المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ٩ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 129 ولأن هذا من سخف العقل، وقلة الحيلة، وغلبة الهوى، وُصِم هذا القول بالبطلان، فالآية مسوقة في بيان الوحي، مسبوقة بتعداد إيحاء الله إلى رسله وأنبيائه. قال - جل وعلا -: ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ النساء: 3 - 4. وتخصيص موسى - 9-لا يلزم منه الطعن في نبوة الأنبياء - عليهم السلام - ، فكذلك لا يلزم من إنزال التوراة دفعة واحدة الطعن فيمن أنزل عليه الكتاب مفصلاً (3)، فلا وجه إذًا لعسف المعاني ، وتكلف الشذوذ من الأقوال. الثاني: تقدير محذوفٍ معلولٍ شاذٍ ّ. الانحراف بمعنى الآية إلى ما يقيم بها المحرِّف بدعته ، ويستر بها خطيئته من تعسفه وعسفه (2) لمفردة القصة. مثاله: ما قدَّره عمرو بن عبيد (ت:344) (1) في سورة المسد هروبًا بمعنى الآية عن إثبات العلم لله -جلا وعلا -. فالسورة أخبرت عن عدم إسلام أبي لهب، وأبو لهب وامرأته لم يهلكا، فهي آية باهرة من آيات الله التي تدل على علمه الغيب، فإن الله أنزل هذه السورة وأخبر (3) انظراللباب في علوم الكتاب (1/316). (2) العسف : السير بغير هداية والأخذ على غير الطريق.انظر: لسان العرب (9/245). (1) عمرو بن عبيد (ت:344)،العابد القدري، كبير المعتزلة وأولهم أبو عثمان البصري، قال ابن المبارك : دعا إلى القدر فتركوه، وهو أحد الزهاد المشهورين. انظر : وفيات الأعيان (1/463)، وسير أعلام النبلاء (6/334.)

عدد الصفحات ١٢٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ أنهما سيعذبان في النار، ولا بد من لازم ذلك أنهما لا يسلمان. فوقع كما أخبر عالم الغيب والشهادة (3)، وعمرو بن عبيد (ت:344) لا يريد هذا روى الخطيب في تاريخه: " قال رجل لعمرو بن عبيد (ت:344)، وقرأ عنده هذه الآية: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ البروج: 21 - 22، فقال له: أخبرني عن ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ المسد: 1،كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: ليس هكذا كانت. قال: وكيف كانت؟ فقال: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب. فقال له الرجل: هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة. فغضب عمرو فتركه" (2). ولا عجب فيما ترى، فإنه مما عُرف عنهم أيضًا أنهم إذا لم يستطيعوا ردَّ الحق بالتأويل ولم يجدوا لذلك مسلكًا بالحيل والأباطيل، ذهبوا إلى إنكار الأثر بالتعطيل . قال في المنتظم عن عمرو بن عبيد (ت:344 )وذكر حديث الصادق المصدوق(1) فقال:" لو سمعت الأعمش (ت:348) (4) يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب (ت:81) (5) يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبدالله بن مسعود (ت:12) يقول هذا ما (3) انظرتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ( ص:911 . ) (2) تاريخ بغداد، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي (32/313). (1) يعني قوله :" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومً ا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكً ا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي..." رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ذكر الملائكة،برقم (1238. ) (4) سليمان بن مهران الأسدي، الملقب بالأعمش، تابعي، رأى أنس ابن مالك -رضي الله عنه -وكلمه ولكنه لم يرزق السماع عليه،كان صاحب قرآن وفرائض وحديث، روى نحو (3133) حديث. انظر: الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد الزهري (6/141)،ووفيات الأعيان (2/433) . (5) أبو سليمان الجهني الكوفي (ت:81)، مخضرم، ارتحل إلى لقاء النبي وصحبته فقبض وزيد في الطريق، قرأ القرآن على ابن مسعود، توفي بعد وقعة الجماجم .

عدد الصفحات ١٣٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 131 قبلته، ولو سمعت رسول الله يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله تعالى يقول هـذا لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا " (3). الثالث: اعتمادهم القراءة المنكرة. قرأ الجمهور ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ برفع لفظ الجلالة، وجاء في قراءة شاذة ﭽ وَكَلَّمَ الله َ ﭼ بالنصب على أن موسى هو المُ كلِّ م وهي قراءة ضعيفة من جهة الاشتهار(2)، ومما يدلّ على شذوذ هذه القراءة وضعفها: 3- مخالفة هذا المعنى لسياق الآية والمقتضي اختصاص موسى -9- بالتكليم دون غيره من الأنبياء المذكورين، إذ لو كان المعنى أن موسى أوحي إليه كما أوحي لمن قبله ما كان لإفراده بالذكر مزية. فهو ضعيف من جهة القياس ؛ لأن المعنى سينقلب على هذا التأويل إلى معنى: خاطب الله، وهذا لا يختص بموسى - 9- (1). قال ابن القيم (ت:153): " فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح، والنبيين من بعده، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلَّ مه، وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية "(4). 2- أن التكليم وهو الفعل جاء مؤكَّ دًا بالمصدر ، والفعل إذا كان كذلك لم يجز في اللغة العدول عن معناه الحقيقي إلى غيره، وهذه قاعدة أجمع النحويون عليها. (5) = انظرسير أعلام النبلاء (4/396)، والوا بالوفيات (35/26. ) (3) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي (8/63) . (2) انظرإعراب القراءات الشواذ (3/423)، والمحرر الوجيز (2/311)، وهي منسوبة إلى يحيى بن وثاب، وإبراهيم النخعي. (1) انظر إعراب القراءات الشواذ (3/423. ) (4) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لمحمد بن أبي بكر ابن القيم (3/11) . (5) انظرإعراب القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (3/531) .

عدد الصفحات ١٣١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 132 بل صرح القرط (ت:613) بفساد هذا القول ونفى لازمه فقال : "مصدر معناه التأكيد يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلامًا في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا " (3). وقال ابن القيم(ت:153): ثم " أكده بالمصدر الحقيقي، الذي هو مصدر كلم وهو التكليم، رفعًا لما يتوهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم، من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم " (2). 1- أن هذا التفسير مخالف لعادة القرآن في الآيات التي جاء فيها التصريح بكلام الله - عز وجل - لموسى - 9- ، " فصار أهل البدع والأهواء يقرؤون بما لا يحل تلاوته وفاقًا لبدعتهم " (1) . قال ابن كث(ت: 114) في تفسيره " جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش (ت:394) (4) فقال: سمعت رجلاً يقرأ ﭽوَكَلَّمَ اللهَ ﭼ بالنصب. فقال أبو بكر (ت:394) : ما قرأ هذا إلا كافر، ثم ساق بسنده إلى علي بن أبي طالب (ت:43) عن رسول الله ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ النساء: 4 وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش (ت:394) على من قرأ كذلك ؛ لأنه حرَّ ف لفظ القرآن ومعناه . (3) الجامع لأحكام القرآن (6/38). (2) مدارج السالكين (3/11). (1) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، لأحمد بن محمد الدمياطي (3/1.) (4) شعبة بن عياش بن سالم الكوفي الأسدي (ت:394)،مولى لهم، من مشاهير القراء، كان عالمًا فقيهًا في الدين، توفى بالكوفة . انظر : غاية النهاية ( ص:344 )،التيسير في القراءات السبع، لأبي عمرو عثمان الداني ( ص:6 ).

عدد الصفحات ١٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 133 وكان هذا من المعتزلـة الـذين ينكـرون أن يكـون الله كلـم موسـى - 9-أو يكلم أحدً ا من خلقه كما روي عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﭽ وَكَلَّمَ الله َ ﭼ بالنصب، فقال له: يا ابن اللَّ خناء(3): كيف تصنع بقول الله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الأعراف: 143" (2). الرابعاعتمادهم الهوى. إن اعتماد الهوى يؤدي بصاحبه إلى الظلال والظلم، وإلى الخروج عمّا عليـه سبيل المؤمنين، والعزوف عن تفسيراتهم المرضيّة ، وأقوالهم التي استقوها مـن خـير البريِّ ة. "وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غـير الآثـار فاتهمه على الإسلام ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع " (1) . ومن عُجاب الهوى ما فُسّر به قوله -تعالى- من قصة سليمان والهدهـد : ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ النموول: 25،حيــث استشهد بها السهرزوري (ت:3333) (4) بتعسف ظاهر، وتمحُّل فاسد علـى القـول (3) اللخن : قبح ريح الفرج، وامرأة لخناء : هي التي لم تختن. لسان العرب(31/181) . (2) انظرتفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/588-589) . (1) شرح السنة، للحسن بن علي بن خلف البربهاري ( ص:53 ) . (4) إبراهيم بن حسن الكوراني(ت:3333)، من فقهاء الشافعية، له: "التعريف بتحقيق التأليف" و "جلاء الأنظار بتحرير الجبر والاختيار"، وكان مع علمه بالعربية يجيد الفارسية والتركية. انظر : البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني ( ص:42 )، والأعلام (3/15. )

عدد الصفحات ١٣٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 134 بوحدة الوجود(3)، فقال: " وما أخرجه إلى الخبء، أعني صور التعينات فقيرة إليه بالذات، فلا إله إلا الله نور السموات والأرض ؛ لأنه -تعالى- هو الوجود المطلق الحقيقي المجـرد عـن الاقتران بالماهيات، الغني، والتعينات قيود نوره المضـاف إلى الحقـائق العلويـات والسفليات، والقيود مفتقرة إلى المطلق بالذات، ولا يلزم من توحيد الوجود المستلزم لكون المخاطبين بالتكاليف من تعينات الوجود المطلق..." (2). وهذا الكلام غموضه يغني عن توضيحه، وبطلانه يغني عن إبطاله، فكـلام الزيغ لجْلَج، وكلام الحق أبلج، وسبحان من جعلنا علـى المحجـة البيضـاء ليلـها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. (3) وهو مذهب الملحدين، كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، والفرق بينهم وبين أهل الاتحاد، أن عقيدة الأخير تكون افتعالاً بين شيئين، وأهل وحدة الوجود يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه. انظر : مصرع التصوف ( ص:362 . ) (2) رسائل في وحدة الوجود، لإبراهيم بن حسن السهرزوري ( ص216 ).

عدد الصفحات ١٣٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 135 المبحث الثالث المدرســـة الباطنيــة الفرق الباطنية (3) تُعدُّ بذرة من البذور التي غرستها فرق السبئية (2) في العا الإسلامي، وهدفها جحد الشرائع، وتعطيل النصوص بالتأويلات الفاسدة (1). وأول من طبّق التأويل الباطني تطبيقًا نظريًا وعمليًا هم اليهود، منذ عهـد الكليم موسى - 9-، ومن الأمثلة على ذلك: قول الله - تعالى-:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ البقرة: 58، فحين أُمروا أن يقولوا حطة قالوا: حنطة فأنزل الله -جل وعلا-: ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ البقرة: 59 (4). ويرى الباطنيون أن القرآن له ظاهر يعرفه كافة الناس، وله باطن لا يعلمه إلا الخواص منهم الذين وصل بهم الاجتهاد إلى حالة الكشف. فهم يقررون أن القرآن له ظهر وبطن، مستدلين بقول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ محمد: 24. (3) هم كل من زعم أن لظواهر القرآن بواطن، هي عندهم رموز، وإشارات، وبهذا يعلم أن الباطنية غطاء يدخل تحته كل من الإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، وغلاة المتصوفة، والرافضة ..وغيرهم. انظر : فضائح الباطنية، لمحمد الغزالي ( ص:33 . ) (2) مرّ تعريفهم في ( ص 96 .) (1) طائفة القاديانية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن، لسامي حسن، من مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية) 3421هـ2/823 . ) (4) انظر :جامع البيان تأويل آي القرآن (3/131. )

عدد الصفحات ١٣٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ ولا شك أن ظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به ؛ لأنهم عرب، والمراد شيء آخر، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر. وقد اتكأ الباطنيون في إثبات باطن القرآن وظاهره على آثار ضعيفة لا يقوم بها الاستدلال، كأثر عبدالله ابن مسعود- -(ت:12) يرفعه" أُ نزِ ل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهرٌ وبطنٌ" (3). وقال عن الأثر ابن تيمية(ت:128): " أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المُ ختلَقَ ة التي لم يروها أحد من أهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث، ولكن يُروى عن الحسن البصرى موقوفً ا أو مرسلاً أن لكل آية ظهرً ا وبطنً ا وحدً ا ومطلعً ا" (2). وعلى القول بصحتها، فإنلها معنى صحيحًا يُصار إليه لا يتعداه إلى غيره، فمن تلك المعاني: - أن المراد بالظهر اللفظ، وبالبطن المعنى. - أن الظهر ما ظهر تأويله وعُرف معناه، وبالبطن ما بطن تفسيره. - أن الظهر ما جاء في القصص والأخبار، والبطن عبرُها ودروسُها. - أن الظهر هو التلاوة، والبطن هو التّ فهم والتّعظيم (1). (3) أخرجه ابن جرير في تفسيره3/32)، قال أحمد شاكر هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين، أما أحدهما فلانقطاعه بجهالة راويه عمن ذكره عن أبي الأحوص، وأما الآخر فمن أجل إبراهيم الهجري، راويه عن أبي الأحوص". (2) مجموع الفتاوى31/213). (1) انظرالنهاية في غريب الأثر (1/366. )

عدد الصفحات ١٣٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 137 وما أجمل ما قيّد به الشاط (ت:153) (3) إن قيل ببواطن القرآن، حيث بيّن أنه لا يمكن أن يُقبل أي معنى باطن إلا إذا توفر فيه شرطان : 3- أن يصل إلينابرواية تشهد بصحته، فليس يعتبر فيها إلا النقل. 2- أن يقع بفهم العرب وألسنتهم، والظاهر المقرر من معاجم اللُّغة (2) . ولا زال للفرق الباطنية آراء متشعبة ، وأهواء كثيرة متباينة، حول بعض الرموز القصصية في القرآن الكريم، فلكلٍّ وجهةٌ هو موليها، وقبلةٌ هو راضيها، ولا يُسلَّم لشيء منها مادام مفارقًا لأقوال أهل التفسير . قال الغزالي (ت:535): "لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة، صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها " (1). وفي جولةٍ عاجلة يط وف البحث حول تلك التكهنات العقليّة ، و السبئيات غير المرضيّة ، والتي توارثها الأحفاد عن الأجداد. (3) الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي المالكي(ت:153)، من مصنفاته: الاتفاق في علم الاشتقاق، والاعتصام بالسنة. انظر: هدية العارفين (5: 38)، وإيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، لإسماعيل باشا بن محمد أمين (4/321.) (2) انظر : الموافقات، لإبراهيم بن موسى الشاطبي (1/181) . (1) فضائح الباطنية ( ص:55 . )

عدد الصفحات ١٣٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 138 القاديانيــــة(3) بدأت بعض الفرق الباطنيةبمحو أن يكون الرسول هو خـاتم الرسـل ، وتحت لواء هذه الفرق الباطنية اتخذت القاديانية ستارًا روجت تحته مبادئها الهدّامـة المقوِّضة لأركان الإسلام (2)،وبعد أنْ حار المستعمر في قوة الإسلام إبّان الاستعمار العسكري، فكّر تفكيرً ا عميقً ا، وبحث بحثًا دقيقً ا، فقرروا تشتيت قـواه ، ولكـن لا بمهاجمته ومحاربته، بل بإنشاء فرق باطلة منهم، تكون حاملة لاسم الإسلام وهي تدكُّ في أصوله ومبادئه (1) . فظهرت القاديانية متمثلة هذا الدور، فحاولت وعلى رأسها غـلام أحمـد القادياني (ت:3126) (4) الوصول من خلال تأويلاته الباطنية إلى مآربـه الشـيطانية، وادعاءاته التَّ نبوئية، فذهب يخبط خبط عشواء في تفسير معـنى المسـيح في القـرآن ويصرفه عن المعنى الشرعي إلى المعنى الذي دار في هواه، فقال: " ليس المراد في النزول هو نزول المسيح، بل هو إعلام عن طريق الاسـتعار ة بقدوم مثيل المسيح، وأن هذا العاجز (يقصد نفسه) هو مصداق هذا الخبر حسـب الإعلام والإلهام" (5). (3) حركة نشأت سنة3933م بتخطيط من الاستعمار، وكان أداة التنفيذ مرزا غلام أحمد مدعيًا النبوة، ويعيش القاديانيون في الهند وباكستان، وقد أفتى العلماء بكفرهم لمخالفتها الإسلام في كل شيء . انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، نشر الندوة العالمية (3/436.) (2) انظر : العقيدة والشريعة في الإسلام، لجولد تسيهر ( ص243 . ) (1) انظر :القاديانية-دراسة وتحليل-، لإحسان إلهي ظهير ( ص:25 . ) (4) أحمد بن مرتضى بن محمد (ت:3126) اندي، القادياني، نسبة إلى قرية من قرى بنجاب، زعيم القاديانية، له "ترياق القلوب"، هلك بمرض الكوليرا بعد مباهلته مع العالم السّلفي ثناء الله . انظر : الأعلام (3/256)، القاديانية دراسة وتحليل، إحسان إلهي ظهير ( ص324 .) (5) القاديانية-دراسة وتحليل- ( ص:41 . )

عدد الصفحات ١٣٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 139 ومن عجيب أمرهأنه شابه اليهود والنصارى في تنقص الأنبياء، والصـالحين والأولياء، بل زاد عليهم بوقاحة صارخة مُحرّفًا بهما معاني القصص القرآنية (3). ومنغريب تأويله، زعمُه أن المسيح - 9- هاجر من فلسط إلى كشمير قبل ألفي سنة، ودُ فن فيها، فقال في تخبطه عند قوله - تبارك وتعـالى -: ﭽﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ المؤمنون: ٦. " إن المراد بها المسيح وأمه، وأنهما هاجرا من فلسـطين إلى كشـمير ، وأن المسيح وأمه سافرا إلى كشمير بعد واقعة الصلب، كما قال سبحانه، فإن الإيـواء في اللغة العربية تُ ستعمل بمعنى الإنقاذ، والإجارة من العذاب، أو المشقة، والظاهر أنه لم يُبْتَل المسيحُ وأمُّ ه قبل واقعة الصلب بشيء من حُ دْثان الدهر، لذلك لزم منـه أن الله تعالى إنما أدنى المسيح وأمه إلى الربوة المذكورة بعد حادثة الصلب " (2). وفي قصة استماع الجن لقراءته في قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ الأحقاف: 29، قال أحد أتباع القاديانية: " هم وفد من يهود أفغانستان حيث هاجروا إليها بعد أن هدم بختنصر هيكل سليمان - 9- وسباهم إلى العراق، فلما وصلتهم أخبار ادعاء محمـد النبوة، انتخبوا من جانبهم نفراً م ندوبين عنهم، وأرسلوهم إلى مكة في صـدق نبوة هذا الرسول العربي، فهذا النفر من يهود أفغانستان هم الذين أشير إليهم في هذه الآيات الكريمة " (1). (3) توضيح مرام، لغلام أحمد ( ص32 ) نقلاً عن مجلة جامعة النجاح للأبحاث ( ص:843 .) (2) براهين أحمدية، لغلام أحمد2/211) نقلاً عن المرجع السابق ( ص 842 .) (1) الجن حقيقة لا خيال لسليم الجابي ( ص49 ) نقلاً عن المرجع السابق ( ص 844 .)

عدد الصفحات ١٣٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ومن البدهي أن يُ خرِ ج القاديانيُّ بعد هذا الهراء قرءانًا أسماه " الكتـاب المـبين "، زاعمًا أن قراءته تثلج الصدور ، وتبهج النفوس، ومن يسمع إلى وحيه يضحك علـى عقل قائله، وعلى مستوى ذوقه وبلادته (3). (3) انظر : دراسةمنهجية لبعض فرق الرافضة والباطنية، د. عبد القادر محمد عطا صوفي ( ص:269 .)

عدد الصفحات ١٤٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 141 البابية والبهائيــــة (3) كانت البابية تمهيدًا وبشارة ومقدمة للحركة البهائية و زعمت كلتا الطائفتين أن معجزات الأنبياء وقصَ صَهم، والملائكة، والجن، ليست مما يعلمـه النـاس مـن مفاهيمها، ومعاني ألفاظها، ويؤولون كل ذلك بالزور والبهتان الذي لايقبله العقـل السليم، ولا يؤيده النقل الصحيح الصريح، ولا ينطبق على سياق التنزيل، بـل لم يعترف البابية بالمعجزات التي أظهرها الله في تضاعيف القصص القرآني على أيـدي رسله، وتَ أوَّ لها زعيمُ هم تأويلاتٍ مضحكة، وسبب ذلك أنها ليست في مقدوره، وقد أراد أن يقحم نفسه في زمرة النبيين بلا مسوغ (2). فاستندوا في تفسير القرآن تفسيرًا باطنيًّا ضالاً وحشويًّ ا باطلاً ، زاعمين علـى سبيل المثال الذي يوضح جذورهم الفكرية الإمامية أن المراد من قول الله -تبـارك وتعالى-: ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼيوسوف: 4، أن يوسف هو الحسين بن علي، وأن الشمس هي فاطمة، وأن الأحد عشر كوكبًـا أئمة الحق (1). " إن الشريعة التي يزعمها البهائيون أنها ناسخة لجميع الشـرائع السـماوية، ومنها شريعة الله التي جاء بها رسول الله الصادق الأمين، هي شريعة لا تشتمل إلا على آراء وأفكار تنفر منها القلوب التي في الصدور" (4). (3) البابية والبهائية حركة نبعت من المذهب الشيعي سنة3263هـ) تحت رعاية الاستعمار الروسي، بهدف إفساد العقيدة، ومؤسسها الذي ادّعى النبوة ثم الحلولية : علي محمد رضا الشيرازي . انظر: الموسوعة الميسرة (3/439.) (2) النصيحة الإيمانية في كشف فضائح البابية والبهائية، للحسيني معدي ( ص13-12 .) (1) انظر : المدخل إلى الدراسات الإسلامية والمنهج الأصولي الإسلامي للرد على البابية والبهائية والقاديانية د.محمد عزيز سالم ( ص:24 . ) (4) البهائية-نقد وتحليل-، لإحسان إلهي ظهير ( ص:341 . )

عدد الصفحات ١٤١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 142 فمن ذلك: أنهم يؤمنون بأن قصص القرآن غير اقع، ولا يمكن له أن يكـون وثيقة تاريخيّة يُتكأ عليها ، بل جعلوا منها سـتارًا رقيقًـا أخفـوا وراءه إشـاراتهم ومعتقداتهم. ومن ذلك الانحراف الفكري، ما ذكره الشيرازي (ت:3266) (3) عند قول ا - تبارك وتعالى -: ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ يوسف: 4: " وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول حسين بـن علي بن أبي طالب مشهودًا ... وأن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبـالقمر محمـد ، وبالنجوم أئمة الحق في أم الكتاب معروفًا..." (2). وفي تفس قول الله -تبـارك وتعـالى -: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ يوسف: 5، يقول: " إذ قال علي: يا بنيّ. لا تخبر مما أراك الله من أمر لإخوتك ، ترحمًـا علـى الفهم، وصبرًا لله العلي ، وهو الله كان عزيزًا حميدًا ، أن كنت تخبر من أمرك في بعض ما قضى الله فيك فيكيدوا لك كيدًا ، بأن يقتلوا أنفسهم في محبة الله دون نفسك الحق شهيدًا " (1). (3) علي محمد رضا الشيرازي (ت3266)،مؤسس " البابية " التي هي أصل " البهائية "، إيـراني ، أذاع أنه" المهدي المنتظر " وحكم عليه بالقتل، فأعدم رميً ا بالرصاص، له :كتاب " البيان " . انظر : الأعلام (5/38). (2) مفتاح باب الأبواب،للحسيني الحسني معدي (ص:139.) (1 )المرجع السابق (ص:133.)

عدد الصفحات ١٤٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 143 إخوان الصفا(3) كتبإخوان الصفا رسائل أسموها: رسائل إخوان الصفا، تقع في نحو خمسين رسالة، تتضمن جميع أجزاء الباطنية الفلسفية علميًّ ا وعمليًّا، وكان أبوحيان التوحيدي (ت:433) (2) عرضها على بعض مشايخه، فوصفهم فيها بأنهم تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا ؛ ظنّ وا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع، ظنـوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة، والموسيقى، والمنطق في الشريعة، وأن يضمّ وا الشريعة للفلسفة، فخبطوا في التفسير خبط عشواء (1). ففي طلب الخليل ويوسف-عليهما السلام- ربّهما أن يلحقهما بالصالحين، رأى إخوان الصفا أن طلبهما كان للموت راجين بذلك حياة الـروح ، إذ إن مـن علامات الأولياء تمنيهم الموت إذا علموا أنهم إلى ربهم راجعون. وفي معرض هذا المعنى جاء في الرسائل: " وقال يوسف الصديق: ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ يوسف: 1، أما ترى أنه تمنى الموت بقوله ﭽ ﯲ ﭼ لمّا علم أنّ اللحاق بالصالحين لا يكون إلا بعد الموت، فإذًا الموت حكمة ونعمة ، وقال الخليل: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ (3) اتفق الباحثون على أنهم جماعة باطنية شيعية سرية، نشأت في منتصف القرن الرابع، واتخذوا من البصرة مخدعًا لهم، حاولوا التوفيق بين الفرق المختلفة من جانب، وبين الفلسفة واليونانية من جانب. انظر: الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي ( ص:233 )، والوجود عند إخوان الصفا، للدكتور : وجيه أحمد عبدالله ( ص:31-14. ) (2) أبو حيان علي بن محمد بن العباس (ت:433)، وإنما قيل له: التوحيدي، لأن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد (وهو نوع من الثمر بالعراق)، متصوف معتزلي، نُعِت بالزندقة، له: "البصائر" و "المقابسات". انظر : طبقات الفقهاء، للشيرازي ( ص:231 )، ومعجم الأدباء (4/281.) (1) انظرالإمتاع والمؤانسة ( ص:232 . )

عدد الصفحات ١٤٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 144 ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ الشعراء: 78 - 85 ، فإذًا الموت حكمة إذا كانت وراثة الجنة لا تتيسر إلا بعد الموت" (3). ولا يخفى على كل ذي عقل أن طلبهما-عليهما السلام- كان رجاء حسن الختام، ونعيم المآب، كيف والخبر جاء عن رسول الله كراهة تمني الموت، فقال : "لا يتمنىّ أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا " (2). وقيل لبعض السلف :طاب الموت.قال: يا ابن أخي لا تفعل، لَسَاعة تعـيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر(1). ومن تأويلاتهم أن الجنَّة التي أهبط منها آدم هي عالَم الأفلاك، وأن النَّ ار هي عالَم ما تحت فلك القمر، وهو عالَم الدنيا، فيقولون: " ثم اعلم وتيقن ولا تشك في أنّ جهنم هي عالم الكو ن والفساد الذي هو دون فلك القمر، وأن الجنَّة هي عالم الأرواح، وسعة السماوات...وذلك أن تلك النفوس لما جنت هناك الجناية التي ذكرت في قصة آدم- 9- :ﭽﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ (3) رسائل إخوان الصفا، لمجموعة من الحكماء الفلاسفة، كزيد بن رفاعة و محمد البس1/46-41. ) (2) رواه مسلم في كتاب : الذكروالدعاء والتوبة والاستغفار، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به، رقم (6839) . (1) العمر والشيب، لأبي بكر عبد الله ابن أبي الدنيا ( ص:51 ).

عدد الصفحات ١٤٤