المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ٣ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 33 المبحث الثاني أثر الدلالة في تحديد معنى المفردة في قصص القرآن وردت في كتب المناطقة واللُّ غويين أقسام متعددة للدلالة، وسموا بعض هذه الأنواع بأسماء ومصطلحات مخصوصة، ولحظوا بعضها من غير أن يصطلحوا عليه. وقد كثرت أنواع الدلالة عند المعاصرين (3) بما يطول بيانه وتفصيله، منها: - دلالة معجمية. - دلالة مركزية. - دلالة أساسية. - دلالة تصورية. - دلالة إدراكية. - دلالة إضافية. - دلالة ثانوية. - دلالة عرضية. - دلالة تضمينية. - دلالة أسلوبية. - دلالة إيحائية. - دلالة نفسية. - دلالة سياقية. وغير ذلك من الاصطلاحات ، التي يمكن تضييق دوائرها، وإدخال بعضها في بعض، وسيعرض البحث منها ماله اتصال بالدلالة اللغوية التي أثرت على التفسير إذ هي مناط البحث والدرس، طلبًا للبيان والاختصار . (3) انظر - علم الدلالة .د. أحمد مختار عمر ( ص:16 .) - علم الدلالة دراسة وتطبيقًا .د. نور الهدى لوشن ( ص 18- 19 . ) - علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي، للدكتور : هادي نهر ( ص316 ). - دلالة الألفاظ .د. إبراهيم أنيس ( ص24- 51 . ) - علم الدلالة بين النظر والتطبيق .د. أحمد نعيم الكراعين ( ص95.) - علم الدلالة– دراسة نظرية تطبيقية – د. فريد عوض حيدر ( ص:23 . )

عدد الصفحات ٣٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 34 أهم أنواع الدلالات اللُّ غوية التي عرفها تراثنا القديم أولاً : الدلالة الصرفية التصريف كما هو معلوم نظر في ذات الكلمة، بينما النحو نظر في عوارضها، ولطالما دار المفسرون بحديثهم عن هذا النوع من الدلالات، إذ هو من العلوم الـتي يحتاج إليها المفسر (3). فالأبنية الصرفية لها معالم دلالية يتم بواسطتها تصريف الكلمات لضروب من المعاني المختلفة المنشعبة عن معنى واحد (2). والمقصود بهاأيضًا ذلك التناسق والتوافق المنعكس بين دلالة الكلمة ولفظها. وقد سمّاها ابن جنّي (ت:192) (الدلالة الصناعية ) (1)، وجعلها ضمن دلالات النّحو الثلاث ( اللفظية، والصناعية، والمعنويّة ) وجعلها أقوى من الدلالة المعنوية، فيقول: "الدلالة الصناعية أقوى من الدلالة المعنوية" (4). وقد اهتمَّ القدماء بهذه الدلالة، كما اهتم بها ابن جنيّ (ت:192). إذ يقول: " اعـلم أن هذا موضع شريف لطيـف ، وقـد نبّـ ـَه عليـه الخليـل(ت:313)، وسيبويه(ت:383)، وتلقَّته الجماعة بالقبول وا لاعتراف بصحّته "(5). (3) انظرالبرهان في علوم القرآن (3/291) . (2) انظر كتاب : علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي ( ص56 . ) (1) الخصائص (1/98.) (4) المرجع السابق1/98) . (5) المرجع السابق (1/98 ).

عدد الصفحات ٣٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 35 ويؤدي التغير في بنية الكلمة إلى تغيير المعنى الدلالي الذي تؤديه الكلمة، فصيغ الأفعال الماضي، والمضارع، والأمر تدل على الحدث وزمنه، وكل زيـادة على هذه الأفعال من توكيد، وتضعيف، يؤدي إلى زيادة المعنى. فعلى سبيل المثال في سورة الكهف وفي قصة موسى - 9- مع الخضر ترى الأسلوب القرآني أتى بكلمتين جذرهما واحد وتصريفهما مختلف، وذلك في قوله -تعالى-: ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ الكهف: 78 ، وفي قوله -تعالى-: ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ الكهف: 82. فالكلمتان: ﭽ ﮏ ﭼ وﭽ ﯽ ﭼ جاءتا متباينتين صرفيًّ ا، فزادت الأولى في مبناها عن الأخرى، ولا شك أن للزيادة في المبنى دلالةً إضافيةً للمعنى، فلما كانت تصرفات الخضر غير معلومة لدى موسى - 9- بادئ الأمر ثُ قِّلت الكلمة بزيادة التاء ، فلما تجلت سحابة الغرابة والإنكار عن وجهه - 9- وتكشفت الأمور على حقائقها جاءت أختها في نهاية السياق مخففة المبنى. وقد أشار البقاعي (ت:885) (3) إ ذلك إشارة ذكية ، فبين أن إثبات تاء الاستفعال في قوله: ﭽ ﮏ ﭼ إثبات إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك ، لا مطلق القدرة على الصبر، وحذف تاء الاستطاعة من قوله: ﭽ ﯽ ﭼ لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يُحمل، فكان مُنكِ ره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفًا من أول الأمر(2). (3) إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي (ت:885)، الشافعي، المفسر، المؤرخ، ولد بالبقاع من سورية، وصنف تصانيف منها: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، و"تنبيه الغبي بتكفير ابن عربي". انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (3/333)،طبقات المفسرين، لأحمد بن محمد الأدنه وي ( ص:141 .) (2) انظر : نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (4/535. )

عدد الصفحات ٣٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وقُ ل الكلام ذاته في قصة ذي القرنين عند قوله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﭼ الكهف: 97. فإنه لما كان نقب السد أشدَّ و أبعد عنهم من تسورهم وظهورهم عليه، ناسب أن يزيد في مبنى الكلمة ملاءمةً للمعنى والسياق . وفي تبرئة مريم - عليها السلام - نفسها قال الله -تبارك وتعالى- في كتابه عنها: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ مريم: ٦، فَحُذِفت النون بلاغةً ومبالغة ً في التبرئة والتَّ نزُّ ه، وفي هذا إشباع للرد على اليهود الذين رموها بما هي بريئة منه. وعندما وصف الله تعالى توحيد خليله إبراهيم - 9- جانَ بَه عن أدنى الشرك بتقليل بنية الكلمة فقال - عز وجل - ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ النحل: ٦، ولا غرو أن يأتيَ القرآن بهذا التصريف مع أبي الحنيفيَّ ة، القانت الأمَّ ة (3). (3) ويرى غير واحد من أهل العلم أن حذف النون جاءتخفيفً ا من غير قياس، بل تشبيهً ا بحروف العلة، وذكر الجلة من البصرين أنها إنما احتملت الحذف؛ لأنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال. انظر : معاني القرآن لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج ( 1/382)، وأسرار التكرار في القرآن، لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني (3/326)، و زاد المسير في علم التفسير، لعبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (4/534. ) ولا مانع من أن يكون الحذف لمناسبة المعنى كذلك، فإنه ليس ثمّة تعارض بين المناسبتين، بل إن هذا من إعجاز القرآن أن تتعدد وجوه إعجازه في المفردة الواحدة .

عدد الصفحات ٣٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 37 فلما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم -9- حذفت النون من قوله:ﭽ ﭭﭼ إيجازً ا، وتقريبً ا للفهم، وإعلامً ا بأن الفعل منفي عنه -9- على أبلغ وجوه النفي، ولا ينسب إليه شيء منه ولو قلّ (3). ولو عارض أحدٌ فقال: إن هذه النون من ( كان ) أتت في آيتين مستويتي الألفاظ، حُذفت النون من أحدهما دون الأخرى، وهاتان الآيتان هما: قول الله-تعالى-:ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ النحل: 127، وقوله-تعالى-: ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭼ النمل: ٦، فكيف يُفرق بينهما في المعنى، مع استوائهما في اللفظ؟ فالجواب عن ذلك سيأتي-بإذنه تعالى- في مبحث (ائتلاف اللفظ مع المعنى) من هذه الرسالة (2). أما في قوله -تبارك وتعالى -:ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الإخلاص: 4، فالحذف هنا غير جائزٍ نحويًّا؛ لوجود الحرف الساكن بعد النون، بخلاف الأمثلة السابقة (1). (3) انظر : نظم الدرر (4/534) . (2) انظر: ( ص148 ) من هذه الرسالة (1) مما اختصت به ( كان ) جواز حذف النون منها، وذلك بتوفر ثلاثة شروط: 3 )أن تكون مجزومةً بالسكون. 2 )أ يقع بعد النون ضمير نصب. 1 )أ يقع بعدها ساكن. قال ابن مالك في الألفية: ومن مضارع لـ ( كان ) مُنْجَزِم تُحذَ فُ نونٌ وهو حذف ما التُ زِم انظر: شرح عبد الله بن عقيل العقيلي على ألفية ابن مالك، المعروف بـ ( شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك) (3/ 298.)

عدد الصفحات ٣٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 38 وفي قصة توبة إخوة يوسف -9-قال لهم أبوهم يعقوب -9- ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ يوسف: 98، ولم يقل: " سأستغفر " فلِ مَ يا تُرى؟ معلوم أن ( السين وسوف ) حرفا تنفيس تُ محِّ ض المضارع إلى الاستقبال، ولما كان حرف ( سوف ) أكثرَ في البنية من حرف السين، كان تمحضُ ها للاستقبال أقوى، ومجيئها في هذا الموضع أبلغ ، إذ إن يعقوب - 9- لم يرد أن يستغفر لهم في المستقبل القريب، وإنما أراد إرجاء الاستغفار لهم إلى الاستقبال الأبعد، وهو وقت السحر الأرجى، الذي تجاب فيه الدعوات، وتقال فيه العثرات، فلأجل ذا قال ابن مسعود (ت:68)- -" إن يعقوب أخَّ ر بنيه إلى السحر" (3). الاختلاف في الأصل الاشتقاقي: قد يختلف المفسرون في دلالة المفردة الواحدة على أوجه كثيرة، على الرغم من كونها على بناء صرفي واحد (2)، وهذا الاختلاف في الدلالة ناشئ عن الاختلاف في الأصل الاشتقاقي. ومن ذلك اختلافهم في توجيه الدلالة لمفردة ﭽ ﯗ ﭼ في قوله - تعالى-: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ سورة البقرة: 1 ، فاختلفوا على قول (3) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (5/433)، وابن جرير في تفسيره31/64)، والطبراني في المعجم الكبير ( 9/334)، والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال وفيه عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف" (33/355.) (2) انظر : علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي ( ص51 . )

عدد الصفحات ٣٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 39 القول الأول: إن ﭽ ﯗ ﭼ من دنا - يدنو، والألف منقلبة عن الواو (3). وعلى هذا الاشتقاق اختلف المفسرون في التأويلإلى قولين: أ - إن دلالة ﭽ ﯗ ﭼ مشتقةٌ من القرب المكاني ، كقول الله تعالى: ﭽ ﮬ ﮭ ﭼ الأنعام: 99، فيكون المعنى على ذلك أن الله -سبحانه- قد هيأ لبني إسرائيل المنَّ ، فكيف يطلبون ما هو بعيد عنهم؟! ب - إن دلالة ﭽ ﯗ ﭼ مشتقةٌ من القرب الزماني، والمعنى: تستبدلون ما هو أقرب إليكم في الدنيا بالذي هو خير لكم يوم القيامة. القول الثاني: إن ﭽ ﯗ ﭼ من دنا - يدنو، والألف مبدلة من همزة، فتكون ﭽ ﯗ ﭼ من الدناءة (2)، وعلى هذا الاشتقاق اختلف المفسرون في التأويل: أ - إن دلالة ﭽ ﯗ ﭼ مشتقةٌ من الدناءة والخسة ، وقد يعبر بالأدنى عن الأرذل، فإذا كان كذلك فإنه يُ قابَ ل بالخير ، كما هو في الآية الكريمة : ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ. ب - إن دلالة ﭽ ﯗ ﭼ مشتقةٌ من الدناءة ، وقد يعبر بالأدنى عن الأصغر تارةً ، فإذا كان كذلك فإنه يُقابَ ل بالأكبر، كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ المجادلة: 7 (1). (3) انظر : معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء3/42. ) (2) انظر : معاني القرآن، للفراء3/42)،الكشاف (3/315)،الجامع لأحكام القرآن (3/428. ) (1) انظرالمفردات في غريب القرآن ( ص:312 . )

عدد الصفحات ٣٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ و الأظهر - والعلم عند الله - أن القول الثاني هو الأقرب، وهو أن ﭽ ﯗ ﭼ من دنا - يدنو، والألف مبدلة من الهمزة، وعلى هذا الاشتقاق يبقى المعنى دائرًا بين معنيين: أ - أتستبدلون الذي هو أرذل بالذي هو خير. ب - أتستبدلون الذي هو أصغر بالذي هو أكبر. وسبب ترجيح هذا القول هو الاستناد إلى قراءة زهير الفُرْقُبيّ (ت:355) (3) " أدنأ(2)،وهي وإن كانت شاذة، إلا أن القصد من القراءة الشاذة تفسيرُ القراءة المشهورة (1) . ج - (3) زهير بن ميمون الفُرْقُبيّ (ت:355)، يعرف بالكسائي النحوي، له اختيار في القراءة، وكان في زمن عاصم، روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي . انظر : انباهُ الرواه على أنباهِ النحاة، للوزير أبي الحسن علي بن يوسف القِفْطِي( 2/38)، وغاية النهاية في طبقات القراء ، لأبي الخير محمد بن محمد ابن الجزري ( ص:268 . ) (2) انظرمختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع، لأبي عبدالله الحسين بن أحمد بن حمدان ( ص:34 )، والكشاف (3/315)، وإعراب القراءات الشواذ، لأبي بقاء العكبري (3/361)، والتفسير الكبير، لمحمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي (1/91 . ) (1) انظر : علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي ( ص58 . )

عدد الصفحات ٤٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 41 ثانيًا: ا لدلالة النحوية النحو أساس ضروري يَتَوقد به كل علم ، من الفقه، والتفسير، والأدب، والفلسفة، والتاريخ، وغيرها من العلوم، فهو علم طوَّ اف يمخر عباب كل فن؛ لأنك لا تستطيع أن تدرك المقصود من نص لغوي دون معرفة هذه اللغة. قال عبد القاهر الجرجاني (ت:413): "إنالألفاظ مُ غلَ قة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وإنه المعيار الذي لا يُتبين نقصانُ كلامٍ ورجحانُ ه حتى يُعرَ ض عليه، والمقياس الذي لا يُعرف صحيحٌ من سقيم حتى يُرجع إليه، ولا يُ نكِ ر ذلك إلا من ينكر حِسَّه، وإلا من غالط في الحقائق نفسَ ه" (3). إنّ للجمل الفعليّة والاسميّة ترتيب على نمط خاصّ ، يتولّد عنه مدلول معنى ، ولا يزال هذا المعنى يتغيّر بحسب التّغيّر الّذي يطرأ على داخل الجملة. وكان من أبرز مظاهر الإعراب الوظيفي الدلالي نظريةٌ نحويةٌ مثيرةٌ ممتعةٌ (2) أساسها و منطلقها الإعراب فحسب، هي نظرية ( الاحتمالات الإعرابية ) التي تقدم إمكانية التعدد في الأوجه الإعرابية للمفردة الواحدة، ومن خلال ذلك يكون النص ثريًّ ا بالمعاني المولدة من هذه الظاهرة (1). (3) دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني ( ص:42 ) . (2) ماتع و ممتع كلاهما صحيح، تقول: أمتع فلان بالعافية. مثل : تمتع، ويقال: متّ ع الله بك وأمتع. فلفظ "ماتع" جاء من الثلاثي "متع"، ومُمتع جاء من غير الثلاثي " أمتع" . انظر : ا لأفعال، لأبي القاسم علي بن جعفر السعدي (1/ 362)،المخصص، لأبي الحسن علي بن إسماعيل النحوي (4/151)،ما جاء على فعلْتُ و أفعلتُ بمعنى واحد، لموهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر (3/68) . (1) انظر : علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي ( ص93 . )

عدد الصفحات ٤١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 42 فالكلمة الواحدة قد تأتي فاعلاً ، أو مفعولاً ، أو مجروراً ، فتنتقل من معنى نحْ وي إلى معنى نحْ وي آخر حسب العامل في التركيب ، فالإعراب يلعب دورً ا كبيرً ا في اختلاف الدلالة. ويظهر ذلك من خلال رصد بعض الظواهر، منها: اختلاف المعنى لاختلاف النوع الإعرابي: من هنا جاء اختلاف دلالة ( ما ) حسب اختلاف نوعها الإعرابي في قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ الكهف: ٠ فإن قلت: إن ( ما ) موصولة، كان المعنى: اعتزلتموهم، واعتزلتم آلهتهم (3) . وإن قلت: إن ( ما ) مصدرية، كان المعنى: اعتزلتموهم، واعتزلتم عبادتهم. وإن قلت : إنها نافية ، انقلب المعنى إلى معنى آخر ، أي: اعتزلتموهم، ثم أنشأ كلامًا جديدًا فأخبر سبحانه مثنيًا عليهم أنهم ما عبدوا إلا الله (2). قال أبو السعود:" و ( ما ) موصـولة أو مصـدرية ، أي: إذ اعتزلتمـوهم ومعبوديهم إلا الله، أو وعبادتهم إلا عبادة الله... ويجوز كون ما نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد " (1). اختلاف المعنى لاختلافالحركة الإعرابية: ومن ذلك اختلاف المعنى لمجرد تغير الحركة، فإن الإعراب كما قيل: وليد المعاني، وسأل عثمانُ بن جني (ت:192) يومً ا أعرابيًّ ا فقال له: كيف تقول ضربتُ أخوك؟ فقال: أقول ضربتُ أخاك. فأردته على الرفع، فأبى وقال: لا أقول أخوك أبدً ا. (3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (35/239)، الكشاف (2/663. ) (2) انظر هذه الأقوالالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف الحلبي (3/ 1881). (1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لأبي السعود محمد العمادي ( 5/233) .

عدد الصفحات ٤٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 43 قال: فكيف تقول ضربني أخوك؟ فرفع. فقلت: أليس زعمت أنك لا تقول أخوك أبدً ا. فقال أيشٍ هذا، اختلفت جهتها في الكلام. وهذا أدلُّ شيء على تأملهم مواقع الكلام، وإعطائهم إياه في كل موضع حقه، وأن لكل معنى ما يناسبه من الإعراب (3). وعن ابن أبي مُليكة قال: قدم أعرابي في زمان عمر فقال: من يقرئني ما أنزل الله على محمد ، فاقرأه رجل فقال: ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ التوبة: 3، بالجر ﭽوَرَسولِهِ ﭼ. فقال الأعرابي: أقد بَرئ الله من رسوله؟! إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فأمر عمر بن الخطاب أن لا يُ قْرِئ الناسَ إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو(2). والمتأمل قول الحق -تبارك وتعالى-: ﭽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭼ البقرة: 37، فالجمهور على رفع ﭽ ﯿ ﭼ ونصب ﭽ ﰂ ﭼ بالكسرة، ومعنى ذلك: " فلقَّى الله آدمَ كلماتٍ توبةً ، فتلقَّاها آدمُ من ربه وأخذها عنه تائبًا ، فتاب الله عليه بقيله إياها " (1). وقرأ ابن كثير (ت:323) (4) ﭽفتلقى آدمَ ﭼ بالنصب و ﭽكلماتٌ ﭼ بالرفع على الفاعل ؛ لأنها تلقت آدم -9- وحجته: (3) انظرصيد الخاطر، لجمال الدين عبد الرحمن بن علي الجوزي ( ص:246 . ) (2) ذكره السيوطيالدر المنثور (4/329) . (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري (3/241.) (4 ) عبدالله بن كثير بن المطلب، الداري، المكي (ت323)، إمام المكيين في القراءة، أصله فارسي، روى عن عدد من الصحابة، كأنس، وابن الزبير، وأخذ القراءة عن مجاهد، حديثه في الكتب الستة. انظر : معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، لمحمد بن أحمد الذهبي (3/86)، وغاية النهاية في طبقات القراء ( ص:196 .)

عدد الصفحات ٤٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 44 أن العرب تقول: تلقيت زيدً ا، و تلقاني زيد، والمعنى واحد ؛ لأن مَ ن لقيته فقد لقيَ ك (3). ومن مثل قوله تعالى أيضًا : ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ البقرة: 132. فمعنى الآية القرآنية: أن يعقوب -9- وصى كما وصّ ى إبـراهيم -9-. وفي قــراءة أخــرى : ﭽ وَيعْ قُــ وبَ ﭼ بالنصــب ، فيكــون المعــنى أن إبــراهيم -9- وصّى بنيه ويعقوب-9- كان ممن أوصاهمإبراهيم كذلك (2). (3 ) ولم يُؤنث الفعل على هذه القراءة فيقول: " فتلقت " وإن كان الفاعل مؤنثًا؛ للسببين اثنيين: أن تأنيث الفاعل غير حقيقي، وللفصل أيضًا، وهذا سبيل كلِّ فعل فُصِل بينه وبين فاعله المؤنث بشيء، أو كان الفاعل مؤنثًا مجازيًا، كقوله -تعالى-: ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ الحجرات: 14 . انظر:الحجة للقراء السبعة،لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي3/268)، وحجة القراءات، لعبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة( ص:94 )، وتحبير التيسير في القراءات العشر، لمحمد ابن الجزري ( 3/285.) (2 ) هيقراءة إسماعيل بن عبد الله المكي، والضرير، وعمرو بن فائد الأسواري . انظر: إعراب القراءات الشواذ (3/231)، والجامع لأحكام القرآن (2 /315)، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي(3/231) .

عدد الصفحات ٤٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 45 ثالثًا : الدلالة الصوتية من المعلوم أن اللغة انتظمت من رموز صوتية، أو هي كما عرّ فها ابن جني (ت:192):" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم (3). ولاشك أن هناك توافقًا بين الأصوات والمعا ، فإنه إن لم يدل الحرفُ بصوته على المعنى قطعًا ، فالصوت يوحي به على الأقل (2) . ويؤكد ابن القيم (ت:153) (1) بصورة جلية تحقق المناسبة الدلالية الصوتية مع المعاني المطروحة، فيقول: " والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى ، طولاً وقصرً ا، وخفةً وثقلاً ، وكثرةً وقلةً ، وحركةً وسكونً ا، وشدةً ولينً ا، فإن كان المعنى مفردً ا أفردوا لفظه، وإن كان مركبً ا ركبوا اللفظ، وإن كان طويلاً طولوه، كالقَ طْنَط، والعَ شَنّق للطويل، فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه. وانظر إلى لفظ " بُحْتُر " وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسمّ اه القصير المجتمع الخلق ، وكذلك لفظة الحديد ، والحجر، والشدة، والقوة، ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها ، وكذلك لفظا "الحركة، والسكون" مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس، وكذلك لفظ الدوران، والنزوان، والغليان، وبابه في لفظها من تتابع الحرك ة ما يدل على تتابع حركة مسمّ اها، وكذلك الدّ جال، والجرَّ اح، والضرَّ اب، والأفَّ اك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرر المعنى" (4). (3) الخصائص (3/11. ) (2 ) انظر : فقه اللغة وخصائص العربية، لمحمد المبارك( ص:263 ) . (1 ) أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (ت:153) الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قيم الجوزية، تفقه على ابن تيمية، من مصنفاته: "الجواب الكافي" و "مفتاح دار السعادة" . انظر: من ذيول العبر، لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (3/282)، و منادمة الأطلال ومسامرة الخيال، لعبد القادر بدران ( ص:243) . (4) بدائع الفوائد، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (3/336. )

عدد الصفحات ٤٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ أقسام الدلالة الصوتية: تنقسم هذه الدلالة إلى : - الدلالة الصوتية الطبيعية، التي تُ عنى بوجود مناسبة ما بين اللفظ ومعناه، وسمّاها ابن جني (ت:192) الدلالة الل فظية، ومنه: المناسبة بين القُ رْمَة(3)، وبين التقليم، فالقُرْمة للبعير، والتقليم للأظفار ؛ لأن الأول انتقاص للجلد، والثاني انتقاص للظفر. - الدلالة الصوتية التحليليّة ، التي يتغير فيها المعنى تبعً ا لتغيّر الوحدات الصوتي ة. ففي الألفاظ ( قطم، وقطف، وقطع، وقطش، وقطّ ) يدلّ القـاف والطـاء على القطع، أمّا الحرف الثّالث (الوحدة الصوتيّة الث الثة) فهوالذي يحـد د المعـنى (الدّلالة) (2). وكم رسمت صفات الحروف من المعاني ما كان له الوقع الكبير على قلب السامع ! وفي بعض سور القرآن ترى انتشارً ا لحرفٍ كان له دلالته الصوتية التي توائم ما عرضته السورة من البشارة أو النذارة. فسورة "ق" مثلاً ترى كلماتِ ها مبنيةً على الكلمات القافية، من ذكر القرآن، وذكر الخلق، وتكرير القول، ومراجعته مرارً ا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق، والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب، والقرون، والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم، وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة. (3) قُرمة ، وهي سِمَةٌ تكون فوق الأنف تُسلَ خ منها جلدة، ثم تجمع فوق أنفِه ، فتلك القُرْمة ، يقال منه : قرمتُ البعيرَ أَقرِمُه . انظر: تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (9/323)، و الخصائص(2/341). (2) انظر: علم الدّلالة بين النظر والتطبيق ( ص:96 ).

عدد الصفحات ٤٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 47 وكل ما جرى في هذه السورة من قص الأهوال العظام التي ستلاقي كل الخلق مناسب لما في حرف القاف من الشدة، والجهر، والعلو، والانفتاح. وتأمل ما اشتملت عليه سورة "ص" من القصص المتعددة ، التي قام سوقها على الخصومات المتوالية، فأولها خصومة الكفار مع النبي ، ثم اختصام الخصمين عند داود - 9-، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم، ثم خصامه ثانيً ا في شأن بنيه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم، فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير "ص" (3). (1 )انظر : بدائع التفسير الجامع لما فسره ابن القيم،جمعه : يسري السيد محمد (3/93. )

عدد الصفحات ٤٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 48 رابعًا: ا لدلالة المعجمية لابد لعالم اللغة من الوقوف على أصل المعاني، ومعرفة المعنى الأوَّ لي للكلمة، وهذا هو المعنى المعجمي، ثم يتأمل اللُّ غويُّ بعد ذلك في المعنى داخل السياق، ومدى اتفاقه أو اختلافه مع المعنى المعجمي (3). وتسمّ ى هذه الدلالة أيضًا بالدلالة السياقية ، أو الدلالة الاجتماعية (2). وقد تكلم ابن القيم(ت:153) عن السياق، وعن أثره في تحديد الدلالة حيث يقول: " السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فانظر إلى قوله -تعالى-: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﭼ الدخان: 49 كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير " (1). ومثال ذلك: كلمة (أَكَلَ) ، وردت في اللّسان: "أكل، أكلت الطّعامَ أكلاً ومأكلاً . ابن سيد: أكل الطّعام يأكله أكلاً ، فهو آكل و الجمع أكلةٌ " (4). وفي مقاييس اللغة: " الأكل معروف، والأَكْلَةُ مرّة ، والأُكْلَةُ اسمٌ كاللُّقْمَة ، يُقَالُ: رجل أكول وكثير الأكل "(5). وحين ترد هذه الكلمة في سياقات مختلفة، فإنّ دلالاتها تختلف بالضّرورة . (3) انظر : في علم الدلالة . د.محمد سعد محمد ( ص39 .) (2) انظر الدلالة الإيحائية ( ص:12 )، و علم الدلالة بين النظر والتطبيق ( ص:333 . ) (1) بدائع الفوائد (4/835)، والبرهان في علوم القرآن (2/233. ) (4) لسان العرب ( 33/ 39. ) (5) مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس ( 3/322) .

عدد الصفحات ٤٨