دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 81 فالمثل قد يضرب بشيء كان موجودًا ، أو لم يكن موجودًا ، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئًا مفروضًا، ويحتمل أن تكون قرية معينة، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة (3). وهذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ؟ قال ابن الراوندي (ت:235) (2) الزنديق(1) لابن الأعرا (ت:213) (4) إمامِ اللغة والأدب: هل يُذاق اللباس ؟ ( يريد الطعن في الآية ). فقال له ابن الأعرابي(ت:213): لا بأس أيها النسناس (5)، هب أن محمدًا ما كان نبيًا ، أما كان عربيًا ؟ (3) انظر : الكشاف (2/596)، والتفسير الكبير (23/332. ) (2) أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين ابن الراوندي (ت:235) أحد مشاهير الزنادقة، كان من متكلمي المعتزلة ثم تزندق، له نحو (334) كتابً ا، منها: "فضيحة المعتزلة" و "التاج"، مات ببغداد. انظر : وفيات الأعيان(3/94)، و مروج الذهب لأبي الحسن علي المسعودي (4/116. ) (1) الزنديق : الذي يظهر الاسلام ويستسر الكفر، وهو الذي كان يسمى منافقًا في عصر النبي ، ويسمى اليوم زنديقًا ، وكلّ دهري، أو قائلاً بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية. انظر : الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (3/356)، ولسان العرب (33/341)، والقاموس المحيط ( ص:3353 )، والشرح الكبير، لابن قدامة المقدسي عبد الرحمن بن محمد(1/361)، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر (32/213. ) (4) أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي (ت:213) الكو صاحب اللغة، وكان راوية لأشعار القبائل، له تصانيف منها : "أسماء الخيل وفرسانها " و "النوادر" . انظر : معجم الأدباء (5/116)، ووفيات الأعيان (4/136) . (5) النسناس : جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة، وقيل : خَ لْق على صورة بني آدم أشبهوهم في شيء، وخالفوهم في شيء، وليسوا من بني آدم، وقيل: نسنس الرجل: ضعف، والنسناس: نوع من القردة صغير الحجم طويل الذنب.ولعل ابن الأعرابي أراد تحقيره، والازدراء به. انظر: العباب الزاخر، للحسن بن محمد الصغاني (3/236)، حياة الحيوان الكبرى، لمحمد بن موسى الدميري (2/419)، والمعجم الوسيط2/939) .
عدد الصفحات ٨١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 82 وهذ جواب محكم، وحجة دامغة، بيَّ ن فيها ابن الأعرابي (ت:213 )أن العرب هم مَ ن ابتكر الأساليب، ومِ ن إداوتهم(3) انبثقت البلاغة والأعاجيب، فلا غروَ إن رَجَعَت إليهم اللغة وقد خرجت عنهم. أما البلاغيون فأجابوا ابن الراوندي بأن ما في الآية إنما هو من قبيل الاستعارة(2)(1). أما مانعوا المجازفقالوا: لا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة؛ لأن ما يسميه البيانيون مجازاً فإنه أسلوب من أساليب اللغة. و إنما أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم وتحيط بها كاللباس؛ فلذلك أوقع عليه الإذاقة (4) . ومما يديل به مانعوا المجاز على مجيزيه أن المعهود من اللسان العربي أنه يطلق الذوق بالفم وبغير الفم . قال ابن الأعرابي في قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ الأنعام: ٦ : " الذوق يكون بالفم وبغير الفم " (5) . وتخصيص المجيزين الذوق بوجود الطعم بالفم فقط تحكم في اللسان العربي، وقصرٌ بلا دليل موجب أو سبب مقنع (6). (3) الإدَاوَة المَطْهرة . انظر : تهذيب اللغة ( 34/312. ) (2 )الاستعارة هي :نقل المعنى من لفظٍ إلى لفظٍ للمشاركة بينهما مع طي ذكر المنقول إليه . وقيل: استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عُرِف . انظر : البديع، لعبد الله بن محمد ابن المعتز (3/3)، والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لأبي الفتح نصر الله بن محمد المعروف بابن الأثير (3/153. ) (1 )انظرالكشاف (2/596) (4) انظرأضواء البيان (2/463) (5) انظرتهذيب اللغة (9/243) (6) انظر : بطلان المجاز ، لمصطفى عيد الصياصنة ( ص321 .)
عدد الصفحات ٨٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 83 وقد جاءت أدلة من الكتاب والسنة في استعمال(الذوق) على وجود الطعم بغير الفم ، منها : قول الله -تعالى-: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ الطلاق: 9، و قول الله -تعالى-: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ الدخان: 49، وقول الرسول : " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد رسولاً " (3). فمن زعم تخصيصه بالفم فهي دعوى عارية من دليل، فالمردُّ في تفسير المفردة هو سياقها الذي تُحمل عليه، وقيدها الذي يتحتم المصير إليه . فهذا موقف الفريقين، ونهاية إقدام الطائفتين، وأُراني لست من أهل الكَّرِّ والفَّر، والطعن والضرب، فقد تلاقت الفحول، وتطاعنت الأقران، وحسبي أن أختم هذا المبحث بما قاله الشنقيطي حول المجاز بكلمات مانعات جامعات، إذ يقول: " فإنَّا لَمَّا رأينا جُلَّ أهل هذا الزمان يقولون بجواز المجاز في القرآن، ولم ينتبهوا؛ لأن هذا المنزل للتَّعبُّد والإعجاز كلُّ ه حقائق وليس فيه مجاز، وأن القول فيه بالمجاز ذريعة لنفي كثير من صفات الكمال والجلال، وأن نفي ما ثبت في كتاب أو سنة لا شك في أنه مُحال - أردنا أن نبين في هذه الرسالة ما يفهم منه الحاذق الذائق أن القرآن كله حقائق، وكيف يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة، وكل كلمة منه بغاية الكمال جديرة حقيقة؟! إنه لقول فصل وما هو بالهزل، أخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل"(2). (3) رواه مسلم في كتاب الإيمان ، في باب: الَ دلِيل على أَنَّ من رضي باللَّه ر بًّا وبالإِ سلامِ دِينًا وبمحمدٍ رسولاً فهو مؤمِن ، برقم (14.) (2) منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، للشيخمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ( ص:1 .)
عدد الصفحات ٨٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 84 المبحثالثالث القول بالمجاز وأثره على مفردة القصة القرآنية إنَّ أول من تكلم بلفظة المجاز في اللغة أبوعبيدة (ت:233) في كتابه " مجاز القرآن " إلا إنه على رأي ابن تيمية (ت:128) لم يعن به قسيم الحقيقة، وإنما أراد بمجاز الآية: معناها و تفسيرها (3)،فهو كتاب لا يعدو كونَ ه تفسيرًا لغويًا لمفردات القرآن. و إلى هذا القول ذهب بعض المعاصرين (2) . كما أنَّ أول من تكلم بالمجاز - بمعناه الاصطلاحي - الجهمية (1) والمعتزلة(4)، وذلك بعد المائة الرابعة للهجرة (5). فلم ينقل أحد عن أهل الوضع أنهم قالوا هذا حقيقة وهذا مجاز، بل ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين فسروا القرآن، ولا من بعدهم، ولا أحد من أئمة الفقه، كالأئمة الأربعة وغيرهم. (3) انظر :فتاوى ابن تيمية(23/453) . (2) انظرالبلاغة تطور وتاريخ، للدكتور: شوقي ضيف ( ص:29 . ) (1) الجهمية : طائفة انتشرت في أواخر دولة بني أمية، تنتسب إلى الجهم بن صفوان، ومذهبهم نفي الأسماء والصفات، كما أنهم من غلاة المرجئة الجبرية . انظر : الفرق بين الفرق (3/399)، والتبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، لطاهر بن محمد أبي المظفر الإسفراييني (3/331) . (4) المعتزلة اتفقوا على أن كلام الله مخلوق، وعلى نفي رؤية الله تعالى بالأبصار، وعلى المنزلة بين المنزلتين، وأصولهم خمسة : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و أولهم : واصل بن عطاء . انظر :الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (3/94 . )الملل والنحل لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني (3/45). (5) انظر بطلان المجاز ( ص:61 . )
عدد الصفحات ٨٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 85 ولم يوجدأيضً ا في كلام أئمة النحو واللغة (3). وللقول بالمجاز في مفردة القصة القرآنية تبعات كثيرة، أملى بعضها أهل التعطيل، وخط يراعها أهل الإلحاد والتمثيل . ولهذا، فسوف يكون الحديث عن أهم المظاهر الناجمة، والآثار المستتبَعة، عن القول بالمجاز في مفردة القصة القرآنية، وكيف خلَّف هذا الأثرُ من انتهاكات واضحة، وتحريفات زائفة، في مجال النيل من أصول هذا الدين، وزعزعة مرتكزاته المثلى، في علوم العقيدة والتفسير والاجتهاد. فمن تلك الآثار: - تعطيل الصفات. إن القول بالمجاز قاد إلى تعطيل كثير من صفات الله الواردة في تضاعيف القصة القرآنية، ومن أمثلة ذلك: جعلوا يدَ الله -عزوجل- من قبيل المجاز وذلك في قصة آدم -9- عند قوله-تعالى-: ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭼ ص: 75،، وليس هي من الحقيقة في شيء، بل هي عبارة عن القدرة والقوة، وعبَّ ر عن هذا المعنى بذكر اليد تقريبً ا على السامعين، مجازه لما خلقت أنا (2)! وعلى النقيض من ذلك من فوض معنى الصفة ولم يثبتها، وعدَّها من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به وتسليم علم حقيقته إلى الله (1)! (3) انظر فتاوى ابن تيمية (23/453) (2) انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (4/535)، والجامع لأحكام القرآن (35/228. ) (1) انظر التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد الغرناطي الكلبي (1/389) .
عدد الصفحات ٨٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وكذلك طال نفيهم لمناداة ومناجاة الله رسوله موسى-9- في قوله-تعالى-:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭼ مريم: 52، فزعمواأن الذي سمعه -9- كان بلا حرف ولا صوت (3)! وقالوا عن قوله-تعالى- لموسى-9-:ﭽﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ النساء: 4 أي كلّم ه بلا واسطة، ولا كيفية، وكان يسمع الكلام من كل جهة، وسمع صوتً ا دالاً على كلام الله -تبارك وتعالى-، وكان اختصاصه أنه أسمعه صوتً ا تولى تخلقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبً ا لأحد من الخلق، وغيره يسمع صوتً ا مكتسبً ا للعباد فيفهم منه كلام الله، فكلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات (2)! وفي قصة النمرود من سورة النحل ترى المجاز لأهل التعطيل كان درجةً من درجات الوصول إلى نفي صفة المجيء، وذاك في قوله -جل جلاله- :ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ النحل: ٠، فقالوا عن قوله تعالى: ﭽ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ هذا تعبير عن المجازات لهم والانتقام(1)! وفي قصة نوح-9- عند قول المو-جل شأنه-: ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ القمر: 14، تراهم صرحوا بأن هذه التأويلات هي من أفانين البلاغة، (3) انظر روح المعاني (36/331.) (2) انظر مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لعبدالله بن أحمد النسفي ( ص:184 )، ولباب التأويل في معاني التنزيل، لعلي بن محمد البغدادي الشهير بالخازن(2/282 . ) (1) انظر البحر المحيط، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (2/311) .
عدد الصفحات ٨٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 87 واستعارات اللغة،ومجازات الاستعارة، وغير ذلك من أفانين كلام العرب فقالوا في العين والأعين: إنها عبارة عن العلم والإدراك(3)! ويلاحظ على ما تقدم الجنوح في حمل المفردة إلى هذه التصورات الخيالية التي لا تستند إلى نص، وإنما أوصلهم إلى ذلك المجاز الذي طوَّعوه إلى آرائهم المخالفة لهدي سلف الأمة. والحق في ذلك كلِّ ه، أن لا معنى لاستعمال المجاز دون الحقيقة، فصرف الألفاظ عن ظواهرها الحقيق ية، لامبرر له ولا قرينة، وما زعموه من قرينة التشبيه فأودى بهم ذلك إلى التعطيل، إنما هو من عدم إدراكهم قول السلف بأن لله - عزوجل - صفات تليق بجلاله وعظيم سلطانه، نثبتها بلا تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل (2) . وقولهم: إن الخطاب بالمجاز والاستعارة أعذب وأوفق وألطف، لِقَولِ بعض أئمة النحاة: أكثر اللغة مجاز، سيسهل على نفوسهم أنواع التأويلات، فَقُل ما شئت، وأول ما شئت، وانزل عن الحقيقة، ولا يضرك أي مجاز ركبته (1). (3) انظر المرجع السابق . (1/515) (2) انظر نقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي الجهمي العنيد، لأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي (2/841)، ورسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، لأبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (3/84)3 (1) انظر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لأبي عبد الله ابن قيم الجوزية (2/453. )
عدد الصفحات ٨٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 88 - قرمطة الباطنية(3). إن الباطنية قد أعملت معاول المجاز في الشريعة كلها ؛ لأنهم وسَّ عوا دائرة المجاز في الوعد والوعيد، والحِ كَم والأحكام، فكل ما ورد في كتاب الله من ذكر الجنايات، وجميع الشهوات، هو دال على الإمامة عندهم، وما ورد في كتاب الله من الجبت والطاغوت وإبليس وهاروت وماروت وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فهم أهل الظاهر - أي أهل السنة والجماعة – ورؤساؤهم وعلماؤهم (2). من مثل زعمهمفي قول الله - عز وجل -: ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ النمل: ٠ ، إنه الإمام وَوَرِث النبي علمَ ه. وقولهم في قول الله - عز وجل -: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ البقرة: 7، إنها عائشة - -، وفي قوله تعالى:ﭽ ﮊ ﮋ ﮌﭼ البقرة: 73، إنه طلحة والزبير - - (1). وعندما لم يجد مفسرة المتصوفة ما يتكئون عليه من نصوص الوحيين، ارتكبوا حماقة التعسف، وأغربوا في تحقيق المجاز، فأنزلوا الآيات القرآنية على مبادئهم الصوفية الفلسفية، وشرحوها شرحًا ابتعدوا بها عن ظواهرها، وشطوا لأجلها عن هدايتها. فمثلاً ترى ابن عربي (ت:618) (4) يفسر بعض الآيات، بملء الهوى، وع الجهل، فيقول في قصة نوح -9- ﭽﯞ ﯟ ﯠ ﭼ نوح: 25: (3) سيأتي التعريف بها عند الحديث عن المدرسة الباطنية في المبحث الثاني من هذا الباب ( ص315 . ) (2) انظر : الشيعة، المهدي، الدروز . لعبدالمنعم النمر ( ص:323 . ) (1) انظر : تأويل مختلف الحديث، لعبدالله بن مسلم بن قتيبة (3/13). (4) محمدبن علي بن عربي الطائي الأندلسي (ت:618) من أئمة المتكلم، قائل وحدة الوجود، له مؤلفات منها: "فصوص الحكم" و "الفتوحات المكية"، وجمهور علماء المسلمين على تكفير معتقده. انظر: فوات الوفيات لمحمد بن شاكر بن أحمد الكتبي (2/191)، والأنوار الساطعة في المائة السابعة، لآغا بزرك الطهراني (3/361)، واكتفاء القنوع بما هو مطبوع، لأدورد فنديك (3/396.)
عدد الصفحات ٨٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 89 "فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة... ﭽ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ، فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد فلو أخرجهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله وبالله، ﭽﰁ ﰂ ﰃ ﭼ استرني واستر من أجلي فيجهل مقامي وقدري... ﭽ ﰇ ﭼ أي: قلبي ﭽ ﰈ ﭼ أي: مُصدِّ قا لما يكون فيه من الإخبارات الإلهية " (3). وغني عن القول أن هذه التجاوزات والانحرافات ما كانت لولا تذرعهم بالمجاز، وإدخالهم إياه في أبواب الدين كله، حتى وصلوا به إلى تبديل العقائد، وتحريف الثوابت، فغدت ألفاظ القرآن ظواهر خالية، ورموز بائدة، والقرآن بسموِّ ه وارتقائه يرد عليهم باطلهم ، و يظهر لهم دجلهم و زيف بواطنهم. - تغيير مسار القصة القرآنية. لاشك أن هذا الانعطاف، منه ما هو عصارةُ ما مرَّ من ركوب صولة المجاز ذريعةَ تأويل الصفات ، واتخاذ الباطنية إياه سلمًا للوصول إلى باطنهم السحيق. ومنه ما هو تحول في مسار القصة، ولم يكن له ذاك الانحراف الذي تلبس به المعطلة والباطنيون، وإنما ساهم في تثوير (2) محاور القصة، و إضافة مشهدٍ من مشاهدها، ومعنى جديد في معانيها. (3) فصوص الحكم، لابن عربي ( ص11 ). وانظر : مصرع التصوف، لبرهان الدين البقاعي (3/62)، وتاريخ الإسلام (46/119) . (2) ثور القرآن : بحث عن معانيه وعن علمه . انظر: لسان العرب (4/333)، وجاءت هذه اللفظة عن ابن مسعود - رضي الله عنه – إذ يقول: "من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن " أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/315) برقم8664)، قال الهيثميمجمع الزوائد (1/365) ":رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح".
عدد الصفحات ٨٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ومن ذلك ما قيل في قوله تعالى: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ يوسف: ٠ أن الشاهد قدُّ القميص، قال القرطبي (ت:613)":وهو مجاز صحيح من جهة اللغة، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال" (3). ولكن يُضعِّف هذا المجاز قولُ ه بعد ذلك في صفة الشاهد:ﭽ ﮤ ﮥ ﭼ فيبطل أن يكون المراد بالشاهد القميص (2) . ولربما كان أثر المجاز ناقلاً من إرادة الخبر إلى المبالغة فحسب فعند طلب إخوة يوسف -9- من أخيهم المولَّى على خزائن الأرض أن يأخذ أحدًا منهم بدل أخيهم بنيامين قالوا: ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ يوسف: 78 قال المفسرونأي عبدً ا بدله " (1). وقد قيل: إن هذامجاز ؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حرٍّ يُسترق بدَ لَ مَنْ قد حُكم عليه بالرِّق ، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله : اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في استنزاله، فكأنهم قالوا على سبيل المبالغة: خذ أحدنا مكانه ولا تأخذه. وجمهور المفسرين حملوا الآية على الحقيقة ؛ لأنه يبعد عليهم وهم أنبياء أن يريدوا استرقاق حرٍّ . (4) (3) الجامع لأحكام القرآن (9/312. ) (2) أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي (1/49 ). (1) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"تفسير الواحدي" ل علي بن أحمد الواحدي (3/556)، و تفسير الجلالين، لمحمد بن أحمد المحلي و عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (3/135. ) (4) انظرالمحرر الوجيز (1/268)، والتفسير الكبير (38/348)، والجامع لأحكام القرآن (9/243)، والبحر المحيط (5/113)، والجواهر الحسان، لعبد الرحمن بن محمد الثعالبي (2/113) .
عدد الصفحات ٩٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 91 ومن أثر المجاز على تضاعيف القصة اختلافهم في مفردة( المجيئ ) الواردة في قصة هود -9- هل هي على الحقيقة أم المجاز؟ وذلك في قول الله - جل جلاله -: ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ الأعراف: ٦ فإن قيل: إن المجيئ على حقيقته، فيكون مجيئ هود -9- على معنيين: الأول: مجيئه من مكان كان يتحنث فيه، كما كان رسول الله يفعل بحراء قبل المبعث (3). الثاني مجيئه من السماء ، أي: أُنزِ لتَ علينا من الس ماء، ومرادهم التهكم والاستهزاء. وإن قيل: إن المجيئ مجاز، فهو كناية عن القصد إلى الشيء، والشروع فيه فإنَّ جاء، وقام، وقعد، وذهب - كما قال جماعة - تستعملها العرب لذلك تصويرً ا للحال فتقول: قعد يفعل كذا، وقام يشتمني، وقعد يقرأ، وذهب يسبني (2). (3) رواه البخاري كتاب بدء الوحي باب: باب كيف بدء الوحي . رقم1)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي رقم (363. ) (2) انظرأنوار التنزيل وأسرار التأويل، لأبي سعيد عبدالله البيضاوي (1/11)، وروح المعاني (8/351.)
عدد الصفحات ٩١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 92 دلالة المفردة في قصص القرآن وانحرافات مدارس التفسير وفيه تمهيد و ستة مباحث: المبحث الأول: المدرسة اللُّغوية . المبحث الثاني: المدرسة الكلامية. المبحث الثـالث: المدرسـة الباطنيـة. المبـحث الرابـع: المدرسـة الصــوفيـــــة. المبـحث الخامس: المدرسـة العقليـــة الحديثــة. المبحث السادس: المدرسة العلمية التجريبية الحديثة
عدد الصفحات ٩٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 93 دلالة المفردة في قصص القرآن وانحرافات مدارس التفس -تمهيد- عاشت مفردة القصة القرآنية إبَّان عصر النبوة تحت ظلال الحق ، سالمةً من التحريف، بعيدةً عن التَّمحل ، صافية المعنى ، عربيةً بالأصالة، مجانبةً راكب الهوى ، ومتغشي الضلالة، فالوحي وقتها اكتنفها بنور تفسيره، وأحاطها عن غيابة الجاهلين، وكيد المبطلين. فكان رسول الله هو مدرسة التفسير الأولى، وأصحابه عنه يصدرون، وإياه يسألون ؛ لأن وظيفته البيان الذي أمره به ربُّه ومولاه فقال : ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ النحل: 44. فلأجله حذر الن من القرآنييّ ن، الذين آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض ، فقال: " ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه " (3). (3) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم4636)، ورواه الترمذي في كتاب العلم، بابما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ، رقم (2661)، وقال : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، ورواه أحمد في مسنده (31231)، وصححهالحاكم (3/393)، رقم (168) وقال : صحيحعلى شرط الشيخين، وصحح رواية أحمدَ شعيبُ الأرناؤوط وقال : إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن أبي عروف الجرشي فمن رجال أبي داود والنسائي وهو ثقة (4/313.)
عدد الصفحات ٩٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 94 أيأنه أوتي الكتاب وحيً ا، وأوتي من البيان مثله، أي: أُذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعم ويخص، ويزيد وينقص، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله"(3). وفي قصة لقمان، كان للمفردة مَ سْكَة (2) حظ أن فسرها رسول الله ، فلما نزلت هذه الآية ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ الأنعام: 82 ، شق ذلك على أصحاب النبي وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله :" لي كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﭽﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ لقمان: 13 "(1). قال ابن جرير(ت:133): " إن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره: واجبه، وندبه، وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعضَ خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه، التي لم يدرك علمها إلا ببيانُ رسول الله لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القولُ فيه، إلا ببيان رسول الله بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله " (4). وجاء من بعده من حاز سبَ ق الخيرية، وكان من خير البرية ؛ لأنهم أولُ القرون، ففسروا المفردة بالقرآن ، وبسنة خير الأنام ، وبأقوال الصحابة والتابعين بإحسان، فإن لم يجدوا من ذلك قولاً احتكموا إلى لغة العرب فإنها ديوانهم. (3) النهاية في غريب الحديث والأثر (4/295). (2) المسك : الأسورة والخلاخيل من القرون والعاج، واحدته مَسْكة . انظر: لسان العرب (33/486) . (1) رواه البخاريكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين (6911. ) (4) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (3/11).
عدد الصفحات ٩٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 95 كان ابن عباس - - (ت:68) يقول: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر، فإنه ديوان العرب" (3)، وكان يُسأل عن القرآن فينشد الشعر. فأما أخذهم تفسير مفردة القصة القرآنية بالقرآن، ففي مثل قوله - تعالى- في قصة آدم: ﭽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭼ البقرة: 37، قال ابن عباس (ت:68) ومجاهد (ت:334): هي قوله: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ الأعراف: 23 (2). وأما أخذهم تفسير مفردة القصة القرآنية بالسنة ، فما جاء عن أبي هريرة - - أن رسول الله قال: "نحن أحق من إبراهيم إذ قال ﭽ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ البقرة: ٦٠، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" (1). وأما أخذهم تفسير مفردة القصة القرآنيةبلغة العرب، فكصنيع ابن جرير (ت:133) عند قوله- تعالى- في قصة طالوت:ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ البقرة: 248، فقد ساق على مفردة ﭽ ﯱ ﭼ قولين: الأول: أن الملائكة كانت تباشر حمله. الثاني: أن الملائكة كانت تسوق الدواب التي تحمله. (3) أخرجه الطبري تهذيب الآثار برقم (942) و (2/611)، وابن أبي حاتم برقم 38951) و (33/1166)، والحاكم في المستدرك برقم (1854) و (2/542. ) انظرالفاضل، لمحمد بن يزيد المبرد (3/1). (2) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (3/241)، والجامع لأحكام القرآن (3/124). (1) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول ا ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭼ رقم (1112. )
عدد الصفحات ٩٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ ثم رجَّ ح بعد ذلك ما اقتضته لغة العرب فقال: " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: حملت التابوت الملائكة حتى وضعته في دار طالوت بين أظهر بني إسرائيل، وذلك أن الله - تعالى ذِكْره -قـال: ﭽ ﯱ ﯲ ﭼ ولم يقل تأتي به الملائكة، وما جرَّ ته البقر على عَجَل، وإن كانت الملائكة هي سائقتها، فهي غير حامِ لَتِه ؛ لأن الحمل المعروف هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزً ا في اللغة أن يقال: حمله. بمعنى: معونته الحامل، أو بأن حملْ ه كان عن سببه، فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم، وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات أولى من توجيهه إلى أن لا يكون الأشهر ما وجد إلى ذلك سبيل" (3). هكذا سار الأمر ، حتى نبتت شوكة الانحراف ، ابتداء بالسبئية (2)، مرورًا بالخوارج (1)، ثم القدرية(4)، ثم الجهمية(5). (3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/636) . (2) همأصحاب عبد الله بن سبأ، قالوا لعلي - رضي الله عنه - :الخالق البارئ. فاستتابهم، فلم يرجعوا فأوقد لهم نارً ا ضخمة وأحرقهم، وفرقة أخرى منهم يقولون : إن عليً ا لم يمت وإنه في السحاب . انظر : التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسن محمد بن أحمد الملطي (3/38) . (1) أجمعت الخوارج على تكفير علي- رضي الله عليه - وأن كل كبيرة كفر، وأن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائمً ا إلا فرقة النجدات، ومن فرقهم: الإباضية، والأزارقة . انظر : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لعلي بن إسماعيل الأشعري ( ص:86 ) . (4) وهم نفاة القدر القائلون بأن الأمر أُنُف، وبأن الإنسان يخلق فعله، وظهرت بدعتهم في أخريات عهد الصحابة، وأولهم معبد الجهني، وأُشرب منه غيلان الدمشقي، ومنهم نبت نابة المعتزلة . انظر : المعارف لابن قتيبة عبد الله بن مسلم ( ص:484 ) . (5) تقدمت ترجمتهم ( ص:84 .)
عدد الصفحات ٩٦