113 ثم يتتابع ذكر الأنبياء والرسل ورعاية الله لهم حإ يؤدوا رسالتهم ، فذكر إبراهيم عليه السلام وموقفه مع أبيه ،ودعوته للحق ، واستمرارية أبيه في الباطل. ثم ذكرت حال موسى مع قومه ، وإسماعيل وأهله ، وإدريس عليه السلام الصديق . ((وبعد أن استعرضت السورة هذا الفيض جاءت السجدة كنتيجة لهذا العطاء ؛ لتنبهنا إلى تقدير نعمه سبحانه وتعالى ،وحسن جوارنا لها ففي ذلك دوام لها وبركة في نمائها )) (1). فالمنعم هو الله سبحانه وتعالى المستحق للعبودية ، والسجود والخضوع دون س واه. مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ(2). لما أثنى الله سبحانه وتعالى على كل نبِ من الأنبياء المذكورين في السورة - من زكريا عليه السلام إلى إدريس عليه السلام – بثناء يناسب مقامه وبما يخصه ،جمعهم آخرا فقال : ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ وبعد أن ذكرهم في الآيات السابقة ووصفهم بصفات المدح ؛ ترغيبا للناس في التأسي بطريقتهم ،ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال : ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ(3). ((وهوطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح أسلافهم وهم المعني بالخلف. والخلف- بسكون اللام- عقب السوء، وبفتح اللام- عقب الخير. وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلت لأنها راجعة في النسب إلى إدريس جد نوح إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضا إلى إبراهيم، فمنهم من يدلي إليه من نسل إسماعيل وهم العرب. ومنهم من يدلي إليه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل )) (1).. (1) النعيري ، من بلاغة القرآن فيما يسجد به العباد للرحمن ، مرجع سابق ، ص 62 (2) سورة مريم ،الآية 52 (3) سورة مريم ،الآية ، 52
عدد الصفحات ١١٣114 تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ (2). بعد أن سرد الله القصص السابقة عن بعض أنبيائه في هذه السورة ،أعقبها بقوله :"أولئك الذين أنعم ا عليهم....." أي : أولئك الذين قصصت عليك يامحمد أنباءهم في هذه السورة من لدن زكريا عليه السلام إلى إدريس عليه السلام ،أولئك الذين أنعم الله عليهم بفنون النعم الدينية والدنيوية كالنبوة والرسالة، وأمرنا الله أن ندعوه بأن يهدينا صراطهم "صراط الذين أنعمت عليهم .." لأن من هد ي إلى صراطهم حُشر في زمرتهم ﭧ ﮢ ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ(3). وهؤلاء المذكورين هم من:ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﭼ (4). قال ابن جرير: ((فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم، ولذلك فرق تعالى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، وإدريس جدّ نوح)) (5).وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وقال ابن كثير ((وليس المراد هؤلاء المذكورين في هذه السورة فقط،بل جنس الأنبياء عليهم السلام (1) ابن عاشور ،التحرير والتنوير ، مرجع سابق ، ج 26 ،ص214 (2) سورة مريم ،الآية 57 (3) سورة النساء ،الآية 62 (4) سورة مريم ،الآية 57 (5) الطبري ،مرجع سابق ،ج 27 ،ص124
عدد الصفحات ١١٤115 استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼالآية )) (1). ومما يؤيد أنها جنس الأنبياء أدلة كثيرة ،منها: قوله تعالى في سورة الأنعام : ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﮢ ﮣ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ (2). وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَفِي "ص" سَجْدَةٌ؟ قَالَ : نـَعَمْ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآْيَةَ الَ: وَهُوَ مِنـْهُمْ، يـَعْنِي دَاوُدَ "(3) . والأظهر في ذلك ماذهب إليه ابن كثير من أن الآية مشتملة على جميع الأنبياء لوجود الدلائل عليها من القرآن ، ومن السنة ،وكذلك قوله :"وممن هدينا واجتبينا "يؤكد هذا المعنى ويعضده. ((وفي الآية دليل على أن أولاد البنات من الذرية لدخول عيسى عليه السلام ولا أب له)) (4). ((وممن هدينا واجتبيناأي من جملة من هديناهم للحق والإيمان والعمل بطاعته ،واخترناهم للنبوة والرسالة. ((ومن للتبعيض أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واخترناهم للنبوة والكرامة )) (5). وقولهتعالى : ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ (6). هؤلاء المذكورين إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه وبراهينه ،سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وحمدا وشكرا على ماهم فيه من النعمة العظيمة.فكانوا يسجدون عند تلاوتها ،ويبكون عند ذكرها. ((والمراد به البكاء الناشئ عن انفعال النفس انفعالا مختلطا من التعظيم وا لخوف. وسجدا جمع ساجد ،وبكيا جمع باك)) (7).. (1) ابن كثير ،مرجع سابق ،ج 5،ص142 (2) سورة الأنعام ، الآية 71-77 (3) رواه البخاري ،كتاب تفسير القرآن ، باب قوله :"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"، رقم الحديث 4611 (4) الألوسي ،روح المعاني ، مرجع ساب ق ج7 ، ص415 (5) المرجع السابق (6) سورة مريم ،الآية 57 (7) ابن عاشور ،التحرير والتنوير ، مرجع سابق ، ج 26 ،ص211
عدد الصفحات ١١٥116 وفي ذلك دلالة علىأن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب)) (1).فأوجب لهم البكاء والإنابة ،والسجود لربهم ،فكانوا من الذين :ﭽ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭﮮ ﭼ (2).ولم يكونوا من الذين إذا سمعوا آيات ربهم خروا عليها صما وعميانا . وهذا هو حال المؤمنين إذا تليت عليهم آيات ربهم تأثروا بها تأثرا عظيما ، تلين معه قلوبهم ،وتقشعر أبدانهم ،ويزداد إيمانهم ، وتدمع وتَشع عيونهم ، وتسجد وتَضع جوارحهم ﭽ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ(3) . وقال تعالى واصفا حالهم أيضاﭽ ﮢ ﮣ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭼ (4) .. فهذه الآية من مواضع السجود المتفقة عند العلماء ، والمروية عن الن ،والتي سجد عندها ؛اقتداء بالأنبياء المرسلين الذين سجدوا عند تلاوة الآيات التي أنزلت عليهم. ونحن نسجد اقتداء بالنبِ الذي سجد وسن ذلك لأمته الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة مريم : (1) القرطبِ ،مرجع سابق ،ج 22،ص212 (2) سورة الزمر ،الآية 27 (3) سورة الإسراء ، الآية 227-222 (4) سورة الزمر، الآية 11
عدد الصفحات ١١٦117 ﭽﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ (1). سجدة سورة مريم فيها من الخصائص الأسلوبية الجميلة والتي تبين عظمة القرآن وأنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . فمن ذلك نذكر : الاتيان باسم الإشارة "أولئك" دون الضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر مع المشار إليهم من الأوصاف، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في عداد المهديين المجتبين وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه )) (2). ويضاف إلى ذلك أن النظم الكريم هناﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼإجمال بعد تفصيل فقد أثنى الله سبحانه وتعالى على كل واحد من الأنبياء الذين سبق ذكرهم بما هو أهله من تفضل الله عليه ،ثم جمعهم هنا فأجمل مافصل إشارة إلى أنهم في نهاية الأمر واحد،وإن اختلفت أزمانهم وأمكنتهم ،فدينهم واحد وربهم واحد لا شريك له،ودعوتهم واحدة لا تَ تلف وفي قوله :"أنعم الله عليهم " ((إسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفا لها، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازى عليه إلا تشريفه )) (3). فالمنعم هو الله سبحانه وتعالى ،الذي بيده الأمر كله ،وأفضل أنواع الإنعام في هذا المقام هو النبوة . وقد عبر هنا بلفظ الجلالة "الله " الجامع لكل صفات الجمال والجلال والكمال ليضفي على الأنعام في ظل هذا المقام مالا عين رأت ،ولاأذن سمعت ،ولا خطر على قلب بشر. وفي قوله "من النبيين " ((من هنا للبيان ؛لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. ومن الثانية في قوله :"من ذرية " للتبعيض)) (4) .كما ذكر ذلكابن جرير : ((فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم )) (5). (1) سورة مريم ،الآية 57 (2) ابن عاشور ،التحرير والتنوير ، مرجع سابق ، ج 26 ،ص211 (3) االمرجع السابق (4) الزمخشري ، الكشاف ،مرجع سابق ، ج 1 ،ص15 (5) الطبري ،مرجع سابق ،ج 27 ،ص124
عدد الصفحات ١١٧118 وعبر بقوله "من حملنا " :بنون العظمة ((لما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى مشيرا إلى أعظم النعمة عليهم)) (1). ويلاحظ هنا في هذهالسورة أن الله ذكر من الأنبياء هنا من لهم سحائب رحمة من الله عز وجل تتناسب في مضمونها مع جو السورة العام . فسورة مريم يجري فيها سياق الرحمة واللطف ،رحمة الله ولطفه بعباده ، وانتقالهم من المواقف الصعبة برحمة الله الواسعة. ؛لذلك قال : ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ (2). وأضاف هنا الآيات إلى الرحمن مراعاة للمقام ،فسورة مريم عبارة عن سحائب من رحمات الرحمن جاد بها على عباده . فإذا رجع القارو قليلا للسورة فإنه يجد هذه الصفة تتكرر كثيرا فيها حيث بلغت ست عشرة مرة (3) ، بالإضافة إلى أن الله جل وعلا قد امتنّ على جميع الأنبياء الذين ذكرهم في هذه السورة قبل الآية بعظيم المنن ؛ حيث الرفعة ، والاختصاص بالنبوة ، والاصطفاء ، وكل ذلك من رحمته تعالى بهم ، فلا شك أن صفة الرحمن التي أضيفت إليها الآيات هي الأنسب و الأليق بالسياق.بل إننا نجد أن مفهوم الرحمة عموما شائع في هذه السورة ؛ فمثلا: رحمته تعالى في مطلع السورة بزكريا : ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ ، حينما تضرّع إليه بطلب الولد ، ورحمته تعالى بيحيى نفسه إذ جعله نبيا ، ورحمته تعالى بمريم والنفخ فيها بغلام : ﭽ ﯕ ﯖ ﭼ وذلك بعد أن عاذت هي بالرحمن: ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ ، ثم نجد الرحمة شائعة في دعوة إبراهيم لأبيه ، وحينما اعتزله وقوم ه رحمه الله تعالى ورزقه الولد على الك ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﯨ ﯨ ﭼ. بالإضافة إلى ماذكر فإن إضافة الآيات للرحمن ((دلالة على أن آياته من رحمته بعباده وإحسانه إليهم ،حيث هداهم بها إلى الحق ،وبصرهم من العمى ،وأنقذهم من الضلالة وعلمهم من الجهالة)) (4). (1) البقاعي ، نظم الدرر ، مرجع سابق ،ج 21 ، ص112 (2) سورة مريم ،الآية 57 (3) المعجم المفهرس لألفاظالقرآن الكريم ، مادة رحم. (4) السعدي ،مرجع سابق ،ج 2 ،ص426
عدد الصفحات ١١٨119 ثم ختمت الآية بذكر لفظ الخرور مع السجود ،حيث انفردت به هذه السورة،وسورة الإسراء والس جدة ؛ وذلك أن هذه الآيات الثلاث ركزت النظر ناحية صنف من الساجدين لا يحتاجون إلا أن تتلى عليهم آيات الرحمن فتؤثر فيهم تأثيرا عظيما يقعون بسببه إلى الأرض ساجدين ؛ ((حيث نلاحظ أن الأفعال الدالة على تلاوة القرآن جاءت مبنية للمجهول : (إذا تُتلى ، إذا يُتلى ، و إذا ذُكروا بها) ، وهي تحمل نفس الزخم الجمالي ؛ حيث إن آيات الله لها وقع عظيم من أي مذكِّر يذكر بها أو يتلوها ، مع ملاحظة تعدي التأثير للآخرين ، حيث لم ينظر للمذكِّر أو التالي فحذف ، وفي ذلك إشارة إلى أن من يتلو القرآن ربما كان غافلا ، أو شارد الذهن ، أو متخذ القراءة حرفة ...الخ ، ولكن لا يمكن أن يغفل كل المستمعين ، و تشرد أذهان كل المنصتين للقرآن ، بل ربما أث ّر القرآن في غير المسلمين ، وربما أثّ ر سماعه في غير العارفين بلغته الشريفة . ولو قيِّ د استماع القرآن، أو قيِّ دت قراءته بقارو دون آخر لكان في ذلك عنت وأي عنت ، و الآية الصريحة في استماع القرآن وهي قوله تعالى في سورة الأعراف : ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ صريحة باستماع القراءة للقرآن الكريم من أي تال يتلوه ، فتأثيره على الآخرين قطعا لن يتأثر بمن يتلوه ، بل بحسن إنصات من يستمع له ، و بحضو ر قلبه ، وهذا البناء للفعل هو الذي جعل الخرور يأتي مع هذه العينة التي لا تحتاج لكبير تذكير حإ تعود لرشدها ، بل إن أي مذكر بالقرآن يفضي إلى هز تلك القلوب الخاشعة فتبادر للخضوع ، و الخرور ساجدة وباكية )) (1). وفي هذه الآية عبر عن السجود بالمصدر "سجداوكذلك في سورة الإسراء والسجدة ؛ لبيان أن خشوعهم وسجودهم دائم لله رب العالمين. فهم يسجدون بعد أن يخرون ،والخرور هو السقوط من أعلى ،ويكون في هذه الحالة سريعا ،فلا يناسبه الفعل "يسجدون" لأن الفعل فيه خاصية التجدد والحدوث ،وهو ينافي السرعة التي أرادتها الآ ية ، فجاء بالمصدر " سجدا " وهو حال يشير إلى تلبسهم به دفعة واحدة. وكذلك عبر عن البكاء بالاسمية في قوله :"بكيا " ؛ لأن هذا هو حال الأنبياء ،الخوف الدائم من الله ، والخضوع لجلاله . (1) سعيد بن طيب ، آيات السجدة وسياقاتها دراسة بلاغية ،مرجع سابق ، ص 45-46
عدد الصفحات ١١٩121 قال الإمام البقاعي((وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء ، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل ، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلا ))(1). وهكذا ترابطت المفردات والجمل ،وأبرزت الغرض المقصود من هذه السجدة ،والتي دلت على أن السجود لله رب العالمين هو منهج الأنبياء والمرسلين ،ومن سار على نهجهم من المقربين في كل زمان ومكان. المطلب الثالث : سجدة الحج "الثانية " : ﭧ ﮢ ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ. السجدة في سياقها سجدة الحج الثانية هي السجدة السابعة في المصحف . (1) البقاعي ، نظم الدرر ، مرجع سابق ،ج 21 ، ص111
عدد الصفحات ١٢٠121 وقد خاطب الله فيها المؤمنين بالسجود له ، بعد أن كان عاما من جميع المخلوقات في السجدة الأولى من السورة. فبعد أن بين الله في أول السورة أول السورة أهوال يوم القيامة ،وكيف يفزع الناس في ذلك اليوم . وبعدها انتقل للحديث عن أطوار خلق الإنسان وعظيم صنع الله عز وجل ،ومع هذه الدلائل يستكبر كثير من الناس عن عبادته ،وانقسموا في ذلك أقساما ؛فجاءت آية السجدة الأولى لتقرر خضوع جميع الناس لله تعالى شاءوا أم أبوا. ((بعد هذا السياق الحامل بالتمجيد ،والذي تعدد فيه تقرير الله عز وجل بتنبيه الخلق جميعا إلى نعم الله عز وجل من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ،ونزول الماء ، واخضرار الأرض ،وتسخير كل مافيها للإنسان وخدمته ،وإمساك السماء بقدرته حإ لا تقع على الأرض،ورحمته في إرسال الرسل. بعد هذا التذكير الذي يمليه السياق على القلوب لتتجه إلى مولاها الحق ،والذي تحدثت الآيات في بداية السورة بجلاله ،ثم ثنت بنعمة الأنبياء والرسل ،وهي من أجل النعم وأعظمها حيث يقومون بتوجيه البشر إلى الله عز وجل . هذا التوجيه لابد أن يكون بشرع الله سبحانه وتعالى ،وهو ماانتهت به الآيات في سورة الحج بهذه السجدة)) (1) : ﭽﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ. مناسبة آية السجدة لماقبلها وما بعدها : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ مناسبة الآية لماقبلها : تمتد المناسبة ابتداء لأول نداء في السورة :ياأيها الناس فهو نداء عام يخاطب الناس ،ومن ضمنهم المشركين ،والخطاب بياأيها الناس اختصت به السورة وشغل معظمها إلا ماوقع اعتراضا في خلال ذلك ((فقد خوطب المشركون ب يا أيها الناس أربع مرات، فعند استيفاء ما سيق إلى المشركين من الحجج والقوارع والنداء على مساوي أعمالهم، ختمت السورة بالإقبال على خطاب المؤمنين بما يصلح أعمالهم وينوه بشأنهم))(2). (1) النعيري ، من بلاغة القرآن فيما يسجد به العباد للرحمن ، مرجع سابق ، ص 76 (2) ابن عاشور ،التحرير والتنوير ، مرجع سابق ، ج 27،ص145
عدد الصفحات ١٢١122 فابن عاشور ربط المناسبة هنا بالنداءات المتكررة في السورة ،وكيف أنها ابتدأت بخطاب الناس جميعا ثم في آخرها خصص الخطاب للمؤمنين ليرعوا سمعهم ويستجيبوا لأمر ربهم ،مذكرا لهم بما ينجيهم من البلاء ويبعد عنهم مخاوف ذلك اليوم يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت فيأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة ويبين لهم سر الأمان ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ... . فصاحب التحرير والتنوير امتدت نظرته لأول نداء في السورة ، بينما الملاحظ أن العلامة أبوحيان في كتابه البحر المحيط ربط الآية مباشرة بماقبله ا، وأظهر مناسبة جميلة فقال :(( ولما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلا من البشر إلى الخلق؛أمرهم بإقامة ماجاءت به الرسل من التكاليف ،وهو الصلاة)) (1). والمتأمل فيما قاله العالمان الجليلان لايجد ثمة فرق كبير بينهما ،فكلاهما يلتقي في نقطة واحدة ،وهي أهمية تطبيق شرع الله عز وجل ،وماجاءت به الرسل من تكاليف ؛حإ يصل إلى الفلاح الذي ينجيه من ذلك البلاء وتلك الأهوال ،ويبعد عنه المخاوف ويسير في طريق النجاة . هذا بالنسبة لمناسبة الآية لماقبلها من الآيات ، أما مناسبتها بما بعدها : فبعد أن بين الله الأوامر والتكاليف بقوله : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ بين أن ذلك كله يحتاج إلى مجاهدة ومرابطة وصبر فقال: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﭼ ((والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب، فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك)) (2). كذلك الآية تتابع المأمورات المذكورة في الآية التي قبلها ، فالمأمور به في الآيتين على أقسام أربع : ((الأول : الصلاة في قوله : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ الثاني : العبادة في قوله : ﭽ ﮚ ﮛ ﭼ الثالث : فعل الخير في قوله : ﭽﮜ ﮝ ﭼ الرابع : الجهاد في قوله بعد آية السجدة : ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ)) (3). (1) ابوحيان ،البحر المحيط ، مرجع سابق ، ج 7،ص572 (2) السعدي ،تيسير الكريم الرحمن، مرجع سابق ، ج 2،ص546 (3)الرازي، ، مفاتيح الغيب ،مرجع سابق ، ج 11،ص154
عدد الصفحات ١٢٢123 فكل هذه التكاليف أمر الله بها على قدر طاقة الإنسان ووسعه ، فما أمر الله سبحانه وتعالى إلا بما هو سهل على النفوس ،لايثقلها ولا يشق عليها ؛ لذلك احترز بقوله : ﭽﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﭼ ؛ حإ لا يتوهم متوهم أن هذه التكاليف مما يشق ولا يطاق فعله. ففعل هذه التكاليف هو سبب حياة الأمة ونجاتها : (( فالعبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل. وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه. فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة، فاستقام ضميرها واستقامت حياتها ،نهضت بالتبعة الشاقة: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ.)) (1). وهكذا تظهر المناسبة بين آية السجدة بما قبلها من الآيات وبما بعدها جلية واضحة فالحمد لله الذي لم يجعل السجود لأحد سواه. تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ يخاطب الله تعالى المؤمنين في الآية الكريمة ويأمرهم بالركوع والسجود في الصلاة ، وقيل أن الأمر بمعنى :((صلوا ، وعبر عن الصلاة بهما ؛لأنهما أعظم أركانها وأفضلها )) (2).وبهما يظهر اضوع والعبودية لله تعالى. (( وتَصيص الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات المشمولة لقوله واعبدوا ربكم تنبيه على أن الصلاة عماد الدين)) (3). ثم بعد ذلك أمرهم بما هو أعم فقال ﭽ ﮚ ﮛ ﭼ أي ذلوا لربكم واخضعوا له بالطاعة ((والمراد بالعبادة: ما أمر الله الناس أن يتعبدوا به مثل الصيام والحج )) (4). يقول صاحب الظلال (1) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، مرجع سابق ، ج 4،ص1445 (2) الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق ، ج 2،ص227 (3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق ، ج 27،ص146 (4) المرجع السابق
عدد الصفحات ١٢٣124 ((فعبادة الله تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إ الله. فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة مإ توجه القلب به إلى الله. حإ لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات. وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها، وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات، ولم يتحول في طبيعتها شيء، ولكن تحول القصد منها والاتجاه! )) (1). ثم بعد ذلك كلفهم بما هو أعم من العبادة ، وهو فعل الخيرات ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ ففيه أمر بإسداء الخير إلى الناس من الزكاة ، وحسن المعاملة والعشرة كصلة الأرحام ،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،والقول الحسن ، وسائر مكارم الأخلاق. (( ويختم بفعل الخير عامة، في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة. يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح. فهذه هي أسباب الفلاح )) (2). وفي قوله ﭽ ﮞ ﮟ ﮡ ﭼ : أي لتفلحوا بفعل ماسبق ، فتدركوا به طلباتكم عند ربكم. (( والرجاء المستفاد من لعلكم تفلحون مستعمل في معنى تقريب الفلاح لهم إذا بلغوا بأعمالهم الحد الموجب للفلاح فيما حدد الله تعالى، فهذه حقيقة الرجاء )) (3). والسجدة هنا فيها خلاف بين العلماء فهي آية سجدة(( عند الشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحاق رضي الله تعالى عنهم لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود)) (4). ((ولم يرها مالك وأبوحنيفة أنها من العزائم ؛ لأنه قرن الركوع بالسجود ، وأن المراد بها الصلاة المفروضة ،وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة )) (5). والراجح أنها من مواضع السجود لحديث عقبة بن عامر قَالَ: قـُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يارسول الله أَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ :«نـَعَمْ،وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا،فَلاَ يـَقْرَأْهُمَا »(6).. (1) سيد قطب ،ظلال القرآن ، مرجع سابق ، ج 4،ص1445 (2) المرجع السابق (3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق ، ج 27،ص146 (4) الألوسي، ، مرجع سابق ، ج 2،ص227 (5) القرطبِ، ، مرجع سابق ، ج 21،ص27 (6) رواه أبوداود ،كتاب الصلاة ، باب تفريع أبواب السجود ،رقم الحديث : 2421، وحسنه الألباني رحمه الل ه.
عدد الصفحات ١٢٤125 الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة الحج الثانية : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ بدأت السجدة بأسلوب النداء ، وهو من الأساليب الانشائية التي تحرك المشاعر ،وتوقظ الذهن ، وتجعل النفس تتطلع لما بعد النداء. عن عَ بْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبـَرَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْنٌ وَمَعْنٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا، أَنَّ رَجُلاً أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فـَقَالَ: اعْهَدْ إِلَيَّ، فـَقَالَ: " إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تـَعَالَى يـَقُولُ: يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِنَّهُ خَيـْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يـَنـْهَى عَنْهُ (1). ثم بعد النداء جاء الأمر بقوله ﭽ ﮘ ﮙ ﭼ وهو على حقيقته ؛ لأنه من الله تعالى وحده . والمقصود بالركوع والسجود هنا : الصلاة ،واختيار هذين الركنين من بين كل أعمال الصلاة ؛ لأهميتهما ؛ (( ففي الركوع عزة المؤمن بالانحناء لله وحده دون سواه ، ومن جانب آخر تذكير بنعمة اعتدال القامة التي ميز الله بها الإنسان على غيره من الكائنات ،فهو حين ينحني لله تعالى يدرك بعد الاعتدال قدر هذه (1) ابن المبارك ، عبدالله ،كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك ،باب التحضيض على طاعة الله عز وجل ،رقم الأثر 16 ، ج2 ،ص21،تحقيق :حبيب الرحمن الأعظمي.
عدد الصفحات ١٢٥126 النعمة (1). وصدق الله العظيم حين قال ﭽ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ (2). أما السجود ففيه خضوع المؤمن وذلته لربه ، فيكون قريبا من مولاه حال سجودهفعَنْ أَبِي هُرَيـْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقـْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء»(3). فينبغي على المسلم الحرص على هذين الركنين في الصلاة وعدم إهمالهما ؛لأنهما مظنة التقصير عند كثير من الناس وعدم إتمامهما على أتم وجه ، لذلك خصهما بالذكر. وصياغة الفعل في الآية بصيغة الجمع " اركعوا واسجدوا" تنبيه على أهمية روح الجماعة في كل مجالات الحياة لتنهض الأمة وتقوى شوكتها. وكذلك إشارة لأهمية صلاة الجماعة في حياة المسلم ،والتي ينبغي ألا تتر ك بحال من الأحوال لا في حضر ولا سفر ولا سلم ولا حرب . وبعد أن أشار إلى الصلاة انتقل لما هو أعم منها وهي العبادة ، فقال : " اعبدوا ربكم " ففيه عطف العام على الخاص ، ((وبهذا العطف يكون القرآن الكريم أكد على أهمية الصلاة مرتين ،مرة على سبيل الانفراد ،ومرة ضمن العبادة )) (4).وهي لأنها أساس العبادات وعماد الدين وفي قوله :(اعبدوا ربكم) تذكير بالربوبية ؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المربي ،الذي يتولى شؤون الكون كله ،وهو الذي يأمر العباد بما فيه صلاحهم ونفعهم .فيسارعون لاستجابة أمره ،والقيام بما كلفهم به ؛لأنهم يعلمون أنه لايأمرهم إلا مافيه سعادتهم .((فإن ربوبيته وإحسانه على العباد، يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم بفعل الخير عموما )) (5). وبعد الأمر بالعبادة أمر بفعل الخير ،فعطف العام على أعم منه. (1).النعيري ، مرجع سابق ، ص 22 (2) سورة الانفطار آية 6-7 (3).رواه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب مايقال في الركوع والسجود ، رقم الحديث 471 (4).النعيري ، مرجع سابق ، ص 22 (5)االسعدي ، مرجع سابق ، ج 2،ص546
عدد الصفحات ١٢٦127 فهو أمر بإسداء الخير للناس بكل أنواعه.وقد دخلت الألفواللام على "الخير" ؛لتفيد الاستغراق ، فتدخل كل أبواب الخير من الواجبات والمستحبات (( من الزكاة، وحسن المعاملة كصلة الرحم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق )) (1). ويظهر من الترتيب السابق في الآية ((أنهم أمروا بالصلاة ،وهي نوع من العبادة ، وثانيا بالعبادة وهي نوع من فعل الخير ،وثالثا بفعل الخير وهو أعم من العبادة ‘ فبدأ بخاص ثم بعام ثم بأعم)) (2). وهكذا يظهر الترابط بين الجمل والكلمات ؛لتعطي معنى بليغا يدل على جمال الأسلوب القرآني وحسن صياغته وإحكام آياته. (1)ابن عاشور، مرجع سابق ، ج 27،ص146 (2) أبو حيان، مرجع سابق ، ج 7،ص512
عدد الصفحات ١٢٧128 المطلب الرابع : سجدة سورة الفرقان ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ السجدة في سياقها سجدة سورة الفرقان هي السجدة الثامنة في المصحف . وسورة الفرقان سورة مكية ، عدد آياتها 77 آية . وهذه السورة تنوعت فيها الموضوعات ، فبدأت بتسبيح الله سبحانه وتعالى على تنزيل القرآن ،وتوحيد الله المدبر للكون بحكمة وتقدير. وفي جملة موضوعاتها مؤازرة النبِ فتمنحه الثقة ،وتفضح شبهات المشركين ،وتدافع عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل . وكذلك تصور السورة المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة التي تقول عن القرآن بأنه : ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭼ(1). وكذلك قالوا: ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ(2). وقالوا : ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ (3). وكذلك اعترضوا على بعثة الرسول فقالوا : ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ (4). وعلى نزول القرآن : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨﯨ ﭼ (5). (1) سورة الفرقان ، أية 4. (2) سورة الفرقان ، أية 5 (3) سورة الفرقان ، أية 7 (4) سورة الفرقان ، أية 42 (5) سورة الفرقان ، أية 11
عدد الصفحات ١٢٨