المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آيات سجود التلاوة

فاطمة يوسف عمر واصل

صفحة ٩ من ١٢

129 ومع كل هذه الاعتراضات والاحتجاجات والمعارك النفسية مع الن  يتكفل القرآن بالعون والمساعدة معركة الجدل والمحاجة: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ (1). وتواصل السورة تثبيت النبِ  فتحثه على الصبر والمصابرة وعلى جهاد الكفار ،وهذا هو نهج الأنبياء عليهم السلام : ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ(2). ((وهكذا تمضي السورة: في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله، وفي جانب آخر مشاقّة وعنت من المشركين لرسول الله وتقدّم السورة جوانب القدرة الإلهية، وتصف عجائب صنع الله في مد الظلّ، وتسخير الشمس، وخلق الليل والنهار، والظلام والنور، وإنزال المطر وإنبات النبات، وخلق الإنسان والكواكب والبروج والأفلاك، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب )) (3).فإذا اقتربت السورة من نهايتها ذكرت اعتراضهم للخضوع والسجود لله تعالى ،وكيف أن المؤمن يخالفهم فيخر لله ساجدا : ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ (4). (1) سورة الفرقان ، أية 11 (2) سورة الفرقان ، أية 51 (3) سورة الفرقان ، أية 11 (4) سورة الفرقان ، أية 11

عدد الصفحات ١٢٩

131 مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : بعد أن عرض الله مظاهر القدرة الإلهية في نظام الكون وإبداع صنعته ،فيعرض مشهد الظل ،ثم يذكر تعاقب الليل والنهار ،والرياح المبشرة بالماء المحيي ،وخلقه البشر من ماء ، ومع كل هذه النعم الدالة على وحدانيته ، و إفراده بالعبادة دون سواه ، اتَذ المشركون معه آلهة أخرى ،عبدوها من دون الله ، وهي لاتنفع ولا تضر ولاتملك موتا ولا حياة ولانشورا . وعندها أمرهم بالسجود والخضوع له سبحانه ، أبوا وتكبروا واستنكروا ذلك وزادهم نفورا على نفورهم. ((و لما ذكر إحسانه إليهم،وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم )) (1). فقال : ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﭼ. أما مناسبة الآية بما بعدها : فبعد أن ذكر حالهم وموقفهم من الحق ، وتكبرهم عن استجابة الداعي في السجود والخضوع للرحمن ،الرب المعبود الذي وسعت رحمته كل شيء ، بعد ذلك ذكر في الآية التالية بعضا من آثار رحمته في الكون ، والتي تثبت وحدانيته واستحقاقه للعبادة دون سواه فقال : ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ(2). يقول العلامة الرازي معلقا على هذه الآيةل مَّا ح ك ى ع نِ الْكُفَّارِ م زِيد الن َّفْر ةِ ع نِ السُّجُودِ ذ ك ر م ا ل وْ ت ف كَّرُوا فِيهِ ل ع ر فُوا وُجُوب السُّجُودِ و الْعِب اد ةِ لِلرَّحمْ نِ )) (3). (1) البقاعي ،نظم الدرر ، مرجع سابق ، ج 21 ، ص426 (2) سورة الفرقان ، أية 62 (3) الرازي ، مفاتيح الغيب ، مرجع سابق ، ج 14 ، ص472

عدد الصفحات ١٣٠

131 تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ (1). في هذه الآية ينكر الله سبحانه وتعالى على المشركين الذين يعبدون من دون الله مالايضرهم ولاينفعهم ،أنهم إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ، واجعلوا خضوعكم وسجودكم له خالص ا دون الآلهة. قالو ا: وماا لرحمن ؟؟ ((على جهة الإنكار والتعجب ، أي مانعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ،يعنون بذلك مسيلمة الكذاب )) (2). فاستفهموا هنا استفهام مناكرة ومغالطة ،فاستفهموا عن الرحمن استفهام من يجهله وهم عالمون به ؛ ففي "الرحمن" ((ذكرت الصفة المبالغة في الرحمة ، والكلمة عربية لا ينكر وضعها ، أنكروا التجاهل لهذه الصفة التي لله مغالطة منهم ووقاحة ،فقالوا ومالرحمن ،وهم عارفون به و بصفته الرحمانية )) (3). وجعلوا هذا القول وهو :وماالرحمن من جملة قوادحهم في الرسول ،فقالوا ينهانا عن اتَاذ آلهة مع الله ،وهو يدعو مع الله آلها آخر يقول : يارحمن ونحو ذلك ، كما قال تعالى : ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﭼ (4). ((فأسماؤه سبحانهوتعالى كثيرة ؛لكثرة أوصافه وتعدد كماله ،فكل واحد منها دل على صفة كمال)) (5). وإنكارهم هذا لم يكن غريبا منهم ((فقد أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال الن للكاتب :اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم "فقالوا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ،ولك اكتب كما كنت تكتب :باسم ك اللهم)) (6). وإنكارهم نابع من استكبارهم ، فهم يقولون :أنسجد لما تأمرنا ،أي لمجرد أمرك لنا ، وهذا مبني على التكذيب بالرسول واستكبارهم عن طاعته. (1) سورة الفرقان ، أية 11 (2) القرطبِ ، مرجع سابق ، ج 21،ص64 (3) ابوحيان ، مرجع سابق ، ج 7،ص211 (4) سورة الإسراء ،آية 222 (5) السعدي ، مرجع سابق ، ج 2،ص575 (6) ابن كثير ، مرجع سابق ، ج 6 ،ص212

عدد الصفحات ١٣١

132 ﭽ ﮓ ﮔ ﭼ أي زادهم قول القائل :" اسجدوا للرحمن " من إخلاص السجود لله وإفراده بالعبادة بعدا و نفورا عن الدين والإيمان ، وهربا من الحق إلى الباطل وزيادة كفر وشقاء. قال تعالى : ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ(1). وفي قوله :"وزادهم نفورا دلالة على أن : ((النفور من السجود سابق قبل سماع اسم الرحمن ،وزادهم نفورا بعد سماعه )) (2). ((وقدكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية :"إلهي زادني لك خضوعا مازاد عداك نفورا ")) (3). وموضع السجود في هذه الآية بالاتفاق (( ووجه السجود هنا إظهار مخالفة المشركين إذ أبوا السجود للرحمان، فلما حكي إباؤهم من السجود للرحمان في معرض التعجيب من شأنهم ؛ عز ز ذلك بالعمل بخلافهم فسجد النبِ صلى الله عليه وسلم هنا مخالفا لهم مخالفة بالفعل ،مبالغة في مخالفته لهم بعد أن أبطل كفرهم بقوله: ﭽ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ(4). (1) سورة الإسراء ، أية 42 (2) ابن عاشور ، مرجع سابق ، ج 22 ،ص61 (3)القرطبِ، مرجع سابق ، ج 21 ،ص64 (4) سورة الفرقان، أية 57

عدد الصفحات ١٣٢

133  الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة الفرقان: ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ في هذه الآية إخبار عن حال المشركين وتماديهم وعنادهم عن اتباع الحق ،وقد ذكر الله عز وجل ذلك لبيان عنادهم ((فالخبر هنا مستعمل كناية في التعجيب من عنادهم وبهتانهم، وليس المقصود إفادة الإخبار عنهم بذلك لأنه أمر معلوم من شأنهم)) (1).. الواو في قوله :"قالوا وما الرحمن واو العطف ؛ لعطفهم الكلام الذي صدر منهم على الكلام الذي وجه إليهم في أمرهم بالسجود للرحمن. وبالنسبة ل "ما" في الآية :استفهامية ، ((والاستفهام مستعمل في الاستغراب، يعنون تجاهل هذا الاسم، ولذلك استفهموا عنه بما دون (من) باعتبار السؤال عن معنى هذا الاسم)) (2). وقد آثر القرآن هنا لفظ " الرحمن " على غيره من الأسماء ؛ لأنه يتناسب مع المقام تمام المناسبة فقد جاء مناسبا للآية التي قبلها :ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ وكذلك جاء الكلام في سياق الحديث عن النعم بأنواعها وهذا من آثار رحمة الله بعباده وفضله عليهم ، بالاضافة لذلك فإن التعبير بهذا اللفظ ((يجذب الخلق جميعا إلى حيث تعريف الله عز وجل لعباده برحمته ،دون سخطه وغضبه ،فالرضا والرحمة من شأنه ، والسخط والغضب ليس من شأ ن الله عز وجل )) (3). ومع ذلك نجد الكفار يقابلون هذه الرحمة بالتطاول والاستهتار والاستنكار ويزعمون أنهم لا يعرفون اسم الرحمن . وزيادة في استهتارهم يسألون عنه ب "ما" فقالوا " وماالرحمن " . ولا عجب فهو يحكي لهجة المشركين عندما يدهمهم نور الحق ، وكيف يحاولون جاهدين إخماد هذا النور بهذه الأفواه الوقحة. وقد حكى الله عز وجل في كتابه -بهذا الاستفهام- عن فرعون ،عندما سأل ذلك التساؤل الأحمق :ﭽ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ(4). (1)ابن عاشور، مرجع سابق ، ج 22 ،ص61 (2)ابن عاشور، مرجع سابق ، ج 22 ،ص61 (3)النعيري، مرجع سابق ،ص 222 (4) سورة الشعراء ، أية 11

عدد الصفحات ١٣٣

134 ففرعون يعلم من هو رب العالمين ، لكنه مسلك هؤلاء الحمقى في الصد عن الحق وقبول الباطل . وهذا نهجهم قديما وحديثا ،وفي كل زمان ومكان . ومما يؤكد إنكارهم وتعجبهم قولهم :"أنسجد لما تأمرنا " فالاستفهام هنا ((إنكار وامتناع، أي لا نسجد لشيء تأمرنا بالسجود له ))(1). ((والتعبير بالفعل المضارع "تأمرنا" يدل على أن هذا نهجهم ،وأنهم دوما سيتجهون نحو الغلظة الصاعدة الحاقدة تتجدد منهم حالا بعد حال تجاه أمر الله عز وجل ،وشخص النبِ  )) (2). وفي قوله : "وزادهم نفورا " يلاحظ القارو أن (( الضمير المستتر في زادهم عائد إلى القول المأخوذ من وإذا قيل لهم. وإسناد زيادة لنفور إلى القول لأنه سبب تلك الزيادة فهم كانوا أصحاب نفور من سجود لله فلما أمروا بالسجود للرحمان زادوا بعدا من الإيمان )) (3)، وهذا كقوله في سورة نوح : ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ(4). وهكذا تعاونت مفردات الجمل في هذه الآيات لتبرز حقيقة هؤلاء الذين تكبروا عن سماع الحق ،وأعرضوا عن السجود والخضوع لرب العزة والجلال. فاللهم زدنا خضوعا لك ،وذلة بين يديك . المطلب الخامس : سجدة سورة النمل ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ (1). (1)ابن عاشور، مرجع سابق ، ج 22 ،ص61 (2)النعيري، مرجع سابق ،ص 221 (3)ابن عاشور، مرجع سابق ، ج 22 ،ص61 (4) سورة نوح ، أية 6

عدد الصفحات ١٣٤

135 السجدة في سياقها سجدة سورة النمل هي السجدة التاسعة في المصحف. وسورة النمل سورة مكية ،عدد آياتها 21 آية ،وسميت سورة النمل لاشتمالها على مناظرة النمل مع سليمان عليه السلام في قوله تعالى :ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ(2). وموضوع السورة كسائر السور المكية ،هو العقيدة والإيمان بالله واليوم الآخر والوحي ،وتوجيه القلب لشكر المنعم سبحانه وتعالى على نعمه. ثم تأتي القصص لتثبيت أهداف السورة وتبين عاقبة المكذبين والمؤمنين. وأول هذه القصص قصة موسى عليه السلام ،قم قصة سليمان عليه السلام مع النملة والهدهد ومع ملكة سبأ ،وكيف أنعم الله على داود وسليمان بتسخير الجن والطير لهما. ومن عجائب الطير الذي تحدثت عنه الآيات "الهدهد" والرحلة العجيبة التي خاضها في سبيل اكتشاف الحقيقة . وقد برز جانب الهدهد بروز ا عجيبا في هذه ا لسورة ،فهو كالمعلم الذي يتعلم منه الناس أسس العقيدة ،والغيرة على دين الله ‘ فقد شغلته قضية العقيدة (( ليذهب ويمكث ويحيط بأمر عبدة الشمس ،ويستنكر عليهم ذلك ، ثم يأتي إلى الملك وولي الأمر يعرض عليه في أدب جم مارأى ليقوم بواجبه تجاه ماحدث ، ثم يحث ويحض على أن يكون السجود لله وحده لا شريك له)) (3). : ﭽﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ (4). فها هو الهدهد يسجد لله خاضعا ويأمر الخلق بالسجود لله وحده ، فلا سجود لاشمس ولا قمر ولانجم ولا حجر ولا صنم ولا شجر . إنه يؤكد حقيقة غفل عنها كثير من الناس عندما أبوا السجود لله ،بل " زادهم نفورا " حقيقة السجود لله المعبود ، الذي سجد له كل مافي الكون ظاهرا وباطنا ، طوعا وكرها ، حيا وجمادا : ﭧ ﮢ ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ (5). (1) سورة النمل ، أية 15-16 (2) سورة النمل ، أية 27 (3)النعيري، مرجع سابق ،ص 227 (4) سورة النمل ، أية 15-16 (5) سورة الرعد، أية 25

عدد الصفحات ١٣٥

136 مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : ترتبط آية السجدة ارتباطا وثيقا بما قبلها ومابعدها ، فهي مازالت تحكي رحلة الهدهد وموقفه من القوم الذين كانوا يعبدون الشمس من دون الله ،وهم قوم ملكة سبأ "بلقيس " فالشيطان زين لهم الباطل ،وحسن عبادتهم للشمس وسجدوا لها من دون الله ،وحبب ذلك الأمر إليهم ؛فمنعهم بذلك أن يتبعوا الطريق المستقيم. ﭧ ﮢ ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

عدد الصفحات ١٣٦

137 ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ (1). وهكذا تحكي الآيات التي بعدها تثبُّت سليمان عليه السلام من الأمر الذي قاله الهدهد ،ومازال السياق يتتالى بالأحداث إلى أن هدى الله ملكة سبأ بلقيس للاستسلام لأمر الله عز وجل والدخول في دينه وعبادة الله وحده والسجود والخضوع له . ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (2).  أوجه القراءات والإعراب في الآية : ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ (3).  في قراءة ( ألا يسجدوا قراءتان :القراءة الأولى : قرأ الكسائي بالتخفيف وحجة التخفيف : أنه جعلها استفتاحا للكلام ،فالوقف على ماقبل (ألا) حسن ،وجعل مابعد (ألا ) منادى ،وبقيت (يا) تدل عليه وذلك جائز في لغة العرب ،فهم يكتفون بياء عن الاسم المنادى ،مثال : يقو لون :ألا ياادخلوا ،وتقديرها : ألا ياهؤلاء ادخلوا . فكذلك الآية تقديرها : ألا ياهؤلاء اسجدوا ،فلذلك يجوز الوقف على (يا) ويبتدو (اسجدوا)في هذه القراءة ،وإنما حذفت ألف (يا)من اللفظ لسكونها وسكون السين بعدها. القراءة الثانية : (ألاّ) بتشديد اللام ،وهي قراءة باقي القراء. (1) سورة النمل، الآيات 11-17 (2) سورة النمل، أية 44. (3) سورة النمل ، أية 15-16

عدد الصفحات ١٣٧

138 وحجة من شدد : أن الأصل عنده (أن +لا) فأدغمت النون في اللام في (أن) هي الناصبة للفعل (يسجدوا) وحذفت النون منه للنصب ،والتقدير : وصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا.... (1).  وكذلك في قوله ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ أيضا فيها قراءتان : قرأ حفص والكسائي "بالتاء" ،والحجة في ذلك : أنه حمله على الخطاب ؛ لأن ماقبله على قراءة الكسائي منادى والمنادى مخاطب ،فكأنه قال : ألا يقوم اسجدوا لله الذي يعلم ماتَفون وماتعلنون. وقرأ الباقون بياء الغيبة (ويعلم مايخفون ومايعلنون) ؛ لأن الكلام قبله جرى على لفظ الغيبة في قول ه :(وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون .ألا يسجدوا ...)فصار آخر الكلام كأوله في الغيبة (2). تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ (3). مازال الحديث في الآية متصلا بما قبله ،واستمرارا لما رآه الهدهد من قوم سبأ الذين عبدوا الشمس وسجدوا لها من دون الله ، فيقول داعيا لهم بإفراد السجود للرب المعبود :( ألا يسجدوا لله ...) فيكون الكلام بناء على ماسبق من كلام الهدهد لقوم بلقيس. ((ويحتمل أن يكون استئنافا من جهة الله عز وجل أو سليمان عليه السلام)) (4). ولعل الأظهر أنه من قول الهدهد ؛ لأنه متصل بالحديث الذي قبله ، ولا يمنع ذلك من كون الخطاب موجه لكافة الأمة . وفي هذه القراءة أمر بالسجود لله تعالى. (1) القيسي ،مكي بن أبي طالب ، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها ،ص 257-252، ت: د.محي الدين رمضان ، دار الرسالة ،بيروت ، ط4 ،2427ه (2) المرجع السابق (3) سورة النمل ، أﯾة25-26 (4)الألوسي، مرجع سابق ، ج11 ،ص186

عدد الصفحات ١٣٨

139 وفي (ألا) قراءتان بالتخفيف والتشديد . فبالتخفيف تقديرها : ( ألا يقوم اسجدوا لله ...) ففي هذه القراءة أمر بالسجود لله تعالى. وبالتشديد تقدير الكلام : ((وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون ألا يسجدوا لله ...أي لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ماخلق من شيئ من الكواكب وغيرها )) (1). كما قال في سورة أخرى ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ(2). وفي هذه القراءة ذم على ترك السجود لله تعالى. ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ يخرج المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء، ونبات في الأرض ونحو ذلك. ((عن مجاهد: (يخُْرِجُ الخْ بْء فيِ السَّم او اتِ) قال: الغيث )) (3). ((وقال ابن زيد، في قوله: (الَّذِي يخُْرِجُ الخْ بْء فيِ السَّم او اتِ و الأرْضِ) قال: خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق، والمطر من السماء، والنبات من الأرض، كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها المطر، وأخرج النبات )) (4). ((وقال ابن عباس يعلم كل خبيئة في السماء والأرض)) (5). فيعلم الخفي في أقطار السماوات وأنحاء الأرض ، من صغار المخلوقات وبذور النباتات،وخفايا الصدور ،ويخرج خبئ الأرض عند النفخ في الصور ،ويخرج الأموات ويجازيهم بأعمالهم ؛ لذلك قال بعدها : ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ فاالله سبحانه وتعالى يعلم مايخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال ، يعلم السر من أمور خلقه ،فيظهر مايخفونه من الأحوال فيجازيهم عليها .قال تعالى : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ(6). (1)اابن كثﯿر، مرجع سابق ، ج6،ص187 (2) سورة فصلت، أﯾة37. (3 )الطبري، مرجع سابق ، ج 22،ص522 (4)المرجع سابق ، ج 22،ص522 (5 )ابن كثير، مرجع سابق ، ج 6،ص277 (6) سورة الرعد، أية 22

عدد الصفحات ١٣٩

141 وإن كان القول ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ من كلام الهدهد ، ((فهذا يعني أن الله خصه من المعرفة بتوحيده ،ووجوب السجود له ،وإنكار سجودهم للشمس ،وإضافته للشيطان وتزيينه لهم ماخص به غيره من سائر الطيور والحيوان من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدي لها )) (1). والآية السابقة دلتعلى وصف الله سبحانه وتعالى بالقدرة والعلم ، أما القدرة فقوله : (يخرج الخبء) ، وأما العلم فقوله : (يعلم ماتَفون وما تعلنون). ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم مايدل على عظيم قدرته وجليل سلطانه ووجوب توحيده وتَصيصه بالعباده ،قال مصرحا بما يقتضيه : ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ . أي الملك الأعظم الذي لا كفؤ له.ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ :(( أي الذي لا تنبغي العبادة والإنابة والذل والحب إلا له لأنه المألوه لما له من الصفات الكاملة والنعم الموجبة لذلك )) (2). فأخلصوا له العبادة وأفردوه بالطاعة ولا تشركوا به شيئا هوالله رب العرش العظيم : الذي ليس في المخلوقات أعظم منه ،فالعرش سقف المخلوقات ووسع الأرض والسموات . وقد خصه بالذكر ؛ لأنه أعظم المخلوقات ،كما ثبت عن النبِ . وللإشارة إلى أن ((كل عرش وإن عظم دونه ، لا يشبهه عرش ملك سبأ ولا غيره (3). فعرش ملكة سبأ وإن كان عظيما ،فهو حقير في جنبعرشه سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية تكريم لشأن الهدهد ، فلما كان داعيا إلى الخير ،وعبادة الله وحده والسجود له ، نهُي عن قتله ، كَمَا رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيـْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : «نـَهَىرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قـَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ، النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَا لصُّرَدِ » (4). وقد اتفق العلماءعلى السجدة التي في سورة النمل ، واختلفوا في موضع السجود منها : على قولين: القول الأول: أن موضعه عند قوله تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ (5). (1)القرطبِ، مرجع سابق ، ج 21،ص277 (2)ا لسعدي، مرجع سابق ، ج 2،ص624 (3) الطبري ، مرجع سابق ، ج 22،ص452 (4) رواه أبو داود ،كتاب الأدب ،باب قتل الذر ، رقم الحديث 5167 ورواه ابن ماجه ،كتاب الصيد ، باب ماينهى عن قتله ، رقم الحديث 1114 ، وصححه الألبا (5) سورة النمل ، أية 16

عدد الصفحات ١٤٠

141 ذهب إليه المالكية (1). ، والشافعية (2).، والحنابلة (3). القول الثاني: إنه عند قولهﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ (4). ذهب إليهالحنفية (5). والذي يظهر  الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة النمل: ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ في هذه الآيتين من الخصائص الأسلوبية الجميلة ،والتي تجعل القارو يقف منبهرا أمام دقة النسق القرءاني ،والجمال البياني : ففي قوله : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ الإشارة إلى (الخبء) وهو ((مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه.أطلق هنا على اسم المفعول (أي المخبوء) على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر)) (6). وفي الآية بيان لجالة الهدهد ؛ لأنه اطلع على أمر خفي فكان اختيار هذا الوصف (الخبء) موافقا للقصة حيث تضمنت ماهو أشبه شيء بإخراج الخبء ،وهو إظهار أمر بلقيس ومايتعلق به . فأمرها كان مخفيا على سليمان عليه السلام ،ولم يطلع عليه إلا الهدهد ،فقد سخره الله تعالى لهذه المهمة . (1) ابن رشد ،بداية المجتهد ،مرجع سابق ،ج 2،ص115 (2) النووي ،المجموع ،مرجع سابق ،ج 4 ،ص52 (3) ابن قدامة ،المغني ،مرجع سابق ، ج 2،ص441 (4) سورة النمل ، أية 15 (5) بدرالدين العيني ،البناية ،مرجع سابق ،ج 1 ،ص655 (6) اابن عاشور ، مرجع سابق ، ج 22،ص155

عدد الصفحات ١٤١

142 ومن جهة أخرى فالوصف مناسبا لحال الهدهد ((الذي جعل الله فيه من الخاصية العجيبة ،فهو يرى الماء يجري في تَوم الأرض ودواخلها )) (1). واللام في قولهﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ تفيد الاختصاص والملك ،وهذا يعني أنه ينبغي السجود لله وحده دون سواه. والتعبير بالفعل المضارع (يخرج )يفيد التجدد والحدوث ((وهذا يعني توكل الهدهد على الله حق توكله فهو يؤمن عن يقين بأن الله عزوجل يتولى أمر الخلق رعاية ولطفا ورزقا وتدبيرا ورعاية بكل ما تقتضية ربوبية الحق للخلق)) (2). وخص المخبوء بقوله :( في السماوات والأرض) ((لأنه منتهى مشاهداتنا فننظر ما يتكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وغيرهما، وما يشرق من الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح، والبرد والحر، الحركة والسكون، والنطق والسكوت، وما لا يحصيه إلا الله تعالى، والمعنى أنه يخرج ما هو في عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة )) (3). وفي الآية ذكر السماويات ثم الأرضيات ليتناسب مع الآية التي قبلها (وجدتها وقومها يسجدون للشمس...) ثم جاء العطف بقوله : ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ ليتناسب مع المقام تمام المناسبة (( ففيه إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا لما أن المراد يظهر ما تَفونه من الأحوال فيجازيكم بها وذكر ما تعلنون لتوسيع دائرة العلم أو للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي كذا قيل )) (4). فالذي يخرج الشيء المخبوء في السماوات والأرض بصغيره وكبيره دقيقة وعظيمة ،قادر على إخراج ماتكنه النفوس وتضمره الصدور من خفايا ،فيعلم ويرى الذين يتخذون من دونه آلهة ،ويعلم خائنة الأعين وماتَفي الصدور ،فيكون أدعى لأن يراقب العبد ربه ،فيحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة ،ويخلص في عمله ظاهرا وباطنا . (1) ابن كثير ، مرجع سابق ، ج 6،ص277 (2) النعيري، مرجع سابق ،ص 222 (3) البقاعي ، مرجع سابق ، ج 24،ص251 (4) الألوسي ، مرجع سابق ، ج 22،ص277

عدد الصفحات ١٤٢

143 (( والتعبير ب "ما" وهي اسم موصول مبهم يتناسب مع المقام تمام المناسبة ،كما يتناسب مع الخبء المذكور سابقا ،ثم إن "ما " تقع على المعدوم فالتعبير بها مع ماتفيده من عموم وشمول يتناسب مع علم الله الشامل والمحيط)) (1). وبعد أن أكد القرآن الكريم كمال قدرة الله عز وجل وتمام علمه زاد التأكيد تأكيدا بهذا الاستئناف ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ ((فمجيء جملة: الله لا إله إلا هو عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل، أي ليس لغير الله شبهة إلهية )) (2). والتعبير باسم الله الأعظم (الله ) يبعث في القلب المهابة ، والخضوع لله عز وجل المتصف بصفات الكمال والجلال والجمال ، فالعباد كلهم بين يدي رحمته وتحت علمه وإرادته، لا يخفى عليه من أمرهم شيء ، ومن هذه صفاته جدير بالسجود لجلاله والخضوع لعظمته. وبعدها قال : (رب العرش العظيم ) وفي هذا القول تناسبا مع قول القرآن الكريم حكاية عن الهدهد ( ولها عرش عظيم ) عندما وصف عرش ملكة سبأ. (( وهذا فيه تعليم أسلوب الحوار ومكانة المخاطب ،وذلك على لسان الهدهد ، فالهدهد يعبر عنها بضمير الغيبة (لها) احتقارا لشأنها حيث أنها ضلت الطريق ،وسجدت هي وقومها لغير الله . كما أراد أن يحقر أمر عرشها ،رغم افتتان الرائين له ،وذلك حين أتى به منكرا "عرش". وعلى المقابل من ذلك نجد الهدهد يعبر عن تقرير وحدانية الله عز وجل بلفظ "رب" ليضفي على المقام كل معاني الربوبية التي تقتضي توجيه الخ لق إلى الحق وسجودهم له دون سواه. ثم إضافة لفظ "رب" إلى "العرش" معرفا حيث لا ينكر عرش الرحمن مؤمن ،ثم وصفه ب "العظيم" معرفا ؛ لأن العظيم لايخلق إلا عظيما )) (3) . وبهذا النظم الدقيق يظهر الفرق بين العرشين ،فعرش بلقيس جاء منكرا ،وهذا يفيد التقليل والتحق من شأنه ،وهو عظيم بالنسبة لعروش أبناء جنسها من الملوك. لكن عرش الله جل جلاله وصف بالعظيم ،تعظيم له بالنسبة إلى سائر ماخلق من السماوات والأرض ؛لذلك جاء معرفا "رب العرش العظيم". (1) النعيري، مرجع سابق ،ص 221 (2) التحرير والتنوير ، مرجع سابق ،ج 22،ص156 (3) النعيري، مرجع سابق ،ص 224

عدد الصفحات ١٤٣

144 وبهذا النظم الدقيق يظهر إعجاز القرآن الكريم البياني ؛ ليتقرر بدقة بالغة الغرض الذي من أجله جاء السياق بهذه الصورة ، وهو أن السجود لا يكون إلا لله رب العرش العظيم ، وأن السجود لغيره باطل . ﭧ ﮢ ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ (1). المطلب السادس : سجدة سورة "السجدة " ﭧ ﮢ ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ(2). السجدة في سياقها السجدة هنا هي "العاشرة " بترتيب المصحف .وسورة السجدة سورة مكية ،عدد آياتها " 25" آية وتتميز السورة عن غيرها بأنها تَاطب العقل البشري بالعقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن ليوقظها في الفطرة ،ويركزها في القلوب ، عقيدة الإخلاص لله الواحد الأحد ،والتصديق برسالة محمد  والاعتقاد بالبعث والقيامة. فتبدأ الآيات الأولى بالتركيز على هذه القضية ، قم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب ،منيرة للروح ، مثيرة للتأمل والتدبر ، كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية ،معروضة في صفحة الكون ومشاهدة ، وفي نشأة الإنسان وأطواره ، وفي مصارع الغابرين . و كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة، في خشوعها وتطلّعها إلى ربهّ ا، وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها. ((ففي الحديث عن إنكار الكافرين للبعث والحساب، وتجيبهم بأن البعث حقّ، وتعرض مشهدا من مشاهد القيامة، يقف فيه المجرمون أذلاّء يعلنون يقينهم بالآخرة، ويقينهم بالحقّ الّذي جاءتهم به الدعوة المحمّدية. (1) سورة الحج ، أية 61 (2) سورة السجدة، أية 25

عدد الصفحات ١٤٤