المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سبيل الرشاد في توحيد الربوبية والايمان بالقضاء والقدر

أكرم غانم إسماعيل

صفحة ٣ من ١٣

8 المبحث الثامن : القرآن والتوحٌد ( إن كل آٌة فً القرآن فهً متضمنة للتوحٌد، شاهدة به، داعٌة إلٌه، فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمابه وصفاته وأفعاله، فهو التوحٌد العلمً الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شرٌك له، وخلع كل ما ٌعبد من دونه، فهو التوحٌد الإرادي الطلبً، وإما أمر ونهً، وإلزام بطاعته فً نهٌه وأمره، فهً حقوق التوحٌد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحٌده وطاعته، وما فعل بهم فً الدنٌا، وما ٌكرمهم به فً الآخرة، فهو جزاء توحٌده وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم فً الدنٌا من النكال، وما ٌحل بهم فً العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحٌد.).ٳه ٔٙ (اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بٌان التوحٌد والأمر به، وبٌان الشرك والنهً عنه، مقررا فً كل سورة، وفً كثٌر من سور القرآن ٌقرره فً مواضع منها، ٌعلم ذلك من له بصٌرة وتدبر. ففً فاتحة الكتاب رَبِّ الْعَالَمٌِنَٕ) نوعا التوحٌد: توحٌد الألوهٌة، وتوحٌد الربوبٌة، وفً وَإٌَِّاكَ نَسْتَعٌِنُ (الفاتحة / ٘) النوعان، وقصر العبادة، والاستعانة على الله عز وجل أي: لا نعبد ؼٌرك، ولا نستعٌن إلا بك. وأول أمر فً القرآن ٌقرع سمع السامع والمستمع، قوله تعالىذٌِنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة /ٕٔ) إلى قولهوا للهَِِّ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة/ٕٔ) : فؤمرهم بتوحٌد الإلهٌة، واستدل علٌه بالربوبٌة، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد، التً ٌعبدها المشركون من دون الله. وافتتح سبحانه كثٌرا من سور القرآن بهذا التوحٌد هُوَ الْحًَُّ الْقٌَُّومُ (آل عمران /ٔ-ٕ) : {مْ ٌَعْدِلُونَ(الأنعام /ٔ) إلى قولهرْضِ (الأنعام /ٖ] المعبود فً السماوات، والمؤلوه المعبود فً الأرض ؛ وفً هذه السورة، من أدلة التوحٌد، ما لا ٌحصر، وفٌها من بٌان الشرك والنهً عنه، كذلك. وافتتح سورة هود بهذا التوحٌد، فقال تعالى مِنْ لَدُنْ حَكٌِمٍ خَبٌِرٍ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللهَ إِنَّنًِ لَكُمْ مِنْهُ نَذٌِر وَبَشٌِر أول: سورة طه، قال تعالىنَى(طه/ 8) وافتتح، سورة الصافات بهذا التوحٌد، وأقسم علٌه، فقالرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بٌَْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (الصافات /ٔ-ٕ-ٖ) وافتتح، سورة: الزمر، بقوله الْعَزٌِزِ الْحَكٌِمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلٌَْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهََّ مُخْلِصاً لَهُ الدٌِّنَ أَلا للهَِِّ الدٌِّنُ الْخَالِصُ( الزمر/ٔ-ٕ-ٖ) وفً هذه السورة من بٌان التوحٌد والأمر به، وبٌان الشرك والنهً عنه، ما ٌستضًء به قلب المإمن. وفً السورة بعدها كذلك، وفً سورة(الكافرون/ٔ) نفً الشرك فً العبادة، فً قوله تعالى: {(الكافرون/ٕ) إلى آخرها، وفً سورة أَحَد(الإخلاص /ٔ) توحٌد الإلهٌة، وتوحٌد الربوبٌة، وتوحٌد الأسماء والصفات؛ وهذا ظاهر لمن نور الله قلبه. وفً خاتمة المصحؾ(الناس /ٔ-ٕ-ٖ) بٌن أن ربهم وخالقهم ورازقهم، هو المتصرؾ فٌهم بمشٌبته، وإرادته، وهو ملكهم الذي نواصً الملوك، وجمٌع الخلق فً قبضته: ٌعز هذا وٌذل هذا، وٌهدي من ٌشاء وٌضل من ٌشاء،(الرعد /ٔٗ) وهو: معبودهم، الذي لا ٌستحق أن ٌعبد سواه. ) ٕٙ ٔٙ مدارج السالكٌن بٌن منازل إٌاك نعبد وإٌاك نستعٌن / محمد بن أبً بكر بن أٌوب بن سعد شمس الدٌن ابن قٌم الجوزٌة (المتوفى: ٔ٘هـ) ، تحقٌق محمد المعتصم بالله البؽدادي ، الناشر دار الكتاب العربً – بٌروت ، الطبعة الثالثة، ٙٔٗٔ هـ - ٙم . ٖ/7 - 8. ٕٙ الدرر السنٌة فً الأجوبة النجدٌة / علماء نجد الأعلام ، تحقٌق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، الطبعة السادسة، 7هـٙم. ٔ / ٖٗٗ- ٘ٗٗ.

عدد الصفحات ٢٨

9 المبحث التاسع : نواقض التوحٌد ومنقصات نواقض التوحٌد: هً الأمور التً إذا وجدت عند العبد خرج من دٌن الله بالكلٌة، وأصبح بسببها كافراً أو مرتداً عن دٌن الإسلام، وهً كثٌرة، تجتمع فً الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر (الاعتقادي). أما منقصات التوحٌد: فهً الأمور التً تنافً كمال التوحٌد ولا تنقضه بالكلٌة، فإذا وجدت عند المسلم قدحت فً توحٌده ونقص إٌمانه، ولم ٌخرج من دٌن الإسلام، وهً المعاصً التً لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسابل الشرك الأكبر، والشرك الأصؽر، والكفر الأصؽر، والنفاق الأصؽر، والبدعة.. ٖٙ ومن نواقض التوحٌد ٗٙ: ٔ. الشرك فً عبادة الله تعالى. ٕ. اتخاذ الوسابط بٌن العبد وربه، ٌدعوهم وٌسؤلهم الشفاعة، وٌتوكل علٌهم. ٖ. من لم ٌكفِّر المشركٌن، أو شكَّ فً كفرهم، أو صحَّح مذهبهم. ٗ. الاعتقاد بؤن ؼٌر هدي النبً صلّى الله علٌه وسلّم أكمل من هدٌه، أو أنّ حكم ؼٌره أحسن من حكمه. ٘. بؽض شًء مما جاء به النبً صلّى الله علٌه وسلّم. ٙ. الاستهزاء بشًء من دٌن الرسول صلّى الله علٌه وسلّم. 7. السحر 8. مظاهرة المشركٌن ومعاونتهم علىالمسلمٌن. 9. الاعتقاد بؤن بعض الناس ٌسعه الخروج عن شرٌعة محمد صلّى الله علٌه وسلّم. ٓٔ. الإعراض عن دٌن الله تعالى. ٖٙ انظر ؼٌر مؤمور ، تسهٌل العقٌدة الإسلامٌة / الدكتور عبد الله بن عبد العزٌز بن حمادة الجبرٌن ، الناشر دار العصٌمً للنشر والتوزٌع ، الطبعة الثانٌة. ص 9 . ٗٙ انظر ؼٌر مؤمور تفاصٌل النواقض العشرة فً الرسالة الثانٌة عشرة، من رسابل الشٌخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن (الجامع الفرٌد)، ص 77-78.

عدد الصفحات ٢٩

ٖٓ الفصل الثانً المبحث الأول : توحٌد الربوبٌة توحٌد الربوبٌة لغة : توحٌد الربوبٌة مركب من كلمتٌن : التوحٌد وقد تقدم تعرٌفه فً الفصل الاول/ المبحث الاول ، أما الربوبٌة فهً صفة لله تعالى ، وهً مصدر من الفعل ( ربب ) ، واسم الله تعالى ( الرب ) متضمن لصفة الله تعالى (الربوبٌة). وكلمة (الرب) فً اللؽة تطلق على المعانً التالٌة : ٔ/ المَالِك. ٕ/ المَلِك. ٖ/ السٌَِّّد المُطَاع. ٗ/ المُرَبًِّ. ٘/ المُدَبِّر. ٙ/ المُصْلِح. 7 /المُتَمِّمِ. وفً معاجم اللؽة : (رب كل شا : مالكه. والربُّ: اسم من أسماء الله عَزَّ وجَلَّ، ولا ٌقال فً ؼٌره إلا بالإضافة، وقد قالوه فً الجاهلٌة للملِك.) ٘ٙ (ورَبُّ كُلِّ شًَْءٍ: مالِكُهُ ومُسْتَحِقُّه، أو صاحِبُهُ) ٙٙ (الرَّبُّ: هُوَ اللهَُّ عَزَّ وجلَّ، وَهُوَرَبُّ كلِّ شًءٍ، أَي مالِكُه، لَ هُ الرُّبُوبٌَِّةُ على جَمٌِعِ الخَلْقِ، لاَ شَرٌِكَ لَهُ، وَهُوَ رَبُّ الأَرْبَابِ، ومَالِك المُلوكِ والأَمْلاَكِ، قَالَ أَبو مَنْصُور: والرَّبُّ ٌُطْلَقُ فًِ اللُّؽَة على المَالِكِ، والسٌَِّّدِ، والمُدَبِّرِ، والمُرَبًِّ، والمُتَمِّمِ).7 (والرُّبُوبٌَِّةُ، بالضَّمِّ كالرِّبَابَةِ: وعِلْم رَبُوبًِ بالفَتْحِ نِسْبَة إِلى الرَّبِّ علَى ؼٌَْرِ قٌَِاسِ وحكى أَحمد بن ٌحٌى لاَ وَرَبٌِْكَ مُخَفَّفَةً، لاَ أَفْعَلُ، أَي لاَ وَرَبِّكَ، أَبْدَلَ البَاءَ بَاءً للتَّضْعٌِؾِ ورَبُّ كُلِّ شًْءٍ: مَالِكُهُ ومُ سْتَحِقُّ هُ، أَو صَاحِبُهُ ٌُقَال فلان رَبُّ هَذَا الشًءِ، أَي مِلْكُه لَهُ، وكُلُّ مَنْ مَلَكَ شٌَْباً فَهُوَ رَبُّهُ، ٌُقَال: هُوَ رَبُّ الدَّابَّةِ، ورَبُّ الدَّارِ، وفُلاَنَةُ رَبَّةُ البٌَْتِ، وهُنَّ رَبَّاتُ الحِجَالِ، وَفًِ حَدٌِث أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (أَ نْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، ورَبَّهَا أَرادَ بِهِ المَوْلَى والسٌَِّّدَ ٌَعْنًِ أَنَّ الأَمَةَ تلِدُ لِسٌَِّدِهَا وَلَداً فٌََكُونُ كالمَوْلَى لَهَا لأَنَّه فًِ الحَسَبِ كَؤَبٌِهِ، أَرَادَ أَنَّ السَّبًَْ ٌَكْثُرُ والنِّعْمَةَ تَظْهَرُ فًِ النَّاسِ فَتَ كْثُرُ السَّرارِي، وَفًِ حَدٌِث إِجَابة الدَّعْوَةِ (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) أَي صَاحِبَهَا، وقٌلَ المُتَمِّمَ لَ هَا والزَّابِدَ فًِ أَهْلِهَا والعَمَلِ بهَا والإِجَابَةِ لَهَا، وَفًِ حَدٌِث أَبً هرٌرةَ: (لاَ ٌَقُلِ المَمْلُوكُ لِسٌَِّدِهِ رَبِّ ً) كَرِهَ أَنْ ٌَجْعَلَ مَالِكَهُ رَبًّا لِمُشَارَكَةِ اللهَِّ فًِ الرُّبُوبٌَّة فَؤَمَّا قَوْله تَعَالَى: ( اذْكُرْنًِ عِندَ رَبِّكَ) (ٌُوسُؾ/ٕٗ) فَإِنَّهُ خَاطَبَهُمْ عَلَى المُتَعَارَؾِ ٘ٙ الصحاح تاج اللؽة وصحاح العربٌة / أبو نصر إسماعٌل بن حماد الجوهري الفارابً (المتوفى: ٖهـ) - تحقٌق أحمد عبد الؽفور عطار ، الناشر دار العلم للملاٌٌن – بٌروت، الطبعة الرابعة 7 هـ - 987 مٔ/ٖٓٔ. ٙٙ القاموس المحٌط / مجد الدٌن أبو طاهر محمد بن ٌعقوب الفٌروزآبادى (المتوفى: 7هـ- تحقٌق مكتب تحقٌق التراث فً مإسسة الرسالة ، بإشراؾ محمد نعٌم العرقسُوسً ، الناشر مإسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزٌع، بٌروت – لبنان ، الطبعة الثامنة، ٕٙٗٔ هـ - ٕ٘ٓٓ م. ٔ/87. 7 تاج العروس من جواهر القاموس/ محمّد بن محمّد بن عبد الرزّ اق الحسٌنً أبو الفٌض الملقّب بمرتضى الزَّبٌدي (المتوفى: ٕ٘ٓٔهـ) تحقٌق مجموعة من المحققٌن ، الناشر دار الهداٌة ، بدون تارٌخ ، ٕ/9.

عدد الصفحات ٣٠

ٖٔ عِنْدَهُمْ، وعَلى مَا كانُوا ٌُسَمُّونَهُمْ بِهِ، وَفًِ ضَالَّةِ ا لإِبِلِ (حَتَّى ٌَلْقَاهَا رَبُّهَا) فإِن البَهَابِمَ ؼٌَْرُ مُتَعَبّدَةٍ وَلاَ مُخَاطَبَةٍ، فَهًَِ بمَنْزِلَةِ الأَمْوَالِ الَّتًِ تَجُوزُ إِضَافَةُ مالِكِها إِلٌها، وقولُه تَعَالَى: (ارْجِعًِ إِلَى رَبِّكِ رَاضٌَِةً مَّرْضٌَِّةً ۞ فَادْخُلًِ فًِ عِبَادِي) (الْفجْر/ 8،9) فٌِمَنْ قَرَأَ بِهِ، مَعْنَاهُ واللهَُّ أَعْلَمْ ارْجِعً إِلى صَاحِبِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنْهُ، فادخُلًِ فٌهِ، وَقَالَ عزّ وجلّ: (إِنَّهُ رَبًِّ أَحْسَنَ مَثْوَايَ )(ٌُوسُؾ/ٖٕ) قَالَ الزّجاج: إِنَّ العَزٌِزَ صَاحِبًِ أَحْسَنَ مَثْوَاي ، قَالَ: وٌَجُوزُ أَنْ ٌكونَ: اللهَُّ رَبًِّ أَحْسَنَ مَثْوَايَ) 8 (وَرَبَّ الشًَّْءَ: مَلَكَهُ ، قَالَ ابْن الأَنْبَارِيّ : الرَّبُّ ٌَنْقَسِمُ على ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ، ٌَكُونُ الرَّبُّ: المَ الِكَ، وٌكونُ الرَّبُّ: السٌَِّّدَ المُطَاعَ، وٌَكُونُ الرَّبُّ: ا لمُصْلِحَ )9 إن اسم الله تعالى– الرب – (ٌدل على ذات الله وصفة الربوبٌة بالمطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى الربوبٌة وحدها بالتضمن، وٌدل باللزوم على الصفات اللازمة لقٌام الربوبٌة كالحٌاة والقٌومٌة والعلم والمشٌبة والقدرة، والملك والؽنى والقوة، والإحٌاء والإبقاء والهداٌة، والرزق والإمداد والرعاٌة، والإفناء والإماتة والإعادة، والهٌمنة والعزة والإحاطة، وكل ما ٌلزم من صفات الذات وصفات الأفعال لتخلٌق الشًء وتصنٌعه، وكمال إٌجاده واختراعه، فصفة الخالق أن ٌستؽنى بنفسه فلا ٌحتاج إلى ؼٌره، وأن ٌفتقر إلٌه كل من سواه، كما أن اسم الرب ٌدل أٌضا بدلالة اللزوم على تدبٌر أمر المخلوقات وتقدٌر أحوالهم، والقٌام على شإونهم، والعناٌة واللطؾ بهم، والهداٌة إلى ما ٌصلحهم، والفصل والقضاء والحكم بٌنهم، وتهٌبة الكون لتحقٌق الؽاٌة من خلقهم.) ٓ توحٌد الربوبٌة إصيلَحا : توحٌد الربوبٌة فهو إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبٌة وهً الخلق والتدبٌر الكونً والشرعً كما قال الله عز وجل (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فًِ سِتَّةِ أٌََّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ٌُؽْشِ ً اللٌَّْلَ النَّهَارَ ٌَطْلُبُهُ حَثٌِثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِؤَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُّ رَبُّ الْعَالَمٌِنَ )(الأعراؾ/ ٗ٘). فالرب عز وجل فوق عرشه ، ٌدبر أمر عباده وحده، فلا خالق، ولا رازق، ولا معطً ولا مانع، ولا محًٌ ولا ممٌت ، ولا باسط ولا قابض ، ولا مدبر لأمر المملكة ظاهرا وباطنا ؼٌره سبحانه وتعالى ، فما شاء كان، وما لم ٌشؤ لم ٌكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا ٌجري حادث إلا بمشٌبته ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا ٌعزب عنه مثقال ذرة فً السماوات ولا فً الأرض ولا أصؽر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها ، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشٌبته، واقتضتها حكمته، فهو سبحانه وتعالى المتفرد بربوبٌة خلقه إٌجاداً وإمداداً، وخلقاً، وتدبٌراً. قال تعالى: (فَعَّال لِمَا ٌُرٌِدُ)(البروج/ ٙٔ) . وقال تعالى: (قُلْ مَنْ ٌَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَْرْضِ أَمَّنْ ٌَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَمَنْ ٌُخْرِجُ الْحًََّ مِنَ الْمٌَِّتِ وٌَُخْرِجُ الْمٌَِّتَ مِنَ الْحًَِّ وَمَنْ ٌُدَبِّرُ الأَْمْرَ فَسٌََقُولُونَ اللهَُّ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)(ٌونس/ ٖٔ) . وقال: (اللهَُّ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ ٌُمٌِتُكُمْ ثُمَّ ٌُحٌٌِْكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَابِكُمْ مَنْ ٌَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شًَْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا ٌُشْرِكُونَ)(الروم/ ٓٗ). وقال: (إِنَّ رَبًِّ لَطٌِؾ لِمَا ٌَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلٌِمُ الْحَكٌِمُ)(ٌوسؾ/ ٓٓٔ) .

عدد الصفحات ٣١

نْ ذَلِكُمْ مِنْ شًَْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا ٌُشْرِكُونَ)(الروم/ ٓٗ). وقال: (إِنَّ رَبًِّ لَطٌِؾ لِمَا ٌَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلٌِمُ الْحَكٌِمُ)(ٌوسؾ/ ٓٓٔ) . 8 تاج العروس من جواهر القاموسٕ/ٓٙٗ-.ٔٙٗ 9 تاج العروس من جواهر القاموسٕ/ٖٙٗ. ٓ شرح الأسماء الحسنى الدالة على صفات الذات / الدكتور محمود عبد الرازق الرضوانً ، المحاضرة الأولى ، دار العقٌدة المصرٌة ، الموقع الرسمً للدكتور الرضوانً.www.alridwany.com

عدد الصفحات ٣١

ٕٖ ولتوحٌد الربوبٌة أسماء أخرى منها : ٔ- التوحٌد العلمً. ٕ- التوحٌد الخبري. ٖ- توحٌد المعرفة والإثبات. ٗ- التوحٌد الاعتقادي. الصفات الاختٌارٌة إن توحٌد الربوبٌة : هو توحٌد الله بؤفعاله سبحانه ، والإٌمان بالقضاء والقدر ٌدخل فً توحٌد الربوبٌة ؛ لأن القدر من أفعال الله جل وعلا ( القدر قدرة الله ) ، فتدبٌر الخلق والتقدٌر علٌهم من مقتضٌات ربوبٌة الله تعالى ، ولا ٌقع شًء فً ملكه إلا وقد قدره وشاءه سبحانه. والصفات الاختٌارٌة هً أفعال الله تعالى التً تتعلق بمشٌبته واختٌاره ؛ أو بمعنى آخر هً أفعال الله تعالى التً تقع باختٌاره وإرادته ومشٌبته وتسمى الصفات الفعلٌة ، وربما تسمى الأفعال الاختٌارٌة ، وكل صفة تعلقت بالمشٌبة فإنها صفة فعلٌة ، وكل ما تعلق بالمشٌبة ؛ إن شاء الله تعالى فعله ، وإن شاء لم ٌفعله فإنها من الصفات الفعلٌة ، هذا هو الحد الممٌز أو الفاصل بٌن الصفات الذاتٌة والصفات الفعلٌة. ٔ قال الله سبحانه وتعالى : (وَرَبُّكَ ٌَخْلُقُ مَا ٌَشَاءُ وٌََخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخٌَِرَةُ سُبْحَانَ اللهَِّ وَتَعَالَى عَمَّا ٌُشْرِكُونَ ) (القصص/8) ، وقال تعالى : ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذٌِنَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَّ هُوَ الْمَسٌِحُ ابْنُ مَرٌَْمَ قُلْ فَمَن ٌَمْلِكُ مِنَ اللهِّ شٌَْباً إِنْ أَرَادَ أَن ٌُهْلِكَ الْمَسٌِحَ ابْنَ مَرٌَْمَ وَأُمَّهُ وَمَن فًِ الأَرْضِ جَمٌِعاً وَللهِِّ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بٌَْنَهُمَا ٌَخْلُقُ مَا ٌَشَاءُ وَاللهُّ عَلَى كُلِّ شًَْءٍ قَ دٌِر )(المابدة/7) ، وقال تعالىاللهَُّ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْؾٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْؾٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشٌَْبَةً ٌَخْلُقُ مَا ٌَشَاءُ وَهُوَ الْعَلٌِمُ الْقَدٌِرُ )(الروم/ ٗ٘). والصفات الاختٌارٌة أعم من الصفات الفعلٌة لأنها : ٔ/ تشمل بعض الصفات الذاتٌة التً لها تعلق بالمشٌبة ، مثل : الكلام ، السمع ، البصر ، الإرادة ، المحبة ، الرضا ، الرحمة ، الؽضب ، السخط. ٕ/ تشمل الصفات الفعلٌة ؼٌر الذاتٌة : أ / مثل : الخلق ، الإحسان ، العدل. ب / مثل : الاستواء ، المجًء ، الإتٌان ، النزول. وأفعاله سبحانه وتعالى نوعان ٕ : ٔ. أفعال لازمة : ما كان منها متعلقاً بالذات الإلهٌة ، ولٌس لها تؤثٌر على المخلوقات ، كالتكلم والنزول والاستواء إلى السماء والاستواء على العرش ومجًء الله تعالى ٌوم القٌامة ونحو ذلك. وتسمى هذه الأفعال أفعال الصفات. ٕ. أفعال متعدٌة : ما كان منها متعدٌاً إلى ؼٌره ، و لها تؤثٌر على المخلوقات ، كالخلق والرزق والإحٌاء والإماتة وأنواع التدبٌر الأخرى. فهً أفعال لله عز وجل ، لكنها متعدٌة إلى الخلق ، وتسمى هذه الأفعال أفعال الربوبٌة. ٔ قلت : الصفات الثبوتٌة (المثبتة) نوعان : صفات ذاتٌة وصفات فعلٌة ، فالصفات التً لا ٌمكن أن تنفك عن الله تعالى بحال ، بل هو متصؾ بها أزلاً وأبدًا هً الصفات الذاتٌة ، والصفات التً تتعلق بالمشٌبة فمتى ما شاء الله فعلها ومتى ما شاء لم ٌفعلها فهً الصفات الفعلٌة. ٕ انظر ؼٌر مؤمور مجموع الفتاوى / شٌخ الاسلام ابن تٌمٌة 8/9 ، تحقٌقعبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحؾ الشرٌؾ، المدٌنة النبوٌة، المملكة العربٌة السعودٌة ، ٙٔٗٔهـ/٘م.

عدد الصفحات ٣٢

ٖٖ فعندما نعرؾ توحٌد الربوبٌة بؤنه توحٌد الله بؤفعاله فإنه ٌشمل هذه الأنواع جمٌعاً فلا ٌكون دقٌقاً ، وعندما نعرؾ توحٌد الربوبٌة بؤنه إفراد الله بالخلق والرزق والملك والتدبٌر، فإن هذا ٌكون أدق ؛ لأنه ٌتعلق بؤفعاله المتعدٌة التً ٌسمٌها أهل العلم بؤفعال الربوبٌة. قال سبحانه وتعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فًِ سِتَّةِ أٌََّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )(الحدٌد/ٗ) ، فذكر فعلٌن متعدٍ ولازم ، فالخلق متعد وهو من أفعال الربوبٌة ، والاستواء لازم وهو من أفعال الصفات ، وكلاهما حاصل بقدرته ومشٌبته وهو متصؾ به سبحانه وتعالى. ٖ أنواع ربوبٌة الله على خلق ربوبٌة الله على خلقه على نوعٌن : ٔ- الربوبٌة العامة : وهً لجمٌع الناس ؛ بَرِّهم وفاجرِهم مإمنِهم وكافرِهم ؛ وهً خلقه للمخلوقٌن ، ورزقُهم ، وهداٌتهم ، لما فٌه مصالحهم التً فٌها بقاإهم فً الدنٌا. ٕ- الربوبٌة الخاصة : وهً تربٌته لأولٌابه المإمنٌن ، فٌربٌهم بالإٌمان ، وٌوفقهم له ، وٌكملهم ، وٌدفع عنهم الصوارؾ والعوابق الحابلة بٌنهم وبٌنه. ولعل هذا المعنى هو السر فً كون أكثر أدعٌة الأنبٌاء بلفظ الرب ؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلة تحت ربوبٌته الخاصة. - (وَإِذْ ٌَرْفَعُ إِبْرَاهٌِمُ الْقَوَاعِ دَ مِنَ الْبٌَْتِ وَإِسْمَاعٌِلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمٌِعُ الْعَلٌِمُ ۞ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمٌَْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرٌَِّّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلٌَْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّ حٌِمُ ۞ رَبَّنَا وَابْعَثْ فٌِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ٌَتْلُو عَلٌَْهِمْ آٌَاتِكَ وٌَُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وٌَُزَكٌِّهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزٌِزُ الْحَكٌِمُ )(البقرة/7- 9) - (قَالَ عٌِسَى ابْنُ مَرٌَْمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلٌَْ نَا مَابِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عٌِدًا لأَِوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآٌَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خٌَْرُ الرَّازِقٌِنَ ( المابدة/ٗٔٔ) - (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتٌَْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زٌِنَةً وَأَمْوَالاً فًِ الْحٌََاةِ الدُّنٌَْا رَبَّنَا لٌُِضِلُّوا عَنْ سَبٌِلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ ٌُإْمِنُوا حَتَّى ٌَرَوُا الْعَذَابَ الأَْلٌِمَ ) (ٌونس/88) - (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهٌِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنًِ وَبَنًَِّ أَ نْ نَعْبُدَ الأَْصْنَامَ ۞ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثٌِرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنًِ فَإِنَّهُ مِنًِّ وَمَنْ عَصَانًِ فَإِنَّكَ ؼَفُور رَحٌِم ۞ رَبَّنَا إِنًِّ أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرٌَِّّتًِ بِوَادٍ ؼٌَْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بٌَْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَ بَّنَا لٌُِقٌِمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْبِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلٌَْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ ٌَشْكُرُونَ ۞ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفًِ وَمَا نُعْلِنُ وَمَا ٌَخْفَى عَلَى اللهَِّ مِنْ شًَْءٍ فًِ الأَْرْضِ وَلاَ فًِ السَّمَاءِ ۞ الْحَمْدُ للهَِِّ الَّذِي وَهَبَ لًِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعٌِلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبًِّ لَسَمٌِعُ الدُّعَاءِ ۞ رَبِّ اجْعَلْنًِ مُقٌِمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرٌَِّّتًِ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ۞ رَبَّنَا اؼْفِرْ لًِ وَلِوَالِدَيَّ وَلِ لْمُإْمِنٌِنَ ٌَوْمَ ٌَقُومُ الْحِسَابُ ) (ابراهٌم/ٖ٘ – ٔٗ) - (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شًَْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه/ٓ٘) ٖ قلت : مثال لتوضٌح الفرق بٌن الاسم والصفة وصفة الفعل والفعل ، القدٌر اسم الله تعالى ، والقدرة صفة الله تعالى ، والتقدٌر صفة فعل ، وقدَّر فعل متعدٍ.

عدد الصفحات ٣٣

لْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه/ٓ٘) ٖ قلت : مثال لتوضٌح الفرق بٌن الاسم والصفة وصفة الفعل والفعل ، القدٌر اسم الله تعالى ، والقدرة صفة الله تعالى ، والتقدٌر صفة فعل ، وقدَّر فعل متعدٍ. وقس على ذلك. وصفة الفعل هً الصفة المتعلقة بمشٌبة الله تعالى ، قال تعالى : (وَخَلَقَ كُلَّ شًَْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدٌِرًا )(الفرقان/ٕ) ، وأما الفعل فمتعلق بالمشٌبة والزمن ، قال صلى الله علٌه وعلى اله وسلم : (إن الله قدر مقادٌر الخلابق قبل أن ٌخلق السماوات والأرض بخمسٌن ألؾ سنة وكان عرشه على الماء) .

عدد الصفحات ٣٣

ٖٗ المبحث الثانً : خصائص توحٌد الربوبٌة 71 ٔ- أن توحٌد الربوبٌة دلٌل على توحٌد العبادة فإن الله سبحانه وتعالى احتج على المشركٌن الذي أخلوا بتوحٌد الألوهٌة بإقرارهم بالربوبٌة كما قال تعالى: (ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذٌِنَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ۞ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ ال سَّمَاءِ مَاءً فَؤَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للهِِّ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)( سورة البقرة/ ٕٔوٕٕ). فؤمر سبحانه وتعالى بعبادته وذكر البرهان على أنه مستحق للعبادة وهو قوله: (الَّذِي خَلَقَكُمْ) إلى قوله: (رِزْقاً لَكُمْ) وهو برهان على بطلان إلهٌة ما سواه ولهذا قال: (فَلا تَجْعَلُوا للهَِِّ أَنْدَاداً) وقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إلزاما لهم بما ٌقرون به. ٕ- أن إقرار الناس بالربوبٌة أسبق من إقرارهم بتوحٌد الألوهٌة، وفً ذلك ٌقول ابن تٌمٌة: (ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم بالله من جهة ربوبٌته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهٌته ...) إلى أن قال: (ولهذا إنما بعث الرسل ٌدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شرٌك له الذي هو المقصود المستلزم الإقرار بالربوبٌة وقد أخبر عنهم أنهم: (وَلَبِنْ سَؤَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لٌََقُولُنَّ اللهَُّ فَؤَنَّى ٌُإْفَكُونَ )(سورة الزخرؾ/87.) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فًِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إٌَِّاهُ ) (سورة الإسراء/ 7). وقال(وَإِذَا ؼَشٌَِهُمْ مَوْج كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهََّ مُخْلِصٌِنَ لَهُ الدٌِّنَ )(سورة لقمان/ ٕٖ). فؤخبرهم أنهم مقرون بتوحٌد الربوبٌة وأنهم مخلصون له الدٌن إذا مسهم الضر فً دعابهم واستعانتهم، ثم ٌعرضون عن عبادته فً حال حصول أؼراضهم وكثٌر من المتكلمٌن إنما ٌقررون الوحدانٌة من جهة الربوبٌة، أما الرسل فهم دعوا إلٌها من جهة الألوهٌة).٘ ٖ- أن توحٌد الربوبٌة قد أقر به المشركون كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ ٌَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ ٌَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَمَنْ ٌُخْرِجُ الْحًََّ مِنَ الْمٌَِّتِ وٌَُخْرِجُ الْمٌَِّتَ مِنَ الْحًَِّ وَمَنْ ٌُدَبِّرُ الأَْمْرَ فَسٌََقُولُونَ اللهَُّ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (سورة ٌونس/ ٖٔ). وقال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الأَْرْضُ وَمَنْ فٌِهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سٌََقُولُونَ للهَِِّ قُلْ أَفَلا تَ ذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظٌِمِ سٌََقُولُونَ للهَِِّ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بٌَِدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شًَْءٍ وَهُوَ ٌُجٌِرُ وَلا ٌُجَارُ عَلٌَْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سٌََقُولُونَ للهَِِّ قُلْ فَ ؤَنَّى تُسْحَرُونَ) (سورة المإمنون/ ٗ-89). وقال تعالىوَلَبِنْ سَؤَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لٌََقُولُنَّ اللهَُّ قُلِ الْحَمْدُ للهَِِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا ٌَعْلَمُونَ )(سورة لقمان/ٕ٘). وقال تعالى: (وَلَبِنْ سَؤَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ هُمْ لٌََقُولُنَّ اللهَُّ فَؤَنَّى ٌُإْفَكُونَ )(سورة الزخرؾ/ 87). وقال المقرٌزيولا رٌب أن توحٌد الربوبٌة لم ٌنكره المشركون، بل أقروا بؤنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقابم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحٌد الألوهٌة) إلى أن قال : (من عدل به ؼٌره فقد أشرك فً ألوهٌته ولو وحد فً ربوبٌته، فتوحٌد الربوبٌة هو الذي اجتمعت فٌه الخلابق مإمنها وكافرها، وتوحٌد الألوهٌة مفترق الطرق بٌن المإمنٌن والمشركٌن ). ٙ

عدد الصفحات ٣٤

قال : (من عدل به ؼٌره فقد أشرك فً ألوهٌته ولو وحد فً ربوبٌته، فتوحٌد الربوبٌة هو الذي اجتمعت فٌه الخلابق مإمنها وكافرها، وتوحٌد الألوهٌة مفترق الطرق بٌن المإمنٌن والمشركٌن ). ٙ فلأن الإقرار بالربوبٌة كان مسلما به عند المشركٌن لم ٌرسل الله رسولا لتحقٌق هذا التوحٌد، ولم تعرض له الكتب السماوٌة كما عرضت لتوحٌد العبادة لأنه تحصٌل حاصل. ٗ نقل المبحث من : أصول الدٌن عند الإمام أبً حنٌفة / الشٌخ محمد بن عبد الرحمن الخمٌس – الناشر دار الصمٌعً ، المملكة العربٌة السعودٌة. ص ٕٙٔ-ٕٕٓ . ٘ مجموع فتاوى ابن تٌمٌة، جمع وترتٌب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمً الحنبلً وساعده ابنه محمد، طبعة مإسسة الرسالة ـ بٌروت.ٗٔ/ٗٔ- ٘ٔ. ٙ تجرٌد التوحٌد صٕٓ، ٕٔ.

عدد الصفحات ٣٤

ٖ٘ والمصٌبة أن أهل الكلام أفنوا أعمارهم لتحقٌق هذه القضٌة المسلَّم بها حتى عند المشركٌن. ولٌتهم وقفوا عند هذا الباب بل زعموا أن توحٌد الربوبٌة هو الؽاٌة العظمى من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدلٌل فقد أثبتوا ؼاٌة التوحٌد.77 وفً ذلك ٌقول الشٌخ محمد عبدهأصل معنى التوحٌد اعتقاد أن الله واحد لا شرٌك له ... وهو إثبات الوحدة لله فً الذات والفعل فً خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد. وهذا المطلب كان الؽاٌة العظمى من بعثة النبً صلى الله علٌه وسلم كما تشهد به آٌات الكتاب العزٌز).78 والرد على هذا ما ٌلً أ/ أن توحٌد الربوبٌة نوع من التوحٌد فهو بعضه لا جمٌعه، وقد أقر به المشركون، فكٌؾ مع ذلك ٌكون هو الؽاٌة العظمى من بعثة الرسل؟. ب/ أن مجرد الإقرار بهذا التوحٌد فقط لا ٌوجب الدخول فً الإسلام ولا ٌصٌر به الرجل مسلما. فمشركو العرب كانوا مقرٌن بؤن الله تعالى وحده خالق كل شًء، ومع هذا سماهم مشركٌن، حٌث قال عنهم: (وَمَا ٌُإْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهَِّ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ )(سورة ٌوسؾ/ٙٓٔ). فالمراد بقوله تعالى: (وَمَا ٌُإْمِنُ ) هو تصدٌقهم واعترافهم بؤن الله تعالى هو الخالق الرازق المحًٌ الممٌت، والمراد من قوله تعالى: (إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) أي أنهم أشركوا مع الله فً عبادته وهذا ما فسر به السلؾ هذه الآٌة 79. قال محمود الألوسً الحنفً فً تفسٌر هذه الآٌة(ٌندرج فٌهم كل من أقر بالله تعالى وخالقٌته مثلا وكان مرتكبا شركا كٌفما كان، ومن أولبك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ، ممن الله تعالى أعلم بحاله فٌه وهم الٌوم أكثر من الدود)ٓ. ج/ أن توحٌد الألوهٌة هو الؽاٌة العظمى والمقصد الأعلى وهو أول دعوة الرسل والؽاٌة من خلق الجن والإنس كما ٌشهد بذلك الأدلة من الكتاب والسنة الصحٌحة. قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فًِ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهََّ وَاجْتَنِبُوا الطَّاؼُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهَُّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلٌَْهِ الضَّلالَةُ فَسٌِرُوا فًِ الأَْرْضِ فَانْظُرُو ا كٌَْؾَ كَ انَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبٌِنَ )( سورة النحل/ٖٙ). ومن السنة حدٌث ابن عباس وفٌه : ( أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم لما بعث معاذا إلى الٌمن قال: ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب. فلٌكن أول ما تدعوهم إلٌه عبادة الله عزَّ وجلَّ ... )ٔ. فهذان النصان الشرعٌان دالان على أن أول دعوة الرسل والؽاٌة من بعثتهم هً الدعوة إلى توحٌد الله فً العبادة والنصوص الشرعٌة فً ذلك كثٌرة. ٳه ٕ 77 انظر اقتضاء الصراط المستقٌم لمخالفة أصحاب الجحٌم، لشٌخ الإسلام ابن تٌمٌة تحقٌق د. ناصر العبد الكرٌم العقل، الطبعة الأولى ٗٓٗٔهـ، شركة العبٌكان ـ الرٌاض.ٕ/٘ٗ-ٙٗ؛ ومجموع الفتاوى ٖ/98؛ و فتح المجٌد شرح كتاب التوحٌد، الشٌخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب، طبعة دار البٌان ـ دمشق . صٖٔ. 78 رسالة التوحٌد لمحمد عبده، الطبعة الخامسة سنة٘ٓٗٔهـ، دار إحٌاء العلوم ـ بٌروت / صٖٗ. 79 كابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والشعبً وقتادة والضحاك. انظر جامع البٌانٗٔ/77. ومعالم التنزٌلٕ/ٕ٘ٗ. ٓ تفسٌر الألوسً (روح المعانً فً تفسٌر القرآن العظٌم والسبع المثانً) دار إحٌاء التراث العربً ـ بٌروت، لبنان.ٖٔ/7. ٔ أخرجه مسلم: كتاب الإٌمان باب الدعاء إلى الشهادتٌن وشرابع الإسلام ٔ/ٔ٘ حٖٔ طرٌق أبً معبد عن ابن عباس. ٕ أصول الدٌن عند الإمام أبً حنٌفة . صٕٙٔ-ٕٕٓ.

عدد الصفحات ٣٥

ٖٙ المبحث الثالث: مظاھر الانحرا فً توحٌد الربوبٌة ( الشرك فً الربوبٌة ) بالرؼم من أن توحٌد الربوبٌة أمر مركوز فً الفطر ، مجبولة علٌه النفوس ، متكاثرة على تقرٌره الأدلة ، إلا أنه وجد فً الناس من حصل عنده انحراؾ فٌه. 84 ( إن الشرك فً الربوبٌة أحد أقسام الشرك الأكبر، وهو شرك ٌتعلق بذات الله عز وجل أولا: تعرٌف هو صرؾ خصابص الربوبٌة كلها، أو بعضها لؽٌر الله عز وجل، أو تعطٌله عز وجل عنها بالكلٌة. وخصابص الربوبٌة هً: التفرد بالخلق، والرزق، والإحٌاء، والإماتة، والإعطاء والمنع، والضر، والنفع، وؼٌر ذلك. ثانٌا: نوعاه الشرك فً الربوبٌة نوعان ؛ شرك تعطٌل ، وشرك تمثٌل. ٔ- شرك التعطٌل : تعرٌفه : هو تعطٌل المصنوع عن صانع ، وتعطٌل الصانع عن أفعاله وٌكون ذلك بتعطٌل خصابص الربوبٌة، وإنكار أن ٌكون الله رب العالمٌنٗ. ومن الأمثلة علٌه ٘: شرك فرعون الذي عطل الربوبٌة ظاهرا ؛ (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ لْعَالَمٌِن) (الشعراء/ٖٕ) ، وقال لهامان : (ٌَا هَامَانُ ابْنِ لًِ صَرْحًا لَعَلًِّ أَبْلُػُ الأَْسْبَا بَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَؤَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنًِّ لأََظُنُّهُ كَاذِبًا)(ؼافر/ ٖٙ-7.) ومن هذا الشركٙ: شرك أهل وحدة الوجود ؛ كابن عربً ، وابن سبعٌن ، وؼٌرهم الذٌن ٌقولون : إن الخالق عٌن المخلوق ؛ فعطلوا لله عز وجل عن أن ٌكون رب العالمٌن ، ولم ٌفرقوا بٌن رب ، وعبد. ٕ- شرك التمثٌل : تعرٌفه : هو التسوٌة بٌن الله وخلقه فً شًء من خصابص الربوبٌة ، أو نسبتها إلى ؼٌره عز وجل 87. ومن الأمثلة علٌه88: شرك النصارى الذٌن اتخذوا معه أربابا ، فجعلوه ثالث ثلاثة ؛ وشرك المجوس القابلٌن بؤن للعالم ربٌن أحدهما خالق للخٌر، والآخر خالق للشر؛ وشرك الصاببة الذٌن زعموا أن الكواكب هً المدبرة لأمر العالم ؛ وشرك القدرٌة (مجوس هذه الأمة) القابلٌن بؤن كل إنسان ٌخلق فعل نفسه ؛ وشرك عباد القبور الذٌن ٌزعم أن أرواح الأولٌاء تتصرؾ بعد الموت ، فتقضى الحاجات ، وتفرج الكربات ، وتنصر من دعاها ، وتحفظ من لاذ بحماها. ومثلهم مزاعم ؼلاة الصوفٌة فً الأولٌاء: أنهم ٌنفعون، وٌضرون، وٌتصرفون فً الأكوان إلخ.).ٳه 89 ٖ أصول الإٌمان فً ضوء الكتاب والسنة / نخبة من العلماء ، الناشر وزارة الشإون الإسلامٌة والأوقاؾ والدعوة والإرشاد - المملكة العربٌة السعودٌة - الطبعة الأولى ، ٕٔٗٔهـ . ص9. ٗ انظر الجواب الكافً لمن سؤل عن الدواء الشافً لابن القٌم صٖٕٔ. ٘ انظر تجرٌد التوحٌد المفٌد للمقرٌزي ص9. ٙ انظر الدٌن الخالص لصدٌق حسن خان ٔ/ ٖ٘ٔ. 87 انظر المدخل لدراسة العقٌدة الإسلامٌة للدكتور إبراهٌم البرٌكان ص7. 88 انظر: تجرٌد التوحٌد المفٌد للمقرٌزي ص٘٘-7،ٓ. والجواب الكافً لابن القٌم ٖٕٔ-ٕٖٕ. وشرح العقٌدة الطحاوٌة لابن أبً العز ٔ/ 8. وتوحٌد الربوبٌة لمحمد إبراهٌم الحمد صٕٔ-ٕ٘. 89 المفٌد فً مهمات التوحٌد / الدكتور عبد القادر بن محمد عطا صوفً– الناشر دار الاعلام ، الطبعة الأولى ٕٕٗٔهـ - ٖٕٗٔهـ . صٕٔٔ – ٖٔٔ. وانظر ؼٌر مؤمور ، تسهٌل العقٌدة الإسلامٌة / الشٌخ عبد الله بن عبد العزٌز بن حمادة الجبرٌن ، الناشر دار العصٌمً للنشر والتوزٌع ، الطبعة الثانٌة ، ص ٕ٘ٔ- ٗ٘ٔ .

عدد الصفحات ٣٦

7 المبحث الرابع : القدرٌة والشرك الخفً ( القدرٌة شركهم فً الربوبٌة شرك خفً، ولٌس شركاً عاماً، فهو شرك فٌه تؤوٌل، حٌث حصلت لهم الشبهة، وهو زعمهم أن المعاصً إذا خلقها الله لا ٌستقٌم أن ٌعذب علٌها، والمعروؾ عند العلماء أن القدرٌة مبتدعة. والقدرٌة طابفتان: الطابفة الأولى : القدرٌة الأولى، وهم الؽلاة الذٌن أنكروا علم الله وكتابته، فهإلاء كفار؛ لأن مراتب القدر أربع: علم الله بالأشٌاء قبل كونها، وكتابته لها فً اللوح المحفوظ، والإرادة والمشٌبة، والخلق. فالقدرٌة الأولى الذٌن أنكروا المرتبتٌن الأولٌٌن - العلم والكتابة - كفار؛ لأن من أنكر العلم فقد نسب الله إلى الجهل، وهذا كافر بالإجماع، وهم الذٌن قال فٌهم الإمام الشافعً رحمه الله تعالى: ناظروا القدرٌة بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا. أما القدرٌة المتؤخرون فٌقرون بعلم الله ، وأن الله كتب الأشٌاء ، وأن الله أراد الأشٌاء ، وأن الله خلق الأشٌاء كلها، لكن بالنسبة لأفعال العباد خاصة حصلت لهم الشبهة بتؤوٌل ، ولو كان معتقدهم إنكاراً من دون تؤوٌل لكان كفراً ، لكنه عن تؤوٌل بسبب الشبهة التً عرضت لهم ، بخلاؾ الأمور الواضحة ، مثل شرك العبادة ، كعبادة القبور ، والنذر لؽٌر الله ، والذبح لؽٌر الله ، ودعاء ؼٌر الله ، فهذه أمور واضحة لا لبس فٌها ولا إشكال. ومما ٌبٌن أن الشًء إذا كان خفٌاً قد ٌعذر صاحبه ما ثبت فً الصحٌحٌن فً مواضع متعددة من قصة الرجل الذي كان من بنً إسرابٌل ٓ ، فقال لبنٌه : (إنً أسرفت على نفسً ، وإنً أخاؾ أن ٌعذبنً الله عذاباً شدٌداً ، فإذا مت فؤحرقونً ثم اسحقونً ثم اذرونً فً الهواء ، فو الله لبن قدر الله علً لٌعذبنً عذاباً شدٌداً ، ففعل به بنوه لما مات ذلك ، فؤمر الله البحر فجمع ما فٌه ، وأمر الله البر فجمع ما فٌه فإذا هو قابم ، فسؤله الله عن ذلك ، فقال : ما الذي حملك على ذلك ؟ قال : ٌا رب ! مخافتك ، قال النبً صلى الله علٌه وسلم : فؽفر الله له). فهذا الرجل ما أنكر قدرة الله ، وما أنكر البعث ، وإنما أنكر كمال تفاصٌل القدرة ، وظن أنه إذا أحرق وذري لا ٌقدر الله علٌه ، وهو ٌعلم أنه لو لم ٌفعل به ذلك فإنه سٌبعث ، ٌقول : إذا ما أحرقتمونً بعثنً الله ، لكن أحرقونً وذرونً فلا ٌقدر الله على بعثً ، والذي حمله على ذلك أمران : الجهل وخوؾ العذاب ؛ لأن هذا الأمر خفً بالنسبة إلٌه ، فلما كان الذي حمله علٌه الجهل والخوؾ العظٌم من الله ؼفر الله له. فالشًء الخفً قد ٌعذر صاحبه ، بخلاؾ الشًء الواضح ، فلو أنكر أحد البعث كفر ، أو أنكر قدرة الله كفر ، وهذا مإمن بالله ومإمن بقدرة الله ، وظن أنه إذا أحرق وذري فً البر والبحر لا ٌقدر الله علٌه ، فكذلك القدرٌة حصلت لهم هذه الشبهة.) ٳه ٔ ٓ قلت : جاء فً صحٌح البخاري / باب الْخَوْؾِ مِنَ اللهِ. ٓ- عَنْ حُذٌَْفَةَ ، عَنِ النَّبًِِّ صلى الله علٌه وسلم قَالَ : كَانَ رَجُل مِمَّ نْ كَانَ قَبْلَكُمْ ٌُسًِءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونًِ فَذَرُّونًِ فًِ الْبَحْرِ فًِ ٌَوْمٍ صَابِؾٍ فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ اللهَُّ ثُمَّ قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّ ذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنًِ إِلاَّ مَخَافَ تُكَ فَؽَفَرَ لَهُ. ٔ- عَنْ أَبًِ سَعٌِدٍ ، رَضًَِ اللهَُّ عَنْهُ ، عَنِ النَّبًِِّ صلى الله علٌه وسلم ذَكَرَ رَجُلاً فٌِمَنْ كَانَ سَلَؾَ ، أَوْ قَ بْلَكُمْ آتَاهُ اللهَُّ مَالاً وَوَلَدًا ، ٌَعْنًِ أَعْطَاهُ قَالَ - فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنٌِهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ قَالُوا خٌَْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ ٌَبْتَبِرْ عِنْدَ اللهِ خٌَْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ لَمْ ٌَدَّخِرْ - وَإِنْ

عدد الصفحات ٣٧

قَالَ - فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنٌِهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ قَالُوا خٌَْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ ٌَبْتَبِرْ عِنْدَ اللهِ خٌَْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ لَمْ ٌَدَّخِرْ - وَإِنْ ٌَقْدَمْ عَلَى اللهِ ٌُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَؤَحْرِقُونًِ حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونًِ ، أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونًِ ، ثُمَّ إِذَا كَانَ رٌِح عَاصِؾ فَؤَذْرُونًِ فٌِهَا فَؤَخَذَ مَوَاثٌِقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبًِّ فَفَعَلُوا فَقَالَ اللهَُّ كُنْ فَإِذَا رَجُل قَابِم ثُمَّ قَالَ أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ مَخَافَتُكَ ، أَ وْ فَرَق مِنْكَ - فَمَا تَلاَفَاهُ أَنْ رَحِمَهُ اللهَُّ. قلت : والحدٌث رواه الامام مسلم فً صحٌحه/ ٗ- [7-7] ، ورواه ابن حبان فً صحٌحه / ذِكْرُ رَجَاءِ مَؽْفِرَةِ اللهَِّ جَلَّ وَعَلاَ لِمَنْ ؼَلَبَتْ عَلٌَْهِ حَالَةُ خَوْؾِ اللهَِّ جَلَّ وَعَلاَ عَ لَى حَالَةِ الرَّجَاءِ ، وهو فً التعلٌقات الحسان للشٌخ الالبانً / الحدٌث 8 و9.وانظر ؼٌر مؤمور طرق الحدٌث فً السلسلة الصحٌحة للشٌخ الالبانً / الحدٌث8. ٔ دروس فً العقٌدة – رقم الدرس (ٕ) / الشٌخ عبد العزٌز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحً / دروس صوتٌة قام بتفرٌؽها موقع الشبكة الإسلامٌة / .http://www.islamweb.net

عدد الصفحات ٣٧

8 وقسم شٌخ الإسلام ابن تٌمٌة القدرٌة إلى ثلاثة أقسام فقال : ( وأهل الضلال الخابضون فً القدر انقسموا إلى ثلاث فرق : مجوسٌة ، ومشركٌة ، وإبلٌسٌة. فالمجوسٌة، الذٌن كذّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بؤمره ونهٌه، فؽلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشٌبة الله وخلقه وقدرته، وهإلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. والفرقة الثانٌة: المشركٌة ، الذٌن أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهً، قال الله تعالى أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهَُّ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاإُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شًَْءٍ)(الانعام/ 8) ، فمن احتج على تعطٌل الأمر والنهً بالقدر فهو من هإلاء، وهذا قد كثر فٌمن ٌدّعً الحقٌقة من المتصوفة. والفرقة الثالثة: الإبلٌسٌة ، وهم الذٌن أقروا بالأمرٌن ٕ، لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب سبحانه وتعالى، وطعنوا فً حكمته وعدله، كما ٌُذكر مثل ذلك عن إبلٌس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب). ٖ ( فالقدرٌة المجوسٌة : هم المعتزلة ، شابهوا المجوس فً نسبة الخلق لؽٌر الله سبحانه وتعالى، كما أن المجوس نسبوا للظلمة مخلوقات. والقدرٌة المشركٌة : هم الجبرٌة ؛ لأن المشركٌن احتجوا بالقدر على الشرك وقالوا: (وَقَالَ الَّذٌِنَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهَُّ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شًَْءٍ نَحْنُ وَلاَ آبَاإُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شًَْءٍ كَذَلِكَ فَ عَلَ الَّذٌِنَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبٌِنُ ( النحل/ٖ٘). والقدرٌة الإبلٌسٌة : هم الذٌن ٌعترضون بالقدر على دٌن الله عز وجل وشرعه، وهم الزنادقة فً الحقٌقة، وسماهم ابن تٌمٌة رحمه الله بذلك ؛ لأن إبلٌس اعترض على الله عز وجل بالقدر أٌضاً ). ٗ ٕ قلت : أي القدر والشرع. ٖ التدمرٌة: تحقٌق الإثبات للأسماء والصفات وحقٌقة الجمع بٌن القدر والشرع / شٌخ الاسلام تقً الدٌن أبو العباس أحمد بن عبد الحلٌم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبً القاسم بن محمد ابن تٌمٌة الحرانً الحنبلً الدمشقً (المتوفى: 8هـ) ، تحقٌق الدكتور محمد بن عودة السعوي ، الناشر مكتبة العبٌكان – الرٌاض ، الطبعة السادسة ٕٔٗٔهـ / ٕٓٓٓم. ص7 – 8 . ٗ دراسة موضوعٌة للحابٌة ولمعة الاعتقاد والواسطٌة / الشٌخ عبد الرحٌم بن صماٌل العلٌانً السلمً ، المصدر: دروس صوتٌة قام بتفرٌؽها موقع الشبكة الإسلامٌة ، رقم الدرس /ٓٔ. http://www.islamweb.net

عدد الصفحات ٣٨

9 المبحث الخامس : توحٌد الربوبٌة لا ٌتم إلاَّ بإثبات القدر الإٌمان بالقدر هو من ربوبٌة الله عز وجل، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : ( القدر قدرة الله ). لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك، وهو أٌضا سر الله تعالى المكتوم الذي لا ٌعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مكتوب فً اللوح المحفوظ، فً الكتاب المكنون الذي لا ٌطلع علٌه أحد، ونحن لا نعلم بما قدره الله لنا أو علٌنا، أو بما قدره الله تعالى فً مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه. والإٌمان بالقضاء والقدر ٌدخل فً توحٌد الربوبٌة؛ لأنه من أفعال الله جل وعلا، فمن جحد القضاء والقدر لم ٌكن مإمناً بتوحٌد الربوبٌة. ومن تؤمل توحٌد الربوبٌة وآمَنَ حَقَّاً بربوبٌة الله تعالى فإنه ٌإمن بالقَدَرْ؛ لأنَّ الإٌمان بالقدر من ثمرات الإٌمان التام بربوبٌة الله تعالى، فإنَّ المإمن بالربوب ٌة، مإمن بؤنَّ الله تعالى هو الرب المتصرؾ فً ملكه، وهو السٌد المطاع، وهو الذي لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، وهو الذي ما شاء كان وما لم ٌشؤ لم ٌكن ، فلا ٌكون فً الوجود شًء إلا بمشٌبته وقدرته، ولا ٌمتنع علٌه شًء شاءه، بل هو قادر على كل شًء ، وهو الذي لا ٌُؽالَب فً ملكه، وهو الذي ٌعطً وٌمنع وٌخلق وٌرزق وٌمٌت وٌحًٌ، ومن آمن بالربوبٌة على تفاصٌلها فإنه لن ٌجادل فً القدر؛ لأنه ٌعلم أنه مربوب مستسلم لله تعالى. قَالَ الله عز وجل فًِ كِتَابِهِ الكرٌم (وَخَلَقَ كُلَّ شًَْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدٌِرًا)(الفرقان/ ٕ)، وَقَالَ تَعَالَى (وَكَانَ أَمْرُ اللهَِّ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب/8) ، (إنا كل شًء خلقناه بقدر) (القمر9.) وأنّ مَن أنكر القدر فقد أشرك فً توحٌد الربوبٌّة ، لأنّه جَحد قدره وعلمَه وأنكر أن ٌكون ما ٌجري فً هذا الكون بتقدٌر الله ومشٌبَتِه، ووصؾ الله تعالى بالجهل وبالعجز، إلى ؼٌر ذلك. ومن هذا نعلم أن من تمام توحٌد الربوبٌة أن ٌإمن الإنسان بالقدر، فمن ضل فً مسؤلة القدر فإنه لم ٌحقق الإٌمان بتوحٌد الربوبٌة؛ لأن من توحٌد الربوبٌة الإٌمان بؤن الله خالق، وأنه مالك، ولابد للخلق والملك من قدرة ومشٌبة وعلم. وٌرى الشٌخ محمد صالح العثٌمن رحمه الله تعالى بؤن القدر له مساس بؤقسام التوحٌد الثلاثة : (مسؤلة: الإٌمان بالقدر هل هو متعلق بتوحٌد الربوبٌة ، أو بالألوهٌة ، أو بالأسماء والصفات ؟ الجواب: تعلقه بالربوبٌة أكثر من تعلقه بالألوهٌة والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهٌة، وتعلقه بالألوهٌة أٌضا ظاهر؛ لأن الألوهٌة بالنسبة لله ٌسمى توحٌد الألوهٌة، وبالنسبة للعبد ٌسمى توحٌد العبادة، والعبادة فعل العبد؛ فلها تعلق بالقدر، فالإٌمان بالقدر له مساس بؤقسام التوحٌد الثلاثة.).٘ وقال الشٌخ محمد أمان بن علً جامً علً : (هكذا ٌتضح أن مدار القضاء والقدر وما ٌترتب علٌهما إنما هو على أسماء الله وصفاته بصرؾ النظر عن نوع المقضً والمُقدّر. فكل ذلك من الله ومن آثار أسمابه وصفاته. ما شاء الله كان ، وما لم ٌشؤ لم ٌكن ، والشؤن كل الشؤن فً فقه ذلك: (من ٌرد الله به خٌراً ٌفقهه فً الدٌن)ٙ.) 97 (فلو قٌل إن معنى قوله صلى الله علٌه وسلم : ( إن لله تسعة وتسعٌن اسماً من حفظها دخل الجنة ) 98 هو إدراك آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى إدراك آثارها فً الكون بما ٌقضٌه الله وٌقدره وفً النفس البشرٌة ٘ القول المفٌد على كتاب التوحٌد / الشٌخ محمد بن صالح بن محمد العثٌمٌن (المتوفى: ٕٔٗٔهـ) ، الناشر دار ابن الجوزي، المملكة العربٌة السعودٌة ، الطبعة الثانٌة، محرم ٕٗٗٔهـ. ٕ/9. ٙ قلت : (صحٌح) رواه الامام احمد فً المسند والشٌخان عن معاوٌة ، ورواه الامام احمد فً المسند والترمذي عن ابن عباس، ورواه ابن ماجة عن أبً هرٌرة. وانظر ؼٌر مؤمور ، الروض النضٌر 9، والسلسلة الصحٌحةٗ للشٌخ الالبانً.

عدد الصفحات ٣٩