في القرآن الكريم، لأنه الأقرب لتحقيق تلك المقاصد، وآيات التدبر تُشعر بذلك قال الله تعالى: ﱹأَفَلا يـَتَدَبـَّرُونَ الْقُرْآنَ ﱸ قواعد في تدبر القرآن الكريم: إن التدبر يستحق أن يكون علما مستقلا بذاته؛ منفصلا عن علوم القرآن، بل من العلوم المعاصرة التي تُفرَد لها المؤلفات والكتابات الخاصة، كما يستحق أن تنشم له المؤتسات التربوية، شمنها في ذلك شمن مراكز تحفيظ القرآن الكريم، و هو علم يستحق أن يطبق عليه منهج المواد المدرتية المنفصلة . و ينبغي على المتدبِّر حتّ يقطف ثمار تدبره أمور منها : الإخلاص، وااستتعداد النفسي للتدبر، والدعاء بمن يرزقه الله التدبر، وأن يتمنى في القراءة واس يستعال، وأن يكرر الآية عدة مرات ففي كل مرة يفتح الله عليه فتحا جديدا ، وأن يعتبر المتدبِّر نفسه المقصود بكل خطاب في القرآن الكريم وليس غيره. و القواعد التي تعي على التدبر السليم لكتاب الله تعالى كثيرة منها : المبحث الأول: معرفة لغة العرب وأساليبهم البيانية، اس يخفى أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب وبلسانهم، وهو اس يفهم إاس بفهم ما به نزل، ولذلك اهتم أهل العلم كافة بمعرفة لغة العرب ، ولن يؤتِ التدبر أُكُلَه، وتنلج ثمرته، إاس إذا اعتنى المتدبِّر باللغة التي نزل بها هذا القرآن الكريم. ـ تورة محمد : 24.

عدد الصفحات ١٤

15 فإذا كانت المفردة القرآنية من غريب الألفاظ؛ اتتعان المتدبر بكتب التفسير أو كتب غريب القرآن، ثم يتدبر ترَّ اختيار المفردة القرآنية دون ما تواها والتي يُظنُّ لأول وهلة أنها مترادفة من كل وجه، فقد اعتنى كثير من المفسرين بهذه الأترار الدقيقة ، فإن من فهمها وتدبرها يجد في قراءته للقرآن الكريم لذة اس يمكن وصفها . ومن أمثلة ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى : ﴿ألم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَهُمْ مِنْ بـَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيـَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَْمْرُ مِنْ قـَبْلُ وَمِنْ بـَعْدُ وَيـَوْمَئِذٍ يـَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يـَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ ، و كلمة (أدنى) لها عدة معان في القواميس، منها: "أقرب، و أخفض، وأحقر"، وقد تحققت المعاني كلها في الآية الكريمة، فمرض فلسطي هي "أقرب" الأراضي إلى جزيرة العرب ، وفيها "أخفض" نقطة عن تطح البحر في الأر ض كلها، إنها أغوار البحر الميّت 352م، كما يمكن أن يقال بمنها " أحقر" الأراضي، لأن منطقة البحر الميت هي مساكن قوم لوط؛ وهي أرض محقرة حتّ عند اليهود ، ولهذا رضوا بمن يتخلوا عنها لما يسمى بالسلطة الفلسطينية . وكذلك كلمة ( الجلود) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداا غَيـْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاا حَكِيماا ﴾2،فلم يقل الباري جلّ جلاله: بدلناهم عظاما غيرها؛ أو لحوما غيرها، لأن الجلد مركز الإحساس في جسم الإنسان ، فمن ك شط جلده اس يحس بالألَ والعذاب والحرارة ، لذلك قال الله تعالى: ﴿ لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ﴾. وقد قال الزمخشري في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتـَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾3: "القطران : فيه ثلاثة لغات: قَ طِ ران، وقِ طْ ران، وقَ طْ ران : بفتح القاف وكسرها مع تكون الطاء، وهو ما يتحلب من شار يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنم به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن ـ الروم: - 4. 2 ـالنساء: 55. 3 ـإبراهيم : 50.

عدد الصفحات ١٥

16 شمنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به، وهو أتود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النا ر حتّ يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص؛ لتاتمع ع ليهم الأربع: لذع القطران وحرقته، وإتراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح " . فكل لفظة من ألفاظ القرآن تم اختيارها بميزان دقيق ، أدق من ميزان الذهب والفلة ، ومن اس يعرف اللغة العربية وألفاظها وأتاليبها اس يستطيع أن يفهم – مثلا – قوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾2 ، واس يمكنه أيلا أن يفرق بي قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نـَعْبُدُ ﴾3 و(نعبدك) أو (نعبد إياك) ونحو ذلك من الأتاليب العربية . إن " عدم فهم داسلة الكلمة يؤدي إلى خطم كبير في تمويل القرآن، ولذا لما لَ يدْرِ عمرو بن عبيد المعتزلي ما هو (الوعد) عند العرب؛ ظن أن إخلاف الوعد أو الوعيد واحد : ﱹوَعْدَ اللَّهِ اسَ يخُْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﱸ4 فزعم أنه اس يجوز عز وجل أن يخلف وعيده فإذا توعَّد الله أحدا كما في قوله تعالى: ﱹوَيْلٌ لِكُلِّ هَُُزَةٍ لُمَزَةٍ ﱸ5 أو قوله: ﱹالَّذِينَ يـَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فيِ الدُّنـْيَا وَالآْخِرَةِ وَلهَُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﱸ2 فلا بدَّ أن يعذبهم واس يعفو عنهم وإ كان ذلك كذبا وإخلافا للوعد. ـ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التمويل ، محمود بن عمر الزمخشري ، تحقيق: أحمد عادل وغيره، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 4 3هـ553م: 3/354. 2 ـيوتف:32. 3 ـالفاتحة:4. 4 ـالروم:2. 5 ـالهمزة : . 2 ـالنور:23.

عدد الصفحات ١٦