المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ٤ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 49 وقد وردت كلمة ( أكل ) في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة في قصص متنوّعة : المعنى الأول: بمعنى: أكل الإنسان الطعام. قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ الفرقان: 7 . قال ابنجرير الطبري (ت:133): "فتأويل الكلام: وقال المشركون ما لهذا الرسول يعنون محمدً ا ، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في أسواقنا كما نمشي" (3). المعنىالثاني: بمعنى: الرّعي للحيوان (2). قال ا- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ هود: 4 . قال البغوي(ت:533): "ﭽﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ من العشب والنبات " (1). المعنىالثالث: بمعنى: الفساد (4). كما جاء في قصة أصحاب الفيل. قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ الفيل: 5. (3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( 38/ 384. ) (2) انظرالتّحليل الدّلالي - إجراءاته و مناهجه- لكريم زكي حسام الدين ( ص:96 ). (1) معالم التنزيل، لأبي محمد الحسين بن مسعودالبغوي (2 /193. ) (4) المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد ( ص:23 ) .

عدد الصفحات ٤٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ الدلالة اللفظية معناها وأقسامها وفيه مبحثان: المبحث الأول: المراد بالدلالة اللفظية المبحث الثاني: أقسام الدلالة اللفظية

عدد الصفحات ٥٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 51 الفصل الثاني المبحث الأول المراد بالدلالة اللفظية قبل الشروع في المراد بالدلالة اللفظية يحسن تعريف اللفظ حيـث سـبق التعريف بالدلالة (3). تعريف اللفظ لغة: اللفظ: واحد الألفاظ، وهو في الأصل مصدر (2). قال الأزهري (ت:113): "والأرض تَلْفِظُ الميتَ إذا لم تَقْبَلْه ، ورَمَتْ به، والبحرُ يَلْفِظُ الشيء، يرمي به إلى الساحل، والدنيا لافِظَةٌ ترمي بمنْ فيها إلى الآخرة " (1). قال ابن فارس (ت:195): "اللام، والفاء، والظاء، كلمة صحيحة تدل على طرح الشيء، وغالب ذلك أن يكون من الفم " (4). وقال ابن منظور (ت:133) " لَفَظ بالشيء يَلفِ ظ لفظً ا: تكلم، وفي التنزيل: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ ق: 18 ، ولفظتُ بالكلام و تلفظتُ به. أي: تكلمت به. و اللفظ: واحد الألفاظ، وهو في الأصل مصدر" (5). (3 )انظر : ( ص21 ) من هذه الرسالة (2) تاج العروس (23 /216)، مختار الصحاح ( ص:3253 . ) (1) تهذيب اللغة(34/211 . ) (4) مقاييس اللغة5 /259. ) (5) لسان العرب (1 /463. )

عدد الصفحات ٥١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 52 تعريف اللفظ اصطحًا: عرّ ف الشريف الجرجاني (ت:836) اللفظ بقوله: "ما يتلفظ به الإنسان أو في حكمه، مهملاً كان أو مستعملاً " (3). وهذا التعريف للفظ عام يشمل سائر الملفوظ به، سواء كان مهملاً لا يفيد أم كان يفيد معنى في الذهن. وعرَّ فه الطوفي (ت:136) (2) بقوله: " اللفظ: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف " (1). و قال عنه: إن هذا التعريف أجود و أبين ؛ لأن الصوت لخروجه من الفم صار كالجوهر الملفوظ الملقى، فهو ملفوظ، فإطلاق اللفظ عليه من باب تسمية المفعول باسم المصدر، كقولهم: هذا الثوب نسج اليمن- أي منسوج اليمن -. إذا عُرِف هذا ، فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت ؛ لأنه صوت مخصوص، ولهذا أخذ الصوت في حد اللفظ (4). (3) التعريفات (3/241)،ومعجم مقاليد العلوم، لأبي عبد الرحمن جلال الدين السيوطي ( ص:83 . ) (2) سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، البغدادي، الحنبلي (ت:136) من "طوف" قرية ببغداد، وكان يتهم بالرفض، وله قصيدة يغض فيها من بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - . انظر : السلوك لمعرفة دول الملوك، لأبي العباس أحمد بن علي المقريزي (2/539)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (2/295. ) (1) التحب شرح التحرير في أصول الفقه، لأبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (3/285) . (4) انظر شرح مختصر الروضة، لسليمان بن عبد القوي الطوفي (3/519)،التحبير شرح التحرير في أصول الفقه ( 3/285) .

عدد الصفحات ٥٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 53 وعليه فإن اللفظ أعم من القول عند أكثر الأصوليين (3) ؛ لأن اللفظ يشتمل المهمل الذي لايفيد، والمستعمل الموضوع لمعنى في الذهن، بخلاف القول الذي لا يشمل إلا المستعمل (2). تعريفالدلالة اللفظية: إن السبب في دلالة اللفظ على المعنى هو الانسجام العالق في الذهن بينهما. وعليه يمكن تعريف الدلالة اللفظية بأنها: " كون اللفظ بحالة يلزم من فهمه فهم المعنى " (1). وهذا التعريف هو أقرب التعاريف لسلامته من الاعتراضات. وشرحه كالآتي (4): ( كون اللفظ احترازًا عن الدلالات غير اللفظية. ( بحـالة ) وهي: العلم بأن هذا اللفظ موضوع لذلك المعنى. ( يلزم من فهمه ) أي: من فهم اللفظ. ( فهم المعنى ) أي: المعنى الموضوع له اللفظ. (3) انظر التحبير شرح التحرير في أصول الفقه (3/ 286)، شرح الكوكب المنير، لمحمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار (3/335. ) (2) انظر تحرير محل النزاع في المسائل الخلافية المتعلقة بدلالات الألفاظ – جمعًا ودراسة – د. إبراهيم بن مهنا المهنا 3 /51 (1) وقد عُرِّفت الدلالة اللفظية بـ " كون اللفظ إذا أطلق فَ هِم منه المعنى من كان عالمًا بالوضع ، وإن شئت قلت : فهم السامع من الكلام تمام المسمّى ، أو جزئه، أو لازمه " وقد اُعترض على هذين التعريفين باعتراضات لم تُسلّم لأصحابها . انظر: نهاية السول شرح منهاج الوصول في علم الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي (3/225)، وانظر : الرسالة الجامعية : التوقف في المسائل الأصولية في دلالات الألفاظ-جمعًا و توثيقًا ودراسة -لعبدالرحمن بن عزاز آل عزاز ( ص:31 . ) (4) انظر : كشاف اصطلاح الفنون2/323)، والتعريفات (3/343)، والتوقف في المسائل الأصولية دلالات الألفاظ ( ص:38 . )

عدد الصفحات ٥٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 54 المبحث الثاني أقسام الدلالة اللفظية قسم علماء الأصول، واللغة، والمنطق، الدلالة اللفظية إلى ثلاثة أقسام(3): الأول: دلالة المطابقة. وهي: دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له اللفظ. نحو قوله -تعالى-: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ البقرة: 7. فلفظﭽ ﮩﭼ اسم جنس سيق ليدل على ما وضع له حقيقة، فأي بقرة كانت كافيةً لو ذبحها بنو إسرائيل(2)، كما تدل صيغة العموم على ذلك في القاعدة المشتهرة: النكرة في سياق الشرط تدل على العموم (1). وسميت دلالة المطابقة ؛ لتطابق اللفظ و المعنى، وعدم زيادة أحدهما على الآخر(4). وقيل: لتطابق الوضع والفهم، فالذي يُ فهم من اللفظ هو المعنى الذي وضع له اللفظ (5). (3) انظر : الإشارات والتنبيهات مع شرح النصير الطوسي، لأبي علي بن سينا (3/319)، والبحر المحيط في أصول الفقه، لمحمد بن بهادر الزركشي (3/431)، ومعيار العلم في فن المنطق، لمحمد بن محمد الغزالي (3/5)، والمحصول في علم الأصول (3/299)، والإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي (3/16)، وآداب البحث والمناظرة، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ( ص:23 . ) (2) انظر: نهاية السول (3/463)، والدلالات و أثرها في تفسير القرآن الكريم ( ص:23 . ) (1 )انظرالتمهيد في تخريج الفروع على الأصول، لعبد الرحيم بن الحسن الأسنوي ( ص:124 ). (4) انظر : التوقف في المسائل الأصولية ( ص23 . ) (5) انظر : آداب البحث والمناظرة ( ص23 . )

عدد الصفحات ٥٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 55 ثانيًا : دلالة التضمن. وهي: "دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له " (3). وسميت بدلالة التضمن: لكون الجزء الذي دل عليه اللفظ في ضمن المعنى الموضوع له اللفظ ولكون الجزء يفهم في ضمن الكل(2). ومثاله: ما قصه الله علينا من أحوال القرى فقال:ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ الطلاق: 8. فأخبر سبحانه أن القرى العاتية تُحَاسب حسابًا شديدً ا، على سبيل الاستقصاء، وتُعذَّ ب عذابًا نكرًا ، بمعناه المطابقي، وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال فقـط من غير جزاء على قبيحها فهو دلالة تضمن (1). ويدل علىأن الحساب اليسير هو مجرد العرض أن النبي قال: "من حُوسِ ب عُذِّب". قالت عائشة- -:أو ليس يقول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ الانشقاق: 8، فقال : "إنما ذلك العَ رْض، ولكن من نُوقِ ش الحساب يهلك"(4). (3) التوقف في المسائل الأصولية ( ص23 . ) (2) انظر : المرجع السابق ( ص23 . )وآداب البحث والمناظرة ( ص:23 . ) (1 ) انظر : نظم الدرر (8/11. ) (4 ) رواه البخاري في كتاب: الإيمان، في باب من سمع شيئً ا فراجع حتى يعرفه، برقم(331.)

عدد الصفحات ٥٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ ثالثًا : دلالة الالتزام. (3) وهي: دلالة اللفظ على أمر خارج على خارج عن معناه، لازم له (2). وسميت بذلك: لكون الخارج لازمًا للمعنى الموضوع له اللفظ. ومثاله ما أخبره الله - عزوجل - عن مشركي العرب (1) في قوله: ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭼ البقرة: 7. فذَكَر السمع في الآية مفردًا دون القلوب والأبصار . (3) ويسميها بعض الأصوليين دلالة المفهوم، أو دلالة غير المنظوم، وتشمل هذه الدلالة : دلالة الاقتضاء، و دلالة الإشارة، و دلالة الإيماء. وتعريف دلالة الاقتضاء : هي دلالة اللفظ بالإلزام على معنى مسكوت عنه، يجب تقديره لصدقه أو صحته عقلاً أو شرعً ا، وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعً ا . وسميت دلالة الاقتضاء ؛ لأنها تقتضي شيئً ا زائدً ا على اللفظ . ومثاله: قوله تعالى: ﭽ ﮚ ﮛ ﭼ يوسف: 82، فالعقل يقتضي بأن القرية لا تسأل فلا بد من تقدير " أهل القرية " . وتعريف دلالة الإشارة: هي المعنى اللازم من الكلام الذي لم يسق الكلام لبيانه، مثل فهم جواز أن يصبح المسلم جنبًا من رمضان، من قوله تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭼ البقرة: 187، فإذا أبيح له الجماع مستغرقًا الليل كله، جاز أن يطلع الفجر وهو جنب . وتعريف دلالة الإيماء: فهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف المناسب، كدلالة مجموع قوله تعالى : ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ الأحقاف: 15 ،وآية ليلة الصيام، وقوله تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ لقمان: 14،أن أقل مدة الحمل ستة أشهر . انظر: الإحكام في أصول الأحكام (1/12)، والبحر المحيط في أصول الفقه (1/89)، و التقرير والتحرير في علم الأصول، لابن أمير الحاج(3/346)، وأصول الفقه، للدكتور: عياض بن نامي السلمي ( ص:115 . ) (2 ) انظر : الإحكام في أصول الأحكام (3/16)، البحر المحيط في أصول الفقه (3/431. ) (1) انظر : معالم التنزيل، للحسين بن مسعود البغوي (3/49. )

عدد الصفحات ٥٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 57 وفي ذلك يقول الآلوسي (ت:3213) (3): "وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه، وهو الحاسة، ووحدتها تدل على قلة مدركاتها في بادئ النظر فهناك دلالة التزام " (2). وكدلالة لفظ السقف على الحائط- الذي مثَّ لت به المناطقة - فإن الحائط مستتبع للسقف استتباع الرفيق اللازم (1). وفي قصة النمرود مثال ذلك، والتي رأى أكثر المفسرين أن آية النحل كانت حكاية قصته وعقابه (4) وذلكقوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ النحل: 2 (3 )أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي (ت:3213)، مفسر، محدث، أديب، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها، كان اتجاهه صوفياً ، من كتبه: "روح المعاني"، و "غرائب الاغتراب". انظر:الأعلام (1/316)، المفسرون بين التأويل والإثبات، لمحمد بن عبدالرحمن المغراوي(1/3293) . (2) روح المعاني، لمحمود الألوسي البغدادي (3/315. ) (1) انظر معيار العلم في فن المنطق(3/5)،روضة الناظر وجنة المناظر، لعبد الله بن أحمد بن قدامة (3/34 .) (4 ) انظر : الجامع لأحكام القرآن (33/91)،والتفسير الكبير (23/31)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، لأبي سعيد عبدالله البيضاوي (2/258)، وتفسير القرآن العظيم (2/561).

عدد الصفحات ٥٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 58 دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم وفيه مدخل وثلاثة فصول: مدخل: المفسرون وعنايتهم بتنوع الدلالة المفردة في قصص القرآن بين الحقيقة والمجاز دلالة المفردة في قصص القرآن وانحرافات مدارس التفسير وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: المدرسة اللُّغوية . المبحث الثاني: المدرسة الكلامية. المبحث الثالث: المدرسة الباطنية. المبحث الرابع: المدرسة الصوفية. المبحث الخامس: المدرسة العقلية الحديثة. المبحث السادس: المدرسة العلمية التجريبية الحديثة

عدد الصفحات ٥٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 59 تنوع المفردة ودلالتِها في قصص القرآن وفيه مدخل وخمسة مباحث: مدخل: مفهوم التنوع للمفردة ودلالتها في قصص القرآن. المبحث الأول: تنوع المفردة في القصة المتكررة. المبحث الثاني: تنوع دلالــــة المفردة في القصة. المبحث الثالث: تنوع دلالة المفردة تبعًا لتنوع قراءتها . المبحث الرابع: تنوع دلالة المفردة تبعًا لتنوع لغات العرب . المبحث الخامس: تنوع الدلالة وأثرها على مجريـــات القصـة.

عدد الصفحات ٥٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦٠ الباب الثاني مدخل المفسرون وعنايتهم بتنوع الدلالة إن كثيرًا من أحوال ا لمفردة جاءت في اللغة الع ربية متعددة في دلالتها المعجمية، واختيار واحدة من تلك الدلالات يغير سياق الحدث ومعالم الأثر، فمن مفردة القصة القرآنية ما كان متعدد المعنى و الدلالة، مؤثِّراً في السياق والهداية ، مغيراً لمجريات الحدث والحكاية. فهاك على سبيل المثال لتقريب الحال إلى البال (3) مفردة: (شَرِيَ ) فمن دلالاتها عند أهل اللغة ماذكره الأزهري (ت:113): "شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت " (2). لذلكصار الخلاف واضحًا بين المفسرين في قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ يوسف: 2. فإن قلت : شروه بمعنى باعوه ، اختلف عود الضمير ، وخرج إخوة يوسف - 9- من مجريات الصفقة، وتهيكلت القصة ببناء جديد، وشخصيات أخر، إلى غير ذلك من الأمثلة التي تحتاج إلى استقراء ومعرفة.... (3 ) البال : القلب . يقال : ما يخطر فلان ببالي، ويطلق على الحال كذلك ﭧ ﭨ ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ محمد: 2 . انظر مختار الصحاح ( ص:28 . ) (2 ) تهذيب اللغة(33/216. )

عدد الصفحات ٦٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 1 مناهج المفسرين و منطلقاتُهم المقصود بالمفسرين في هذا الباب من جاء بعد عصر الاحتجاج اللُّغوي(3)، فلا يدخل في ذلك أهل المعاني، كالفراء (ت:231)(2)، وأبي عبيدة (ت:239)(1)، والأخفش (ت:235)(4) ؛ لأنهم مصادر لُغوية اتَّكأ عليها من جاء بعدهم. وكان أبو عمرو ابن العلاء (ت:351) يرى أن الطبقة الثالثة: كجرير (ت:333) والفرزدق (ت:333) والأخطل(ت:93) يُعدَّون من مُحْ دِثي الشعراء ، أي: لا يُ حتج بأشعارهم، فهو يقول: " لقد كثر هذا المُ حْدَث وحَسُن ، حتى لقد هممت بروايته" (5). ثم استقر الأمر على قول الأصمعي (ت:235) بأنَّ سَاقَةَ الشعراء وآخرَهم هو ابن هَرْمَة (ت:353) (6). (3 ) انظرالشعر والشعراء، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ( ص:1 )، والاحتجاج بالشعر في اللغة الواقع ودلالته، للدكتور : محمد حسن جبل ( ص:18 . ) (2 )يىيح بن زياد بن عبد الله أبو زكريا الفراء (ت:231) الكوفي، اللغوي،مولى بنى أسد، من أهل الكوفة،نزل بغداد ومات بها، وأملى بها كتابه في معاني القرآن سمِّي بالفراء ؛ لأنه كان يفري الكلام. انظر : معجم الأدباء (5/639)،اللباب في تهذيب الأنساب، علي بن محمد الجزري(2/434. ) (1 ) معمر بن المثنى التيميّ أبو عبيدة، من أهل البصرة (ت:239)، يميل إلى مذهب الخوارج، وقد قارب المئة، كان الغالب عليه معرفة الأدب والشعر، له: "مجاز القرآن "، و "نقائض جرير والفرزدق". انظر : معجم الأدباء (5/539)، الثقات، لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي (9/396.) (4 )سعيد بن مسعدة المجاشعي، مولى بني مجاشع (ت:235)،قرأ النحو على سيبويه، وكان أسنَّ منه، كان معتزليً ا، أمره الكسائي أن يضع كتابه: معاني القرآن، من تصانيفه: "كتاب الأوسط". انظر : تاريخ العلماء النحويين (3/1)،البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (3/335. ) (5 ) انظرالمنصف للسارق والمسروق منه، أبو محمد الحسن بن علي التنيسي ( ص:165 )، وخزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي (3/13.) (6 ) إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر القرشي (ت: 353) الشاعر البليغ المعروف بابن هَرْمَة ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، مدح الوليد بن يزيد، وبقي إلى آخر أيام المنصور . انظر : طبقات الشعراء، لابن المعتز ( ص:23 )، والأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني (4/163.)

عدد الصفحات ٦١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 2 قال صاحب الأغا (ت:156): "كان الأصمعي (ت:235) يقول خُتِم الشعراء بابن هَرْمَة (ت:353) " (3). ويؤكده ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: "ختم الشعر بإبراهيم بن هَرْمَة (ت:353)وهو آخر الحُ جَج " (2). وعلى هذا تكون السنة الخمسون بعد المئة (353) هي آخر عصر الاحتجاج. ثم إنه اهتم عدد من المفسرين بدراسة تنوع الدلالة، وكانوا حيال ذلك على منهجين: المنهج الأول: من غلب على منهجه الحصر، والسَّ بر، كصنيع الماوردي (ت:453 )(1)، والقرطبي (ت:613) (4)،وابن الجوزي (ت:591) (5)، والسمين الحلبي (ت:156) (6). (3 ) الأغا4/161. ) (2 ) تاريخ الخطيب البغدادي(6/313) . (1) علي بن محمد ابن حبيب أبو الحسن الماوردي (ت:453 )الفقيه، المفسر، متهمٌ بالاعتزال لقوله بالقدر، من تصانيفه: "أدب الدنيا والدين"، و"الأحكام السلطانية"، و"النكت والعيون". انظر : طبقات الفقهاء الشافعية (2/616)، طبقات المفسرين للداوودي3/428. ) (4 )محمد بن أحمد الأنصاري أبوعبد الله ، الخزرجي، المالكي، القرطبى، (ت:613)، من كبار المفسرين، له: التفسير المشهور الذي سارت به الركبان، و التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة . انظر: الديباج المذهب، لإبراهيم بن علي بن فرحون المالكي( ص:131 )، وطبقات المفسرين، للسيوطي ( ص:92 . ) (5 )عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن أبو الفرج القرشي(ت:591)، البغدادي، الحنبلي، وعرف جدهم بالجوزي لجوزة كانت في دراهم لم يكن بواسط سواها،له :"زاد المسير" و"تذكرة الأريب". انظر : طبقات المفسرين للداوودي (3/215)، وطبقات الحفاظ، للسيوطي ( ص:483 . ) (6 )أحمد بن يوسف بن عبد الدايم الحلبي السمين (ت:156)، نزيل القاهرة، كان ماهرً ا في النحو، لازم أبا حيان حتى فاق جميع أقرانه، وله من المصنفات: "الدر المصون"و"شرح الشاطبية" . انظر :الدرر الكامنة (3/432)، طبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:281 . )

عدد الصفحات ٦٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 3 المنهج الثاني: من غلب على منهجه الحصر ، والسَّبر ، مع وضوح نَ فَسِه في الاختيار ، و ظهور علمه في الترجيح والاقتدار،كصنيع ابن جرير(ت:133) (3)، والرازي (ت:636)، وأبي حيان (ت:145) (2)،والآلوسي (ت:3213) . وقد تعرضوا للنواحي الدلالية للمفردة، إن تصحيحًا أو تضعيفًا ، وإن ترجيحًا أو تغليبًا ، ورصدوا كثيرًا من تلك الظواهر التي ساهمت في الانعطاف بمجريات القصة. وكان باعثهم على ذلك عدة منطلقات، ومن هذه المنطلقات: المنطلق الأول: إبعاد الدلالة المعجمية التي لا يحتملها السياق: هناك من الدلالات ما يكون صحيحً ا في ذاته، لكن سياق القصة لا يوائمها، فألصقها بعض المفسرين بالمفردة، وهي أبعد ما تكون من سباق القصة ولحاقها، أو مِنَ المشهور في كلام العرب وعاداتها، ومن أمثلة ذلك: من فسر "الغيب" بالليل في قول الله -تبارك و تعالى-:ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ يوسف: 81 . (3 )محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر (ت:133) صاحبالتفسير الكبير، والتاريخ الشهير كان إمامً ا في التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك.وهومن الأئمة المجتهدين،لم يقلد أحدً ا. انظر: طبقات المفسرين للداوودي (2/333)، ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان (4/393) . (2 ) محمد بن يوسف بن علي الغرناطي أبو حيان (ت:145)، النحوي، اللغوي، المفسر المحدث، المقرئ، المؤرخ، الأديب، من كتبه "البحر المحيط" و"النهر" الذي اختصر به البحر المحيط. انظر: طبقات المفسرين للداوودي ( 2/218)، و فهرس الفهارس والأثبات، لعبد الحي الكتاني (3/355. )

عدد الصفحات ٦٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 4 قال الآلوسي (ت:3213): "ومن غريب التفسير أن معنى قولهم: ﭽ ﮗﭼ لليل، وهو بهذا المعنى في لغة حِمْيَر (3)،وكأنهم قالوا: " وما شهدنا إلا بما علمنا من ظاهر حاله وما كنا لليل حافظين... وأنا لا أدري ما الداعي إلى هذا التفسير المظلم مع تبلج صبح المعنى المشهور" (2). وفي قوله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ يوسف: 49، نجد عبارات عدم الرضا والنقد، انصبت على من اختار الدلالة اللغوية الأبعد لمفردة ﭽ ﮧ ﭼ. قال ابن جرير (ت:133): " وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله - تبارك وتعالى-:ﭽ ﮦ ﮧ ﭼ إلى معنى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة." (1). المنطلق الثاني: إبعاد الدلالة المعجمية التي ينزه عنها جناب النبوة: لا تقلّ عن سابقتها، فإن التأمل والتأني في بعض الدلالات التي يترتب عليها - عند بعض المفسرين - ما لا يليق بأنيباء الله - عليهم الصلاة والسلام - من الأهمية بمكان. (3) قبيلة من بني سبأ من القحطانية، ومن حمير كانت ملوك اليمن التتابعة انظر : نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، لأبي العباس أحمد بن علي القلقشندي (3/211. ) (2) روح المعاني (31/11. ) (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/211. )

عدد الصفحات ٦٤