81 ومع وجود هذا الجدال من أضعف المخلوقات وهو الإنسان ،إلا أن هناك فئات من الخلق أسلمت وانقادت لله عز جل ،فسجدت خاضعة ذليلة لبارئها دون أي جدال أو اعتراض.قال تعالى: ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ وقال :ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ ((ويتدبر القلب هذا النص ، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك . وإذا حشد من الأفلاك والأجرام . مما يع لم الإنسان ومما لا يعلم . وإذا حشد من الجبال، والشجر، والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان . . إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله ، وتتجه إليه وحده دون سواه . تتجه إليه وحده في وحدة و اتساق . إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق : ﭽ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق))(1). ومن جهة أخرى ترتبط آية السجدة أيضا بقوله ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ(2). فآية السجدة فيها استدلال على انفراد الله سبحانه وتعالى بالإلهية ،وارتباطها بالآية السابقة ارتباط الدليل بالمطلوب (( فإن دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقلها وجمادها شاهدة بتفرد الله بالإلهية. وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه)) (3). والمتأمل في آية السجدة أيضا يجد أن الترابط ظاهرا في الآيتين التي تسبقها مباشرة الأولى :قوله تعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ ففي هذه الآية إشارة إلى نعمة عظيمة امتن الله بها على الأمة ،وهي نعمة القرآن ، وهذه النعمة تستوجب شكر الله تعالى ،ومن الشكر الحسي السجود لله جل وعلا، وهذا من المقاصد الكلية للسور التي بها سجدة تلاوة ، فإنها تعنى بالتنوية بالقرآن الكريم ،سواء كان في مطلع السورة أو في ثناياها ،أو بعد آية السجدة . فمثلاُ : يقول تعالى في سورة الأعراف ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ وقال في سورة الرعد ﭽ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ (1)المرجع السابق ج 4 ،ص1424. (2) سورة الحج ،الآية 21 (3) ابن عاشور،التحرير والتنوير، مرجع سابق ،ج 27 ،ص116
عدد الصفحات ٨١82 وفي سورة مريم جاء التنويه بالقرآن بعد آية السجدة ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ فهذه الآيات نوهت على نعمة القرآن وأنها من أجل النعم التي تستوجب شكر الله تعالى والسجود له. والآية التي بعد قوله : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ أيضا لها ارتباط وثيق بآية السجدة : ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ فذكرت الأصناف التي حادت عن الطريق وعبدت غير الله ،فمن أولئك الصابئون وهم من عبد النجوم في بعض الأقوال،ومنهم المجوس الذين كانوا يعبدون النار وقيل يعبدون الشمس والقمر ،وغيرهم ممن عبد بعض المخلوقات من دون الله ؛ فجاءت آية السجدة تقرر أن العبودية الحقة لله تعالى وحده لا شريك له ،وأن هذه المخلوقات التي اتَذوها آلهة من دون الله لاتملك لهم ضرا ولا نفعا ولاموتا ولا حياة ولانشورا، بل تكون خاضعة لله ،منقادة لأمرة ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ(1) . وهكذا تترابط الآيات مع بعضها ارتباطا وثيقا لتقرر آية السجدة انفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية ،واستحقاقه للطاعة والخضوع والسجود والانقياد وحده دون سواه. أوجه القراءات والإعراب في الآية : الإعراب في قوله "وكثيرمن الناس" ((كثير: مبتدأ،ومن الناس :صفة له. والخبر محذوف تقديره :مثابون . ويدل عليه قوله تعالى : " وكثير حق عليه العذاب". وقيل هو معطوف على " من في السموات" ،وكرر للتفصيل )) (2). وقد يكون ارتفاع "كثير من الناس" ((بفعل مضمر ،يدل عليه المذكور،أي ويسجد له كثير من الناس (3). (1 )سورة فصلت، الآية 22 (2) االعكبري، التبيان في إعراب القرآن ،مرجع سابق ،ج 1، ص217 (3) االشوكاني، فتح القدير ،مرجع سابق ،ج 1، ص217
عدد الصفحات ٨٢83 تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ هذه الجملة مستأنفة لابتداء الاستدلال على انفراد الله بالإلهية ،والخطاب فيها للن أي ألم تر يامحمد فتعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ، وقيل الرؤية هنا ((رؤية القلب ،أي : ألم تر بقلبك وعقلك)) (1).وقيل الخطاب لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية . وفي الآية يخبر الله جل جلاله أنه المستحق للعباده وحده لاشريك له ؛فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها ،كما قال : ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ (2). فيسجد له من في السموات منالملائكة ،ومن في الأرض من الخلق من الإنس و الجن والدواب والطير وغيرهم. ثم أتبعه بأشرف ماذكر مما لايعقل ؛لأن كلا منها عبد من دون الله؛ ولذلك نص عليها فقال : ﭽﭿ ﮀ ﮁ ﭼ من الأجرام العلوية ،عبدها بعض الناس من دون الله ،والله عز وجل يقول : ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ فبين الله أنها تسجد لخالقها ،وأنها منقادة لأمره ،خاضعة لعظمته،مستكنة لعزته. فالشمس تسجد لله تعالى بصفة معينة ،كما ورد في الصحيحين : (1) القرطبِ ، ،مرجع سابق ، ج 21ص14 (2) سورة النحل ،آية 47 ،42
عدد الصفحات ٨٣84 عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُعَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأَِبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، قـُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنـَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فـَتَسْتَأْذِنَ فـَيـُؤْ ذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، فَلاَ يـُقْبَلَ مِنـْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يـُؤْذَنَ لَهَا يـُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فـَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا )) (1). وأما سجودالقمر والنجوم فقال أبو العالية : (( ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حإ يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حإ يرجع إلى مطلعه ))(2). ثمأتبع ذلك سجود أعلام الذوات السفلية ،فقال ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ وهذه المخلوقات كلها تنقاد لأمر الله وتَضع له وتسجد ،وقد عبدت من دون الله ، فعبد البعض الجبال وذلك بنحت الأصنام والتماثيل منها ، وعبد البعض الشجر ،وبعض الدواب التي عبدت من دون الله كالبقر ، لذلك خصصها بالذكر ،وأنها تسجد وتنقاد لله وحده دون سواه . ((وسجود الجبال والشجر بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل))(3). (( وعن مجاهد، قوله: (أ لم ْ ت ر أ نَّ اللَّه ي سْجُدُ ل هُ م نْ فيِ السَّم او اتِ و م نْ فيِ الأرْضِ و الشَّمْسُ و الْق م رُ و النُّجُومُ و الجِْب الُ و الشَّج رُ و الدَّو ابُّ) قال: ظلال هذا كله ))(4). وفي كل الأحوال فالسجود هنا عبارة عن ((طواعية ماذكر تعالى ،والانقياد لما يريده تعالى ،وهذا يشمل من يعقل ومن لا يعقل ،ومن يسجد سجود التكليف ومن لا يسجد))(5). ولكن لماذا التخصيص في قوله ﭽ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﭼ هذا الاستفهام يجاب عليه بعدة أقوال : (5) أبوحيان ، البحر المحيط ،مرجع سابق ،ج 7 ،ص424 (2) الطبري ، مرجع سابق ، ج 27 ،ص576 (3) ابن كثير ، مرجع سابق ، ج 5 ،ص421 (4) الطبري ، مرجع سابق ، ج 27 ،ص576 (5) الطبري ، مرجع سابق ، ج 27 ،ص576
عدد الصفحات ٨٤85 باعتبار أن معنى السجود متصلا ،وعلى هذا يكون المعنى ((السجودالمذكور في الآية وإن كان عاما في حق الكل من الانقياد والطاعة لله،إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ،وهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فساجد بذاته وظاهره )) (1). وعلى هذا المعنى يكون "كثير من الناس" معطوف على " ومنفي الأرض". باعتبار أن معنى السجود منقطعا ،فيكون قوله " كثير من الناس" مقطوع عما قبله وفيه عدة تقديرات : التقدير الأول : يسجد لله من في السموات ومن في الأرض ،ويسجد له كثير من الناس ،وكثير يأبى السجود . ((عن مجاهد: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) قال: المؤمنون )) (2). وعليه "كثير من الناس لم ترتفع عطفا على "من" ،لأن سجود هؤلاء الكثير من الناس هو سجود الطاعة الخاص بالعقلاء. ((وفي هذه الحالة يكون معنى السجود مختلف ، فالسجود الأول بمعنى الانقياد ،والثاني بمعنى الطاعة والعبادة))(3). ((وبناء عليه يكون :"كثير منالناس " مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور ، أي :ويسجد له كثير من الناس))(4). التقدير الثاني : كث ير من الناس مثاب ،أو يستحق الثواب ،أو في الجنة ،وكثير حق عليه العذاب. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ((الْمَعْنَى وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الْجَنَّةِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ))(5). وعلى هذا المعنى يكون "كثير من الناس" مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره كما ذُكر. ولعل المعنى الأظهر : هو أن يكون "كثير من الناس" مرفوع بفعل مضمر ، أي يسجد له كثير من الناس ؛لدلالة "وكثير حق عليه العذاب " لأنه امتنع عن السجود. (1) الرازي، مرجع سابق ، ج 11 ،ص121 (2) الطبري ،مرجع سابق، ج 27 ،ص576 (3) الرازي، مرجع سابق ، ج 11 ،ص121 (4) الشوكاني ، فتح القدير ،مرجع سابق ، ج 1 ،ص514 (5) القرطبِ،مرجع سابق ، ج 21 ،ص14
عدد الصفحات ٨٥86 وهكذا يظهر سبب تَصيص "كثير من الناس" بالذكر مع كونهم داخلين في عموم "من الأرض". ومن الممكن أن يكون (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب)من قبيل التفصيل بعد الإجمال،حيث دخل الناس جميعا من خضع ،ومن أبى في جملة "الدواب". ((ولما علم بهذا أن الكل جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سببا لإسعاد السعيد منهم وإشقاء الشقي)) (1).؛ قال ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ وقد أفاد العطف هنا زيادة في المهانة والإذلال ،فلم يكتف القرآن بإلحاق العذاب فقط،بل عذاب يذل فيه ويهان أيما إهانة وإذلال. فمن يهنه الله من خلقه فيشقه ،بأن جعله كافرا شقيا ،"فماله من مكرم" يكرمه بالسعادة ،فيصير سعيدا عزيزا . وكذلك من حق عليه العذاب ،ليس له أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنه . ((قال ابن عباس: إن من تـَهَاوَنَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ صَارَ إِلَى النَّارِ )) (2). ثم علل أن الفعل له لا لغيره بقوله" إن الله يفعل مايشاء" ((فلا راد لما أراد ،ولا معارض لمشيئته ،فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها خاضعة لعظمته ،مستكينة لسلطانه ،دل على أنه وحده الرب المعبود ،الملك المحمود ،وأن من عدل إلى عبادة سواه فقد ضل ضلالا بعيدا ،وخسر خسرانا مبينا ))(3). وبهذا تكون هذه الآية قررت خضوع الجميع من الناس لله رب العالمين طوعا وكرها كما قررت ذلك سجدة الرعد أيضا في جملة من سجد لله عز وجل. الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة الحج (الأولى) : (1) البقاعي،نظم الدرر، مرجع سابق ، ج 21 ،ص17 (2) القرطبِ،مرجع سابق ، ج 21 ،ص14 (3) السعدي ،مرجع سابق ،ج 2 ،ص516
عدد الصفحات ٨٦87 ﭽﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ الجميع منقاد لله عز وجل ،وخاضع له ؛لذلك جاء الاستفهام هنا بمعنى التقرير ، فيتناسب مع المقام هنا تمام المناسبة ؛لأنه يقرر الخضوع والانقياد والطاعة لله رب العالمين . وقد أكد ذلك بؤكد (أنّ) ،بالإضافة إلى جانب التخصيص المفهوم من النظم ،فلا سجود بحق إلا لله تعالى. ولذلك أيضا جاءت الآية مصدرة بلفظ الجلالة "الله" ،فبالنظر إلى السياق العام للسورة يُلاحظ أن هذا الاسم العلي(( تكرر خمسا وسبعين مرة ،بينما لم يأت لفظ الربوبية إلا في ثماني مواضع )) (1). فكثرة ورود هذا الاسم في السورة هوا لذ ي يحتم وجوده في آية السجدة ،بالإضافة إلى المعاني التي اشتملت عليها الآية ،فهذه الآية هي الوحيدة بين آيات السجدة التي فيها هذا التعداد الكبير للساجدين. ويلاحظ أن النظم هنا جاء بتكرار "م ن" فقال :"يسجد له م ن في السموات وم ن في الأرض" والسبب في ذلك : ((أن النظم هنا قائم على ذكر الخاص بعد العام ،ولا يذكر الخاص بعد العام إلا لمزية من أجلها أفرد بالذكر ،وصار كأنه جنس برأسه ،فقد عم النظم الكريم الساجدين في السماء بقوله : "من" ثم ذكر أفرادا من هذا العام في قوله :"والشمس والقمر والنجوم". ثم نص على من في الأرض أيضا بالفاعل "من " ثم ذكر أفرادا من هذا العام في قوله تعالى :"والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس")) (2). وإفرادها بالذكر ((لكون قيام ذلك مستبعد منها في العادة (3)، أو لأنها عُبدت من دون ا وفي ذلك تعريض للمشركين ،وذكر قبائحهم في عبادتهم الكواكب والنجوم من دون الله ،وهي ساجدة لله رب العالمين ،فكيف تَضعون وتسجدون لها ،وهي في الأصل خاضعة لله تعالى. (1) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن مادة ،أله ،ربب (2) النعيري ، من بلاغة القرآن فيما يسجد العباد بسببه للرحمن ،مرجع سابق ،ص 77 (3) الشوكاني ،فتح القدير،مرجع سابق ،ج 1 ،ص514
عدد الصفحات ٨٧88 وفي ترتيب الخاص بعد العام بهذا الترتيب الدقيق المعجز حسب انتفاع البشرية بها ((والشمس والقمر والنجوم )) ((والجبال والشجر والدواب)) ((فالشمس أساس من مقومات الحياة على وجه الأرض ،ويقابلها في الأرض الجبال الرواسي، التي يحفظ الله بها الأرض من أن تميد بالخلق. ويلي الشمس القمر ،فبه يكون الضياء ليلا ،ويقابله في الأرض الشجر،الذي يقوم بمهمة تنقية الهواء من المواد الضارة إلى مواد نافعة ،فتحيا الكائنات بإذن الله ع ز وجل. ويلي الشمس والقمر النجوم فهي علامات هداية ،ويقابلها من حيث الكثرة والعدد :الدواب)) (1). فسبحان الخالق ! الذي رفع السماء بغير عمد ،وألقى في الأرض رواسي أن تميد بالخلق فلو تأمل العبد في ذلك كله ،لأيقن أن الله سبحانه وتعالى ،هو الذي يستحق العبادة والخ ضوع والسجود له دون سواه. وفي قوله :((وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب أفرد الناس هنا مع أنهم داخلون في عموم "من في السموات ومن في الأرض" ؛((لأنه لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون، كما أن كل الملائكة يسجدون ،فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا ،دون كثير فإنهم يمتنعون عن ذلك ،وهم الذين حق عليهم العذاب ))(2). والتعببالفعل الماضي في "حق " يفيد وجوب هذا العذاب ،وأن الله كتب عليهم العذاب لماسبق في علمه تعالى، فهو شيء محقق واجب إنفاذه. وفي قوله:((ومن يهن الله فماله من مكرم )): التعبير بالفعل المضارع في "يهن" يفيد التجدد والحدوث ،وهذا يعني تجدد الإهانة لن تكبر حالا بعد حال. والتعبير باسم الفاعل في "مكرم " دون الفعل ،فلم يقل :"فماله من يكرمه" : فيه ثبوت صفة الإهانة ودوامها فيه :(( فل يْس له ُمْ أ ح دٌ ي قْدِرُ ع ل ى إِز ال ةِ ذ لِك الهْ و انِ ع ن ْهُ مْ ف ي كُونُ مُكْرِم ا له ُمْ )) (3). فلاعزة ولا كرامة ولا رفعة إلا بالسجود لله رب العالمين ،والخضوع له جل جلاله وليعي الذين يطلبون الكرامة من غير الله. (1) النعيري ، من بلاغة القرآن فيما يسجد العباد بسببه للرحمن ،مرجع سابق ،ص 77 (2) الرازي، مفاتيح الغيب،مرجع سابق ، ج 11 ،ص121 (3) الرازي، مفاتيح الغيب،مرجع سابق ، ج 11 ،ص124
عدد الصفحات ٨٨89 المطلب الخامس :سجدة سورة فصلت ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (1). (1) سورة فصلت ،آية 17
عدد الصفحات ٨٩91 السجدة في سياقها سجدة سورة فصلت هي السجدة الثانية عشرة في ترتيب المصحف. وسورة فصلت هي سورة مكية ،عدد آياتها 54،وسميت بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها : ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ (1). وتسمى كذلك سورة "حم السجدة" لاشتمالها على السجدة وموضوع السورة عرض أهداف الدعوة الجديدة وأركانها وحقائقها الأساسية ،وهذه الحقائق هي :الإيمان بالله واليوم الآخر، وبالوحي والرسالة ،ويضاف إلى ذلك طريقة الدعوة وخلق الداعية. وكل مافي هذه السورة شرح لهذه الحقائق ،واستدلال عليها ،وعرض لآيات الله في النفس والآفاق. ففي بداية السورة الحديث عن تنزيل الكتاب الحكيم ،وموقف المشركين منه ،ثم تتالت الأ خبار وذكرت قصة عاد وثمود ،وبعدها الحديث عن حال من حاد عن الصراط المستقيم واتبع هواه وأضله الشيطان وأغواه : ﭧ ﮢ ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﭼ(2). وفي الجهة الأخرى نجد الحديث عن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وكيف أن الملائكة تتنزل عليهم تطمئنهم وتبشرهم . فهنا فصل بين الحق والباطل ،بين مسلك المؤمنين تجاه آيات القرآن الكريم ،ومسلك الكفار الذي أبى إلا الإعراض والنفور. ((فهو سياق ينبه الإنسان إلى حقيقة الفصل بين الأشياء ،وعلى رأسها :الفصل بين المنعم والنعمة ،هناك منعم غمر الكون كله بعطاياه ،وهناك نعم يعيها كل عاقل ،ويدرك مدى تسخيرها وخضوعها لله رب العالمين)) (3). ومن ثم يتعين له أن يخضع ويسجد للمنعم دون النعم فالسجدة هنا اعتراف حقيقي بالنعم وخضوع وإذعان للوهاب المتعال ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (1). (1) سورة فصلت ،آية 1 (2) سورة فصلت ،آية 15 (3) النعيري ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٩٠91 مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : المتأمل في آية السجدة يجد فيها ارتباطا وثيقا بماقبلها وما بعدها . فالمناسبة بما قبلها تظهر في ارتباطها بقوله تعالى : ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ (2). يقول الرازي في تفسيره :((اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله ، أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته ؛ تنبيها على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته )) (3). لكن ابن عاشور في تفسيره رأى غير ذلك فاعتبر الآية معطوفة على ماقبلها في قوله : ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ (4)((. عطف القصة على القصة فإن المقصود من ذكر خلق العوالم أنها دلائل على انفراد الله بالإلهية، فلذلك أخبر هنا عن المذكورات في هذه الجملة بأنها من آيات الله انتقالا في أفانين الاستدلال فإنه انتقال من الاستدلال بذوات من مخلوقاته إلى الاستدلال بأحوال من أحوال تلك المخلوقات، فابتدو ببعض الأحوال السماوية وهي حال الليل والنهار، وحال طلوع الشمس وطلوع القمر )) (5). وجمع الإمام البقاعي في كتابه نظم الدرر بين ماقاله العلامة الرازي وابن عاشور أحسن جمع فقال :(( ولما ذكر أنهم جعلوا له أندادا مع أنه خلق الأرض في يومين، وختم ذلك بأن أحسن الحسن الدعاء إلى الله، وختم الأمر بالدعاء بصفة العلم، أتبعه دلائل التوحيد إعلاما بأن التوحيد أحسن الحسن يطرد كل شيء، وتنبيها على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات والصفات، ، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن آياته الناشئة عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة لإعادته لمن يريد ونفوذ (1) سورة فصلت ،آية 17 (2) سورة فصلت ،آية 11 (3) االرازي، مرجع سابق ،ج 17 ،ص566 (4) سورة فصلت ،آية 2 (5) اابن عاشور، مرجع سابق ،ج 14 ،ص127
عدد الصفحات ٩١92 تصرفه في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية أنه خلق الخافقين كما مضى في ستة أيام ﭽ ﯗ ﯘ ﭼ .)) (1). والذي أميل إليه من القولين السابقين قول الإمام الرازي ، لأنه يتناسب مع المقام تمام المناسبة ، فالداعية إلى الله وإلى توحيده وإفراده بالعباده يحتاج إلى دلائل وبراهين تعضد دعوته ، وفي الآية توضيح لبعض من آيات الله عز وجل الدالة على وحدانيته وألوهيته. وكذلك تظهر المناسبة جلية مع الآيات التي بعدها ،فبعد أن ذكر آية السجدة قال بعدها : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭼ (2). فبعد أن ذكر الدلائل العلوية السماوية كالليل والنهار والشمس والقمر ،انتقل إلى الدلائل السفلية الأرضية بقوله : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ .... ﭼ ((وفيه استدلال بهذا الصنع العظيم على أنه تعالى منفرد بفعله فهو دليل إلهيته دون غيره لأن من يفعل ما لا يفعله غيره هو الإله الحق وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعدد لكون من لا يفعل مثل فعله ناقص القدرة، والنقص ينافي الإلهية))(3).فاستحق سبحانه وتعالى السجود والخضوع والتذلل دون سواه ؛ لأنه رب الأرباب جل في علاه. تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (4). ﭽﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ : في هذه الآيات بيان لقدرة الله الباهرة وحكمته البالغة وحججه القاطعة ،ودلالته على وحدانيته وعظيم سلطانه .فبدأ بذكر الفلكيات :الليل والنهار ،ومعاقبة كل واحد منهما الآخر ،والشمس والقمر، كلٌ في (1) البقاعي،نظم الدرر، مرجع سابق ،ج 27 ،ص222 (2) سورة فصلت ،آية 12 (3) اابن عاشور، مرجع سابق ،ج 14 ،ص121 (4) سورة فصلت ،آية 17
عدد الصفحات ٩٢93 فلك يسبحونﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (1). وبعد أن بين أن ذلك من آياته ؛نهاهم عن عبادة الشمسوالقمر ؛لأنهما مخلوقان من مخلوقاته ،فلا يصح أن يكونان شريكان في ربوبيته ،فقال : ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ فالشمس والقمر محدثان ،وهما دليلان على وجود الخالق جل جلاله ، أجراهما الله سبحانه وتعالى لمنافع العباد ، فلا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر، ((فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم، فإنما يجريان به لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعا أو ضرّ ا، وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونها، فإنه إن شاء طمس ضوءهما، فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلا ولا تبصرون شيئا )) (2). ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ فإن استكبروا ولم يمتثلوا ماأمروا به ، وتعظموا أن يسجدوا لله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر ، وأبوا إلا الواسطة ، فدعهم وشأنهم ((فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك، ولا يتعظمون عنه، بل يسبحون له، ويصلون ليلا ونهار ا، (و هُمْ لا ي سْأ مُون ) يقو ل وهم لا يفترون عن عبادتهم، ولا يملون الصلاة له)) (3). والمقصود بقوله:(عند ربك ):أي عند الله ((بالمكانة والرتبة الشريفة (4).كقوله تعالى في سورة الأعراف ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ (5). ((وهؤلاء الملائكة هم العامرون للعوالم العليا التي جعلها الله مشرفة بأنها لا يقع فيها إلا الفضيلة فكانت بذلك أشد اختصاصا به تعالى من أماكن غيرها قصدا لتشريفها ))(6). (1) سورة يس،آية 42 (2) الطبري، مرجع سابق ،ج 14 ،ص474 (3) الطبري، مرجع سابق ،ج 14 ،ص474 (4) ابوحيان، مرجع سابق ،ج 2 ،ص127 (5) سورة الأعراف،آية 126 (6) ابن عاشور، مرجع سابق ،ج 14 ،ص122
عدد الصفحات ٩٣94 والمراد بالتسبيح : ((كل مايدل على تنزيه الله تعالى عما لايليق به بإثبات أضداد ما لا يليق به، أو نفي ما لا يليق، وذلك بالأقوال قال تعالى: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ ، أو بالأعمال))(1).. قال تعالى: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ(2) . وذكر الله تعالى في الآية الليل والنهار ؛لقصد استيعاب الزمان : أي يسبحون له الزمان كله ، بدون سآمة ولا تضجر ولاملل ولافتور ،قال تعالى: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ(3) .. واتفق العلماء على سجدة سورة فصلت ،لكن اختلفوا في موضع السجود منها . فذهب الحنفية(4) .والشافعية(5) ..إلى أن موضع السجود عند قوله ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ وكان ابن عباس يسجد عند قوله : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ وذهب المالكية (6) أن موضع السجود عند قولهﭽ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ لأنه متصل بالأمر. والأرجح -والله أعلم- أن السجود عند قوله تعالى : : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ لأن الكلام يتم عنده. (1) ابن عاشور، مرجع سابق ،ج 14 ،ص122 (2) سورة النحل ،آية 42-52 (3) سورة الأنبياء ،آية 12 (4) بدائع الصنائع ،مرجع سابق ،ج 2 ،ص224 (5) المهذب،مرجع سابق ،ج 2 ،ص261 (6) بداية المجتهد،مرجع سابق ،ج 2 ،ص115
عدد الصفحات ٩٤95 الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة (فصلت ) : ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (1). تشتمل آية السجدة هنا على خصائص أسلوبية ولفتات بيانية جميلة نذكر بعض منها ﭽﯗ ﯘ ﭼ : من هنا للتبعيض ،ويتناسب هنا مع المقام تمام المناسبة ؛ لأن ماذكر هنا جزء بسيط من آيات الله عز وجل التي نراها في هذا الكون الفسيح. ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﭼ : القرآن يقرر أن الليل والنهار والشمس والقمر من آيات الله الدالة على عظيم قدرته وسلطانه على خلقه . وبين الليل والنهار طباق ،((والطباق هنا يتناسب مع المقام تمام المناسبة ؛ لأنه يضع الإنسان بين نور الحق وظلام الباطل ،بين نور الله وهدايته وبين ضلال الطواغيت الذين يريدون تشتيت عقله. فالليل والنهار نعمة عظيمة ينبغي استغلالها في طاعة الله عز وجل وكسب الحسنات في الثواني واللحظات )) (2). ويُلاحظ هنا أن في تقديم الليل على النهار ((دلالة على أن الليل أول اليوم ،وأن النهار تابع له ،وفي هذا إشارة إلى رحمة الله بخلقه ،حيث هداهم إلى معرفة أوقاتهم وترتيب حياتهم على أساس هذه المعرفة)) (3).ومن جهة أخرى علل الرازي ذلك بقوله :((وإنما قدم الليل على النهار ؛تنبيها على أن الظلمة عدم والنور وجود ،والعدم سابق للوجود)) (4). وكذلك ناسب ذكر الشمس بعد النهار(( لأنها آيته وسبب تنويره ؛ ولأنها أصل لنور القمر بناء على ما قالوا من أنه مستفاد من ضياء الشمس، وأما ضياؤها فالمشهور أنه غير طارو عليها من جرم آخر ))(5). (1) سورة فصلت ،آية 17 (2) النعيري، من بلاغة القرآن فيما يسجد العباد بسببه للرحمن، مرجع سابق ،ص 212 ،بتصرف (3) المرجع السابق (4) الرازي، مرجع سابق ،ج 17 ،ص566 (5) الألوسي، مرجع سابق ،ج 21 ،ص176
عدد الصفحات ٩٥96 فهذه الآيات لاتصلح أن تكون إلها يعبد من دون الله ؛لأنها مخلوقة من المخلوقات وخاضعة لجلال ا ،فلاينبغي السجود لها بأي حال من الأحوال .فقال : ﭽﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ النهي هنا من الله عز جل ،وقد كرر النهي مع الشمس والقمر فقال : ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭼ للمبالغة في النهي ولتقرير هذا المعنى . يقول الإمام البقاعي: )) وأعاد النافي تأكيدا للنفي وإفادة لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال ))(1). وفي الآية تَصيص ذكر السجود بالنهي عنه ،ووجه ذلك : قيل : ((لأنه كان ناس يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ،ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله ،فنهوا عن ذلك. وقيل وجه تَصيصه أنه أقصى مراتب العبودية )) (2). فهذه مخلوقات لاتصح أن تكون معبودة من دون الله ،والسجود لايكون إلا لخالقها ومبدعها سبحانه وتعالى. ولما نهى عن السجود لهما، أمر بالسجود بما يبين استحقاقه لذلك : ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ فهو أمر يؤكد النهي ،وذلك لخطور هذه القضية ،وهي انحراف الفطرة والسجود لغير الله تعالى . ((ونبه على مزيد عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال نقص ))(3). واختلف المفسرونفي توجيه التعبير بقوله :(خلقهن ) : فقيل بأن الضمير يرجع إلى الليل والنهار والشمس والقمر ،فهو عائد على الأربعة ؛((لأن تأنيث مالايعقل حكمه حكم المؤنث في الضمير)) (4). وقيل :(( للشمس والقمر خاصة ؛لأن الاثنين جمع ، وقيل عائد على معنى الآيات))(5). ولعل الأقرب كو ن الضمير عائدا على الليل والنهار والشمس والقمر ، لأنها المقصودة بالذكر في الآية؛ ولأن بعض الطوائف عبدت الشمس والقمر من دون الله ، فأكد على أنها من مخلوقاته التي سخرها لعباده ، لا (1) االبقاعي، نظم الدرر، مرجع سابق ،ج 27 ،ص221 (2) االشوكاني، فتح القدير ،مرجع سابق ،ج 4 ،ص524 (3) البقاعي، مرجع سابق ،ج 27 ،ص221 (4) الألوسي، مرجع سابق ،ج 21 ،ص177 (5) االقرطبِ، مرجع سابق ،ج 25 ،ص164
عدد الصفحات ٩٦