دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 97 ثم تتايعت(3) الفرق المنحرفة، وغدوا على حَ رْد (2) متفرق، وذلك التفرق عائد إلى أمرين: 3. كثرة من دخل في الإسلام ظاهرًا ، وهو إنما أراد إسقاطه. 2. ترجمة الآثار السابقة من الأمم ، والعابثة بالشرع والسنن ، فأصبح كل صاحب هوى يفسر القرآن على ما يوافق هواه، ويصرع - بزعمه – من عاداه. فنشأت على إثر ذلك طوائف شتى ، وملل متعادية ، ومدارس متفرقة ، طالت أسس الدين وفروعه، وكان مما نال وطال مفردَ ةَ القصة القرآنية. وكان الخطأ فيها على ثلاثة أصناف (1): 3. الخطأ في الباعث، كأخطاء غير المسلمين، وتلاعب اليهود بأخبار الأنبياء ، وقلة خوفهم من الجبّار لا يخفى. 2. الخطأ في منهج النظر للقرآن، كأخطاء الفرق المنتسبة للإسلام من غير أهل السنة: الخوارج، والمعتزلة، والأشاعرة (4)،وغيرهم. (3) فلان تَ يِّع، ومُتَتيِّع، أي : سريع إلى الشر، وقيل : التتايع في الشر كالتتابع في الخير، و تتايع الرجل : رمى بنفسه في الأمر سريعً ا . انظر: لسان العرب (8/18. ) (2) الحَرد : القصد، والجد، والمنع، ﭧ ﭨ ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ القلم: 25،وفُسرت الآية على المنع. انظر : لسان العرب (1/344-345) (1) انظر : الكُليني، وتأويلاته الباطنية . للدكتور: صلاح بن عبد الفتاح الخالدي ( ص 6 . ) (4) الأشاعرة: هم المنتسبون لأبي الحسن الأشعري الذي اتخذه بعد تركه الاعتزال وقبل تصريحهبانتسابه إلى مذهب أحمد، و يثبتون سبع صفات، وينكرون العلو، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق. انظر : مجموع فتاوى ابن تيمية (6/52)، التحفة المدنية في العقيدة السلفية، لحمد بن ناصر آل معمر (3/328)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، لمحمد الأمين الشنقيطي (3/31. )
عدد الصفحات ٩٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 98 1. الخطأ في بعض الجزئيات الفرعية، وهو الذي لم يخل منه عالم من أهل السنة، كابن جرير (ت:133)، وابن كثير (ت:114)، والبغوي (ت:533) (3)، وغيرهم. والشواهد على ذلك كثيرة، والمجتهد منهم له أجر. (3) الحس بن مسعود بن محمد أبو محمد البغوي (ت:533)، الفقيه، الشافعي، يعرف بابن الفراء ويلقب محيي السنة، كان إمامً ا في التفسير و الحديث والفقه، وله:"معالم التنزيل" و"شرح السنة" . انظر : وفيات الأعيان (2/316)، وطبقات المفسرين، للسيوطي (3/49-53. )
عدد الصفحات ٩٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 99 المبحث الأول المدرســـة اللُّغوي ــــة من أراد معرفة كتاب الله - جل وعلا – من كلمة غريبة أو نظم عجيب، لم يجد له من العربية بدًّ ا، فيكون تعلم العربية واجبً ا على كل عالمٍ (3). و يزل الخلفاء الراشدون بعد النبي يحثون على تعلم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها، إذ هي من الدين بالمكان المعلوم والمحل المخصوص، وهي لغة القرآن وبه يفهم. قال هارون الرشيد(ت:391)(2) يومً ا لبنيه:" ما ضر أحدَ كم لو تعلم من العربية ما يُصلِ ح به لسانَ ه، أيسر أحدَ كم أن يكون لسانُ ه كلسان عبده وأمته "(1). وعدم فهم اللغة يأتي بنتائج سلبية، وثمار غير مرعية، فيُساء الاست دلال، وتنزل المفردة على غير الحال، ويختل ميزان الإعراب، أو الاشتقاق، أو المعنى. عن الأصمعي (ت:235) (4)، قال: كان رجل لَحَّانة ، فلقي لَحَّانة مثله، فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند أهلونا، فحسده الآخر، فقال: أنا والله أعلم من أين أخذتها، من المُنْزَل ، قال الله-عز وجل-: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ الفتح:11. (5) (3) انظر : الصاح في فقه اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (3/33. ) (2) أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي (ت:391)، خامس الخلفاء ، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا ، وهو آخر خليفة حج في خلافته، وكانت مدة ولايته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرًا. انظر : أسماء الخلفاء والولاة وذكر مددهم، لأبي محمد علي بن حزم الأندلسي (2/349)، وإعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس، لمحمد دياب الإتليدي ( ص:332 ) . (1) انظر : صبح الأعشى في كتابة الإنشا، للقلقشندي أحمد بن علي بن أحمد الفزاري (3/235) . (4) عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن صالح (ت:235)، والأصمعي نسبة إلى جده أصمع، كان أيامًا في الأخبار والنوادر واللغة، له عدة مصنفات منها: "الأجناس" و "الأنواء" و"كتاب الصفات". انظر : البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ( ص:316 )، المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء عماد الدين إسماعيل بن علي (2/13.) (5) انظرالفوائد والأخبار، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (3/5. )
عدد الصفحات ٩٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦٦ قال الزركشي(ت:194): "وهذا الباب عظيم الخطر، ومن هنا تهيَّ ب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه حذرً ا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين، وكان الأصمعي(ت:235) وهو إمام اللغة لا يفسر شيئً ا من غريب القرآن، وحُ كي عنه أنه سئل عن قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﰆ ﰇ ﭼ يوسف: ٦، فسكت، وقال:هذا في القرآن، ثم ذكر قولاً لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها: أتبيعونها وهى لكم شغاف " (3). ومن أعظمالمدارس المنحرفـة، التي زعمت أنه لا يُ حتاج إلى لغة العرب في تفسير القرآن المدرسة الباطنية، ومن اطّلع على تفاسيرهم علم أنها لا تص ـدر عن لغة أو عقل(2)، فهم صرفوا ألفاظ المفردة عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يَسبِ ق منها إلى الأفهام فائدة، والألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى، وكلام رسوله ؛ لأن الباطن لا ضابط له بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وهذا أيضً ا من البدع الشائعة العظيمة الضرر. مثال ذلك: تأويل من أقصى اللغة كل إقصاء، عند مقوله في تأويل قول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ طه: 24، إنه إشارة إلى قلبه، وقال: المراد بفرعون: هو الطاغي على كل إنسان. وفي قوله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ الأعراف: 117، أي: ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه (1). ولا شك أن معنى الآيتين هو الظاهر المتبادر للأذهان، دون هذه التأويلات البعيدة (3) البرهان في علوم القرآن (3/295) . (2) انظر : التفسير اللغوي في القرآن الكريم د. مساعد بن سليمان الطيار ( ص49 .) (1) انظرإحياء علوم الدين، لمحمد بن محمد الغزالي (3/11) في جملة إنكاره على الباطنية
عدد الصفحات ١٠٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 1 وينظم تحت لواء المدرسة اللغوية المنحرفةمنهجان: أولاً : المنهج اللغوي الأُ حادي(1) وهو المنهج الذي ينظر إلى المفردة بعين واحدة، وهو المنظور اللغوي المجرد، فلا نظر في أقوال السلف، ولا نظر في سباق الآية أو لحاقها، وإنما كل اختيار عندهم قائم على أقوال وأشعارٍ حكيت عن العرب . قال ابن القيم (ت:153): "لا يجوز أن يحمل كلام الله - عز وجل- ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم " (2). ومنشأ الخطأ عائد إلى عدة أمور: الأمر الأول: مخالفة القول جميعَ أهل التفسير. قال أبو عبيدة (ت:239) في تفس قوله- تعالى-:ﭽﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫﭼ القصص: ٦: " فارغً ا من الحزن، لعلمها أنه لم يَغرق، ومنه قولهم: دم فراغ أي: لا قود فيه ولا دية" (1). وتعقب هذا القول ابن جرير الطبري (ت:133) وقال بعد أن ساق أقوال السلف في المفردة: (3) يقال أُحاديُّ اللغة أي: ذو لغة واحدة، والطريق الأُحاديُّ . أي: المنفرد أو طريق ذو مسلك واحد، والأُحاديَّة هي نقيض التعددية. انظر: معجم تصحيح لغة الإعلام العربي، للأستاذ الدكتور: عبد الهادي بوطالب ( ص:9 .) (2) بدائع الفوائد (1/511) . (1) مجاز القرآن ( ص231 . )
عدد الصفحات ١٠١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 2 "وهذا قول لا معنى له لخلافه قول جميع أهل التأويل " (3). ومن ذلكعند قوله -تبارك تعالى-: ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ يوسف: 49، نجد عبارات عدم الرضى، والنقد، انصبت على من اختار الدلالة اللغوية الأبعد لمفردة ﭽ ﮧ ﭼ. قال ابن جرير (ت:133): " وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله:ﭽ ﮦ ﮧ ﭼ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من العصر ، والعصر التي بمعنى المنجاة... وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافُهُ قولَ أهل العلم من الصحابة والتابعين" (2) . الأمر الثاني: مخالفة القول لسياق الآية. إن سياق الآية يحدد معنى المفردة، ويدل عليها، كما يُفهم من خلال السياق مفهومُ الخطاب، أَزَجْر وتهديد، أم وعد ووعيد؟ وفي آية القصص من قصة أم موسى فسر أبو عبيدة (ت:239) ( الفراغ ) فقال:" أي: من الحُ زْن " (1). وهذا لا يدل عليه لاحق هذه المفردة، قال الزركشي (ت:194): " أخطأ أبو عبيدة (ت:239) في المع، إذ لو كان قلبها فارغً ا من الحزن عليه لما قال: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ " (4). (3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (23/11) . (2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/211.) (1) مجاز القرآن ( ص231 . ) (4) البرهان في علوم القرآن (3/11 ).
عدد الصفحات ١٠٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 3 الأمر الثالث: عدم التفريق بين تعديات الأفعال. قال ابن قتيبة (ت:216 )(3) في تفس قول الله- تبارك و تعالى-: ﭽ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭼ الزخرف: ٠ ، إنه من عشوت أعشو عشوً ا إذا نظرت (2). وغلطوه في ذلك، وإنما معناه: يُعْرِض، وإنما غُلِّط ؛ لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه (1). وهو قول الأزهري (ت:113)(4)،وبيّ ن القرطبي (ت:613) أنالقول قوله، وقال:"وكذلك قال جميع أهل المعرفة" (5). الأمر الرابع: عدم التمييز بين اشتقاق الأفعال. ﭧ ﭨ ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ هود: ٦. قيل في التنور أقوال كثيرة منها: إنه الفجر(6). ويشكل على هذا القول الأصلُ الاشتقاقي، إذ لو كان هذا هو المراد لقال "وفار التَّ نْوير" ؛ لأن التنوير هو الضياء، وعلى هذا دل المعجم والأثر. قال الخليل:" النور الضياء... والفعل التنوير" (1). (3) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت:216) الكو، مولده بها، قاضي الدينور، كان عالمً ا باللغة والنحو وغريب القرآن، كثير التصنيف، له :"مختلف الحديث "و" أدب الكاتب" . انظر : الفهرست ( ص:335 )،وفيات الأعيان (1/42 ). (2) انظرغريب الحديث، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (2/556. ) (1) انظرالبرهان في علوم القرآن (3/294. ) (4) انظرتهذيب اللغة (1/11. ) (5) انظرالجامع لأحكام القرآن (36/93) . (6) أخرجه الطبري عن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- (32/18)، وأورده النحاس في معاني القرآن (1/141)، والماوردي في النكت والعيون2/412 . ) (1) كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (8/215. )
عدد الصفحات ١٠٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 4 وفي الأثر لم يجتمع أصحاب محمد على شيء، كما اجتمعوا على التنوير بالفجر" (3). قال ابن عطية (ت:543) مُضعّفًا : " إلا أن التصريف يضعفه، وكان يلزم أن يكون من التنور" (2)، ولم يرجِّحْه ابن جرير في تفسيره (1). الأمرالخام : إعمال الصرف وترك دلالة المفردة الصريحة. المفردة إذا جاءت في السياق فلا ينبغي العدول عن دلالتها المباشرة إلا لمسوغ شرعي، دل عليه القرآن نفسُ ه، أو السنة، أو لقول تواتر عليه سلف الأمة، ولا يعني هذا عدم الالتفات إلى اللغة، لأن ما تقدم يُعدُّ الأصل في مصادر اللغة، بل هي مصدر من مصادر التفسير الذي لا ينفك عن الدلالات الشرعية، ويصار إليها بعد التدرج بما تقدم. وفي قول الله - تبارك وتعالى-: من قصة إبراهيم: ﭽ ﭩ ﭪ ﭼ البقرة: ٦٠، ظاهر المفردة دالة على معنى: القطع، أو الضم. قال ابن جرير:" وعليه إجماع أهل التأويل "(4). وذهب الفراء (ت:236) إلى غير ذلك، زاعمًا أنها لا تكون بهذا المعنى إلا أن يقال: إن الفعل اعترته علة تصريفية، فقال: " ويقال: وَجِّههن. ولم نجد قطّعهنّ معروفة ...، ولكنى أرى -واللّه أعلم - أنها إن كانت من ذلك أنها من صَ ريْ تَ تَصْري، قُدّمت ياؤها كما قالوا : عِثْتَ (3) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/284) رقم125)، وأبو يوسف في كتاب الآثار (3/56) رقم (98)، وصححه العيني في عمدة القاري (4/93)، وقال في شرح فتح القدير "وهذا إسناد صحيح" (3/225). وكذا قال السيوطي في شرحه سنن ابن ماجه (3/49. ) (2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لعبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (1/313. ) (1) انظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/43 ). (4) انظرالمرجع السابق (1/54.)
عدد الصفحات ١٠٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 وعَ ثيت...والعرب تقول: بات يصري في حوضه، إذا استقى ثم قطع واستقى، فلعله من ذلك" (3). إن الأصل بقاء المفردة على دلالتها الصريحة ، دون اللجوء إلى وجود قلب اعترى حروفها، وإلى هذا ذهب البصريون. قال الطبري (ت:133): "وهذا القول الذي ذكرناه عن البصريين... أولى بالصواب من قول الذين حكينا قولهم من نحويي الكوفيين، الذي أنكروا أن يكون للتقطيع في ذلك وجه مفهوم إلا على معنى القلب" (2). وتبين مما مرَّ أن منشأ الخطأ واقع في النظر إ المفردة من زاوية اللغة دون غيرها، مع إغفال أمور كثيرة، ينحرف معها المعنى. (1) معاني القرآن للفراء3/314. ) (2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/54) .
عدد الصفحات ١٠٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٦ ثانيًا : المنهج الأدبي الأُ حادي لقد صدّ ق القرآنَ الكتبُ السماوية ، وأظهر إعجازَ ه الدلائلُ النبوية، ولم يجادل في عدل أحكامه، أو صدق أخباره، إلا زنديق أو منافق. عن قتادة (ت:338) (3) في تفسير قول ا - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﭼ المدثر: 31، قال: " صدَّ ق القرآنَ الكتبُ التي خلت قبله، التوراة والإنجيل، أن خزنة جهنم تسعة عشر، ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ قال: الذين في قلوبهم النفاق والله أعلم"(2)، وإنما جاء التحدي بين الرسول الكريم وبين قريش على صدق القرآن، فكذَّ بَ بعضُ هم غيضًا وح نقًا و ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ البقرة: 9، وإذا كان القرآن تنزيلاً من الله العزيز العليم ، فالمقتضي أن كون القرآن منزلاً من عند ه لزم منه أن يكون صدقُه أمرًا لا ريب فيه ، لكنه ما يجادل في صدق القرآن إلا الذين في قلوبهم مرض الهوى، وحب البروز والظهور، ولو على أكتاف التخبط والجهل. ولقد بليت الأمة، وأصابتها الخطوب المدلهمة، بسهام بني جلدتها، وطعونِ مَ ن أُمِّل منه نجدتُها، والقيام بنهضتها ، فسطروا كلامً ا أرضى الأعداء، وأغاظ الأبناء ، وكانت أقلامهم موجهةً إلى أعظم ميراث يملكه المسلمون ، وبه على عدوهم ينتصرون، فمن مدادهم الزعاف، وفكرهم الذؤاف(1) كانت دعواهم، وعلى كتاب ربهم كانت شكواهم. (3) قتادة بن دعامة بن قتادة بن سدوس (ت:338) أبو الخطاب، ولد أعمى وعنى بالعلم فصار من حفاظ أهل زمانه وعلمائهم بالقرآن والفقه، مات بواسط وهو ابن (56) سنة، وكان مدلسًا قدريًا. انظر: مشاهير علماء الأمصار، لمحمد البستي ( ص:96 )، وطبقات الحفاظ، للسيوطي ( ص:54 .) (2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لعبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي (8/114) . (1) موت زعاف، و ذعاف، و ذؤاف، و زؤاف: شديد. انظر: لسان العرب (9/314. )
عدد الصفحات ١٠٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 طه حس(ت:1131) (1) إن من الأفكار التي أشاعها، والعقائد التي أثارها، لِيُثبت بها انتحال (2) الشعر الجاهلي، كونَ المجتمع الجاهلي مجتمعًا وثنيًا محضًا ، لا أثر للإسلام فيه، وأن الدعوة المحمدية الإسلامية نشأت بعد هذا العصر، وأن الإسلام لا تاريخ له قبل البعثة، وأن ما كان من تاريخ فإنما هو أسطوري لا حقيقة له (1)، وإلى هذه الفكرة دعا عميد الأدب العربي إذ قال: (3) طه بن حسين بن علي بن سلامة (ت:3191)،الدكتور في الأدب، أحدث ضجة في عالم الأدب العربي، أصيب بالجدري فكف بصره، من كتبه: "في الأدب الجاهلي" و "في الشعر الجاهلي". انظر : الأعلام (1/213)،وطه حسميزان العلماء والأدباء، محمود مهدي الاستانبولي( ص:55 .) وللتوسع في معرفة فكر طه حسين انظر - نقض كتاب الشعر الجاهلي، لمحمد الخضر حسين. - تحت راية القرآن الرد على الشعر الجاهلي، لمصطفى صادق الرفاعي. - الشهاب الراصد، لمحمد لطفي جمعة. - بحث عن المتنبي وبحث عن الفتنة الكبرى، لمحمود شاكر. (2) الانتحال : الادعاء ، والمُ نتَ حل من الشعر: ما ادُّ عي على غير حقيقة، ونحلتُ ه القول أنحله نحلاً ، بالفتح : إذا أضفت إليه قولاً قاله غيره وادعيته عليه. والمقصود بانتحال الشعر الجاهلي : أن ينظم الرجل الشعر ثم ينسبه إلى غيره . وسبب ذلك الانتحال عائد إلى أمرين : 3-القبائل التي كانت تتزيد في شعرها لتتزيد في مناقبها . 2-الوضاعون من الرواة وهذا الانتحال لم يكن غائبًا عن القدماء، فقد أحاطوه بسياج محكم من التحري والتثبت، فكان ينبغي أن لا يبالغ المُ حْدثون، من أمثال مرجليوث، وطه حسين، في الشك فيه مبالغة تنتهي إلى رفضه ؛ إنما نشك حقًّا فيما يشك فيه القدماء ونرفضه، أما ما وثقوه، ورواه أثباتهم، من مثل أبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، وأبي زيد فحري أن نقبله ما داموا قد أجمعوا على صحته . انظر : طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي (3/ 46)،لسان العرب (33/653)، العصر الجاهلي، للدكتور : شوقي ضيف ( ص:364 ) وما بعدها (1) انظرفي الشعر الجاهلي لطه حسين ( ص:91 ).
عدد الصفحات ١٠٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضً ا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي" (3). ويقول في نفسالصفحة: ".. فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب والمستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن ترى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية من جهة أخرى، والقرآن والتوراة من جهة أخرى..." (2) . بل إنه صرح بأن ما يُ سمَّ ى بالعرب البائدة والعاربة والمستعربة أسطورة تاريخية، ونفى صحة وقوعها، فقال: " وإن قصة العاربة و المستعربة ، وتعلم إسماعيل من جُرهم ، كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه " (1). وفي مضمون كلامه إنكار الأثر الصحيح في تعلم إسماعيل من جُ رهم (4). ولقد أثبت القرآن الكريم في آيات عدة أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعًا. قال الله - تبارك وتعالى- عن نوح - 9-: ﭽﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ يونس: 72. وقال- تبارك وتعالى- عن يوسف- 9-: ﭽﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ يوسف: 1 وقال- تبارك وتعالى-عن فرعون:ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ يونس: ٦ . (3) المرجع السابق ( ص:18 ). (2) المرجع السابق ( ص:18 . ) (1) المرجع السابقص:43 . ) (4) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء،باب : يزفون النسلان في المشي حديث رقم (1164) .
عدد الصفحات ١٠٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 9 وقال- تبارك وتعالى- عن ملكة سبأ:ﭽ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﭼ النمل: 44 . قال ابن كث (ت: 114): "والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم كما قال - تبارك وتعالى-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ الأنبياء: 25 " (3). وقد جاء في السنة ما ينص على هذه الحقيقة، فعن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله : " الأنبياء إخوة لعَ لاَّت أمهاتهم شتّ ى ودينهم واحد " (2). والعَ لاَّت: الضرائر، وأصله: أن من تزوج امرأة، ثم تزوج أخرى كأنه عَلَّ منها، وأولاد العَ لاَّت الإخوة من الأب وأمهاتهم شتّ ى. ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع (1). ولا عجب في عدم وعي طه حس (ت:3191) لمثل هذه الأدلة؛ لأنه جعل من العقل أداةً يصل بها إلى نتائج وأفكار، وإداوةً يغترف منها ما يشاء ويختار، فهو من طائفة المستنيرين الذين اتخذوا العقل لجةً ، منه يبدؤون ، وإليه يهرعون ، وهو القائل: " فسيرضي هذه الطائفة المستنيرين، الذين هم عُ دّة المستقبل، وقوام النهضة الحديثة، وذخر الأدب الجديد " (4). (3) تفس القرآن العظيم لابن كثير (3/381). (2) رواه البخاري، كتابأحاديث الأنبياء، باب : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼرقم (1441). (1) انظرفتح الباري (6/489) . (4) في الشعر الجاهلي ( ص31 . )
عدد الصفحات ١٠٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ وفي قول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ النساء: 87، وفي قول الله -جل وتبارك في علاه-: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭼ النساء: 122، أبلغ إنكار على إنكاره لما أخبر الله به من قصص إبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام -. وأظن أن سبب مغالطاته لصريح القرآن، هو منهج الشك الذي جعله مطيةً له في نهل العلوم، ودرجةً أولى يحكم بها على الفنون، يتضح ذلك جليًا في قوله: " فضع علم المتقدمين كلَّ ه موضع الشك " (3)! وهوفيما يبدو لم يضع هذه القاعدة مُ حْتكِ مًا بها على القرآن ، لكن شدة شغفه بها، وركونه إليها، جعله عَ مِيَّا عن غيرها، متسارعًا في تشربها وتطبيقها ، ولعل ما يوضح ذلك، قولُ ه في مدح طبقته من المستنيرين العرب: " فقد خلق الله لهم عقولاً ، تجد من الشك لذة ، وفي القلق والاضطراب رضًا" (2). نعوذ بك اللهم أن تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ونعوذ بك من الشك والشقاق والنفاق. (3) المرجع السابق ( ص34 . ) (2) المرجع السابق ( ص31 . )
عدد الصفحات ١١٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 111 محمد أحمد خلف ا(ت:1041) (1 ) كتبخلف الله (ت:3431) رسالته الدكتوراة - الفن القصصي في القرآن الكريم – عام ( 3166هـ - 3941م) لكلية الآداب، جامعة فؤاد الأول ، وكان المشرف عليه أمين الخولي (ت:3185) (2)،ولم يمض وقت قليل حتى شُ رعت الأقلام، وامتُشقت السيوف، وأُعلن خطر هذه الرسالة ، ونادى بعض الغيورين باعتبار الطالب مرتدًّ ا، فاضطر الطالب إلى التقدم بأطروحة أخرى لنيل درجة الدكتوراة. بينما انطلت هذه الرسالة على بعض المخدوعين ، حتى كانت تُدرَّس في كليات الآداب في بعض الجامعات العربية، بل وفي بعض معاهد القاهرة ! وقد وصفت هذه الرسالة بأنها أشد شناعة وخطرًا من وباء الكوليرا الذي كان يحصد نفوس المصريين في تلك الأيام (1). الأس التي قامت عليها الرسالة: الأول: الاكتفاء بالقرآن دون السنة. لن يستطيع خلف الله أن يقول ما قال لو أنه نظر بنظر أهل السنة، بل اكتفى بمنهج القرآنيين الذين نظروا إلى الشرع بنظرة عوراء، حيث يقول: " ومن هنا لم يكن عملي في هذه المرحلة إلا الرجوع إلى المصحف " (4). (3) محمد أحمد خلف ا(ت:3431)كاتب، سياسي، أديب، ناقد، من كتبه، "القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة" و "الكواكبي حياته وأثاره" و "صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني في الرواية" . انظر : تكملة معجم المؤلفين، لمحمد خير يوسف ( ص:411 .) (2) أمين الخولي (ت3185) المجدد والمفكر المصري، تخرج من كلية الآداب، ثم مدرسًا في مدرسة القضاء ثم عاد إلى الآداب، من كتبه :"البلاغة والفلسفة" و"البلاغة وعلم النفس". انظر : فن القول، لأمين الخولي ( ص:23-21 )، ومجلة الهلال المصرية العدد (33) لعام3998م. (1) انظر ما كتبه خليل عبدالكريم عرضًا وتحليلاً لهذه الرسالة في طبعتها الرابعة ( ص:9-33 ) . (4) الفن القصصي في القرآن ( ص44 . )
عدد الصفحات ١١١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 112 ونتج من خلال هذه المقولة أخطر المقاطع التي جاء بها فكرُه ، وانحاز لها عقلُه ، حيث ساق مثالاً يدل - برأيه - على أن القصة لم تأت للواقعية، بل لرمز الأدبية، فأورد ما استشكله المستشرقون تشغيبًا وتلبيسًا في أمر مريم ، حيث نسبها القرآن -بزعمهم- إلى هارون موسى - عليهما السلام - وهذه النسبة يأباها التسلسل التاريخي للأنبياء، وخلف الله أراد أن يَ رُدّ شبهة المستشرقين والملاحدة، فسلَّ م لهم هذه الشبهة، زاعمًا أن هذا لايمس من قيمة القرآن ؛ لأن القرآن كتابُ هداية، لا كتابُ تأريخ، وعلى هذا فله أن يسلك الحرية الفنية فيخترع من الأحداث والوقائع ما يخترع. سبحانك هذا بهتان عظيم ، ولو أن خلف الله رجع إلى السنة لوجد فيه ا الشفاء، إذ شفاء العِيِّ السؤال ، فإن المصطفى أزال هذا الشك من قلوب المؤمنين، فعن المغيرة بن شعبة - - قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: " إنكم تقرؤون ﭽ ﭱ ﭲ ﭼ مريم: 28 وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله سألته عن ذلك فقال:" إنهم كانوا يُسمُّ ون بأنبيائهم والصالحين قبلهم " (3). الثاني: نزع الدلالة الحقيقة من مفردة القصة القرآنية. وفي هذه الرسالة جنى الطالب فيها على حقائق المفردة في القصة القرآنية ، ملغيًا الدلالة الواقعية ، والأحداث والأخبار التاريخية، باعتبارها أمثالاً وأوهامًا وأساطير شعبية، بل ونسب القول بخيالية القصة إلى أئمة التفسير فقال: " القصة الخيالية أو التمثيلية موجودة في القرآن باعتراف أئمة التفسير، من القدماء والمحدثين " (2). (3) رواه مسلم في كتاب الآداب، باب : النهي عن التكني بأبي القاسم، حديث رقم5633) . (2) الفن القصصي في القرآن ( ص391 . )
عدد الصفحات ١١٢