المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ٢٢ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 337 الصنـاعة النقدية: ومن اهتمام الأدباء بالمناسبات اللفظية والمعنوية صناعتهم النقد، ومحاولاتُهم الارتقاء بالشعر من خلال التصحيح والتوجيه. ومن ذلك اجتماع الكميت بن زيد (ت:326) (3) مع نصيب (ت:338)(2)، وقد استنشده نصيب من شعره، فأنشده الكميت: وقد رأينا بهـا حورًا مُنعَّّ مة بيضًا تكامل فيها الدّلُ والشنبُ (1) عقد نصيب بيده واحدً ا، فقال الكميت: ما هذا؟ فقال: أحصي خطأك؛ تباعدت في قولك: الدّ لُ والشنبُ (4). فهذا مما التفت إليه النقاد في نقدهم، وهو عدم الجمع بين الشيء وما يناسبه من نوعه، أو ما لا يلائمه من أي وجه من الوجوه. وكذلك خطّأوا أبا نُوَاس (ت:398)(5) في قوله: وقــد حلفت يمينـًا مـــــبرورة لا تكـذّبْ (3 )الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد (ت:326)، مذهبه التشيع،شاعر متقدم مُقدّ م، عالم باللغة كان في أيام بني أمية تكلم مع حماد الراوية فأفحم حمادً ا . انظر : الأغاني (31/1)، والمؤتلف و المختلف في أسماء الشعراء ( ص:141 . ) (2 )نصيب بن رباح(ت:338)، مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، وكان فصيحً ا مُقدّ مًا في النسيب والمديح، مترفعً ا عن الهجاء . انظر : الأغاني (3/132)، ومعجم الأدباء (5/556). (1) الدّل : الشكل والمِثْل والمذهب. و الشنب: الحدّ ة في الأسنان وقيل برد وعذوبة . ولو قرن الشنب باللَّعَس (وهو سواد اللثة يعلو شفة المرأة البيضاء) لكان أقرب للتناسب بين المعاني. انظر : مختار الصحاح ( ص:346 )، ولسان العرب (6/231( )33/151. ) (4 )انظر : الخصائص (1/293) . (5 )أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول الحَ كَمي(ت:398)، ولد بالبصرة ونشأ بها، شاعر العراق،كان قوي البديهة والارتجال، قال الشافعي عنه: لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه العلم. انظر : الوافي بالوفيات (32/316)،وفيات الأعيان (2/96).

عدد الصفحات ٣٣٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 338 برب زمـزم والحو ض والصفا والمحصِّبْ (3) فإنّ ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مؤتلف المعاني، فالحوض أجنبي من المناسبة ؛ لأنه لا يلائم المحصب والصفا وزمزم، وإنما يناسب الصراط والميزان وما هو منوط بيوم القيامة، وأما زمزم والصفا والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم وما جرى مجراهما (2). فلو ذكر الشاعر مفردةً غير ملائمة في وسط المعاني المتجانسة لعُدّ ذلك عيبًا، ومن محاسن مجالس النقد ما دار بين سيف الدولة (ت:156) (1)، وأبي الطيب المتـنبي (ت:154) (4)، إذ استنشد الأميرُ الشاعرَ قصيدتَ ه التي أولُ ها: على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارمُ وكان معجبً ا بها كثير الاستعادة لها، فاندفع أبو الطيب المتنبي ينشدها فلما بلغ قولَ ه فيها: وقفتَ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ كأنك في جَفْن الرَّ دى وهو نـائمُ تمرّ بك الأبطـالُ كَلْمي هزيمـــــةً ووجهك وضّ ـاح وثَ غرك بــاسِ مُ قال: قد انتقدنا عليك هذين البيتين، وبيتاك لا يلتئم شـطراهما ، ولـك أن تقول: وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقفٍ ووجهك وضّ اح وثغرك بـــاسِ مُ تمرُّ بك الأبطـــال كَلْمي هزيمـــةً كأنك في جَفْن الرّ دى وهو نائمُ (3) ديوان أبي نواس ( ص:93 ) . (2 )انظر : المثل السائر (2/211)، وخزانة الأدب وغاية الأرب (3/296) . (1 )أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي (ت:156)، الأمير اشهور بالسيادة، ويقال: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، مَلَكَ واسطًا ودمشقَ وحلبَ. انظر : وفيات الأعيان (1/433)، و سير أعلام النبلاء (36/381. ) (4 )أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الكوفي(ت:154)، المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور، ادعى النبوة، ثم تاب من ذلك، لحق بعدد من الأمراء مدحًا وهجاءً، قتله فاتك الأسدي. انظر : وفيات الأعيان (3/323)، والوافي بالوفيات (6/238. )

عدد الصفحات ٣٣٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 339 فقال: أيد الله مولانا، لما ذكرتُ الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردّ ى وهو الموت؛ ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسً ا وعينُ ه مِن أن تكون باكيةً قلت: ووجهك وضّ اح وثغرك بـــاسِ مُ لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها، فأعجـب سـيف الدولة بقوله، ووصله بالدنانير (3). جهود أئمة اللغة في الائتلاف اللغوي كان لأهل اللغة جهودٌ في تعريف ائتلاف الأل فاظ والمعاني، وممن عرّفه ابن حِجَّ ة (ت:811) (2)، إذ يقول: " أن يجمع الناظم أو الناثر أمرً ا وما يناسبه، مع إلغاء ذكر التضاد لتَ خرُ ج المطابقة، وسواء كانت المناسبة لفظً ا لمعنى، أو لفظً ا للفظ، أو معنى لمعنى؛ إذ القصد جمع شيء إلى ما يناسبه من نوعه، أو ما يلائمه من أحد الوجوه "(1). كماكان لأئمة اللغة البحر السابح، والصبح الواضح في تبيين المناسبة بين مفردات القرآن، في عصر نضجت فيه العلوم الإسلامية واللغوية ، واتخذت المؤلفات فيه طابع التقعيد ، واستكمال أصول التأليف، ومن هؤلاء : (3 )انظريتمية الدهر في محاسن أهل العصر، لأبي منصور عبد الملك الثعالبي (3/44. ) (2 )أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي (ت:811) ويعرف بابن حِجَّة (بالكسر باسم الشهر)، من أهل حماة، كان من الشعراء، إمام أهل الأدب في عصره، له: "خزانة الأدب". انظر : الضوء اللامع (33/51)، وهدية العارفين (5/113. ) (1 )خزانة الأدب وغاية الأرب (3/291) .

عدد الصفحات ٣٣٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ابن جنــي (ت:133): ألمح ابن ج (ت:192) إلى أصل هذا الموضوع فقال: "هذا غور من العربية لا يُنتصف منه ، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، وإن كان غُفْلاً مسهوًّ ا عنه " (3)، وبوّب بابًا أسماه : "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني" يريد منه إثبات التناسب والتقارب الحي بين المفردة، وبين المعنى، وأنّ هناك رحِمٌ بينهما لا تقطع، ووشائجُ رابطةٌ لا تُمنع . كما أشار إلى أهمية ائتلاف الألفاظ للمعاني في الفصل الذي عقده بعنوان: "الحمل على المعنى" مبينًا وجوده في القرآن ، فقال: "اعلم أن هذا الشرج، غور من العربية بعيد، ومذهب نازح فسيح، قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورً ا ومنظومً ا..." (2). وضرب لذلك أمثلًة منها اختيار مفردة : "الأز" دون "الهز"، وذلك في قول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ مريم: 83، ولاشك أنّ ثَمّة تقارب بين المفردتين، وخُصّت الهمزة في هذا السياق؛ " لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهزُّ ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك" (1). (3) الخصائص2/345 . ) (2) المرجع السابق (2/433) . (1) المرجع السابق2/346. )

عدد الصفحات ٣٤٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 341 البــــاقلاني (ت:041): كتبالباقلاني (ت:431) كتابهإعجاز القرآن)، وقد عُدّ من أنضج الكتب التي ألفت حول الإعجاز، وفي الوقت ذاته هو مصدر من المصادر البلاغية الأساسية التي أسهمت في تحديد مسار البلاغة. وفي كتابه يستعرض العناصر البلاغية في القرآن، فتَحَدّث عنها كما تحدّ ث البلاغيون السابقون(3)،فمن تلك العناصر: حديثه عن ( المساواة ) على أنها ضرب من البديع، فعرّ فها بقوله:" أن يكون اللفظ مساويً ا للمعنى، لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه"(2)،وهو بهذا التعريف يرسم تعريفًا موافقًا لمن تكلم عن الائتلاف والانسجام، ولكن باسم جديد، ألا وهو ( المساواة ). ومن ذلك أيضً ا حديثه عن انسجام المعاني والألفاظ في كل باب من أبواب البلاغة القرآنية، أو فن من فنونها، فيقول: " القرآن على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف" (1). كما أن الباق (ت:431) لم يُغفل الائتلاف بين اللفظ واللفظ في القرآن، ذاكرًا أنواعًا عِدّة، منها: رد عجز الكلام على صدره (4)، ومثّ ل له بقول الله -تبارك وتعالى-:ﭽﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭼ الإسراء: 21. (3 )انظر: أبوبكر الباقلاني، مفهومه الإعجازي في القرآنللدكتور : أحمد جمال العمري، مجلة الجامعة الإسلامية، السنة التاسعة، العدد الثالث ( ص:35 .) (2 )إعجاز القرآن ( ص:18 . ) (1 )المرجع السابق ( ص:89 ). (4 )المرجع السابق ( ص:91 ).

عدد الصفحات ٣٤١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 342 عبد القاهر الجرجاني(ت:041): أماعبد القاهر الجرجاني (ت:413) فكان له شأن آخر مع المفردة في القصة القرآنية في كتابه (دلائل الإعجاز). فقد أثبت بجلاء ظاهر أن إعجاز القرآن، وسر بلاغته، هو ملاءمة المعاني المتتابعة في انسباك معجز لألفاظها، فهو يرى أن " الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافُ ها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تَعلُّ ق له بصريح اللفظ"(3). ويدعم الجرجاني نظريته بالأدلة الكثيرة التي لا يستهان بها في مجال النقد والموازنة، منها حديثه الباهر عن آية إغراق الأرض من قصة نوح. يقول عبد القاهر (ت:413): "هلتجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها، وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه قلقة ونابية ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّ روا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنَّ بْو عن سوء التلاؤم، وأن الأُ وْلَى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقاً للتالية في مؤداها؟ وهل تشك إذا فكرت في قوله- تعـالى-: ﭽ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ هود: 44 . فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع! أنك لم تجد ما وجدت من (3 )دلائل الإعجاز ( ص:51 . )

عدد الصفحات ٣٤٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 343 المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يَعرِ ض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأن الفضل تناتجُ ما بينها، وحَ صَل من مجموعها. إن شككت فتأمل! هل ترى لفظة منها بحيث لو أُخِذت من بين أخواتها، وأُ فرِ دت لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: ﭽ ﯬﭼ واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها، وكيف بالشك في ذلك؟! ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء بـ"يا" دون "أي" نحو: يا أيتها الأرض، ثم إضافة الماء إلى الكاف، دون أن يقال: ( ابلعي الماء )، ثم اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، ونداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها. ثم أن قيل: ﭽ ﯰ ﯱ ﭼ فجاء الفعل على صيغة "فُعِل" الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيدُ ذلك وتقريرُ ه بقوله -تعالى-: ﭽ ﯲ ﯳﭼ، ثم ذكرُ ما هو فائدةُ هذه الأمور، وهو: ﭽ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ، ثم إضمارُ السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن. ثم مقابلة ﭽ ﯸ ﭼ في الخاتمة بـ ﭽ ﯸ ﭼ في الفاتحة، أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقاً باللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق؟! أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟! " (3). (3 )دلائل الإعجاز ( ص:51 . )

عدد الصفحات ٣٤٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 344 ابن الأثـــير(ت:614) (3): يُعد كتاب "المثل السائر" لابن الأثير (ت:611) في طليعة المراجعالأدبية الـتي كانت لها الجولات النثرية والشعرية، وتمثّل كتابُ ه شاهدًا ودليلاً على حبّ ه للعربيـة ، وَشغَ فه ركوب الصعب والذلول ؛ لأجل تقديم ما يسعه البذلُ والجهدُ لها. وجاء كتابُ ه مستنطقًا ما حوته أقوال من سبقه من اللُّغويين في كنوز أودعها التاريخ في أيامه، فأتى بها " المثـل السـائر " مُرتِّ بًا ومُ فنِّ دًا وحافظًا ، وبوب كثيرًا مـن المباحث اللغوية والبلاغية والأدبية مستشهدًا على ذلك بالقرآن والسنة وأشعار العرب ومنثوراتهم. وقد أفاد ابن الأثير (ت:611) ممن قبله كابن ج (ت:192) فيبعضأنواع ائتلاف الألفاظ والمعاني، كالنوع الذي أسماه: "في قوة اللفظ لقوة المعنى" (2)، إلاّ أن ابن جني (ت:192) لم يوردْ ه كما أوردَ ه ابن الأثير(ت:611)، بل ضمّ نه الأخير نكتًا وتنبيهات أخر، مُورِ دًا شيئًا من شواهد القصة القرآنية، كقول الله -تبارك وتعالى- عن قصة فرعون: ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ القمر: 42 ، وعن قصة نبي الله الشاكر نوح-9-:ﭽﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭼ نوح: ٦، مبينًا " أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نُقِل إلى وزن آخر أكثر منه فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولاً ؛ لأن الألفاظ أدلة على المعاني، وأمثلة للإبانة عنها " (1). (3 ) أبو الفتح نصر الله بن محمد بن محمد الشيباني، الملقب بضياء الدين، أديب وناقد عربي، وهو أصغر إخوته: ابن الأثير الملقب بعزالدين(ت636)،(صاحب الكامل في التاريخ)، وابن الأثير الملقب بمجد الدين (ت:619) (صاحبكتاب النهاية في غريب الحديث)، له: المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء. انظر: وفيات الأعيان(5/189)، وإيضاح المكنون (4/614). (2 )المرجع السابق (2/56. ) (1 )المثل السائر (2/56. )

عدد الصفحات ٣٤٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 345 وقد عقد بابًا أسماه " الصناعة اللفظيـة " وفرّع م نه حديثَـ ه عـن "اللفظـة المفـردة " مراده من ذلك: مشاكلة النظم بين مفرداته ومعانيه؛ لئلا يجيء الكلام قلقًا نافرًا . فمن ذلك قول الله -تبارك و تعالى-: ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ الأحوزا:: 4، وقول الله -تبارك و تعالى-: ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ آل عموران: 35، فاستعمل ( الجـوف )في الأولى ( والـبطن ) في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضـع البطن، ولا البطن موضع الجوف، وهذا من التقاط المسبوك من المفردات عنده(3). وقد ضرب لمِ ثْل ذلك كثيرًا من الأمثلة ، لإيمانه بما أُ ودِ ع نظمُ القـرآن مـن الائتلاف بين ألفاظه ومعانيه، فهو يقول: " وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر عميق لا قرار له " (2). وكذلك عقد بابًا آخر أسماه في التناسب بين الألفاظ والمعـاني " (1) أودع فيه أنواعًا من المحسنات البديعية التي تُعنى بالمقابلات بين المفردات والمعاني. وكما أنّ الضدَّ يُظهر حسنَه الضدُّ ، فكذا تناسب الألفاظ يُظهِر رونقَه ويُبدِع جمالَه معرفةُ ما لتنافر المفردات والمعاني من النكارة والغرابة ، ومطمحُ البلغاء، وقـوة الفصحاء التوافقُ والالتئام ، والبعدُ عن التنافر وعدم الانسجام، فإن تنافرَها فرارُهم، وعدمَ تراكبها ابتعادُهم . وفي حديثٍ عن تنافر المفردة والمعنى قال ابن الأثير (ت:611): "وحقيقة هذا النوع الذي هو المنافرة أن يُذكَ ر لفظ أو ألفاظ يكون غيرُ ها مما هو في معناها أولى بالذكر" (4). (3 )انظرالمثل السائر (3/353) . (2 )المرجع السابق (3/354. ) (1 )المرجع السابق (2/264. ) (4 )المرجع السابق (3/296. )

عدد الصفحات ٣٤٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وبَالَغ أهل اللغة العربية في انتقاء الأوفق من الألفاظ مجانسةً للمعاني، واستطاعوا أن يُغَربِلوا (3) حُوشيّ الألفاظ ، وأن يتجاوزوا قبيح المفردات. ويرى ابن الأثير (ت:611) أنهلم يكن لهم مع هذا الحِ ذْق، وجَ ودَ ة الصنعة، قانونٌ يرجعون إليه سوى الذوق الرائع، والحس المرهف(2). يقول ابن الأث (ت:611): " أ ترى أن السمع يَستلذُّ صوتَ البلبل من الطير، وصوتَ الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس. والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة( المزنة )، و( الدِّ يمة ) حسنة يستلذها السمع، وأن لفظة ( البعاق ) قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي ( المزنة )، و( الديمة ) وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ ( البعاق ) وما جرى مجراه متروكً ا لا يستعمل، وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق سليم " (1). (3 )غَرْبَل الشيء : نخله . و الغِربَال : ما غُربِل به، يقال: غربلت الدقيق وغيره . لسان العرب (33/493. ) (2 )انظر: صفاء الكلمة ( ص5 . ) (1 )المثل السائر (3/83 . )

عدد الصفحات ٣٤٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 347 الفصل الثاني: الائتلاف بين اللفظ والمعنى في قصص القرآن وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: ائتلاف اللفظ مع المعنى. المبحث الثاني: ائتلاف اللفظ مع اللفظ. المبحث الثالث: العدول عن التناسب والائتلاف.

عدد الصفحات ٣٤٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 348 ائتلاف اللفظ مع المعنى إن علم القرآن لا يعيه وعاء، ولا تدركه البلغاء؛ لأنّ ه فلك واسع لا يُدرك له فضاء، وطود شامخ لا يسلك إلى علوّه ولا يُرى، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولاً ، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلاً . كيف؟! وقائله -عز من قائل عليمًا - يقول عن نفسه: ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ الحجر: 21، "ولو أُعطِ ي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه؛ وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه"(3). ولأجل هذا كان الحديث عن ائتلاف ألفاظ ه ومعانيه حديثًا ذ ا شجون، واستقصاؤه أشد من نقل الصخر، إذ القرآن انسجامُ ه في كل لفظة منه، ولا يُستعاظ من الألفاظ عنها، ولا يراد بها بديلاً، ولو أُديرت لأجل ذلك معاجم اللغة، ودواوين العرب. والقرآن في عظمة بلاغته كان قد بلغ الغاية في انتقاء الألفاظ، والدقة في اختيار الكلمات، فإذا انتقى المعرفة دون النكرة كان ذلك لغرض، وإذا انتقى المفرد دون الجمع كان ذلك لسبب، قال السيوطي(ت:933 )في حديثه عن أساليب القرآن: " أعلم أن لكل منهما مقامً ا لا يليق بالآخر" (2)،وقد يختار الكلمة دون مرادفها لمقتضى يطلبه، وقد يُ فَضِّل التذكير دون التأنيث لحال يناسبه، وقد يتخطى في التعبير المحسن اللفظي، والجمال البديعي لغرض أسمى، وغاية أولى، لحكمة معنوية... . فالقرآن في بيانه، وعلو إعجازه كان مراعيًا المقام في أسلوب المقال ، فإلى شيء من تلك الأساليب. (3 )البرهان في علوم القرآن (3/9). (2 ) الإتقان في علوم القرآن (2/556).

عدد الصفحات ٣٤٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 349 أولاً التعريف والتنكير من أغراض التنكير والتعريف: إن لكل من التنكير والتعريف مقامًا وحالاً لا يتعداه إلى غيره. فمن أغراض التنكير مايلي: - إرادة الوحدة، نحو قول الله-تبارك وتعالى-:ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ القصص: ٦، أي: رجل واحد(3). - ومنه ما يراد به التكثير كقول الله-تبارك وتعالى-:ﭽﭞ ﭟﭠ ﭼ الشعراء: 41، أي: وافرًا كثيرًا (2). ومن أغراض التعريف ما يلي: - الإشعار بالمدح والتعظيم، كما ذُكِر يعقوب بلقبه إسرائيل بكونه صفوة الله، أو سري الله. - وقد يُ عرَّ ف الاسم للإهانة والتحقير، نحو قول الله-تعالى-: ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ المسد: 1. وفيه أيضا نكتة أخرى وهي: مناسبة حاله التي يصير إليها في الآخرة من النار ذات اللهب، فهي كناية عن كونه جهنميًّ ا، قال الزمخشري(ت:518): "لمّا كان من أهل النار، ومآله إلى نارٍ ذات لهب، وافقت حالُ ه كنيتَ ه ؛ فكان جديرًا بأن يذكر بها"(1). (3 )انظرالمرجع السابق (4/93). (2 )انظرالمرجع السابق (2/556). (1 )الكشاف (4/823) .

عدد الصفحات ٣٤٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ وللتعريف والتنكير الأثر الجليّ على دلالة الأسماء ، ومن المعلوم أن التنكير أسبق رتبة من التعريف(3)، إذ هو الأصل، ولأجل هذا كانتدلالة التنكير أوسع من دلالة التعريف، ومن الأمثلة التي ألقت بظلالها على الائتلاف: سلام، والسلام لعل سؤالاً يكشف سر التنوع بين التعريف والتنكير في قصة ابـني الخالـة -عليهما السلام- من سورة مـريم، في قولـه -تبـارك و تعـالى - عـن يحـيى -9-:ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ مريم: 15، وعـن عيسى-9-قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ مريم: 33. فما الحكمة من مجيء السلام منكَّ رًا مع يحيى-9-، ومعرّ فًا مع عيسى-9-؟ قبل الحواب لا بد أن يُعلم أن عادة القرآن جاءت بتنكير السلام في تحية الأنبياء، في مثل قول الله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ هود: 48، ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ الصافات: 79، ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ الصافات: 9، ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الصافات: ٦، كذلك المقام في قصة يحيى-9-. وكذلكقال ابن عطية(ت:543) في تفسـير التحيـة مـن قصـة يحـ -9-: "والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان، وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه"(2). (3 )انظرالخصائص (1/65) (2) المحرر الوجيز (4/8. )

عدد الصفحات ٣٥٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 351 ولأن القرآن نزل بلسان العرب، وما جرت عليه فصاحتهم، ابتدأ ا - عز وجل- السلام في مواطن التحية للأنبياء، كما كانت العرب تفعل؛ لأن السلام دعاءٌ وطلبٌ، والعرب في ألفاظ الدعاء والطلب يأتون بالنكرة (3)، كقولهم: كرامةً لك، ومسرةً لك. وفي السلام على الأنبياء كان المُسلِّم عليهم هو الله -تبارك وتعالى- وسلام منه سبحانه كافٍ من كل سلام، ومغنٍ عن كل تحية، فلم يكن لذكر الألف واللام مناسبة وائتلاف(2). أما في سلام عيسى-9- فلم يكن واردًا على سبيل التحية، وإنما هو دعاء من نفسه مشعر بذكر الله، وإنما قصد عيسى-9-بقوله: ﭽ ﮥ ﮦ ﭼ الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى؛ لأن السلام اسم من أسمائه، مشتق من السلامة(1). وقد بان بهذا الفرقُ بين السلامين، فعُرِّف سلام عيسى -9- لمّا كان التعريف متضمنً ا لفوائد الألف واللام: من قصد التبرك باسم الله ( السلام )، والإشارة إلى طلب السلام، وسؤالها من الله باسم السلام، وقصد عموم، فلأجل ذا جاءت الألف واللام في هذ السياق دون ذاك، والعلم عند الله (4). البلد، وبلد من أدعية إبراهيم -9- دعوته للبيت الحرام أن يكون آمنًا، فقد أخبر الله-عزوجل-عنه فقال: ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ البقرة: ٠، وفي (3 )انظرالمحكم والمحيط الأعظم (6/488 . ) (2 )انظر: بدائع الفوائد، (2/191)،وصفاء الكلمة( ص:52 . ) (1 )انظرالبرهان في علوم القرآن (4/92). (4 )انظر: بدائع الفوائد (2/191 ).

عدد الصفحات ٣٥١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 352 موضع آخر قال-عز من قائل-:ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ إبراهيم: 35، والملاحظ اختلاف كلمة ﭽ ﭩ ﭼ تعريفً ا وتنكيرًا، ولا شك أن لكل حالٍ بلاغةٌ تناسبها، ومعان تلائمها، ولعل العلة في هذ ا لاختلاف ما ذكره غير واحد من المفسرين من أن إبراهيم -9-جاء دعاؤه في سورة البقرة حالة كانت مكة غُ فْلاً من مظاهر الحياة، فكان دعاؤه منصبًّ ا للمكان الخالي ، فناسب أن يأتي بلفظة البلد مُنَكَّرًا ؛ لأن البلد لم يكن معروفًا، بل غير موجود وجودًا فعليًّ ا، وفي سورة إبراهيم كان الحال متغيرًا، فقد شُ يّدت مكة، وعمّرها ساكنوها؛ فلذلك جاء الدعاء للبلد بالتعريف. قال الزمخشري (ت:518): "قد سأل في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن"(3). ثانيًا : التذكير والتأنيث المؤنث الحقيقي(2) لا تحذف تاء التأنيث من فعله، إلا إن وقع فصل، كقـول الله -تعالى- في الفئتين اللتين التقتا: ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ آل عمران: 13. وكلما كثر الفصل حسن الحذف، كما يقول الله -جل جلاله-في قصة قوم صالح-9-:ﭽﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮤ ﭼ هود: 7. (3 )الكشاف (2/521)، وانظرالبحر المحيط (3/554)، وملاك التأويل3/214-215) وإرشاد العقل السليم (3/358.) (2 )التأنيث على ضرب 3- المؤنث الحقيقي: وهو الذي يلد، ويتناسل، مثل: ولادة، سعدى، هند. 2- والمؤنث المجازي: هو الذي لا يلد ولا يتناسل، سواء أكان لفظه مختومًا بعلامة تأنيث ظاهرة: كورقة، وسفينة...، أم مقدرة، مثل: دار، وشمس. انظر : النحو الوافي، لعباس حسن (4/581. )

عدد الصفحات ٣٥٢