33 قال ابن القيم :((سجدات القرآن إخبار من الله تعالى عن سجود مخلوقاته ،فسن للتالي والمستمع أن يتشبه بها عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وبعض السجدات أوامر فيسجد عند تلاوتها بطريق الأولى)). (1). المطلبالثالث: الذكر الوارد في سجود التلاوة إن سجدة التلاوة سنة عن النبِ ، فلابد أن يتبع فيها المسلم ماورد من الأذكار التي صحت عن النبِ . قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى -: ((إذا سجد للتلاوة استحب أن يقول في سجوده ماذكرناه في سجود الصلاة )) (2). وقد وردت عن الن أدعية نصت عليها الأحاديث الشريفة ،ومما ورد في ذلك 1- ع نِ ابْنِ ع بَّاس ، ق ال : كُنْتُ عِنْد النَّبِِِّ ص لَّى اللهُ ع ل يْهِ و س لَّم ، ف أ ت اهُ ر جُلٌ ف ق ال : إِنيِّ ر أ يْ تُ الْب ارِح ة ، فِيم ا ي ر ى النَّائِمُ، ك أ نيِّ أُص لِّي إِلى أ صْلِ ش ج ر ة ، ف ق ر أْتُ السَّجْد ة ف س ج دْتُ، ف س ج د تِ الشَّج ر ةُ (1) نقلا من كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام ج 1 ص267 (2) النووي ،أبو زكريا محي الدين يحي ،كتاب الأذكار ،تحقيق :عبالقادر الأرنؤؤط (بيروت:دار الفكر، 2424ه
عدد الصفحات ٣٣34 لِسُجُودِي، ف س مِعْت ُه ا ت قُولُ «اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا »، ق ال ابْنُ ع بَّاس «فـَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قـَرَأَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يـَقُولُ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ الَّذِي أَخْبـَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قـَوْلِ الشَّجَرَةِ ».(1) . 1- وفي رواية الترمذي "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتـَقَبـَّلْهَا مِنِّي كَمَا تـَقَبـَّلْتـَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ ".(2) . ومعنى الحديث: (((اللَّهُمَّ اكْتُبْ ليِ) أ يْ أ ثْبِتْ ليِ بهِ ا أ يْ بِس ب بِ ه ذِهِ السَّجْد ةِ (و ض عْ) أ يْ حُطَّ (وِزْر ا) أ يْ ذ ن ْب ا (و اجْع لْه ا ليِ عِنْد ك ذُخْر ا) أ يْ ك ن ْز ا قِيل ذُخْر ا بمِ عْنى أ جْر ا و كُرِّر لأِ نَّ م ق ام الدُّع اءِ ي ُن اسِبُ الإِْطْن اب و قِيل الأْ وَّلُ ط ل بُ كِت اب ةِ الأْ جْرِ و ه ذ ا ط ل بُ ب ق ائِهِ سالما من محبط أو مبطل (ك م ا ت ق ب َّلْت ه ا مِنْ ع بْدِك د اوُد ) فِيهِ إِيم اءٌ إِلى أ نَّ س جْد ة ص لِلتِّلا و ةِ )). (3) . 3- وع نْ ع ائِش ة رضي الله عنها ق ال تْ: ك ان ر سُولُ اللَّهِ ص لَّى اللَّهُ ع ل يْهِ و س لَّم ي قُولُ فيِ سُجُودِ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ : «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقـُوَّتِهِ»(4). وفي الحديثتَ ْصِيصٌ ب عْد ت عْمِيم أ يْ ف ت ح هُم ا و أ عْط اهمُ ا الإِْدْر اك و أ ث ْب ت له ُم ا الإِْمْد اد بعد الإيجاد" (5) . (1 )رواه ابن ماجه،كتاب إقامةالصلاة والسنة فيها ، باب سجود القرآن ،رقم الحديث: 2251، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2 )رواه الترمذي ، باب مايقول في سجود القرآن ، رقم الحديث 572. (3 )المباركفوري ، أبوالعلا محمد عبدالرحمن بن عبدالرحيم ، تحفة الأحوذي ،بيروت ،دار الكتب العلمية ، ج1،ص247 (4) رواه الترمذي ،باب مايقول ف سجود القرآن ،رقم الحديث 572 ، وصححه الألبا (5 ) المباركفوري ،مرجع سابق ،ص 247
عدد الصفحات ٣٤35 المبحث الثالث :أثر سجدات التلاوة في علوم القرآن وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أثرها في تسمية السورة المطلب الثاني : أثرها في المكي والمدني المطلب الثالث: أثرها في آداب التلاوة . المطلب الرابع : أثرها في ضبط المصحف
عدد الصفحات ٣٥36 المطلب الأول: أثرها في تسمية السورة لعظم سجدات التلاوة ،سميت بعض السور باسمها ،ومن ذلك : 2- سورة السجدة (( أشهر أسماء هذه السورة هو سورة السجدة،وهو أخصر أسمائها،وبهذا الاسم ترجم لها الترمذي في جامعه،وذلك بإضافة كلمة "سورة " إلى كل مة " سجدة" )) (1). وتسمىسورة :"الم تنزيل". فقد روى الترمذي عن جابر بن عبدالله :"«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يـَنَامُ حَتَّى يـَقْرَأَ الم تـَنْزِيلُ، وَتـَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ».(1). (1 )ابن عاشور ،محمد الطاهر بن محمد الطاهر التونسي ،التحرير والتنوير ،تونس ،الدا ر التونسية ،12/122
عدد الصفحات ٣٦37 وتسمىأيضا سورة :"الم تنزيل السجدة". ففي صحيح البخاري ع نْ أ بيِ هُر ي ْر ة ر ضِي اللَّهُ ع نْهُ، ق ال : «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يـَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ الم تـَنْزِيلُ السَّجْدَةَ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ »(2). وسر قراءة الن ذلك أنفي كل من السجدة والملك والإنسان ذكر ابتداء الخلق والبعث والجنة والنار،فهذه مذكرة بخلق آدم عليه السلام وقيام الساعة ،إلى غير ذلك من أحوال الآخرة ))(3). وقد تميزت سورة السجدة بوقوع سجدة تلاوة فيها من بين السور المفتتحة ب :"الم"، ((لذلك من سماها سورة السجدة على تقدير مضاف أي سورة "الم السجدة"، ومن سماها "تنزيل السجدة"،فهو على تقدير "الم تنزيل السجدة".بجعل "الم تنزيل" اسما مركبا ثم إضافته إلى السجدة، إي "ذات السجدة"،لزيادة التمييز والإيضاح )). (4) "واسمها السجدة منطبق على ذلك بما دعت إليه آياتها من الأخبار ،وترك الاستكبار" (5). 1- سورة فصلت ومن السور التي من أسمائها "السجدة" سورة فصلت "فتسمى سورة السجدة والمصابيح". (6) وتسمى ايضا "حم السجدة " بإضافة حم إلى السجدة ، وبذلك ترجمت في صحيح البخاري وجامع الترمذي؛ لأنها تميزت عن السور المفتتحة بحروف"حم "بأن فيها سجدة من سجود القرآن " (7) . وقال الكوشي في التبصرة ((تسمى سجدة المؤمن ،ووجه هذه التسمية قصد تمييزها عن سورة "الم السجدة" ،فأضافوا هذه ‘إلى السورة التي قبلها وهي سورة "المؤمن" )) (8). (1 )رواه الترمذي،باب فضائل القرآن،باب ماج اء في فضل سورة الملك،رقم الحديث: 1721،وصححه الألباني في صحيح الجامع وزيادته (2)رواه البخاري ،كتاب الجمعة،باب مايقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة،رقم الحديث 722 (3)البقاعي ، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي ، مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور ،ط 2(الرياض :مكتبة المعارف، 2427ه ، ص162 (4) ابن عاشور ، مرجع سابق ، ص 121 (5)البقاعي ،مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور ، مرجع سابق ، ص 161 (6)السيوطي ،عبدالرحمن بن أبي بكر جلال الدين ،الإتقان في علوم القرآن ،تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم،(القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب 2124ه ،ص 224. (7) ابن عاشور ، مرجع سابق ، ص 117 (8)المرجع السابق نقلا عن التبصرة
عدد الصفحات ٣٧38 المطلب الثاني : أثرها في المكي والمدني إن للناس في تعريف المكي والمدني اصطلاحات ثلاث: ((أشهرها :أن المكي مانزل قبل الهجرة والمدني مانزل بعدها،سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح أو عام حجة الوداع. الثاني :أن المكي مانزل بمكة ولو بعد الهجرة ،والمدني مانزل بالمدينة. الثالث : أن المكي ماوقع خطابا لأهل مكة ،والمدني ماوقع خطابا لأهل المدينة)). (1) فالراجح من هذه التعريفات الثلاثة هو التعريف الأول . (1) السيوطي ،مرجع سابق ص 17.
عدد الصفحات ٣٨39 وقد وردت مجموعة من الروايات عن الصحابة والتابعين التي حددت السور المكية والمدنية وفيما يلي نسرد بعضا من الروايات الصحيحة. ثم نذكر على ضوئها السور المتفق عل ى مكيتها أو مدنيتها والسور المختلف فيها. الرواية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما،من طريق أبي عبيد في كتابه «فضائل القرآن …» ((قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحز اب، والذين كفروا والفتح، والحديد والمجادلة والحشر، والممتحنة، والحواريون - يريد الصف -، والتغابن، ويا أيها النبِ إذا طلقتم، ويا أيها النبِ لم تحرم، والفجر، والليل إذا يغشي، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، وإذا جاء ن صر الله، وسائر ذلك بمكة )).(1) وهذا إسناد صحيح. الرواية الثانية -وهي صحيحة-عن قتادة، من طريق أبي عمرو الداني في ك تابه: «البيان في عد آي القرآن »قال الحافظ((أخبرنا فارس بن أحمد، قال: أنا أحمد بن محمد، قال: أنا أحمد بن عثمان، قال: أنا الفضل بن شاذان، قال: أنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا يزيد بن زريع قال: أنا سعيد، عن قتادة، قال: المدني البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرعد، والحج، والنور، والأحزاب، و "الذين كفروا"، و "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، و "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"، والمسبحات من سورة الحديد إلى "يا أ يها النبِ إذا طلقتم النساء" ، و "يا أيها النبِّ لم تحرم"، و "لم يكن الذين كفروا"، و "إذا زلزلت"، و "إذا جاء نصر الله" مدني، وما بقي مكي فهي خمس وعشرون سورة، ثم ذكر السور التي بعضها مكي وبعضها مدني.)) (2) . وهناك بعض أقوال العلماء التي بينت المكي والمدني والمختلف فيه ،ومن ذلك قول أبي الحسن بن الحصارفي كتابه: «الناسخ والمنسوخ »((: فالسور المدنية باتفاق عشرون سورة، وهن البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، النور، الأحزاب، محمد (صلى الله عليه وسلم) ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، المنافقون، الجمعة، الطلاق، التحريم، النصر. (1)السيوطي ،مرجع سابق ص 41 (2)أبو عمر الداني،عثمان بن سعيد بن عمر ،البيان في عد آي القرآن ،تحقيق :غانم قدوري الحمد ،الكويت ،مكت بة المخطوطات والتراث ،ط 2 ،2424ه
عدد الصفحات ٣٩41 والسور المختلف فيها اثنتاعشرة سورة، وهي: الفاتحة، الرعد، الرحمن، الصف، التغابن، المطففين، القدر، البينة، الزلزلة، الإخلاص، الفلق، الناس. وما عدا ذلك فهو مكي )) (1). يتضح لنا مما سبق ومن غيرها من الروايات والأقوال أن السور التي بها "آيةالسجود" وهي : الأعراف والرعد والنحل والإسراء ومريم والحج والفرقان والنمل والسجدة وص وفصلت والنجم والانشقاق واالعلق ،يتضح لنا أنها سور مكية ، مع وجود خلاف في كل من سورة النحل والرعد والحج وص ،لكن الراجح على أنها سور مكية بها بعض الآيات المدنية ،لاشتمالها على خصائص المكي. ولو نظر القارئ إلى خصائص ومميزات السور المكية بشكل عام ،و إلى السورالتي وردت بها آيات السجود بشكل خاص –لو نظر إليها –لوجد أنها تشتمل على الكثير من خصائص المكي ،ومن ذلك: ( الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها ومجادلة المشركين، بالبراهين العقلية والآيات الكونية. وضع الأسس العامة للفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات. ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا للكافرين حإّ يعتبروا بمصير المكذّ بين قبلهم، وتسلية لرسول الله حإ يصبر على أذاهم ويطمئنّإلى الانتصار عليهم. قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة، بما يصخّ الآذان، ويشتدّ قرعه على المسامع، وينبّه القلوب ويحرّك الأفئدة) (2). ومن المقاصد الشهيرة للسور المكية :تثبيت العقيدة في النفوس ؛ لأن ذلك يعتبر دافعا قويا بعد ذلك في قبول الأحكام والتشريعات التي ينزلها الشرع. ولذلك كان مهما قمع وإزالة العقائد الفاسدة -الموروثة من الجاهلية – لدى القوم آنذاك. (( و السجود وإشاعته بين المؤمنين مما يزلزل العقائد الفاسدة ، ويرغم أنوف الكفرة المعاندين ؛ فليس الأمر أمر كلمة تقال ، مع عظمها على الأنفس - وهي كلمة التوحيد - بل يصاحب ذلك سجود خاص (1) السيوطي،مرجع سابق ص 44 (2) جعفر شرف الدين،الموسوعة القرآنية(خصائص السور)،تحقيق:عبد العزيز بن عثمان التويجري ،دار التقريب بين المذاهب الأربعة،بيروت ، ط 2 ،2412ه
عدد الصفحات ٤٠41 ليس القصد منه الدخول في الصلاة مثلا ، ولكن سجود في كل آن وحين ، وذلك من إش اعة وتثبيت العقيدة ، خصوصا أن الصلاة لم تفرض إلا حينما أسري بالرسول عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة بسنتين إلى ثلاث سنوات ؛ فيكون سجود التلاوة الذي نُدب إليه في الفترة المكية تربية للمؤمنين لسجود آخر يفرض فرضا) (1). المطلب الثالث : أثرها في آداب التلاوة لتلاوة القرآن آداب ظاهرية وباطنية ،على قارو القرآن أن يحافظ عليها : فمن الآداب الظاهرة : الطهارة : لأن ذلك من تعظيم كتاب الله . أن يستعيذ القارو بالله من الشيطان الرجيم عند إرادة التلاوة ،لقوله تعا : ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ(2). (1) مبحث من مجلة معهد الإمام الشاطبِ للدراسات القرآنية ، العدد العاشر ، د.سعيد بن طيب (2) سورة النحل آية 27
عدد الصفحات ٤١42 ومن الآداب أن يحسن القارو صوته بالقرآن الكريم ويترنم به ،لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الن قال «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يـَتـَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ » (1). ومن الآداب الباطنةتدبر معاني كلام الله ،((فتلاوة آيات الله عز وجل توجب فهمها،والعمل بها ،وعبادته والخضوع له إذا سمعت ،فتلاوته إياها وسماعها يوجب هذا وهذا ،فلو سمعها السامع ولم يفهمها كان مذموما ،ولو فهمها ولم يعمل بها كان مذموما . فالواجب فهمها والعمل بها ، فالمعرض عن استماعها كافر،والذي لا يفهم ماأ مر به كافر ))(2). قال تعا ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ(3). وقال تعاﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ(4). وهذا شامل لكل آيات الله عز وجل ، فلا بد من تلاوتها وفهمها وتدبرها . والآيات التي اشتملت على سجود التلاوة لها أدب خاص ومزية خاصة عند تلاوتها ،فيشرع عند تلاوتها السجود ؛ امتثالا لأمر الله عز وجل وتطبيقا لسنة نبيه . والسجود عند تلاوة هذه الآيات هو السجود الخاص وهو سجود التلاوة ،وقد ذكرنا الآيات التي شرع بها سجود التلاوة في المطلب الأول من المبحث الثاني، و ذكرنا أنها وردت في السور التالية: الأع راف ( الأع راف ( 216216)،الرع د )،الرع د ( 1515)،النح ل)،النح ل (5151)،الإس راء )،الإس راء ( 119119)،م ر)،م ريم (5858)، الح ج)، الح ج(1818()()7777) ، الفرق ان ) ، الفرق ان ((6161)، النم ل)، النم ل (2626) ،الس جدة) ،الس جدة (1515)، ص)، ص(2424) ،فص لت) ،فص لت (3737)،وس جدات المفص ل ال ثلاث :ال نجم)،وس جدات المفص ل ال ثلاث :ال نجم ((6262)،الانشقاق)،الانشقاق (2121) ،العلق) ،العلق (1919.).) (1) رواه مسلم ،كتاب صلاة المسافرين وقصرها ،باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، رقم الحديث 721 (2 )ابن تيمية ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ، سجود التلاوة ومعانيه ، تحقيق :فواز أحمد زمرلي. (3) سورة المدثر آية 42-52 (4) سورة فصلت آية 16
عدد الصفحات ٤٢43 المطلب الرابع : أثرها في ضبط المصحفالمطلب الرابع : أثرها في ضبط المصحف إن لس جدات ال تلاوة أث را واض حا في ض بط المص حف ، وق د اه تم علم اء رس م المص حف وض بطه بوض ع إن لس جدات ال تلاوة أث را واض حا في ض بط المص حف ، وق د اه تم علم اء رس م المص حف وض بطه بوض ع علامات يتميز بها موضع السجود .علامات يتميز بها موضع السجود . فللعلماء جهود مبذولة في وضع علامات في المصحف تع ين الق ارو عل ى الق راءة المتقن ة والت دبر وفه م المع اني فللعلماء جهود مبذولة في وضع علامات في المصحف تع ين الق ارو عل ى الق راءة المتقن ة والت دبر وفه م المع اني ، فق ام فري ق م ن العلم اء بوض ع علام ات للوق ف والوص ل ، فق ام فري ق م ن العلم اء بوض ع علام ات للوق ف والوص ل ، كم ا وض عوا علام ات جانبي ة للدلال ة عل ى ، كم ا وض عوا علام ات جانبي ة للدلال ة عل ى الكلمات التي يسجد عندها القارو والسامع ،مع وضع خط أفقي فوق الكلمة التي ه الكلمات التي يسجد عندها القارو والسامع ،مع وضع خط أفقي فوق الكلمة التي ه ي موضع السجود.ي موضع السجود. وآخ ر ماض بطت ب ه المص احف الحديث ة بالنس بة لعلام ة الس جود :وض ع ه ذه العلام ةوآخ ر ماض بطت ب ه المص احف الحديث ة بالنس بة لعلام ة الس جود :وض ع ه ذه العلام ة ( ﯨ ) بع د ) بع د كلمة تدل على موضع السجود.كلمة تدل على موضع السجود.
عدد الصفحات ٤٣44 مثال ذلك قوله تعامثال ذلك قوله تعالى: ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (1). ويظه ر ذل ك في المص احف المطبوع ة في المملك ة العربي ة الس عودية ،في مجم ع المل ك فه د ويظه ر ذل ك في المص احف المطبوع ة في المملك ة العربي ة الس عودية ،في مجم ع المل ك فه د -- يرحم ه الله يرحم ه الله ––الق ائم الق ائم على طباعة المصاحف العثمانية وتوزيعها في أنحاء العالم. على طباعة المصاحف العثمانية وتوزيعها في أنحاء العالم. وبالنسبة لأقدم مصحف لوحظ فيه هذه العلامة لموضع السجود مصحف ابن البواب. وبالنسبة لأقدم مصحف لوحظ فيه هذه العلامة لموضع السجود مصحف ابن البواب. ((وأق دم مص حف ل وحظ في ه ذل ك مص حف اب ن الب واب ((وأق دم مص حف ل وحظ في ه ذل ك مص حف اب ن الب واب ال ذي كتب ه س نة 122ه , وك ذلك ظه رت مصحف جامعة برنستون , وهو م ا الْتُ زِم ب ه في المص احف المطبوع ة , وذل ك بوض ع كلم ة س جدة في حاش ية الصحيفة , مع علامة عند نهاية الآية التي فيها السجدة )))) (2). الفصل الثانيالدراسة التحليلية (تفسير سجدات التلاوة) المبحث الأول : السجدات التي ورد فيها الخبر عاماً عن جميع المخلوقات وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول : سجدة الأعراف المطلب الثاني : سجدة الر عد المطلب الثالث: سجدة النحل المطلب الرابع: سجدة الحج "الأولى" (1) سورة العلق ،آية 22 (2) قدوري الحمد ،غانم ،المصاحف المخطوطة :تعريف بها وبيان قيمتها التاريخية والعلمية والفنية ،مجلة معهد الإمام الشاطبِ للدرا سات القرآنية ،العدد 21 ، ذو الحجة 2411ه
عدد الصفحات ٤٤45 المطلب الخامس: سجدة فصلت المبحث الثاني : السجدات التي ورد فيها الخبر عن البشر وفيه عشر مطالب: المطلب الأول :سجدة الإسراء" المطلب الثاني :سجدة مريم المطلب الثالث: سجدة الحج " الثانية المطلب الرابع:سجدة الفرقان المطلب الخامس: سجدة النمل المطلب السادس:سجدة سورة السجدة المطلب السابع:سجدة ص المطلب الثامن: سجدة النجم المطلب التاسع: سجدة الانشقاق المطلب العاشر: سجدة العلق المبحث الأول : السجدات التي ورد فيها الخبر عاماً عن جميع المخلوقات وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول : سجدة الأعراف المطلب الثاني : سجدة الرعد المطلب الثالث: سجدة النحل المطلب الرابع: سجدة الحج "الأولى" المطلب الخامس: سجدة فصلت
عدد الصفحات ٤٥46 المطلب الأول :" سجدة سورة الأعراف " : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ(1). السجدة في سياقها (1) سورة الأعراف آية 126
عدد الصفحات ٤٦47 أول سجدة في القرآن الكريم ،وجاءت في آخر سورة الأعراف ، وهي سورة مكية عدد آياتها 126 آية سميت بهذا الاسم لذكر الأعراف في قوله تعالى : ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﭼ(1). والغرضمن هذه السورة الإنذار والاعتبار بقصص الأولين وأحوالهم، وقد أخذ المشركون في هذا الترهيب والترغيب، ب عد أن أخذوا في سورة الأنعام بطريق النظر والدليل، ولهذا ذكرت هذه السورة بعدها، ولأنها أيضا تشبهها في الطول، وقد فصّل فيها من أخبار الأولين ما أجمل في سورة الأنعام. فسورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، قال فيها:ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ (2)، وقال بيان القرون: ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ(3)، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة على وجه الإجمال لا التفصيل، ذُكرت هذه السورة عقبها؛ لأنها مشتملة على شرح الأمور الثلاثة وتفصيلها. فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط؛ بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيه ا، وذلك تفصيل إجمال قوله: ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ (4)، ثم فصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية إهلاكهم تفصيلا تامًّا شافي ا مستوعب ا، لم يقع نظيره في سورة غيرها (5). "فبدأت السورة بسيدنا نوح ، وثنت بهود ،وثلثت بصالح ،ثم لوط، وشعيب ، وأفاضت في اللقطة الأولى في الحديث عن فرعون ، وما كان من سيدنا موسى مع السحرة ،وكيف علت صيحة الحق في وجه الباطل. هذا كله في ظل الحديث عن نعم الله عز وجل عن بني إسرائيل وبيان ماوقع عليهم من عذاب حين تعلقت قلوبهم بالنعمة ،وغفلت عن المنعم سبحانه وتعالى. وكان ا لغرض من ذكر هذا القصص تسلية النبِ وتثبيت نفسه ،حإ كان هذاالأمر الجامع ﭽ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ (6). (1) سورة الأعراف آية 47 (2) سورة الأنعام آية 1 (3) سورة الأنعام آية 6 (4) سورة الأنعام آية 1 (5) السيوطي ،جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر ،أسرار ترتيب القرآن،دار الفضيلة للنشر والتوزيع (6) سورة الأعراف آية 222
عدد الصفحات ٤٧48 مستعينا في ذلك بمداومة الذكر الذي يملأ كل أركان الحياة ،ويشمل كل أحوال النفس لتدخل السورة الكريمة بهذا السياق إلى آية السجدة التي تقرر أن ذكر الله عز وجل ذاتي لا يتوقف على شيء ، ولا ينتظر من مخلوق فالذين عنده سبحانه لايفترون عن ذكره ،ولا يغفلون عن تسبيحه سبحانه وتعالى". (1). مناسبة آية السجدة لما قبلها وما بعدها : المتأمل لآية السجدة : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ (2). يجد العلاقة الواضحة بينها وبين ماسبقها وهو قوله ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ (3). فآية السجدة تؤكد وتقرر ذاتية التسبيح والخضوع لله عز وجل ،فالكون مسبح له سبحانه وتعالى خاضع لجلاله . ((فالآية الأولى فيها أمر للنبِ بمداومة الذكر ،و نهيه أن يكون من الغافلين ،وفيه سرد إلى أهمية الذكر فبه يحيا الإنسان وعن طريقه يصل إلى رحاب مولاه . ومن ثم كان مسلك القرآن الكريم هنا في غاية الروعة والإجلال حيث جاء ا لنظم بترغيب سيدنا محمد بالذكر ، وهو من هو في الطاعة والعبادة ، ومع ذلك ذكر عقيب ذلك مايقوي دواعي هذا الترغيب وهذه المواظبة المستمرة )) (4) .فقال ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ(5). ((فالملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم من بواعث الشهوة والغضب وحوادث الحقد والحسد ، مواظبون على العبودية والخضوع والسجود لله تعالى )).(6). "وهذا مسلك عجيب يجذب القلوب وينوه بحالالمتكبرين الذين تعرضت لهم السورة وماهم عليه من الكبر والإعرا ض عن دين الله والفساد في الأرض ، وأن ماهم عليه لاينقص من جلال الله شيء ، حإ طاعتهم (1) النعيري ،مالك حسين الدسوقي ،من بلاغة القرآن فيما يسجد العباد بسببه للرحمن، دار الاتحاد التعاوني للطباعة ،ط 2 ،2414ه (2) سورة الأعراف آية 126 (3)سورة الأعراف 125 (4)النعيري ، مرجع سابق (5)سورة الأعراف 126 (6)الرازي ، أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي ، مفاتيح الغيب ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ،ط1
عدد الصفحات ٤٨