المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ٥ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 ففي قصة تواري شمس سليمان - 9- في قول ا - تبارك وتعالى-:ﭽﮙﮚﮛ ﮜﮝ ﮞﮟﭼ ص: 33، جاء المسح بدلالتين متباينتين، فأما الأولى فالقتل (3)،وأما الثانية فإمرار اليد عليها عنايةً ولطفاً (2)، وقد نحا بعض المفسرين بإبعاد الدلالة الأولى، تنزيهًا لجناب النبوة من عقوبة من لا ذنب له . قال ابن جرير (ت:133) معللاً اختياره للمعنى الثاني: " لأن نبي الله لم يكن - إن شاء الله - ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها " (1). بل إن الرازي (ت:636) بالغ في الإنكار على الجمهور القائلين بأن المسح بمع القتل، فقال: " أنا شديد التعجب من الناس،كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة؟! مع أن العقل والنقل يردها، وليس لهم في إثباتها شبهة، فضلاً عن حجة " (4). المنطلق الثالث: معرفة منشأ الخلاف في المفردة المعجمية: ذلك أن بعض الدلالات كاشفٌ ومبين سبب تنازع المفسرين في المسألة . فبعض المفسرين يجلي سبب الاختلاف بإظهاره التعدد المعجمي في المفردة. فعلى سبيل المثال : تراهم اختلفوا في الملأ الذين عند مَلِك مصر من قصة يوسف- 9-، هل كانوا ممن يعبر الرؤى أم لا؟! (3) انظرالمحكم والمحيط الأعظم، لأبي الحسن علي بن سيده (1/238)، ولسان العرب (2/595)، وتاج العروس من جواهر القاموس (1/323. ) (2) انظرتاج العروس (1/323. ) (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/356. ) (4 )التفس الكبير، لمحمد بن عمر التميمي الرازي (26/383. )

عدد الصفحات ٦٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٠ ومنشأ الخلاف راجع إلى تعدد الدلالة لمفردة "ضِغْث" من قول الله -تبارك و تعالى-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭼ يوسف: 44. فمن قائل: إن الضغث هو الحزمة من أخلاط النبات، فيكون المعـنى علـى ذلك أنهم قالوا: أخلاط أحلام باطلة لا تعبير لها، ونحن لا نعبر إلا الرؤى الصادقة غير الباطلة (3). ومن قائل: إن الضغث هو الحزمة من نبات الجنس الواحد، وجعل من ذلك قولَه -تعالى-:ﭽﭜﭝﭞﭼ ص: 44 ، فإن أيوب - 9- أخذ حزمة من جنس واحد، وهي العُ ثْكال (2) من النخل. فيكون المعنى على ذلك أنهم قالوا: لا علم لنا بتأويل الجماعات من الرؤى، ولهذا قال الساقي ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ يوسف: 45، فعُلِم أن القوم لا علم لهم بالتأويل أصلاً (1). المنطلق الرابع: الجمع بين موهم التعارض في آيات القرآن: عند التأمل في قوله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ طه: 22 مع قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ القصص: 32، يظهر في الآية الأولى أن اليد هي المضمومة إلى الجناح، وفي الآية الثانية أن الجناح هو المضموم، وعند الرجوع إلى التعدد الدلالي لمفردة "الجناح" نجد أنها تطلق على اليد، والعضد، والجانب (4). (3) انظر : إعراب القرآن، لأبي جعفر أحمد بن إسماعيل ابن النحاس ( ص:448 )، ومعـاني القـرآن وإعرابه، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (1/93. ) (2) العُ ثْكال : العذق من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرطب . انظر : النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري (1/381. ) (1) انظر : الجامع لأحكام القرآن (9/233) . (4) انظر : لسان العرب (2/ 429)، والقاموس المحيط ( ص:216 ).

عدد الصفحات ٦٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 ففي الآية الأولى أُمِر موسى -9- أن يضم يده إلى جناحه- أي جانبه -، وفي الآية الثانية أُمِر أن يضم جناحه - أي يده - إلى صدره فيذهب عنه خوفه (3)، فوقع الالتئام، واتسق نسق النظام، وجاء اللفظ والمعنى في درجة التمام، فتبين بعد ذلك أن تعدد الدلالة اللفظية يكون معينًا على إزالة الإشكال الذي يُ توهم حيال بعض الآيات. وفي قوله -تعالى- من قصة يوسف- 9-: ﭽﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ يوسف: ٦٦، من المستقر أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا تكون إلا من أهل القرى،كما قال - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ يوسف: 9، فكيف قال يوسف - 9-: ﭽﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ؟ يقال: إن مفردة ﭽ ﮨ ﭼ في الآية لها دلالة تزيل الإشكال، وهذه الدلالة مروية عن ابن عباس (ت:68) - -(2) ، وهي: أن البدو ضيعةٌ تُذْ كَر مع شغب ناحية الشام وبه كان مقام علي بن عبد الله بن عباس وأولاده (1). ويقال أيضاً إن يعقوب - 9- خرج إلى بدا، وإياه عَ نَى جميل (ت:82) (4) بقوله: وأنتِ التي حببَّ ت شَـغْـبً ا إلى بدا إليَّ وأوطـاني بلادٌ سواهمــا (5) (3) انظر : المفردات في غريب القرآن ( ص:333 . ) (2 )حكاه الماوردي عن ابن عباس. انظر: النكت والعيون للماوردي(1/84)، والتفسير الكبير(38/313 ) (1 ) انظرالأماكن، ما اتفق لفظه وافترق مسماه لأبي بكر محمد بن موسى الهمداني (3/36)، ومعجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي (3/151)، وتاج العروس (1/348). (4 ) هو جميل بن عبد الله بن معمر أبا عمرو (ت:82)، أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحِ بَتُه بثينة، عشقها وهو غلام، فلما كبر خطبها فَرُدّ عنها، فقال الشعر فيها . انظر: الشعر والشعراء ( ص:366 )، ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (3/166 . ) (5 ) خاطبها في هذا البيت بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفي محالها فقال: أُحِب لك وفيك شغباً إلى بدا، وبلادي بلاد غيرها. وهذه النسبة إلى بدا وشغب، وهما واديان من أيلة وعليهما ضيعة . وقوله : (شَغْبا ) جاء في المصادر بالغين المعجمة، واعتمد البكري التنوين في معجمه فقال : شغبًا ( 3/213)، أما ياقوت فاعتمد القصر فقال : شغبى(1/153) .

عدد الصفحات ٦٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 وليعقوب- 9- بهذا الموضع مسجد تحت جبل يقال: بدا القوم بدْ وًا، إذا أتوا بَ دَا، كما يقال: غاروا غوْ رًا . أي: أتوا الغَ وْر. والمعنى: وجاء بكم من مكان بدا (3). المنطلق اام : الإثراء اللغوي، والتحصيل الدلالي: كما هو معلوم أن هذه الدلالات لها أصول عربية، وجراثيم (2) لغوية، لهجت بها الألسن، وصدحت بها العرب، وسَـ بْرُ هذه الدلالات يضاعف التحصيل ، ويَ روي الغليل، ويوسع من دائرة الأفق اللغوي لدى المفسر و الباحث، فبعض الدلالات القرآنية أبعد ما تكون من الذهن ؛ بطبيعة هجر المتأخرين استعمالها والنطق بها تخاطبًا وتداولاً ، ومع ذلك فقد لفظت بها العرب، وعلمها أصحاب الإِرَ ب والأَرْ ب (1). = انظر: شرح ديوان الحماسة، لأبي علي أحمد بن محمد الأصفهاني (3/195)، والأنساب (1/419)، ومعجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، لعبد الله بن عبد العزيز البكري (3/213)، والأماكن ما اتفق لفظه وافترق مسماه (3/36)، ومعجم البلدان (1/153. ) (3) انظرالجامع لأحكام القرآن (9/261). وأجيب عن الإشكال في الآية بأجوبة غير ما ذكر منها : أن يعقوب نُبئ من الحَ ضَر، ثم انتقل بعد ذلك إلى البادية . وقيل : إن البدو الذي جاؤوا منه مُستند للحضر ، فهو في حكمه. وقيل : إنهم كانوا في بادية بأرض كنعان أهل مواشٍ وخيام ، وهذا قول قتادة . والله تعالى أعلم . انظر : النكت والعيون تفسير الماوردي (1/84)، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي( ص:315 . ) (2 ) جرثومة كل شيء أصله ومجتمعه . انظر : لسان العرب (32/95). (1 )والإرَ ب : الدهاء . يقال: رجل ذو إرَ ب، ذو دهاء، والأرْ ب : الحاجة . انظر : أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (3/241)، وتهذيب اللغة (35/381)، وغريب الحديث، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (2/484. )

عدد الصفحات ٦٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 9 المنطلق السادس: كشف الدلالة المصنوعة: والمقصود بالمصنوعة : الدلالة التي لم يعرفها العرب ، ولم يلفظوا بها ، وإنما أقحمها القلم، ولفظتها الأسطر. ففي قوله -تعالى- عن نسوة المدينة: ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ يوسف: 31، ذهب ابن الأنباري (ت:128) (3) أن ﭽ ﭤ ﭼ بمعنى: حضن، وروي هذا عن ابن عباس (ت:68) ومجاهد(ت:334)(2). واستدلوا بقول الشاعر: نأتي النسـاء على أطهـارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارً ا وأنكر أبو عبيدة (ت:239) مجيء أكبرن بمعنى حضن(1). وقالالأزهري (ت:113) " ليس ذلك بالمعروف في اللغة " (4) . ونقل مثل ذلك عن الطبري(ت:133) (5) . وقال ابن عطية (ت:543) (6): (3) أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الحسن الأنباري (ت:128) ولد في الأنبار على الفرات، وكان ثقةً دينً ا صدوقً ا، من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة من كتبه: "الأضداد"و"إيضاح الوقف والابتداء " . انظر : طبقات الحنابلة لمحمد بن أبي يعلى (2/69)، صفة جزيرة الأندلس، لمحمد الحميري (3/11 ). (2) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي (ت:334)، سمع من ابن عباس وابن عمر وعلي، قال خصيف : " كان أعلمهم بالتفسير مجاهد"، قرأ القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يسأله في كل آية . انظر : التاريخ الكبير، لمحمد بن إسماعيل البخاري (1/433)، معرفة القراء الكبار (3/66) . (1) انظرمجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمى ( ص:323 . ) (4) تهذيب اللغة (33/323)، وانظر : لسان العرب(5/326)، وتاج العروس (34/33. ) (5) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/235. ) (6) عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب بن عطية (ت:543) أبو محمد الغرناطي القاضي،كان فقيهً ا، عارفًا ب الحديث، والتفسير، بارع الأدب، بصيرً ا بلسان العرب، له "المحرر الوجيز"، و"برنامج" . انظر : الوافي بالوفيات (38/43)، وطبقات المفسرين، للسيوطي ( ص:63-63 ) .

عدد الصفحات ٦٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ " وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف، كذلك قال الطبري (ت:133) وغيره من المحقق" (3). ورواية ذلك عن ابن عباس (ت:68) إنما أخرجها ابن جرير (ت:133)، وابن المنذر (ت:139) (2)، وابن أبي حاتم (ت:121 )(1) من طريق عبد الصمد(ت: 385) (4)، وهو - وإن رَ وى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس (ت:68) - لا يعول عليه فقد قالوا: إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم (5). (3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/219. ) (2) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت:139)، الشافعي، فقيه، حافظ، مجتهد، من مصنفاته: " المبسوط " و " الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف"،و " تفسير القرآن ". انظر : طبقات الفقهاء، لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي ( ص:338 )، والفهرست، لمحمد بن إسحاق أبي الفرج النديم ( ص:132 ) . (1) أبو محمد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت:121)، الإمام، الحافظ، الناقد، أدرك الأسانيد العالية، له تصانيف منها:"الجرح والتعديل" و"الرد على الجهمية". انظر : تذكرة الحفاظ، للذهبي (1/829)، طبقات المفسرين للداوودي3/285.) (4) أبو محمد عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (ت: 385) أم عباسي هاشمي، وهو عم المنصور، أدرك السفاح والمنصور ثم أدرك المهدي ا ثم أدرك الهادي ثم أدرك الرشيد وفي أيامه مات. انظر : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (1/395) والعبر في خبر من غبر (3/293) . (5) انظرروح المعاني (32/213. )

عدد الصفحات ٧٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 71 المفردة في قصص القرآن بين الحقيقة والمجاز وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول : حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: مكانة مفردة القصة القرآنية في قضية المجاز. المبحث الثالث: القول بالمجاز وأثره على مفردة القصة القرآنية.

عدد الصفحات ٧١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 72 المبحث الأول حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح تعريف الحقيقة لغة: والحقيقة في اللغة مأخوذة من حَ قّ يَحِق حقًّ ا وحقيقة، يقال: حقّ الشيءُ إذا وجب وثبت، ومنه قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ غافر: ٠ وحققت الأمر، وأحققته أحقُّ ه إذا تيقنته، أو جعلته ثابتً ا لازمً ا، وحقيقة الشيء: منتهاه وأصله المشتمل عليه. ومن مجموع المعاجم اللغوية لكلمة " الحقيقة " يتبين أنها تطلق ويراد بها أحد المعاني الآتية: أ ) الوجوب، والثبوت، واللزوم. ب ) الإحكام، والصحة، والإتقان، والجودة. ج ) منتهى الشيء، وأصله. د ) التيقن، والجزم. (3) (3) انظرالمحيط في اللغة، للصاحب إسماعيل ابن عباد (2/281)، و تهذيب اللغة(1/243)، و معجم مقاييس اللغة (2/35)، و المخصص، لأبي للحسن علي بن إسماعيل الأندلسي (3/259)، و أساس البلاغة (3/315)، والمصباح المنير (3/341)، والتوقيف على مهمات التعاريف ، لمحمد عبد الرؤوف المناوي (3/288) .

عدد الصفحات ٧٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 73 تعريفالحقيقة اصطلاحًا : سبق ابنُ جني (ت:191) غيرَ ه إلى تمييز الحقيقة عن المجاز بعبارة أقرب ، وأسلوب أوضح، حين كشف عن كنه الكلمة وحدد المجاز بما يقابله، فقال : " باب في فرقٍ بين الحقيقة والمجاز، الحقيقة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك " (3). وعرفها بعض الأصولي بقوله:"اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب" (2). وقيلاللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً " (1). وعرفها بعضهم بأنهكل لفظ يبقى على موضوعه " (4). وكل هذه التعاريف متقاربةومتفقة وعائدة إلى أصل واحد. تعريف المجاز لغة: يرى القائلون بالمجاز من المتكلمين والأصوليين والبلاغيين ، أن حقيقة المجاز - بمعناه الاصطلاحي - مستمد من الأصل اللغوي. ومن مجموع المعاجم اللغوية لكلمة "المجاز" يتبين أنها تأتي متعددة الوظـائف متنوعة السياق، فيقولون:جاز الطريق: سار فيه وسلكه، وجاوزت الشيء: تعديتـه ، وتجاوزت عن المسيء: عفوت عنه وصفحت، ويقال: أجاز الشيء.أي: أنفذه، ومنه (3) الخصائص (2/442) . (2) الإبهاج في شرح المنهاج، لعلي بن عبد الكافي السبكي (3/213) . (1) الإحكام في أصول الأحكام (3/51) . (4) التعريفات (3/323) .

عدد الصفحات ٧٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 74 إجازة العقد: إذا جعله جائزً ا، نافذً ا ماضيً ا على الصحة ، وتجـوزت في الصـلاة : ترخصت فأتيت بأقل ما يكفي (3). تعريفالمجاز اصطلاحًا : انحدر السكاكي (ت:226) من التعريفات اللُّغوية واضعًا تعريفًا نابعًا من أصل المفردة اللغوي قائلاً : " الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالاً في الغير بالنسبة على نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع " (2). بينماظل مصطلح المجاز والاستعارة غامضًا نوعًا ما ، وغير دقيق في التطبيق والفهم، حتى منتصف القرن الخامس، ولا شك في أن ابن جني (ت:192) وابن فارس (ت:195) قد أسهموا في النشاط المجازي ، إلا إنهم أعطوا تعريفات عامة يَ دْخل الطرفان ( المجاز والاستعارة ) في ظلالها. لكنَّ المجاز وقف بوضوح بيِّ ن عند عبد القاهر الجرجاني (ت:413)، وأسفر عن علاقة أصيلة بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي (1)،فقال: "المجاز: مَفْعَل من جاز الشيء يجوزه، إذا تعداه، وإذا عُدِل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وُصِف بأنه مجاز، على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولاً " (4). (3) انظر تهذيب اللغة (33/333)، ولسان العرب (5/126)، والمصباح المنير (3/335)، ومختار الصحاح ( ص:349 ) . (2) مفتاح العلوم، لأبي يعقوب السكاكي (3/359. ) (1) انظر : تحقيق مجاز القرآن، لعزالدين ابن عبدالسلام، تحقيق: د. مصطفى بن الحاج ( ص43-49 .) (4) أسرار البلاغة ( ص:195 . )

عدد الصفحات ٧٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 75 فعبد القاهر(ت:413) هو صاحب الفضل في كشف الخط الرفيع الذي ب الحقيقة والمجاز، والذي صار محل اتفاق في المصطلح البلاغي. وما مرَّ من تعاريف اصطلاحية مبنية على صحة تقسيم الحقيقة والمجاز. أما الذين أنكروا هذا التقسيم فحجتهم أن المعنى إنما يدل عليه السياق، وما دل عليه السياق هو الحقيقة، إنْ مع وجود القرينة، وإنْ مع عدم وجودها. والقول بالمجاز هو قول الجمهور(3)، ومنهم: ابن جني (ت:192)(2)،وابن المعتز (ت:296) (1)، و السكاكي (ت:226) (4)، وابن حزم (ت:456) (5)، وعبد القاهر الجرجاني (ت:413)(6)، والغزالي (ت:535)(1)، والخطيب القزويني (ت:119) (8)، وغيرهم. (3 ) انظر شرح الكوكب المنير (3/393)، وإرشاد الفحول لمحمد بن علي الشوكاني (3/53) . (2) انظر الخصائص (2/442. ) (1) انظر: البديع ( ص:2 ). وابن المعتز هوعبد الله بن محمد بن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي (ت:296 )واحد دهره في الأدب والشعر، من كتبه "الزهر و الرياض" "الجامع في الغناء". انظر : الوافي بالوفيات (31/243)،الفهرست ( ص:368 . ) (4) انظر مفتاح العلوم (3/359. ) (5) ويرىالتفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره . انظر : البحرالمحيط في أصول الفقه (3/543)- (4/411.) وابن حزم هو أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت:456) أصله من فارس ومولده بقرطبة،كان عالمً ا بالحديث، فقيهًا بالأحكام،كان شافعيًّ ا فانتقل إلى أهل الظاهر، من كتبه الكثيرة: "الفصل في الملل " و" المحلى" .انظر : وفيات الأعيان (1/125)، سير أعلام النبلاء (38/384. ) (6) انظر أسرار البلاغة ( ص:193 . ) (1) انظر المستصفى في علم الأصول (3/386.) والغزالي هومحمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد (ت:535) من أهل طوس، لازم أبا المعالي الجوينى وبرع في الأصول والخلاف والمنطق والفلسفة، له مصنفات كثيرة منها: " الإحياء" و"البسيط " . انظر : طبقات الفقهاء الشافعية (3/249)، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، لأحمد بن أيبك بن الدمياطي (39/11. ) (8) انظر الإيضاح في علوم البلاغة ( ص:292 . )

عدد الصفحات ٧٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وخالفهم بعض العلماء المحققين، منهم: أبو علي الفارسي (ت:111 )(3)، وأبو إسحاق الإسفراييني (ت: 438) (2) من الشافعية من أئمة اللغة (1)، وابن تيمية (ت:128) (4)، وابن القيم (ت:153) (5)، والشنقيطي (ت:3191) وغيرُ هم. ولعل في المباحث القادمة - بإذن الله - شيئًا ممّا اتّكأ عليه القائلون بالمجاز ، وتوجيهَ المانعين لهذه الأدلة. (3) أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي (ت:111)، متهم بالاعتزال،أدرك أبا إسحاق الزجاج، وترك من أصحابه أبا الفتح عثمان بن جني، من مصنفاته: " الحجة " و " التذكرة " . انظر : تاريخ العلماء النحويين ( ص:3 )، ومعجم الأدباء (2/431.) (2) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني (ت: 438) المتكلم الأصولي الفقيه شيخ أهل خراسان وله المصنفات الكثيرة منها: جامع الحلي في أصول الدين، والرد على الملحدين . انظر : وفيات الأعيان (3/28)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/313. ) (1) انظر حاشية العطار على جمع الجوامع (3/432. ) (4) انظر فتاوى ابن تيمية (23/431) وابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت:128 )الإمام، الحافظ الحجة، صنف التصانيف البديعة، وانفرد بمسائل فنيل من عرضه لأجلها، توفي معتقلاً بقلعة دمشق، له:"السياسة الشرعية"، و"الرد عالى البكري". انظر : معجم محدثي الذهبي ( ص:25 )،الوافي بالوفيات (1/33. ) (5) انظر توضيح المقاصد (2/123. )

عدد الصفحات ٧٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 77 المبحث الثاني مكانة مفردة القصة القرآنية في قضية المجاز إن قضية المجاز ووجودَ ه في فلَ ك اللغة العربية من القضايا التي تنازع فيها العلماء، وتناظر في حياضها البلغاء. فمن قائل: إنه من مفاخر الكلام، ودليل الفصاحة، ورأس البلاغة (3)، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن (2)، ومن قدح في المجاز وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيمًا (1). ومن قائل: إنه الطاغوت الذي لهج به المتأخرون، والتجأ إليه المعطلون (4)، فلا مجاز في القرآن ، بل تقسيم اللغة إلى حقيقةٍ ومجازٍ تقسيم مبتدع لم ينطق به السلف، ولفظ به عقل الخلف (5)، واستدل كل فريق بما يرفع به قوله ، ويصحح لأجله عقيدته و مذهبه. ولقد حظيت مفردة القصة القرآنية عند مجيزي المجاز بالراية الكبرى والغاية العظمى، فلا تكاد ترى للمجيزين صولةً أو جولةً إلا ومفردة القصة القرآنية نائلةٌ عندهم قصب السبق، فهم يديلون على خصومهم باستدلالهم بألفاظها التي تناصر مذهبهم، وتقوي على خصومهم شوكتهم. فلذلك انبرى المانعون لكشف استدلالهم، وتوجيه المفردة إلى ما يبطل عليهم أقوالهم، فأضحت تلكم المفردات محل الخصومة ومنتزع الجدل. (3) انظرالعمدة في محاسن الشعر وآدابه، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (3/81.) (2) البرهان في علوم القرآن (2/255) . والإتقان في علوم القرآن لعبد الرحمن السيوطي (1/91) . (1) أسرار البلاغة، لأبي بكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن الجرجاني ( ص:193 ) . (4) انظرتوضيح المقاصد في شرح قصيدة ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى (2/123) . (5) انظرفتاوى ابن تيمية (1/331) .

عدد الصفحات ٧٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 78 فإلى شـيء مـنتلـك الآيـات الـتي جعلـها أهـل المجـاز عمـدة مذهبهم، ورأس أدلتهم، فمنها: قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ الكهف: 77 قال الشنقيطي(ت:3191): "هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاضَ لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز"(3). وهذا عندهم من المجاز العقلي(2)، فليس الجدار كائنًا مريدًا ، والمجاز هو الذي أشاع روح الإرادة في الجدار، فكأنه يريد(1). قال أبوعبيدة (ت:239): "وليس للحائط إرادة، ولا للموات، ولكنه إذا كَان في هذه الحال مِن ربه فهو إرداته" (4). وأجاب المانعون: بأن لا مجاز ؛ لأنَّ خلق الإرادة في الجدار ليس من الأمر المتعذر، وأنه لا مانع من حمل الإرادة على الحقيقة المعروفة ؛ ولأنَّ الله - جل جلاله- أثبت إرادات حقيقة للجمادات لا نعلمها، فقال:ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﭼ الإسراء: 44. (3) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (1/119. ) (2) وهو أن تسند الكلمة إلى غير ماهي لها أصالة بضرب من التأويل . انظر : الإيضاح في علوم البلاغة، ( ص:13 )، ومعجم مقاليد العلوم ( ص:98 ) والبرهان في علوم القرآن (2/256. ) (1) انظرمجاز القرآن - خصائصه الفنية وبلاغته العربية - د. محمد حسين الصغير ( ص:15 )، وهذا الكتاب على ما فيه من توسع ظاهر بالقول بالمجاز، إلا أن مؤلفه - عفا الله عنه - حشده بتأويلات الأشاعرة، راكبًا بحر المجاز، ليصرف كل صفة لله - تبارك وتعالى - عن معناها الحقيقي إلى الإلحاد بها بالتعطيل الخَلَفي، وصرف ظواهرها على منهاج خالف سلف الأمة وأتباع الملة . (4) مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى ( ص:351 ) .

عدد الصفحات ٧٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 79 وكذلك ماقصه ا-جل جلاله - عن نبيه داود -9-: فقال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ ص: 18 وقال ا-جل جلاله-:ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﭼ الأنبياء: 79 وفي الأحاديث عن رسول ا ما يثبت وجود مشاعر، ومناطق، وإرادات للجمادات ويؤكدها. فعن جابر بن سمرة - - أن رسول الله قال: " إن بمكة حجرًا كان يسلم عليَّ ليالي بعثت ، إني لأعرفه الآن " (3) وعن أبي هريرة- -أن رسول الله قال: " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر: يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهوديٌّ خلفي تعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " (2). وقالوا أيضًا : إن العرب كثيرًا ما تستعمل الإرادة للدلا لة على مشارفة الأمر وقرب وقوعه، كقول الراعي النميري(ت:93) (1): (3) رواه مسلم في الفضائل، باب فضل نسب النبي وتسليم الحجر عليه قبل النبوة،برقم (1611)، والترمذي في كتاب المناقب، باب في آيات إثبات نبوة النبي برقم (1628.) (2) رواه البخاريكتاب الجهاد، باب قتال اليهود، برقم(2126)، و مسلم في كتاب الفتن و أشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء برقم(2922). (1) الراعي أبو جندل عبيد بن حصين النميري من كبار الشعراء، وإنما لقب بالراعي ؛ لكثرة ما يصف الإبل في شعره، وهو الذي يقول عنه جرير: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبً ا بلغت ولا كلابا انظر : طبقات فحول الشعراء، لمحمد بن سلام الجمحي (2/298)، اللآلي في شرح أمالي القالي، لعبد الله بن عبد العزيز البكري (3/53).

عدد الصفحات ٧٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ في مَهْمَهٍ قَلِقَت به هاماتُ هـا قلق الفؤوس إذا أردن نُضولاً (3) والفؤوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم، مع أن الشاعر وصـفها بأنهـا تريد(2). قال ابن جرير(ت:133) بعد ذكره قول أبي عبيدة (ت:239) الآنف الذكر: "وكذلك قوله: ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ قد علمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب -جل ثناؤه- بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه وقد عقلوا ما عنى به، وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضل فيه ذوو الجهالة والغبا"(1). ومن تلك الآيات التي جعلها أهل المجاز عمدة مذهبهم، ورأس أدلتهم: قول الله -تبارك وتعالى -: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ النحل: 112 وقبل الخوض في حقيقة الآية ومجازها ، يُجاب عن إشكال ربما علق في ذهن القارئ هو: كيف أُدخل هذا المثل القرآني الذي ابتدأه الله بقوله ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭼ النحل: 112 في القصة القرآنية، التي هي محل الدرس؟ يقال: إن جواب هذا مرّ في تمهيد هذه الرسالة ، وإنما أُتيَ به مجدّ دًا تثبيتًا وترسيخًا ولأن فيه زيادة علم ونقل. (3) ديوان الراعي النميري (3/364. ) يصف الإبل بأنها في مهمه أي مفازة، قلقت : أي تحركت فيه . هاماتها : أي رؤوسها. قلق الفؤوس : أي كتحرك الفؤوس.جمع فأس وهي آلة الحفر. إذا أردن : أي الفؤوس. نضولاً : أي قربن منه. ولقد شبه رؤوس الإبل مع أعناقها بالفؤوس. انظر : لسان العرب (33/665)، وتاج العروس (13/533)،وحاشية الإمام العلامة أحمد بن محمد المعروف بابن المنير على الكشاف (2/111.) (2) انظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (35/293) . (1) المرجع السابق (35/293. )

عدد الصفحات ٨٠