دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 و يقال توضيحً ا: إن الحديث في هذا الفصل سينشطر إلى قسمين: القسم الأول: ائتلاف اللفظ مع المعنى. والمقصود من ذلك " أن تكون ألفاظ المعاني المطلوبة ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى " (3) . قال السيوطي(ت:933): " تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد، فإن كان فخمً ا كانت ألفاظه فخمة، أو جزلاً فجزلة، أو غريبً ا فغريبة، أو متداولاً فمتداولة، أو متوسطً ا بين الغرابة والاستعمال، فكذلك " (2) . وبهذا المعنى ستجد القرآن من طُ رَّته إلى طُرَّته (1) في قمة انسجامه واتساقه ، فالكلمة إلى أختها، والآية مع ما يناسبها، لا يصح فيها ترتيب سوى ما أُ نزل، ولو قُدِّم شيء أو أُخِّر، أو أُبدل حرف أو غُيَّر ، لنزل عمّا كان عليه من البيان والفصاحة . فقصص القرآن العظيم جاءت حروفه ، وكلماته، وجمله، مُشاكِلةً لألفاظه، ولمعانيه، ذات وشائج، وروابط لا تخفى. ففي قول الله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ النحل: ٠ . فإن لذكر مفردة: ﭽ ﯻﭼ فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، حتى إذا تلى القارئ هذه الآية تُخيّ ل إلي ه أن سقفً ا خرَّ على أولئك من فوقهم ، وحصل في نفسه من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة، وفي القرآن الكريم (3 )خزانة الأدب وغاية الأرب، لابن باجة الحموي (2/442. ) (2 )الإتقان (1/216. ) (1 )طُرَّة كل شيء حَرْفُه . انظر : مختار الصحاح ( ص:364 . )
عدد الصفحات ٣٠٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٦ من هذا النوع كثير (3). ويُقال أيضًا : إن من المعروف أن يعقوب -9- هو إسرائيل، قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ العنكبوت: 27 ،و قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ البقرة:٦ .. لاشك أن لكل من الاسمين دلالتُه الخاصة ، وفي الآيتين جاءت لفظة إسرائيل في السياق الذي يأتلف ويتناسب مع المعنى، وقل ذات الكلام في لفظة يعقوب، فيا ترى، ما سر عدم مجيء لفظة يعقوب في السياق الذي تُ ورَ د فيه لفظة إسرائيل؟ ولو قلبت الطرف في سورة الشعراء، لوجدت قصص الأنبياء فيها تُتَـوَّجُ ابتداءً بذكر الأُ خوَّ ة، تأمل هذ الآيات التاليات: قال الله- تبارك وتعالى-: ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ الشعراء: ٠٦ وقال الله- جل في علاه-:ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ الشعراء: 124 وقال الله- سبحانه-:ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ الشعراء: 142 و قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ الشعراء: 1 إلا شعيباً - 9- فقد قال الله عنه: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﭼ الشعراء: 177، ولا شك أن لعدم ذكر الأُ خوَّ ة في هذا الموضع ائتلافًا وتناسبًا للمعنى الواقع في القصة، يسفر عنه مزيدٌ من البحث والدرس. وينساق الإيراد ذاتُه في الانفجار والانبجاس من قصة التيه . والتراب والطين من قصة آدم - 9-. والرجفة والصيحة من قصتي ثمود ومدين. وذي النون وصاحب الحوت من قصة يونس- 9-. إلى غير ذلك من التساؤلات التي سَيَبِ ين الك شفُ عنها من خلال طيات هذا الفصل- بإذنه تعالى-. (3 )انظر : المثل السائر2/322. )
عدد الصفحات ٣٠٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 القسمالثاني: ائتلاف اللفظ مع اللفظ. إن شأن المفردة مع المفردة أن تكون ملائمة لها، ملاءمة الطبيعة لكائناتها، فكما أن من شذوذ الطبيعة أن ترى سمكًا في الصحراء ، فكذلك أمر المفردة وتواؤمها مع ما يشاكلها بين السياقات والمعاني. قال السيوطي(ت:933) معرِّفًا هذا الفن : " أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضً ا، بأن يقرن الغريب بمثله، والمتداول بمثله، رعايةً لحسن الجوار والمناسبة " (3) . وقد أبحرت سفن المفسرين في غمار لججه، واستخرجوا من سماء سحبه، فهذا الزمخشري(ت:518) يقول عند قوله-تعالى-: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ العنكبوت: 14:"فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلاً بالسنة وثانيً ا بالعام؟ قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة" (2) . فهو يرى أن الباعث في تنوع اللفظتالعام والسنة ": مراعاة اللفظ للفظ، بحيث لا يثقل السياق بتكرار أحدهما، وذلك من حسن الجوار والمناسبة. ومنهم من يرى أن الباعث مراعاة المعنى للفظ، وسيأتي لذلك مزيد توضيحٍ في المباحث القادمة. (3 )الإتقان (1/216. ) (2 )الكشاف(1/453)، ولا شك أن كلام الزمخشري مقيدمطلق، فإن تكرار اللفظ غير سائغ إلا إذا أُوقِ ع ذلك لأجل غرض يَ نتَ حِيه المتكلم من: تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك.
عدد الصفحات ٣٠٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 الفصل الأول: مكانة ائتلاف الألفاظ والمعاني وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مكانة ائتلاف الألفاظ والمعاني في الكتاب والسنة. المبحث الثاني: نظرة علماء التفسير وعلوم القرآن لائتلاف اللفظ للفظ وائتلافه للمعنى. المبحث الثالث:نظرة علماء اللغة لائتلاف اللفظ للفظ، وائتلافه للمعنى
عدد الصفحات ٣٠٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦9 ابحث الأول مكانة ائتلاف الألفاظ والمعاني في الكتاب والسنة إن الألفاظ حُ لل المعاني، و إن من أدب الفصيح، وفصاحة الأديب، أن يُ دلّ ل على معانيه التي اختلجت في فؤاده بألفاظ تطابق تلك المعاني ، وإلا وُصِم بالعَيي ، وهذا يتجلى بوضوح في مصدري الدين: الكتاب، والسنة، وتفصيل ذلك مايلي: أولاً : القرآن أدَّب الله عباده على مراعاة المعاني للألفاظ، فقال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ الحجرات: 14، فلمّ ا حكت الأعراب عن أنفسها الإيمان بقولهم ﭽ ﮏﮐ ﭼ ولم تكن هذه اللفظة مطابقة للمعاني التي وقرت في قلوبهم من مجرد الإسلام دون الإيمان، أمرهم الله أن يُؤلِّفوا بين اللفظ والمعنى فيقولوا ﭽ ﮖ ﭼ (3). قال ابن أبي الإصبع (ت:654) (2): "فإنهم ظنوا أن الإيمان العملُ باللسان دون العمل بالجنان؛ فجاء قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ مؤتلفًا لقولهم ، وهم يعتقدون أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وخالف ذلك قوله-تعالى-: ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ وائتلف به قولُه مبينًا لهم حقيقة الإيمان، وأنه خلاف ما ظنوا بقوله -سبحانه-: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ"(1). (3 )انظر: صفاء الكلمة للدكتور عبدالفتاح لاشين ( ص : 2 ). (2 )هو أبو محمد عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله (ت:654)، المعروف بابن أبي الإصبع، شاعر مُ فْلِق، له تصانيف حسنة في الأدب، منها:" بديع القرآن "، و" تحرير التحبير ". انظر : تكملة إكمال الإكمال، لمحمد بن علي الصابوني (3/9)، تاريخ الإسلام (48/9. ) (1 )بديع القرآن، لابن أبي الإصبع (2/313) .
عدد الصفحات ٣٠٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ومن ذلك الأدب الذي أُدِّب به المؤمنون : ما أمرهم من ترك المفردة التي وجد اليهود من خلالها فجوةً للط عن والشتم، إذ كان الرجل من أصحاب النبي إذا أراد استنصات صاحبه قال: أرعني سمعك، وكانوا يقولون ذلك له ، فكان اليهود يقولون له :ﭽ ﯘﭼ يريدون التهكم، والاستهزاء، أي: أنت أرعن(3) (2). فمنع ا عباده أن يقولوا له ﭽ ﯘ ﭼ، وأذن أن يقولوا:ﭽ ﯚﭼ وإن كانتا مترادفتين، ولكن جمهور المفسرين على أنه -تبارك وتعالى- إنما منع من قوله: ﭽ ﯘ ﭼ لاشتمالها على نوع مفسدة (1) . يقول الحق-سبحانه-: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ البقرة: 4. وفي هذا من مراعاة الألفاظ، وإنزالها في سياقها الأوفق لها ما لا يخفى، وبهذا التوافق الدقيق، والميزان العجيب، كانت مفردات القرآن مصطبغة، وبقوة الإعجاز مرتفعة. قال الراغب(ت:532)في مقدمته :" فألفاظ القرآن هي لبُّ كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة " (4). (3 )من قولهم : رَعِن الرجل يَرْعَن رعنًا ، فهو رَعِن وأرعن، وامرأة رعناء، وتسميته بذلك لميل فيه تشبيهًا بالرَّعن، أي : أنف الجبل لما فيه من الميل . المفردات في غريب القرآن ( ص:398 ). (2 ) أخرجه الطبري في تفسيره3/413) عن قتادة، وابن أبي حاتم (3/398) " أن رجلا من اليهود كان يدعى رفاعة بن زيد ... "، والواحدي في أسباب النزول ( ص : 319 )، عن ابن عباس، وضعفه ابن حجر بهذا الإسناد الذي ذكره الواحدي ( انظر: العجاب في بيان الأسباب3/244. ) (1 )انظرالتفسير الكبير (1/398). (4 )المفردات في غريب القرآن ( ص:6 ) .
عدد الصفحات ٣١٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 311 والكناياتلها دور فاعل في انسباك الأدب ، فأحسنها العدول عن الكلام القبيح إلى ما يدل على معناه في لفظ أبهى منه، وفي القرآن كناياتٌ عدل بها عن التصريح تنزيهً ا عن اللفظ المستهجن، كقول الله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ البقرة: 223. قال أبو عبيد"هو كناية، شبه النساء بالحرث"(3). وكقول الله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭼ المائدة: 75. وهذا تنبيه بأكل الطعام على عاقبة ما يصير إليه، وهو الحدث؛ لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث، وهذا من ألطف الكناية. وكقول الله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ المائدة: ٠ فالغائط: المطمئن من الأرض، وكانوا يأتونه لحاجتهم ويستترون به عن الأماكن المرتفعة، وكذلك الملامسة ها هنا كناية عن الفعل(2). وقد مضى القرآن في جميع ألفاظه ومعانيه وتراكيبه مؤتلفًا ، متوائمًا ، متجانسًا ، مطردًا ، بخلاف شعراء البشر وأدبائهم، فإنهم وإن تحقق لهم شيء من ذلك فهو في بعض تآليفهم ، ثم أين كلام الخالق من كلام المخلوق ؟! فكلام الله معجز مقرون بالتحدي الذي قال الله عنه: ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ الإسراء: 88. (3 )مجازالقرآن ( ص:43 . ) (2 )انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/316)، وتهذيب اللغة ( 8/352)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (1/352.)
عدد الصفحات ٣١١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 312 ثانيًا : السنة أمّا كلام رسول الله فقد خصه الله بالبلاغة، والفصاحة، مع الإيجاز، وقلة عدد اللفظ، مستوعبًا كثرة المعاني؛ لأن السنة وحي من الله إلى رسوله قال الله - جلّ ذِكْره -: ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ النجم: 3 - 4،وكان من قول الرسول :" بُعِثت بجوام ــع الكَلِم " (3). قال البخاري (ت:256):" وبلغني أن جوامع الكلم ، أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُ كتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين" (2). ومن قوله ما لم يسبقْ ه إليه عربي، ولم يشاركْ ه فيه عجمي، ولم يدَّعيه أحد، حتى غدا مثلاً سائرً ا (1). فمن شواهد ائتلاف الألفاظ للمعاني: قوله يوم حُنين :" هذا حين حمي الوَطي " (4). قال الجاحظ(ت:255): "وهذه كلمة لرسول الله ، لم يسبقه إليها أحد " (5). وهذه الألفاظ جاءت منسجمةً للسياق ، ومؤتلفةً مع الأحوال والمعاني، ولو قلت مكانها ( استعرت الحرب ) لما كان في بلاغة الأول و مُؤدّاه ؛ لأن الوطيس هو التنور(6)، وهو موطن احتدام النار، واصطلام الحرور، وذلك يُعطي تخيلاً للسامع أن هناك صورة شبيهةً لهذا الحميم والتوقد ، وهذا لا يوجد في قولهم " استعرت النار"(1). (3 )رواه البخاري في كتاب التعبير، باب : المفاتيح في اليد، برقم1331 . ) (2 )صحيح البخاري في كتاب التعبير، باب : المفاتيح في اليد، برقم ( 1331 . ) (1 )انظر : البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (3/223) . (4) رواه مسلم في كتاب الجهاد، باب: غزوة حن 4632 )، وأخرجه البزار 4/329)، برقم ( 3133 ) وأبو يعلى (6/289) برقم1636 ) بلفظالآن حمي الوطيس " . (5) البغال، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( ص:31 ). (6) انظر : لسان العرب (6/255). (1 )انظرالمثل السائر (3/65. )
عدد الصفحات ٣١٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 313 وكذلك ما رُوي من قوله " بُعِثت في نَفَ السَّ اعة " (3). وهي من الأمثال التي يحار فيهاالطرف، ويعجز عنها الحرف، ولا يقوم غيرُ ها مقامَ ها، حيث جعل للساعة نَفَسًا كنفس الإنسان يحسُّ فيه بنفسها،كما يحس بنفس الإنسان إذا قرب منه، وهاتان الكلمتان أغنت عن قول القائل: بُعِث في وقت بانت أشراطها فيه وظهرت علاماتها (2) . وللرسول من مراعاة النظير، ما استطاع من خلالها أن يؤاخي بين اللفظ وما ينسجم معه من المعنى، وأن يسكب المفردة في قالبها التي هي له. فعن أسامة بن زيد قال:" كساني رسول الله قُبطيَّ ة كثيفة (1) كانت مما أهدى له دِ حْيَة الكلبي (4) فكسوتها امرأتي فقال رسول الله : "ما لك لا تلب (3 )إسناده ضعيف أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب : ما جاء من قول النبي بعثت، رقم (2231 ) وقال: هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والطبراني في المعجم الكبير (23/138) رقم112)، ولمعنى الحديث شواهد في الصحيحين مثل: قوله " بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، أو كهاتين " وقرن بين السبابة والوسطى. أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب : قول النبي " بعثت أنا والساعة "، رقم (6531)، وأخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب : قرب الساعة، رقم (1431) . انظر : ضعيف الجامع6389) (2 )انظرالنهاية في غريب الأثر (5/91)، المثل السائر (3/65) . (1 )كيف تكون القبطية كثيفة، ومع ذلك يأمر الن أسامة أن يأمر زوجه حتى تضع تحتها غِلالة؟! وهذا مشكل في الحقيقة ؛ لأن الكثافة في اللغة تُطلق على الغلظ ( انظر : العباب الزاخر: 2/1)، ولربما يُقال جوابًا عن ذلك أن تُخرَّج المفردة على أحد التخاريج الآتية : 3- إن المراد بالكثيف : العالي والمرتفع، والمقصود في هذا الحديث ما ارتفع ثمنه، يُقال : استكثف أمره أي : ارتفع وعلا . ( انظر : النهاية في غريب الأثر 4 /351 .) 2- أن يراد بالكثيف : الغليظ ( انظرالقاموس المحيط ص:3396 مادة: كثف )، فتكون هذه القبطية من صوف، ومن عادة ثياب الصوف أن يكون بين نسجها مسامات كثيرة تُوصَفُ البشرة من خلالها . 1- أن تحمل هذه العبارة على ظاهرها، وهو المتراكب، فيكون وصفها للبشرة من حيث التصاق الثوب بالبدن، فتظهر تقاسيم العظام، وهذا قد يفهم من كلام أبي السعادات القادم، والله أعلم. (4 )دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبي، كان يُشبَّ ه بجبريل، بعثه النبي
عدد الصفحات ٣١٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 314 القُ بطيَّ ة؟ فقلت: يا رسول الله كسوتها امرأتي فقال:" مرها أن تجعل تحتها غِ لاَلة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها " (3). فلمَ اختار مفردة ( العظام ) دون ( الأعضاء )، مع أن الأعضاء للنساء ألطف؟ قال أبو السّ عادات(ت:636)(2) في معنى قوله " فإني أخاف أن تصف حجم عظامها ": "لا يلتصق الثوب ببدنها، فيحكي الناتئ والناشز من عظامها، ولحمها، وَجَعَله وصفً ا على التشبيه؛ لأنه إذا أظهره وبينه كان بمنزلة الواصف لها بلسانه "(1) . ومن خلال عبارة الحديث يُلحظُ سر من معجزات البلاغة النبوية، ولا يُظن أن بليغًا من بلغاء العالم يتأتى لمثله ، فإنه لم يقل: أخاف أن تصف حجم أعضائها، =رسولاً إلى قيصر، سكن مصر فمات في ولاية معاوية بن أبى سفيان. انظر: الثقات (1/ 331-338. ) (3 )إسناده حسن . أخرجه أحمد (5/235) برقم23816)، وابن أبي شيبة في مسنده (3/326) برقم (362)، والبزار في مسنده1/13) برقم2519)، وأخرجه الأحاديث المختارة (4/353) برقم (3168) وقال: إسناده حسن . وقال في مجمع الزوائد5/311": )وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات "، و كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قال البخاري: وهو مقارب الحديث. انظر تهذيب الكمال ليوسف بن الزكي عبدالرحمن المزي (36/84)، وحسنه الألباني في الثمر المستطاب( ص138 .) وله شاهد عند أبي داود( ص : 583 ) برقم4336 )من حديث دِحْيَةَ بنحوه ، قال الشوكاني في النيل (2/335) عن رواية أبي داودوإن كان في إسناده ابن لَهِيْعَةَ ، فقد تابعه يحيى بن أيوب المصري، وقد احتج به مسلم، واستشهد به البخاري " . القبطية : نسبة إلى قبط، وهم أهل مصر . والغلالة : شعار يلبس تحت الثوب . انظر: نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، لمحمد الشوكاني (2/335. ) (2 )مبارك بن محمد بن محمد الشيباني الجزري، لغوي، ومحدث، وهو أخو ابن الأثير المؤرخ، وابن الأثير الكاتب، من كتبه: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول في أحاديث الرسول . انظر: معجم الأدباء (5/49)، وسير أعلام النبلاء (23/489. ) (1 )النهاية في غريب الأثر (3/141. )
عدد الصفحات ٣١٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 315 بل قالحجم عظامها"، وذلك منتهى السمو بالأدب، إذ ذِ كْرُ أعضاء المرأة في هذا السياق هو شبيه بالرفث، ولفظة ( الأعضاء ) تحت الثوب الرقيق الأبيض تُ نَبِّـه إلى صور ذهنية تنزه النبي عنها، فضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني السافرة... وجاء بكلمة ( العظام ) ؛ لأنها اللفظة الطبيعية المبرأة من كل نزغة، فلا تثير معنى، ولا تحمل غرضًا ؛ إذ تكون في الحي والميت(3). ولوازددت إ دارة لصفحات السُّنـَّة - على صاحبها أزكى صلاة وأتم تسليم - لوجدتها داعية إلى هذا الأدب، الذي يجعل المسلم متحرياً الألفاظ الصحيحة للمعاني الكامنة في نفسه. فمن ذلك أيضًا : ما رواه مسلم عن ابن مسعود(ت:12) قال: قال الن : " بئسما لأحدهم يقول: نَسِيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي " (2). فلما كانت لفظة( نَسِيت ) في هذا الموضع تدل على معنى غير مراد للمتكلم أمرت الشريعة باختيار اللفظة التي توائم المعنى المراد. وإنما كُ ره ذلك ؛ لأنه يتضمن نسبة التساهل والتغافل عنها إلى نفسه. قال السيوطي(ت:933):" نُهوا أن ينسبوا نسيان ذلك إليهم، وإنما الله أنساهم إياه " (1). ومن ذلك أيضًا : ما أخرجه البخاري (ت:256)في صحيحه، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبي قال: (3 )انظر : وحي القلم،صطفى صادق الرافعي (1/39. ) (2) رواه مسلم في كتاب : فضائل القرآن وما يتعلق به، باب : الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول : نسيت آية كذا، وجواز قول أنسيتها ، برقم (3843). (1) انظرالديباج على مسلم، لعبدالرحمن السيوطي (2/193).
عدد الصفحات ٣١٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ " لا يقولن أحدكم خَبُثت نفسي، ولكن ليقل لَقِست نفسي" (3). فكره النبي قبح اللفظ في خبثت، وكان يعجبه الاسم الحسن، ويتفاءل به، ويكره الاسم القبيح ويغيره، فكره لفظ الخبيث (2). قال ابن القيم(ت:153) مبينًا أثر ارتباط الألفاظ والمعا ، وأنه ينبغي إنزال اللفظ على ما يجانسه من المعنى: " نهى أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي، سدًّ ا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدً ا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ، فإن الألفاظ تتقاضى معانيها، وتطلبها بالمشاكلة، والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قلَّ من تجده يعتاد لفظً ا إلا ومعناه غالب عليه، فسدَّ رسول الله ذريعة الخبث لفظً ا ومعنى، وهذا أيضً ا من ألطف الباب" (1). فإن قيل: كيف يُوجّ ه قول النبي في الحديث الصحيح عن الذي ينام ويترك الصلاة:" أصبح خبيث النف كسلان" (4) ؟ قيل في كشف الإشكال جوابان: 3- إن النبي مُخْبِر في الحديث الثاني عن صفة غيره، وعن شخص مُبهم (3 )رواه البخاري في كتاب الأدب، باب : لا يقل خبثت نفسي . برقم (6383) . وقيل في " لَقِست " أقوال منها : 3- الشَّرِه النَّ فْس، الحريص على كل شيء . انظر : المخصص (3/283. ) 2- إذا غثت أي: فسدت. انظر: شرح السنة، للحسين بن مسعود البغوي (32/159). 1- وقيل: ساء خلقها، وهي أخص من الفساد؛ لعموم الفساد في الخَلْق والخُلُق .انظر : مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض (3/162. ) (2) انظر : غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (1/114)، وشرح صحيح البخاري، لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال (9/116. ) (1 )إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/353). (4 )رواه البخاري في كتاب التهجد، باب : عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل، برقم (3342)، ولفظه " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطً ا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
عدد الصفحات ٣١٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 317 مذموم الحال، لا يَمتنع إطلاقُ هذا اللفظ عليه (3)، وذلك كقوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ النور: ٠ 2- إن الحديث الأوللم يكن من النفس اختيارٌ للأمور المذمومة، أمّا الحديث الثاني فكان معها الاختيار للأمور المذمومة، وهو النوم عن الصلاة، فجاز أن تُوصف بما ذُكر في الحديث الثاني (2). ولا شك أن في الجمع الأخير إظهارً ا بَيِّنً ا لمشاكلة الألفاظ للمعاني التي جرت على مشكاة النبوة، ونطق بها خير البريَّة صلوات ربي وسلامه عليه . ومن شواهد ائتلاف الألفاظ للألفاظ: قوله في رُ قْيَة الحسن والحسين - -:" أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامّ ة، ومن كل عين لامّ ة " (1). وإنما القياس أن يقول " مُلمَّة (4)، ولكنّه عدل عنها لمناسبة ائتلاف الألفاظ، وتشاكلها مع أخواتها. قال ابن بطال ( ت:449)(5) في بيان سبب هذا العدول :" للمقاربة بين الألفاظ، واتباع الكلمة أخواتها في الوزن " (6). (3 )انظر : صحيح مسلم بشرح النووي، لأبي زكريا يحيى بن شرف (35/8)، والآداب الشرعية والمنح المرعية، لأبي عبد الله محمد بن مفلح (1/424). (2 )انظر : شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (3/122). (1) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، الباب العاشر، رقم (1131. ) (4 )انظر : غريب الحديث لابن سلام (1/313)، وغريب الحديث لابن قتيبة (1/611. ) (5) هوعلي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن القرطبي ( ت:449)، ويعرف أيضً ا بابن الّلجام ، عني بالحديث العناية التامة وأتقن ما فيه، وكان ينتحل الكلام على طريقة الأشعري. انظر : تاريخ الإسلام (13/211)، الوافي بالوفيات (23/56 ). (6 )تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر ( ص: 161- 186 ).
عدد الصفحات ٣١٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 318 ومن الشواهد أيضًا : ما روي عنه :" فارجعن مأزورات غير مأجورات " (3). قال ابن أبي الأصبع(ت:654):"والمستعمل موزورات ؛ لأنه من الوزر غير مهموز، فلفظ به النبي مهموزًا لمكان المناسبة اللفظية التامة، وهذا من الفصاحة العجيبة"(2). ولم تكن هذه الملاءمات مصطنعة متكلّفة ، فلا يوجد في جميع ما ذُكر لفظٌ اُجتلب من أجل السجع، وتُ رك له ما هو أحق بالمعنى منه، فكان انسجام كلامه سجية الطبع، كقوله :" الظلم ظلمات يوم القيامة " (1). وهذا مقام تزل عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابُ ه قليلاً . وأختم هذا المبحث بشاهد أخير متفائلاً به، وهو حديث السلام الذي أوله سلام، وآخره سلام، و رواه عبد الله بن سلام - -، قال: لما قدم رسول الله المدينة ، انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء تكلم به أن قال:" يا أيها الناس. أفشوا السلام، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " (4). (3 )إسناده ضعيف . رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب : ما جاء في اتباع الجنائز، رقم (3518)،عن علي، ولفظه :" خرج رسول الله ، فإذا نسوة جلوس، فقال : ما يجلسكن؟ قلن : ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن : لا، قال : هل تحملن؟ قلن : لا، قال : هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن : لا، قال : فارجعن مأزورات غير مأجورات" وفيه إسماعيل بن سلمان الأزرق، وهو ضعيف باتفاق المحدثين ؛ و جزم الحافظ في" التقريب " بضعفه ( ص:331 )، وذكره العجلوني في كشف الخفاء (3/331)، والألباني في ضعيف الجامع الصغير . ( ص:333.) (2 )تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر ( ص:12 ). (1) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب : الظلم ظلمات يوم القيامة، رقم2441.) (4 )إسناده صحيح . رواه أحمد (5/453) برقم21815)، ورواه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلوات، باب: ما جاء في قيام الليل، رقم ( 3114)، والبيهقي في سننه 2/532) برقم 4422) انظر صحيح الجامع (2/3298. )
عدد الصفحات ٣١٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 319 المبحث الثاني نظرة علماء التفسير، وعلوم القرآن لائتلاف اللفظ للفظ، وائتلافه للمعنى أولاً : علماء التفسير على عالم التفسير إجالةُ النظر في كل علم، والاعتناء بكل فن، فالمفسـر وإن حفظ القواميس العظام، والفقيه وإن برز على الأقران، وحافظُ القصص والأخبـار وإن كان من ابن القرية (ت:84) (3) أحفظ، والـواعظ وإن كـان مـن الحسـن البصري(ت:333) أوعظ، والنّ حْوي وإن كان أنحى من سيبويه (ت:383)، واللغـوي وإن عَ لَك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدّ ى منهم أحد لسلوك تفسـير القـرآن ، ولا يغوص على شيء من حقائقه، إلا من برع منهم في علمين مختصين بالقرآن وهمـا : علما البيان، والمعاني (2). وقد ألقى التاريخ على صفحات الزمن ثُلّةً من علماء التفسير، كان لهـم أن أَثْرَوا أوراق التاريخ بكتب المعاني والبيان، حتى أصبحوا بلغتهم أساتذة الزمان، منهم -لا على سبيل الحصر-: أبوعبيدة (ت:239)، والفراء(ت:231)، وابن جرير(ت:133)، والزجاج (ت:133)، والزمخشري(ت:518)، وابن عطية(ت:543)، وأبوحيان(ت:145)، والبقاعي(ت:885)، وابن عاشور(ت:3191). وكثير ممن ذُكر، أو لم يُذكر، قد لمع اسمُه واقترن بجانبٍ من جوانب اللغـة، حتى اصطبغ تفسيرُه بهذا الجانب، وأصبح شعارًا يعرف به لكل طالب : كالاهتمـام بالمذاهب النحْويّة مع الا حتكام إلى كلام العرب وأشعارها عند ابن جريـر (ت:133)، (3 )أيوب بن زيد بن قيس ا، كان لَسِنًا خطيبً ا يُضرب به المثل، يقال: أبلغ من ابن القرية، سيق إلى الحجاج أسيرً ا في فتنة ابن الأشعث، فقتله، فلما رآه قتيلاً قال: لو تركناه حتى نسمع من كلامه ! انظر : المعارف ( ص:434 )، وتاريخ الإسلام (6/23)، والوافي بالوفيات(33/25) . (2 )انظرالكشاف (3/41) .
عدد الصفحات ٣١٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ والبلاغة بأطيافها عند الزمخشري(ت:518)، والإعـراب عنـد أبي حيـان(ت:145)، والمناسبات عند البقاعي(ت:885). فإذا وُضِع مبحث ائتلاف المعاني والألفاظ على ميزان هذه الكتب، سرعان ما يرى القارئ انغمارَ هذا المبحث بين طياتها، وفلول أوراقها. لذا؛ أبحرت سفن المفسرين في غمار لجُ جه، واستخرجوا من بياض سـحبه ، وجاءت جهود المفسرين في إبراز هذا الائتلاف بقسميه: ائـتلاف اللفـظ للفـظ، وائتلافه للمعنى، واضحةً جليةً، بل ربما دار تنـازعهم في الآيـة الواحـدة، إلى أيِّ القسمين هي ألصق؟! وهذه وقفة مع عالمين من علماء التفسير (3)، أحدهما يمثل جانبَ التفسير بالمأثور، والآخر يمثل جانبَ التفسير بالرأي، كان لهما قَ دَم رأي في موضوع الائتلاف؛ ليُعلم أنّ غالب من كتب في التفسير قد اكتحلوا الانسجام، واسْ تَحْلَوا التناسق ببيان، ولم يجدوا من بلاغة القرآن خَلَفًا . الائتلاف في رأي الشنقيطي(ت:1131): جاء الائتلاف في أضواء البيان غير مقصود بالتأليف، وإنما على ضفاف مسألة فقهية استنبطها بعض المفسرين، ومنهم القرطبي (ت:613 )في تفسيره والآية التي طالت البحث، وكان من أكنافها هذا الاجْتِباذ الفقهي البلاغـي، هي قول المولى -تبارك وتعالى -:ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ طوه: 117، حيث استدل القرطبي بهذه الآيةعلى وجوب النفقة على الزوجـة من خلال تخصيص الخطاب لآدم -9-دون حواء من قوله: ﭽ ﮆ ﭼ (3 )وهما: الشنقيطي، وابن عاشور،ووقع الاختيار عليهما؛ لأنّهما تناولا باب الائتلاف بشيء من التوسع، من حيث التعريف، وضرب الأمثلة، والاستشهاد بالشاهد الشعري، وإلا فإن مثل هذا الفن تناوله المتقدمون في تفاسيرهم من خلال عرض الآية وشرحها .
عدد الصفحات ٣٢٠