دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 113 وإنما أوتي بتقديمه الاعتقاد قبل الاستدلال، فهو أراد أن يثبت شيئًا ، فأخذ بِ بَتر كلام الأئمة، وعسف معانيهم إلى ما يطوِّع بها فكرته ومعتقده . بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بموافقته المشركين، فقال: " فإنا لا نتحرج من القول بأن في القرآن أساطير" (3). فشأن القصص القرآني عنده شأن القصصالأدبي، لم يقف عند حدود الواقع، بل تصرف فيه على الوجه الذي يقيم به قصصًا فن يًّا، الأمر الذي جعله يغير من وجوه الواقع، ويخرج به على غير ما ألفته الحياة، حتى تجد النفس إقبالاً عليه ، لما فيه من الغرابة والإثارة التي تخلقها هذه الجِ دَّة (2). وجعل من أدلته على أسطورة القصة القرآنية أن مصدرها لم يكن إلا البيئة العقلية العربية الذي لم يبتعد عنها القرآن إلا في القليل النادر (1). وعجبًا لأمر الكاتب ! كيف بنى باطلاً على باطل ، حيث جعل منطلق القصة القرآنية محاكاةَ الواقع الحاضر، لا الإخبارَ بواقع منصرم، ثم بنى على ذلك النتيجة الجاهلية الأسطورية ! مصادمًا بفكرته قول الحق -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭼ آل عمران: 2 ، وقول الحكيم -سبحانه -:ﭽﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ الكهف: 13. وعندما أُ ورد على الطالب هاتان الآيتان من باب المجادلة، أتى بقول محدث في دلالة مفردة ﭽ ﭕﭖ ﭼ لم يسبقه إليه أحد، فالقصة إنما توصف بالحق - عنده -؛ لأنها تشرح الحق وتقرره، لا لأنها في ذاتها حقيقةٌ ثابتةٌ ، وإنما أطلق هذا الوصف على المقصود من القصة من توجيهات دينية دعْ وية (4) . (3) الفن القصصي في القرآن ( ص231 . ) (2) انظر : القصص القرآني في منطوقه ومفهومه ( ص52 . ) (1) انظر الفن القصصي في القرآن ( ص:251 . ) (4) انظر : المرجع السابق ( ص219 . )
عدد الصفحات ١١٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 114 وكيفيفهم المؤلف تلك الآيات التي يبدو فيها القصد إلى الإعجاز التاريخي واضحًا ؟ (3) في مثل قول ا- تبارك وتعـالى -:ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ هوود: 49، وقول الله- عز مـن قائل-:ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ الكهوف: 13،وقول الله- جلّ جلاله -:ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ الجاثيوة: ٠، وقول الله- سبحانه وتعالى-:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ الإسوراء: 5،وقول الله- جلّ وعـلا -:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ الفرقوان: 33، وقول الله - سبحانه-:ﭽﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﭼ القصوص: 3،وقول الله- تبارك وتعالى في علاه-:ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ الأحوزا:: 4،وقول الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭼ فاطر: 31 . هذه أسئلة لا نجد لها جوابً ا عند المؤلف فقد تكلف الأدلة الباطلة ليزعم ما يريد، ولا غروَ على أرباب المذهب التنويري أن يأتوا بمثل هذا البعد ، فهم جعلوا من العقل فحسب دائرةً يحتكمون إليها . قال خلف الله (ت:3431): " لنفسح مجال القول أمام الدارس، ونمكِّن العقل الإسلامي من أن يفهم القصص القرآني على أسس أدبية " (2). نعم. هكذا تنتهي أفكار من انطلق من مجرد العقل ، تاركًا وراءه قول السابقين، محدثًا بآرائه قول التائهين ، غردوا خارج السرب ، فأتوا بعجيب الرأي والسَّرد. (3) اتجاهات التفسير في مصر العصر الحديث، د. عفت الشرقاوي ( ص:295 ). (2) الفن القصصي في القرآن ( ص29 . )
عدد الصفحات ١١٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 115 ولا شك أن القول بخيالية القصة القرآنية ، يُذهب بقداسة القرآن ، ويطفئ نوره عن القلوب، إضافة إلى أن هذا القول يجعل كل أحد قادرًا على أن يلغي ما يشاء من الدلالات، ويثبت لهواه ماشاء. قال ابن كثير (ت: 114) مفسرًا قوله تعا : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ:" أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد، ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ ﭽ ﭣ ﭤ ﭼ أي: عن هذا إلى غيره ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته " (3). الثالث: جَوّز للعقل الإسلامي إنكار القصص القرآنية. وقد وصل خلف الله (ت:3431) بح فيثه إلى نتيجة قُ رشيّ ة جاهلية، أحيا فيها شبهتهم الماضية، وأيقظ بها حجتهم الداحضة، والتي رددوها في محافلهم، ولاكوها بألسنتهم في أنديتهم، ونشروها بين مواسمهم وأسواقهم، ألا وهي قولهم عن القرآن عندما سئلوا عنه: ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ النحل: 24. فشابه مقولة النضر بن الحارث(2 )الذي خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، فكان يقرأ على قريش ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين(1). (3) تفس القرآن العظيم لابن كثير (3/112) . (2 )النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، كان يؤذي رسول الله ، قال عبدالله ابن عباس -رضي الله عنهما-: "نزل فيه ثمان آيات من القرآن:ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الأنفال: 13". انظرالسيرة النبوية لابن هشام، لعبد الملك بن هشام (2/318). (1) الجامع لأحكام القرآن (33/95).
عدد الصفحات ١١٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ فأنكر خلف الله قصة غي اب الشمس في عين حمئة (3)، وشرَّ ع للعقل أن يجازف بردِّ قصة محاولة قتل اليهود لعيسى -9- (2)، وشرَّ ع له أن ينكر مشاركة الملائكة المسلمين يوم بدر (1)، وشرَّ ع له إنكار ما أخبر الله به عن عيسى - 9- من محاورته له يوم القيامة، وبأنها لا يفهم منها ظاهرها (4). قال خلف ا(ت:3431) في كلمة جريئة صارخة: "ومن هنا، يصبح من حق العقل البشري أن يهمل هذه الأخبار أو يجهلها، أو يخالف فيها، أو ينكرها " (5). وإنما عسف نفسه إلى هذه الأقوال ؛ لأنه زعم أن هذه الأخبار لم تبلغ أنها دين متبع، وإنما بلغت على أنها الأمثال والحكم والمواعظ ، فغدا العقل الإسلامي - بزعمه - غير ملزم بالإيمان بهذه القصص والأخبار. وإنما أوتي خلف الله (ت:3431) من تحجيمه للعقل ، وتقديمه على النقل الصريح الصحيح الذي استفاض عند أهل العلم ثبوتُه ، ونَ قَلَه من كل خَ لَف عدولُه . الرابع: إثبات القصص على أنها وقائع تاريخية أوقع المفسرين في ورطات الوهم ومن أدلته على دعواه الزائفة، أن القرآن يخبر بوقائع للشخص الواحـد ، وفي الموقف الواحد، وبعبارات مختلفـة، مثـل منـاداة الله -جـل وعـلا - لموسـى -9- فقد ناداه سورة النمل: ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ النمول: 8، وفي سورة طه قال –تبارك وتعـالى -: ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ (3) انظر : الفن القصصي في القرآن ( ص64 . ) (2) انظر : المرجع السابق ( ص66 ) . (1) انظر المرجع السابق ( ص:61 ) . (4) انظر : المرجع السابق ( ص66 ) . (5) المرجع السابق ( ص14 ) .
عدد الصفحات ١١٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 117 ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﭼ طوه: 12، وفي سورة القصص: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ القصص: ٦، ويمكن الرّ د عليه من كلامه الذي قال فيه: " إن القرآن الكريم لم يعن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص ، أو الحاصلة في أمة تصويرًا كاملاً " (3). والعجب الذي لا ينقضي من هذا التصور الذي جعل إعجاز القرآن تناقضًا واختلافًا ! وعلماء ال بلاغة يرون هذه الآيات حيث تكررت فإنها تحقق اتساقًا وانسجامًا مع موضوع السورة ، ونظم الآيات، من غير تناف وتجاف. ومن أدلته على دعواه الزائفة:أن القرآن يختلق القصة قبل وقوعها، وذلك في مثل قول الله- تعالى-:ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ المائدة: ٠ . قال أحمد محمد خلف الله (ت:3431):" كيف يصح ذلك وعيسى لم يقل ذلك للناس؟ وكيف يصح أن يقول ﭽﭼ ﭽ ﭼ وذلك يخبر به عن الماضي ولم يتقدم ذلك منه تعالى في الدنيا " (2). إن الخطأ الذى وقع فيهالدكتور وأمثالُ ه أنْ جعل التاريخ نصب عينيه، بعد أن نصَّ به قاضيًا على قصص القرآن ، فلما رأى بعض التعارض الذي انْ دَاح (1)في عقلـه، استبعد أن يكون قصص القرآن واقعيًا . (3) المرجع السابق ( ص83 . ) (2) الفن القصصي في القرآن ( ص66 . ) (1) يراد بالدّوْح العظمة والاتساع، ومنه الدوحة وهي:الشجرة العظيمة انظر لسان العرب (2/416.)
عدد الصفحات ١١٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 118 أحمد بهجت - الكاتب الساخر - بينما عاش خلفُ الله (ت:3431)في عدم واقعية القصةالقرآنية، حتى غدا قولُ ه متطرفًا في بابه ، عاش أحمد بهجت مبديًا تطرفًا معاكسًا على الضفة الأخرى ، والذي يدعو إلى واقعية القصة القرآنية بغلو حادّ ، حيث سمح للخيال أن يضيف إلى أحداث القصة تفاصيل غيبيَّ ة، وأحاديث نفسيّ ة، وشخصيات خياليَّ ة، لم يدلَّ عليها كتاب مُنزَّ ل، ولا سنة ماضية ، بل كل ما هنالك الثورة على القصة القرآنية التقليدية -بزعمه- وحمل القصة القرآنية على الإحساس والوجدان الصوفي الذي تأثر به الكاتب. ومن كلامه يُدان ، حيث يقول عن كتابه (أنبياء الله): " الجديد في هذا الكتاب هو أسلوب التناول ، وزاوية الرؤية ، والإحساس المتفرد بمغزى القصة، إلى جوار الحس الصوفي الذي يحكم النظرة العامة، ليس هذا كتابًا تاريخيًّ ا يروي قصص الأنبياء بحياد بارد ، ليس إطلالةً تقليديةً على متحف الذكريات الدينية القديمة، إنما هو بعث لثورات المسافرين دائمًا إلى الله ، ابتداء من آدم، وانتهاء بمحمد " (3). ثم ولج الكاتب في قصص أنبياء ا، يخبط بين الواقعية وما أفاضت له نفسه من الخيالات التي وصلت إلى ما قالته الأنبياء في قلوبها ، فقال على لسان نبي الله موسى - 9- في رحلته لمدين: " أملأ بطني من الماء ما دمت لا أملك ثمن الطعام" (2)!! بل إنه- وبكل جرأة- يضيف مشاهد وتفاصيل دقيقة تقوم بدورها في إثارة القصة، وخلق طابع التشويق في فصولها، وكل ذلك يتم من غير برهان من الله. فيقول في قصة ارتحال موسى- 9- إلى مدين: (3) أنبياء الله ( طُرَّة الكتاب الخلفية (2) المرجع السابق ( ص392 ).
عدد الصفحات ١١٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 119 " هذه أول مرة يخرج فيها ويعبر الصحراء وحده" (3)!! وقال في محاولة منه لتصعيد الموقف: " لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة " (2)!! وفي قصة الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه يقول بعد رجوع عزير إلى أهله: " سألها عزير: أيتها المرأة العجوز الطيبة، أين منزل عزير؟ بكت المرأة وقالت: خرج منذ مئة عام فلم يعد فليرحمه الله. قال عزير للمرأة: أنا عزير ألا تعرفيني...لقد أماتني الله مئة عام وبعثني من الموت " (1). ولا شك أن في هذا استدراكًا على ما أخبر الله في كتابه من كلمات أتمهـا ، وأحاديث أحسن قصصها، حيث قال - سـبحانه -:ﭽ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ الأنعوام: 115، فأنّى لبهجت السمعُ والعلمُ حتى يقول عن أنبياء الله ما قال. بل إنه ناقض نفسه عندما تورع عن ذكر ما اخـتلج في نفـس نـبي الله إبراهيم- 9- من مشاعروقت أُمِر بذبح ابنه، بحجة عدم العلم والمعرفة، فقال: " لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر، لا نعرف "(4). ثم هو بعد ذلك يخوض في تفاصيل جزئية، ودقائق فكرية مخالفًا بفعله قول العليم الحكيم الخبير: ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ الإسراء: ٠. (3) المرجع السابق ( ص392 .) (2) المرجع السابق ( ص392 .) (1) أنبياء ا- للأطفال - ( ص:369 . ) (4) المرجع السابق ( ص94-94 .)
عدد الصفحات ١١٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ومن ذلك اختلاقه حوارات وسؤالات في تضاعيف القصة، حتى لكأنه حاضر شاهد، والله قال لنبيه:ﭽ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ القصص: 45، لكن أحمد بهجت تكلم بأسلوب الذي ثوى في مدين، فقال في قصة بنتي مدين بعد عودتهما إلى أبيهما: " سأل الأب: عدتما اليوم سريعًا على غير العادة ؟ قالت الكبرى: كان حظنا اليوم عظيمًا يا أبي. تقابلنا مع رجلٍ كريمٍ سقى لنا الغنم قبل أن يسقي الرعاة. قالت الصغرى: أعتقد يا أبي أنه قادم من سفر بعيد...وجائع، ورأيت وجهه مجهدًا رغم قوته " (3). ومن كان سبيله بعث الإثارة الثائرة على القصص الديني القد- بزعمه - فإنه لن يسلم من جرح الأنبياء، والتعدي على مكانتهم عند الله، بل سينسب إليهم مالم يفعله صالحو البشر فضلاً عن أنبيائه م، وسبب ذلك أنه لجأ إلى كتب الأنبياء المحرفة من قِ بَل أقوامهم ، فاستلهم منها روح النقد والتجريح، فخلط خيالاته غير المسبوقة بأسفار التوراة المحرفة ، التي لم تنزه مقام النبوة العالية، ولم تعرف حقوق الرسل السامية. فقد نقل من التوراة عن قصة أيوب التي أخرجته لنا مقام المتضجر، الذي سئم الحياة وكرهها، ولم يتورع بهجت عن نقل هذه التّرهات ، إذ إنّ نزعته الخيالية أغشت بصر الحقيقة لديه، فقال عن أيوب - 9-ناقلاً عن التوراة :" قد كرهت نفسي، حياتي، أسب سلواي، أتكلم في مرارة نفسي "(2). (3) أنبياء الله ( ص391 ) (2) المرجع السابق( ص:369 . )
عدد الصفحات ١٢٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 121 ثم إنه اعتذر لنفسه عن هذا النقل المش، بأن العمل الفني يُ جوِّ ز أن يحكي ما خالف الواقع، فيقول: " ونحن نرفض هذا كله كحقيقة واقعية، ولا نرى بأسًا من قبوله كعمل فنيّ حكاه بعد ذلك الشعراء على لسانه" (3)!! وهذا التبرير مرفوض من قبل الشرع والواقع، بل ومرفوض من أحمد بهجت نفسِه الذي صرح به في مقدمة كتابه في تناقض جديد ، إذ يقول: " ذلك أن قصص الأنبياء تعرضت قبل بعثة النبي لعبث لم يسلم منه نبي، وامتد التحريف إلى سير الأنبياء فجاءت بشكل لا يحفظ للأنبياء وقارهم أو عصمتهم "(2). ومن ثورته على متحف الذكريات -كما زعم - أنّه يلبس القصة صبغة ألفاظ العصر، ومفردات الحضارة ؛ تشويقًا ، وخروجًا عن التراث، وفي قصة إخوة يوسف-9- مع صواع الملك ، يقول:" قال ضابط يوسف: (وكان يوسف قد وجههم لما يقولونه) أي جزاء تحبون توقيعه على السارق؟ قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدًا لمن سرقه. قال الضابط: سنطبق عليكم قانونكم الخاص ، لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق... التفت كبير الضباط، وقال: ابدؤا التفتيش" (1)!! فنعوذ بك اللهم أن نقول ما لي لنا بحق في تفسير كلامك ربّنا . (3) المرجع السابق ( ص369 . ) (2) المرجع السابق ( ص31 ). (1) المرجع السابق ( ص341 . )
عدد الصفحات ١٢١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 122 وحاصل القول... إن الطعن في القرآن، وفي صدقه وبيانه، ليس وليد عصر، أو فلتة زمن، بل له جذور جاهلية، سقاها الحلاّ ف المهين، والعتل الزنيم، الذي قال الله-تعالى- عنـه : ﭽﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ القلم: 15، ثم كبكبوا على القول الأثيم أمم، وتداعى إلى هذا القول بركان و حمم، أوقدوا هذه الفتنة الجاهلية ، وأعادوا طعونًـا عارية. فهذا اليهودي ابن النغريلة (ت:499) (3) ألف كتابًا في تناقض قصص القرآن ، وقد رد عليه منجنيق العرب ابن حزم (ت:456 )في كتابه " الرد على ابنالنغريلة "، ثم مَن هم من جلدتنا ليكملوا السقاية، ويقوموا على الباطل بالرعاية، كطـه حسـين (ت:3191)، القائل: " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضاً ، ولكـن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي"(2). ثمحمل هذه المغالطات كلها محمد أحمد خلف الله (ت:3431) (1)، وإنما قولهم امتداد لرأي بعض الشيعة(4) الذين يرون قصص القرآن " مَ ن راجعها وتأملها، تفطَّن بأنها مرموزات الأقدمين" (5). (3) هو يوسف بن إسماعيل ابن النغريلة (ت:499)- على اختلاف بين المصادر في رسم اسمه - اسْ تَوزَ ر أباه باديسُ بن حيوس (ملك غرناطة) بعد أن كان كاتبً ا له، ثم خلف إسماعيلُ أباه. انظر :البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لابن عذاري المراكشي(1/264)، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لأبي الحسن علي بن بسام الشتريني (3/163) وما بعدها. (2) تقدم تفصيله في ( ص338 ). (1) تقدم تفصيل القول عنه في ( ص333 .) (4 )سيأتي الحديث عنهم مفصلاً في ( ص 346 ) . (5) تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، لسلطان محمد بن حيدر الجنابذي (3/85) .
عدد الصفحات ١٢٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 123 وزاد عليهم خلف ا (ت:3431) وزعم أن القرآن يجاري المعتقدات الجاهلية، والتقاليد العربية ، وليس على الحقيقة العقلية ، والواقع العلمي (3)، وبأن القرآن يجاري عقائد أهل الكتاب (2)،وبأن أخبار القرآن قابلة للنسخ (1)، وأن في القرآن أخطاء تاريخية (4). ... ﭽﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الكهف: 5. وسار على نهجه حذو القذة بالقذة الدكتور : خالد صناديقي في كتابه: (قصص القرآن والقصص في الديانات الأخرى) حيث نفذ إلى قصة الخيال والرمزية والأساطير من خلال نقاشات ومسوغات لا تخفى على ذي لب(5). كماخرج فئام من الكتّاب لم يحملوا منطلقً ا عقديًّا ، ولا توجهًا فكريًّ ا منحرفًا ، إنما كان يُ سيّ رهم حبُّ معاكسة التيار، والانقلاب على القديم بأي أشكاله، مع جهل يسوسهم، وهوى يقودهم، ومنهم: - الكاتب الصحفي عبدالله كمال في كتابه: (التحليل النفسي للأنبياء )، حيث كتب عن الأنبياء كما لو كان يكتب عن نجوم السينما والفن. - الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه: (أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة) حيث حقق فيه أن آدم ل يس أبا البشر ، وحتى يثبت ذلك خالف جمهور الأمة في تفسيرهم الآيات الواردة في شأن آدم (6). (3) انظر : الفن القصصي في القرآن( ص:215. ) (2) انظر : المرجع السابق ( ص311 . ) (1) انظر : المرجع السابق ( ص88 . ) (4) انظر : المرجع السابق ( ص93 ) . (5) انظر : اتجاهات التأليف ومناهجه في القصص القرآ( ص:283-285 .) (6) المرجع السابق ( ص264 . )
عدد الصفحات ١٢٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 124 ولكن حَ سْب كل عاقلٍ مؤمنٍ أن يعلم أن فلول الهوى لا تنتهي ، وآراء النفس لا ترعوي، فَلَزِم عليه مجاهدةُ الانحراف بكل ألوانه، والرد عليها بعلم وعقل، ثم تنكشف الحقائق، وتظهر الأنوار، ولو بعد حين، يقول الله - تعالى -: ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ ص: 88، وأن يعرف نهاية المفتونين بأدب الغرب، المنخدعين بزيف الفن والأدب والشعر، قال الله - تبارك وتعالى- في آخر سورة الشعراء: ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﭼ الشعراء: 227، فنعوذ بك اللهم من الضلال والزيغ والانحراف.
عدد الصفحات ١٢٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 125 المبحثالثاني المدرســــة الكلاميــة أول من أناط العقل حَ كَمًا ، وعارض به أمر الله حسدًا ، هو إبليس عندما أمره الله بالسجود (3) فقـال ﭽ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الأعوراف: 12، وقـال: ﭽﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ الإسوراء: 1، ثم تشابهت قلوبهم، وأخذ المتأخر من المتقـدم وعصفت بعض التفاسير بالانحراف العقائدي، وجعلوا من اللغـة والهـوى مَرْكبًـا يوصلهم إلى جُرْف البدعة والهوى ، فالأصل عندهم المعتقد، ثم بعده تَقُوم تراكيـب التفسير عليه. وتعدّ المدرسة الكلامية النصف الأول من المدرسة العقلية ، ويطلق عليهم (المدرسة العقلية القديمة )(2)، وهم مجموعة من الجهمية والمعتزلة الذين يبجّلون العقلانيات ويقدمونها على الشرعيات، ويدخل فيهم أيضًا الذين مزجوا بين النقل والعقل، فهم متناقضون في الاستدلال، متخبطون على القواعد، حيث إنهم حكّموا العقل في ب عض المسائل العقدية دون البعض الآخر، كالأشاعرة ومتأخري الرافضة والخوارج ونحوهم. والمعتزلة هي البذرة الأولى، والمرآة الداعية للاتجاهات العقلية القديمة والحديثة، وكل من جاء بعدهم لم يصلوا إلى كعوبهم في المنطق والمنهج ، بل هم عالة على المعتزلة في كثير من أفكارهم وآرائهم(1). (3) انظر : الملل والنحل (3/39. ) (2) أما النصف الآخر فهم أتباعالمدرسة العقلية الحديثة)، وسيأتي الكلام عنهم في المبحث الخامس من هذا الفصل -بإذن الله – ( ص:365 .) (1) انظر : الاتجاهات العقلانية الحديثة، للدكتور: ناصر بن عبدالكريم العقل ( ص31 )، ( ص54 .)
عدد الصفحات ١٢٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وعندما تكون هناك رغبة في صرف الآيات عن مقتضى النص تظهر مقدرة المعتزلة البيانية، والتي قاد مركبها الزمخشري (ت:518)، يقول ابن خلدون(ت:838) (3) عن تفسيره (ت:838):" وهو كلُّ ه مبني على هذا الفن، وهو أصله" (2) ( يعني أصل علم البيان). والآيات المحكمة عند الزمخشري (ت:518) هي التي يتفق ظاهرها مع مذهبه الاعتزال، أما تلك التي يتعارض ظاهرُها مع عقيدته الاعتزاليّة فمن المشتبهات التي ينبغي أن تصرف عن ظاهرها، وتأويلها يحملها إلى معنى يتفق وما تقول به المعتزلة حتى يزول التعارض في مذهبهم (1). ومنشأ الاعتماد عندهم عائد إلى عدة أمور، منها: الأمر الأول: اعتمادهم المجــــــــاز وصل الحال والمقال ببعضهم أن جعل كل دلالات الوحيين من المجاز، ولا تدل على حقائق بحال من الأحوال، وإنما هي بمفهوم الكلام تمتماتٌ لا مراداتَ لها ولا دلالة. فقالوا: كذلك أفعال الله سبحانه وما كان مثله من المجاز، وكذلك علم الله قيامَ زيدٍ مجاز أيضً ا ؛ لأنه ليست الحال التي علم عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو، ولسنا نثبت له سبحانه علمً ا ؛ لأنه عالم بنفسه. وكذلك قولك: ضربت (3) عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون(ت:838) أبو زيد، المؤرخ ، تنقل في البلدان وتولى القضاء فيها في المذهب المالكي، توفى بالقاهرة فجأة، من كتبه:"شرح البردة"، وكتاب في الحساب. انظر : الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، لمجير الدين العليمي ( ص:35 )، ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد، لمحمد بن أحمد الفاسي (2/333) . (2) مقدمة ابن خلدون ( ص:552 . ) (1) الاتجاهات الفكرية في التفسير، د. الشحات السيد زغلول ( ص393 .)
عدد الصفحات ١٢٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 127 عمرً ا مجاز أيضً ا، وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه، وإنما ضربت بعضه لا جميعه، فإذا عُرف هذا وما أشبهه، عُرف منه حال سعة المجاز في هذا الكلام، ألا تراك قد تقول: قطع الأمير اللص ويكون القطع له بأمره لا بيده (3). وبهذا الذي قالوا استطاعوا صرف كل ما أرادوا صرفه ، حتى غدت الآيات عندهم مجرد تراتيل لا مضامين لها وحقائق. ففي قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ النساء: 4، ترى كيف تَ حكّ م المجاز، وهرع المأول إليه وانحاز، فقال: " التكليم حقيقة، إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز" (2). وفي قول ا- جل جلاله – عن موسى- 9-: ﭽﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ الأعراف: 143، يقول الجصاص (ت:113) (1): "إنه سأل الرؤية على جهة استخراج الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ويدل عليه قول الله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ الأعراف: 155 وقيل: إنه سأله الرؤية التي هي علم الضرورة " (4). فانظر كيف تكلّفوا تخريج الآية فرارًا من إثبات الكلام أو الرؤية لله -جل وعلا- والتي سعى النفاة إلى تأويلهما، سالكين التحاريف اللفظية أو المعنوية للوصول بالآية إلى عقائدهم الكلاميّة ، لا أن توصلهم الآية إلى مراد الله -تبارك وتعالى-. (3) انظرالخصائص (2/453) . (2) روح المعاني (6/38) . (1) أحمد بن علي أبو بكر الرازي الحنفي (ت:113)، المعروف بالجصاص، معتزلي المعتقد، كان مشهورً ا بالزهد، ردّ القضاء مرارًا، له من المصنفات: أحكام القرآن في التفسير، وشرح مختصر الطحاوي . انظر : الجواهر المضية في طبقات الحنفية (3/84)، وطبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:84 ) . (4) أحكام القرآن، لأحمد بن علي الرازي الجصاص (4/239) .
عدد الصفحات ١٢٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 128 الأمر الثاني: اعتمادهم مخالفة السياق وهذه المخالفة لهم فيها أربعة مسالك: 3- ترك المعنى المشهور 2- تقدير محذوفٍ معلولٍ شاذٍ . 1- اعتمادهم القراءة المنكرة. 4- اعتمادهم الهوى. وهذا أوان الحديث عنها: الأول: ترك المعنى المشهور، والانجراف بمعنى الآية إلى ما لا يقبله السياق. فَمِن ذلك ، من فسر التكليم بالتجريح، في قول الله -تعالى -: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ النساء: 4 . وصدق الزمخشري (ت:518) وأنصفعندما بين أنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم، ولا يَ بين بها إلا الوهم، فقال: "ومن بدع التفاسير أنه من الكَ لْم ، وأن معناه وجرّح ا لله ُموسى بأظفار المحن ومخالب الفتن " (3). مع أنه من المفترض أن يروق هذا المعنى المعسوف لمنهج المعتزلة العقدي اللغوي ؛ لأنه وبه يتخلصون من إثبات صفة الكلام للباري - جل شأنه -. ولكنهم مع ذلك لم يرتضوا قولاً يخالف الأذواق ، ورأيًا تمجُّه الأسماع ، وتلاعبًا تأباه اللغة سياقًا وتركيبًا ، فلأجل ذا ترى جمهور الأشاعرة صنعوا صُنْع الزمخشري (ت:518)، ولفَّوا بالإنكار لفيفه . قال الرازي (ت:636):"وهذا تفسير باطل" (2) (3) الكشاف (3/624). (2) التفس الكبير (33/81)، وانظرالبرهان في علوم القرآن (2/191)، وتفسير البحر المحيط (1/434)، واللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي (1/316).
عدد الصفحات ١٢٨