65 ف ب د أ فيِ آي ة السَّجْد ة بِذكر من فيِ السَّم و ات لذ لِك و ذكر الأ رْض تبعا و يذكر بالكفار والأصنام )) (1). ﭽ ﭵ ﭶ ﭼ: هذه الآية هي الوحيدة من بين آيات السجدة التي ورد فيها السجود الطوعي وحال الإكراه، يقول أبو حيان معلقاً على ذلك :" (( و الَّذِي ي ظْه رُ أ نَّ م س اق ه ذِهِ الآْي ةِ إِنمَّ ا هُو أ نَّ الْع الم كُلَّهُ م قْهُورٌ لِلَّهِ ت ع الى ، خ اضِعٌ لِم ا أ ر اد مِنْهُ، م قْصُورٌ ع ل ى م شِيئ تِهِ، لا ي كُونُ مِنْهُ إِلاَّ م ا ق دَّر ت ع الى . ف الَّذِين ت عْبُدُون هُمْ ك ائِن ا م ا ك انُوا د اخِلُون تح ْت الْق هْرِ، و ي دُلُّ ع ل ى ه ذ ا الْم عْنى ت شْرِيكُ الظِّلا لِ فيِ السُّجُودِ )) (2). ومن وجه آخر لو رجع القارو للسورة قبل آيات السجدة هذه لوجد أن السورة تشتمل على ثنائيات متضادة مثل : بين الله يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد ، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة ، وسواء لديه من أسر القول ومن جهر به ، (( ومن هو مستخف بالليل و سارب بالنهار وبين «خوفا وطمعا »، وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته. وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع. وبين السماوات والأرض، وسجود من فيهن طوعا وكرها . وبين الشخوص والظلال. وبين الغدو والآصال)) (3). هذا قبل آية السجدة ، وبعدها كذلك استمرت هذه الثنائية مثل قوله تعا : ﭽ ... ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ ، وكقوله تعالى : ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪ ﭼﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ (4). وعلى تلك الشاكلة جاء التضاد بين الطوع والكره . (1)الكرماني ،محمود بن حمزة بن نصر أبو القاسم برهان الدين ،أسرار التكرار في القرآن ، تحقيق :عبدالقادر أحمد عطا (2)ابو حيان ،مرجع سابق (3) سيد قطب ،مرجع سابق (4)سورة الرعد الآيات 16
عدد الصفحات ٦٥66 وقد قدم (طوعا ) على (كرهانشرا على ترتيب اللف ،قال ): طوعا ) أهل ا لسماء من الملائكة لأن عبادتهم بغير مشقة .و(كرها ) لأهل الأرض لأن عبادتهم بالمشقة )) (1). ﭽﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ. هنا عطف الظلال على قوله :ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ، وقد أفاد هذا العطف الإنقياد الكامل والتام لله رب العالمين ،فهم في خضوع دائم ومستمر لا ينقطع لحظة واحدة من ليل أو نهار. (( وقد عبر فيه بالجمع (ظلالهم ) دون الإفراد (ظلهم ) لأن الجمع يفيد الكثرة ،والمقام يقتضي ))(2).فالكل يسجد لله حإ الظلال ،وسجود الظلال نابع من إبداع خلق الله جل وعلا المنبئ عن أحقيته بالسجود ((ولو جعل الله الشمس شمسين متقابلتين على السواء لانعدمت الظلال ، ولو جعل وجه الأرض شفافا أو لامعا كالماء لم يظهر الظل عليه بيّنا ، فهذا من رموز الصنعة التي أوجدها الله وأدقها دقة بديعة))(3). ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ. "التعبير هنا (بالباء) في قوله ( بالغدو ) دون (في ) و راءه سر بلاغي ،فالباء تفيد الإلصاق ، وفي تفيد الظرفية ،والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول الباء دون انفصال ، أما الظرفية فإنها تعني احتواء الظرف فقط. وعليه فالقرآن لا يريد أن يقصر سجود هؤلاء على هذين الوقتين فقط، وإنما يريد أن يخبر بامتداد هذا السجود ودوامه على جهة التأبيد وهذا لا يأتي إلا بالباء))(4). وقد خصص هذين الوقتين بالذكر "لأن الظلال إنما تعظم وتكثر ))(5). فسبحان من جلت عظمته وعلت قدرته وسجد له من في السموا ت والأرض طوعا وكرها ،مؤمنهم وكافرهم . (1)القاسمي ،محمد جمالالدين بن محمد بن سعيد بن قاسم الحلاق ،محاسن التأويل ،تحقيق :محمد باسل عيون السود ،دار الكتب العلمية ،بيروت (2) النعيري ،مرجع سابق (3) ابن عاشور ،مرجع سابق (4) النعيري ،مرجع سابق (5) ابن حيان ،مرجع سابق
عدد الصفحات ٦٦67 المطلب الثالث " سجدة النحل ": ﭧ ﭨ ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ السجدة في سياقها هذه السجدة هي الثالثة في المصحف ،وهي سجدة سورة النحل . وسورة النحل سورة مكية ،عدد آياتها 217آية ،وسميت بسورة النحل لذكر النحل في قوله تعالى : ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ (1). وموضوعها الأساسيمعالجة موضوعات العقيدة الكبرى :الألوهية والبعث والوحي . وكذلك تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية ،فتلم بوظيفة الرسل ،وسنة الله في المكذبين لهم ،وتلم بموضوع التحليل والتحريم ،وكذلك تضيف إلى العقيدة موضوعات المعاملة :العدل والإحسان والوفاء بالعهد وغيرها من الموضوعات المهمة. (( وأمّا الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات، والمجال الذي تجري فيه الأحداث، فهو فسيح شامل: هو السماوات والأرض، والماء الهاطل، ، والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار، هو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والآخرة بأقدارها ومشاهدها. (1) سورة النحل آية 67
عدد الصفحات ٦٧68 في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير، حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها في هدوئها تَاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتّجه الى العقل الواعي كما تتّجه الى الوجدان الحساس. إنها تَاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثّر والعقل ليتدبّر، وتحشد الكون كله: سماءه وأرضه، شمسه وقمره، ليله ونهاره، جباله وبحاره، فجاجه وأنهاره ، حيوانه وطيوره، كما تح شد دنياه وآخرت ه ،كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا ينغلق أمامها إلا القلب الميت )) (1). القلب الميت الذي أعرض عن عبادة الله عزوجل ،ولم يت فكر في ملكوت الله وعظيم خلقه ،بل أشرك مع الله إلها آخر ومكر السيئات وارتكب المعاصي . حإ جاءت سجدة سورة النحل في سياق تنبيه المكذبين إلى عذاب الله وأليم أخْذه سبحانه وتعالى: ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ (2). ((ويستمر السياق إرشادهم ،والأخذ بأيديهم وأعينهم إلى إدراك تمجيد الله عز وجل من عناصر الكون جميعها ،والتي لاتفتر عزائمهم ،ولا يضعف جهدهم ولا تكل ألسنة الحال والمقال في تسبيح وتنزيه الله عز وجل ،ثم تؤكد آية السجدة هذا المعنى وتقرره في ثوب العموم والشمول بأن كل مافي السماوات ،ومافي الأرض يسجد لله عز وجل سجود إجلال لعظيم قدره سبحانه)). (3) (1) جعفر شرف الدين ،مرجع سابق (2) سورة النحل آية 45-47 (3) النعيري ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٦٨69 مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : لما ذكر الله تعالى قدرته على تعذيب الماكرين وإهلاكهم بأنواع من الأخذ في قوله : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ (1). ((لما ذكر ذلك كله ؛ذكر طواعية ماخلق من غيرهم وخضوعه ضد حال الماكرين ؛ لينبههم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره)) (2) ﭽﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ (3). فالله عز وجل بعد أن خوفهم دل على تمام قدرته ،وأخبر عن عظمته وجلاله وكبريائه بانقياد سائر المخلوقات من جمادات وحيوانات ومكلفين وغير مكلفين له . ولما ذكر سبحانه وتعالى ((انقياد مافي السماوات ومافي الأرض لما يريده تعالى منها ،فكان هو المتفرد بذلك ؛نهى أن يشرك به (4).فقال ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (5).. ومن وجه آخر قال الإمام البقاعي ذاكراّ الرابط بين الآيتين ،قال رحمه الله تعالى : (( ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن الملائكة تَافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة التوحيد، أتبعها قوله تعالى: ﭽ ﯞ ﯟ ﭼ فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: ﭽ (1) سورة النحل آية 45-47 (2) ابن حيان ،مرجع سابق (3) سورة النحل 47-52 (4) ابن حيان ، مرجع سابق (5) سورة النحل 52
عدد الصفحات ٦٩71 ﯠ ﯡﭼ أي لا تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد إلى أن تأخذ في اعتقادها ﭽ ﯢ ﭼ (1). أوجه القراءات والإعراب في الآية : ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ ﭧ ﮢ ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭽ ﮒ ﮓ ﭼ قرأ ت بتاء الخطاب (تروا ) وهي قراءة حمزة والكسائي ، وعليه فالخطاب لجميع الناس. وقرئت (يروا ) على لفظ الغيبة التي قبلها .وذلك قوله :((أن يخسف ،أو يأتيهم ،أو يأخذهم)) فجرى الكلام على سنن واحدة في الغيبة. وهي قراءة باقي ال سبعة)) (2) . ﭽ ﮚ ﭼ: (( قرأ أبو عمرو بتائين على تأنيث لفظ الجمع وهو "الظلال" . وقرأ الباقون بياء وتاء على تذكير معنى الجمع ،أو على الحمل على المعنى ،لأن "الظلال" هو " الظل" سواء، ولأن تأنيث هذا الجمع غير حقيقي ،وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه)) (3). ﭽ ﮛ ﭼ: ظلاله قراءة الجمهور وقرو (ظلله) جمع ظلة وهي قراءة عيسى (1) البقاعي ، مرجع سابق (2 )القيسي ،مكي بن أبي طالب ، الكشف عن وجوه القرا ءات السبع وعللها وحججها ، ص 17، ت: د.محي الدين رمضان ، دار الرسالة ،بيروت ، ط4 ،2427ه (3 ) ارجع السابق ، ص17
عدد الصفحات ٧٠71 (سُجَّدًا : ح الٌ مِن الظِّلا لِ. و (هُمْ دَاخِرُونَ) : ((ح الٌ مِن الضَّمِيرِ فيِ «سُجَّد ا»و يج ُوزُ أ نْ ي كُون ح الا ث انِي ة م عْطُوف ة )).(1) وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ أ يْ: و الحْ الُ أ ن َّهُمْ لا ي سْت كْبرُِون ع نْ عِب اد ةِ ر بهِِّمْ و الْمُر ادُ الْم لا ئِك ةُ و يحُْت م لُ أ نْ ت كُون الجُْمْل ةُ مُسْت أْن ف ةٌ. (( و يج ُوزُ أ نْ ت كُون ح الا مِنْ ف اعِلِ ي سْجُدُ و م ا عُطِف ع ل يْهِ، أي: يسجد لله ما في السموات و م ا فيِ الأْ رْضِ و الْم لا ئِك ةُ و هُمْ جم ِيع ا لا ي سْت كْبرُِون ع نِ السُّجُودِ )). (2) يَخافُونَ رَبـَّهُمْ مِنْ فـَوْقِهِمْ : (( ه ذِهِ الجُْمْل ةُ فيِ مح لِّ ن صْب ع ل ى الحْ الِ، أ يْ: ح ال ك وْنهِِمْ يخ افُون ر ب َّهُمْ مِنْ ف وْقِهِمْ، أ وْ جمُْل ةٌ مُسْت أْن ف ةٌ لِب ي انِ ن فْيِ اسْتِكْب ارِهِمْ )) (3) . ومن فوقهم : ((متعلق بيخافون ع ل ى ح ذْفِ مُض اف ، أ يْ: يخ افُون ع ذ اب ر بهِِّمْ مِنْ ف وْقِهِمْ، أ وْ ي كُونُ ح الا مِن الرَّبِّ، أ يْ: يخ افُون ر ب َّهُمْ ح ال ك وْنِهِ مِنْ ف وْقِهِمْ )) (4). تفسير وبيان ومعاني آية السجدة : ﭧ ﮢ ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ: (( أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات، إلى ما خلق الله من جسم قائم، شجر أو جبل أو غير ذلك، يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل، يقول: يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أوّل النهار على حال، ثم يتقلَّص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار )).(1) (1) العكبري ، مرجع سابق (2) الشوكاني ، مرجع سابق (3) المرجع السابق (4) المرجع السابق
عدد الصفحات ٧١72 ﭽ ﮘ ﮙ ﭼ : (( ي عْنيِ مِنْ جِسْم ق ائِم ل هُ ظِلٌّ مِنْ ش ج ر ة أ وْ ج ب ل ، ق ال هُ ابْنُ ع بَّاس . و إِنْ ك ان تِ الأْ شْي اءُ كُلُّه ا سم ِيع ة مُطِيع ة لله تعالى )).(2) ﭽ ﮚ ﮛ ﭼ : ((والت َّف ي ُّؤُ ت ف عُّلٌ مِن الف يْءِ، و ف اء الظِّلُّ ف يْئ ا، أ يْ ع اد ب عْد أ نْ أ ز ال هُ ض وْءُ الشَّمْسِ. وت ف ي ُّؤُ الظِّلالِ: رجُوعُها بعد انْتِص افِ الن َّه ارِ وابْتعاثِ الأ شياءِ ظِلاله ا. والت َّف ي ُّؤُ لا ي كُونُ إِلاَّ بالع شِيِّ )). (3) ولفظ الظلال شرح بالتفصيل في سورة الرعد . وت ف ي ُّؤُ الظِّ لالِ :((أ يْ تميلُ مِ نْ ج انِب إِلى ج انِب ، و تكونُ أ وَّ ل الن َّه ارِ ع ل ى ح ال و تت ق لَّصُ ثمَُّ تعو دُ فيِ آخِرِ الن َّه ارِ ع ل ى ح ال ة أُخْر ى، ف د و ر ان ُه ا و م ي لا ن ُه ا مِنْ م وْضِع إِلى م وْضِعِ سُجُودُه ا )).(4) ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ : قال ابن كثير :((ذ ات الْي مِينِ و ذ ات الشِّم الِ، أ يْ: بُكْر ة و ع شِيًّا، ف إِنَّهُ س اجِدٌ بِظِلِّهِ لِلَّهِ ت ع الى )) (5). وقد ذكر ابن جرير الطبري أقوال المفسرين في ذلك : (6) عن قتادة، قوله (أ و لم ْ ي ر وْا إِلى م ا خ ل ق اللَّهُ مِنْ ش يْء ي ت ف يَّأُ ظِلالُهُ ع نِ الْي مِينِ و الشَّم ائِلِ سُجَّد ا لِلَّهِ) أما اليمين: فأوّل النهار، وأما الشمال: فآخر النهار. و عن ابن جريج (ي ت ف يَّأُ ظِلالُهُ ع نِ الْي مِينِ و الشَّم ائِلِ) قال: الغدوّ والآصال، إذا فاءت الظِّلال، ظلال كلّ شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشيّ سجدت لله. وقال الطاهر ابن عاشور في بيان ذلك:" ع نِ الْي مِينِ و الشَّمائِلِ، أ يْ ع نْ جِه اتِ الْي مِينِ و جِه اتِ الشَّم ائِلِ م قْصُودٌ بِهِ إِيض احُ الحْ ال ةِ الْع جِيب ةِ لِلظِّلِّ إِذْ ي كُونُ ع نْ يم ِينِ الشَّخْصِ م رَّة و ع نْ شمِ الِهِ أُخْر ى، أ يْ إِذ ا اسْت قْب ل جِه ة م ا ثمَُّ اسْت دْب ر ه ا ".(7) ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣ ﭼ: (1) الطبري ، مرجع سابق (2) القرطبِ ، مرجع سابق (3) ابن منظور، مرجع سابق مادة "فيأ" (4) القرطبِ ، مرجع سابق (5) ابن كثير ، مرجع سابق (6) الطبري ، مرجع سابق (7) ابن عاشور، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٢73 عن مجاهد قال(( هو سجود الظلال، ظلال كلّ شيء ما في السموات وما في الأرض من دابة، قال: سجود ظلال الدواب، وظلال كلّ شيء)). (1) قال الطبريظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: م ي لانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس يقال من ذلك: سجدت النخلة إذا مالت . (2) ﭽ ﮡ ﭨ ﮣ ﭼ: "يعني: وهم صاغرون، يقال منه: دخر: د خ ر الرجلُ، بِالْف تْحِ، ي دْخ رُ دُخُورا ، ف هُو د اخِرٌ، ود خِر د خ را : ذ لَّ وص غُر ي صْغُرُ ص غ ارا . والدُّخُورُ: الصَّغ ارُ و الذُّلُّ . (3) وقال القرطبِ :"داخرون أي خ اضِعُون . و الدُّخُورُ: الصَّغ ارُ والذل".(4) و الدَّاخِرُ الخْ اضِعُ الذَّلِيلُ، أ يْ د اخِرُون لِع ظ م ةِ الله ت ع الى . فمعنى الآية :"أن الظلال ترجع من جانب إلى جانب ،بارتفاع الشمس وانحدارها ،تتحرك على مدار معين ،بتقدير العزيز العليم ،منقادة لما قدر لها ،ملتصقة بها على هيئة الساجد الخاشع المنيب ،منقادة لحكمه تعالى".(5) فسبحان من سبح له كل شيء وسجد له طوعا وكرها و إن كنا لانعي ذلك السجود .قال تعالى : ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ. (6) وبعد أن بين سجود الظلال ،شرع في بيان سجود المخلوقات في السموات والأرض فقال عز من قائل : ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ: ومعنى الآية :" ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابَّة يدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة".(7) وفي قوله ﭽ ﮪ ﮭ ﮮ ﭼ: (1) الطبري ، مرجع سابق (2) المرجع سابق (3) ابن منظور، مرجع سابق (4) القرطبِ، مرجع سابق (5) المنصوري ، مرجع سابق (6) سورة الإسراء آية 44 (7) الطبري ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٣74 قال القرط :" و لِلَّهِ ي سْجُدُ م ا فيِ السَّماواتِ و ما فيِ الأْ رْضِ مِنْ دابَّة أ يْ مِنْ كُلِّ م ا ي دِبُّ ع ل ى الأْ رْضِ. (و الْم لائِك ةُ) ي عْنيِ الْم لا ئِك ة الَّذِين فيِ الأْ رْضِ، و إِنمَّ ا أ ف ْر د هُمْ بِالذِّكْرِ لاختصاص هم بِش ر فِ الْم نْزِل ةِ، ف م ي َّز هُمْ مِنْ صِف ةِ الدَّبِيبِ بِالذِّكْرِ و إِنْ د خ لُوا فِيه ا. و قِيل : لخُِرُوجِهِمْ مِنْ جمُْل ةِ م ا ي دِبُّ لِم ا ج ع ل اللَّهُ له ُمْ مِن الأْ جْنِح ةِ، ف ل مْ ي دْخُلُوا فيِ الجُْمْل ةِ ف لِذ لِك ذُكِرُوا. و قِيل : أ ر اد " و لِلَّهِ ي سْجُدُ م نْ فيِ السَّماواتِ" مِن الْم لا ئِك ةِ و الشَّمْسِ و الْق م رِ و النُّجُومِ و الرِّي احِ و السَّح ابِ،" و ما فيِ الأْ رْضِ مِنْ دابَّة " و ت سْجُدُ م لا ئِك ةُ الأْ رْضِ ". (1) و(من دابة ) يج ُوزُ أ نْ ي كُون ب ي ان ا لِم ا فيِ الأْ رْضِ، و لهِ ذ ا ق ال ابْنُ ع بَّاس : يُرِيدُ كُلَّ م ا د بَّ ع ل ى الأْ رْضِ. و ع ط ف و الْم لا ئِك ةُ ع ل ى م ا فيِ السموات و م ا فيِ الأْ رْضِ، و هُمْ مُنْد رِجُون فيِ عُمُومِ م ا ت شْرِيف ا له ُمْ و ت كْرِيم ا ".(2) والملائكةمع علو شأنهم وعظمة منزلتهم لا يستكبرون عن عبادة الله والسجود له ،كما قال تعالى : ﭽ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﭼ. (3) "و و صْفُ الْم لا ئِك ةِ بِأ ن َّهُمْ لا ي سْت كْبرُِون ت عْرِيضٌ بِب ُعْدِ الْمُشْرِكِين ع نْ أ وْجِ تِلْك الْم رْت ب ةِ الْم ل كِيَّةِ .(4) " ثملما مدح الملائكة بكثرة الطاعة والخضوع لله، مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم بالذات والقهر، وكمال الأوصاف، فهم أذلاء تحت " (5). فقال ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ(6) يقول ابن كث أ يْ: ي سْجُدُون خ ائِفِين و جِلِين مِن الرَّبِّ ج لَّ ج لا لُهُ {مُث ابِرِين ع ل ى ط اع تِهِ ت ع الى ، و امْتِث الِ أ و امِرِهِ، و ت رْكِ ز و اجِرِهِ. (1) (1) القرطبِ، مرجع سابق (2) ابو حيان ، مرجع سابق (3) المائدة آية271 (4) السعدي ، مرجع سابق (5) المرجع السابق (6) سورة النحل آية 52
عدد الصفحات ٧٤75 فيخافونه خوف هيبة وإجلال ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ. (2) "ويخافون عِق اب ر بهِِّمْ و ع ذ اب هُ من فوقهم ، لأِ نَّ الْع ذ اب الْمُهْلِك إِنمَّ ا ي نْزِلُ مِن السَّم اءِ ".(3) ومن أوصافهم أنهميفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه. واستدل بقوله مِنْ ف وْقِهِمْ على ثبوت الفوقية والعلوّ، علوّ بلا تشبيه ولا تمثيل ". (4) وعند قوله تعا ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ م وضِع سُجُود للقارىء بِالاِت ِّف اقِ. "و حِكْم تُهُ هُن ا إِظْه ارُ الْمُؤْمِنِ أ نَّهُ مِن الْف رِيقِ الْم مْدُوحِ بِأ نَّهُ مُش ابِهٌ لِلْم لا ئِك ةِ فيِ السُّجُودِ لله ت ع الى ".(5) الناحية البلاغية والخصائص الأسلوبية لآية سجدة النحل : ﭧ ﭨ ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ ﭽﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ: الاستفهام في الآية إنكاري أي : قد رأوا. وقال ابن حيان : و الاِسْتِفْه امُ هُن ا م عْن اهُ الت َّوْبِيخُ. قِيل : و يج ُوزُ أ نْ ي كُون م عْن اهُ الت َّع جُّب و الت َّقْدِيرُ: ت ع جَّبُ وا مِنِ اتَِّ اذِهِمْ م ع اللَّهِ ش رِيك ا و ق دْ ر أ وْا ه ذِهِ الْم صْنُوع اتِ الَّتيِ أ ظْه ر تْ ع ج ائِب قُدْر تِهِ و غ ر ائِب صُنْعِهِ، م ع عِلْمِهِمْ بِأ نَّ آلهِ ت هُمُ الَّتيِ اتَذوها شركاء لا ي قْدِرُ ع ل ى ش يْء الْب تَّة . و الرُّؤْي ةُ هُن ا رُؤْي ةُ الْق لْبِ الَّتيِ ي ق عُ بهِ ا الاِعْتِب ارُ، و ل كِن َّ ه ا بِو اسِط ةِ رُؤْي ةِ الْع ينِْ ". (6) (1) ابن كثير ، مرجع سابق (2) سورة الأنعام آية 27 (3) القرطبِ ، مرجع سابق (4) القاسمي ، مرجع سابق (5) ابن عاشور ، مرجع سابق (6) ابو حيان ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٥76 ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ : "(ما) مبهمة مفسرة بقوله (من شيء ) " (1) ، أي أن ( من شيء بيان للإبهام الذي في (ما). ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﮣ ﭼ: "أض اف الظِّلا ل إِلى مُفْر د ، و م عْن اهُ الإِْض اف ةُ إِلى ذ وِي الظِّلا لِ، و إِنمَّ ا ح سُن ه ذ ا، لأِ نَّ الَّذِي ع اد إِل يْهِ الضَّمِيرُ و إِنْ ك ان و احِد ا فيِ اللَّفْظِ و هُو ق وْلُهُ إِلى م ا خ ل ق اللَّهُ، إِلاَّ أ نَّهُ ك ثِيرٌ فيِ الْم عْنى ".(2) ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ ﮡ ﭨ: جمُِع بِصِيغ ةِ الجْ مْعِ الخْ اصَّةِ بِالْعُق لا ءِ ت غْلِيب ا لأِ نَّ فيِ جمُْل ةِ الخْ لا ئِقِ الْعُق لا ء و هُمُ الجِْنْسُ الأْ ه مُّ. (3) ولأِ نَّهُ ت ع الى ل مَّا و ص ف هُمْ بِالطَّاع ةِ و الدُّخُورِ أ شْب هُوا الْعُق لا ء . (4) ﭽﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭼ. (ﮤ ﮥ: ت قْدِيمُ الْم جْرُورِ ع ل ى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بالحصر، أ ي سجد لِلَّهِ لا لِغ يرِْهِ م ا فيِ السَّم و ات و م ا فيِ الأْ رْضِ ، و هُو ت عْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِين إِذْ ي سْجُدُون لِلأْ صْن امِ . (5) وقد بدئت السجدة هنا بلفظ الجلالة(الله ) دون اسم آخر ،"وذلك لكثرة ورود الاسم في السورة فحتم وجوده في آية السجدة ،فقد ورد في السورة ما يزيد على ثمانين آية ،وهذا يعني أنه أكثر من ثلثي السورة التي تبلغ آياتها 217 آية (6). (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ: "أُوثِر تْ م ا الْم وْصُول ةُ دُون (م نْ) ت غْلِيب ا لِك ث ْر ةِ غ يرِْ الْعُق لا ءِ ".(7) لأِ نَّهُ ل وْ جِيء بمِ نْ لم ْ ي كُنْ فِيهِ د لِيلٌ ع ل ى الت َّغْلِيبِ، ف ك ان مُت ن اوِلا لِلْعُق لا ءِ خ اصَّة ، ف جِيء بمِ ا هُو ص الِحٌ لِلْعُق لا ءِ و غ يرِْهِمْ إِر اد ة الْ عُمُومِ ".(8) (1)الشوكاني ،مرجع سابق (2) الرازي، مرجع سابق (3) ابن عاشور، مرجع سابق (4) الرازي ، مرجع سابق (5) ابن عاشور ، مرجع سابق (6) سعيد طيب، مرجع سابق (7) المرجع سابق (8) ابن حيان ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٦77 ولو نظرنا لسورة الرعد لوجدنا استخدام (من )لأنها جاءت بسجود الأشخاص قبل الظلال ،عكس ماجاء في النحل ،ولذلك كان التعبير بمن هناك هو الأنسب بالمقام لأنها تفيد تغليب العاقل على غيره ،وهذا المعنى لايقوم به إلا (من)". (1) أما المقام هنا أعم وأشمل من سورة الرعد،لأنه تقرير لخضوع كل دابة في السموات والأرض ،وهذا المعنى يتطلب (ما) لأنها:"اسم موصول مبهم يستوي فيه التذكير والتأنيث ،والإفراد والتثنية والجمع ،وأصل ما أن تكون لغير العاقل ،وقد تقع على من يعقل عند اختلاطه بما لا يعقل تغليبا ".(2) ﮪ ﮭ : "يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا، على أنّ في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسى في الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الملائكة ". (3) ولعل الاحتمال الأكبر في رجوع "دابة" إلى مافي السموات ومافي الأرض جميعا " لأن هذاالبيان يتناسب مع عطاء "ما" في العموم والشمول ،ولأننا لا نعلم كثيرا م ن أمر مافي السموات ومافي الأرض". (4) ﮮ : ع طْفُ الْم لا ئِك ةِ ع ل ى م ا ق ب ْل هُمْ أي ملائكة ا لسوات والأرض وهو من عطف الخاص على العام ،ت شْرِيف ا له ُمْ، و ت عْظِيم ا".(5) وذكرهم خصوصا من بين الساجدين، "لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ".(6) ﮯ ﮰ ﮱ : و"نفى الاستكبار عنهم بضمير الفصل "هم" الذي يزداد به النظم تأكيدا على تمام خضوعهم لله.ثم عبر بالجملة الفعلية المضارعية التي تفيد تقوية التجدد والحدوث في نفي هذا الوصف عنهم . وكأن التجدد يمنحهم خضوعا على خضوع وإذعانا فوق إذعان لله الواحد المعبود".(7) (1) النعيري ، مرجع سابق (2) الزركشي ، أبو عبدالله بدر الدين محمد بن عبدالله البرهان في علوم القرآن ، تحقيق :محمد أبو الفضل إبراهيم،ط 2 ،2176ه (3) الزمخشري ، مرجع سابق (4) النعيري، مرجع سابق (5) الشوكاني ، مرجع سابق (6) الزمخشري ، مرجع سابق (7) النعيري ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٧78 والتعبير بالجملة الفعلية تفيد تقوية التجدد والحدوث في نفي هذا الوصف عنهم ودلالة على خضوعهم وإذعانهم التام لله رب العالمين : ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ ﯕ :"في اختيار عنوان الربوبية تربية للمهابة وإشعار بعلة الحكم ".(1) فقدآثر القرآن التعبير بلفظ (رب)في ظل هذا المقام دون لفظ الجلالة (الله) "حإ يضفي على المقام جوا من المهابة المصحوبة بالاعتراف والإقرار وامتنان الله عليهم بربوبيته ".(2) وإضافة لفظ "رب "إليهم فيه تشريف لهم أيما تشريف. ﯘ :التعبر بالفعل يفعلون دون يعملون فيه غاية الإعجاز اللفظي "فالفعل هو الذي يكون في زمن يسير ولم يتكرر،كقوله :" ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" حيث كان إهلاكهم في زم يسير لم يتكرر. بخلاف العمل فإنه يوجد من الفاعل بصفة متكررة ومستمرة كقوله :"لمثل ه ذا فليعمل العاملون" ولم يقل فليفعل الفاعلون ، والمعنى لمثل هذا النعيم فليداوم العاملون على الطاعة" . (3) ﯙﯚ : إيراد الفعل مبنيا للمفعول جرى على سنن الجلالة وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه وتعالى".(4) المطلبالرابع :سجدة الحج "الأولى ": (1) الألوسي ، شهاب الدين محمود بن عبدالله الحسيني روح المعاني ، تحقيق : علي عبدالباري عطية ،دار الكتب العلمية ،بيروت (2) النعيري ، مرجع سابق (3) المرجع السابق (4)الألوسي ، مرجع سابق
عدد الصفحات ٧٨79 ﭽﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ السجدة في سياقها السجدة الأولى من سورة الحج هي ا لسجدة السادسة في المصحف . وسورة الحج سورة مكية في أرجح الأقوال ،مع وجود بعض الآيات المدنية فيها، لكن في أسلوبها وموضوعاتها وطريقتها أقرب للسور المكية. فمن موضوعاتها البارزة التوحيد والتخويف من الساعة ،وإثبات البعث وإنكار الشرك ومشاهد القيامة. وتتضح في السورة سمات ا لقوة والعنف ، وأساليب الرهبة والتحذير ،واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والخوف من بأس الله. فمن هذه المشاهد الآيات الأولى من السورة ،فيظهر المشهد الرهيب للبعث :تذهل الأم المرضع عن وليدها ،وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ،وكذلك مشهد العذاب وحال أهل النار. وهذه أمور دالة على البعث والحساب والجنة والنار الذي أنكره كثير من الناس . فتأتي السجدة الأولى من سورة الحج في سياق التأكيد على البعث ،وأنه حق لا ينبغي أن يجادل فيه الناس . وقد بين الله - سبحانه وتعالى- لنا من أمر الخلق الإيجاد مابه يتأكد أمر البعث ،وأحقيته . ((وفي هذا السياق الذي يقرر بعد كثير من الناس عن جادة الصواب بالجدال إلى عبادة المنفعة والمصلحة ،إلى دعاء غير الله ، إلى غير ذلك مما لا يقبله عقل ولامنطق ،فيأتي موجب السجدة مؤكدا أن الكائنات جميعها ساجدة لله رب العالمين ،ومعهم كثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب)) (1). فجميع من في السموات والأرض ساجد لله ،خاضع لجلاله ، منقاد لأمره ،شاء أم أ . مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ (1) النعيري ، من بلاغة القرآن فيما يسجد فيه العباد لرحمن ،مرجع سابق ،ص 71
عدد الصفحات ٧٩81 المتأمل في آية السجدة يجد فيها ارتباطا وثيقا بماقبلها وما بعدها ، والارتباط فيها يظهر بسياق قريب وآخر بعيد . فسياق القريب أنها وقعت بين آيتين سابقة لها ولاحقة لها ،فالسابق لها قوله : ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮢ ﮣ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ واللاحق قوله: ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ ((وكلتا الآيتين تنصان على افتراق البشر في مجال الطاعة والإيمان ، أما هي فقد نصت على أن جميع المخلوقات – غير الإنسان - اجتمعت على الانقياد لله))(1). أما سياقها الأبعد فقد قال البقاعي : ((ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالا على أنه على كل شيء قدير ، وأنه يفعل ما يريد ، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه ، فاقتضى ذلك قيوميته ، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ذلك في جواب من كأنه سأل فهي في معنى العلة)) (2). ففي مقولة البقاعي ،التحذير من الساعة ومن أهوالها العظام ،وقدرة الله في تبديل الكون بقيامها، وكذلك القدرة في سلسلة خلق الإنسان منذ أن كان نطفة حإ يصبح في أرذل العمر،وإحياء الموتى ،وكل هذه الأفعال دليل على قدرة الله ،وبعد ذلك تتحدث الآيات عن الإنسان الذي تنكب طريق الهداية وجادل في الله بغير علم ولابصيرة : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ وقوله :ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ ،فمع وجود الآيات العظام الدالة على قدرة الخالق عز وجل واستحقاقه للعبادة ،فإن الإنسان تمرد وتكبر وحاد عن طريق الحق. يقول سيد قطب معلقاٌ على هذه الآيات ومجيئها في خضم أهوال يوم القيامة: : ((في ظل هذا الهول المروع يذكر أن هنالك من يتطاول فيجادل في الله ، ولا يستشعر تقواه ... والجدال في الله ، سواء في وجوده تعالى ، أو في وحدانيته ، أو في قدرته ، أو في علمه ، أو في صفة ما من صفاته . . الجدال في شيء من هذا في ظل ذلك الهول الذي ينتظر الناس جميعا ، والذي لا نجاة منه إلا بتقوى الله وبرضاه . . ذلك الجدال يبدو عجيبا من ذي عقل وقلب ، لا يتقي شر ذلك الهول المزلزل المجتاح))(3). (1) المطعني ،عبدالعظيم ، التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم ج 1 ،ص122 (2) البقاعي،نظم الدرر، مرجع سابق ، ج 21 ،ص15 (3) سيد قطب ، في ظلال القرآن ،مرجع سابق ،ج 4 ،ص1427.
عدد الصفحات ٨٠