دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 273 المشهدالثاني: ما يكون في مكة مع قريش، وهو المراد من قول الله - تبارك وتعالى-:ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ فهذا واقع لقريش. ويرى أصحاب هذا القول أن إنزال هذه الآيات على هذين المعنيين لا يوجد في اللفظ ما يمنعه أو يرده، بل المعنيان مطابقان للآيات أتم المطابقة، وهذا الذي رجحه السعدي (ت:3116) في تفسيره(3). ويشكل على هذا القول ما يلي: - إن البطشة في الآية موصوفة بالكبرى مطلقًا ، ولمّا وُصِفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش، وذلك ليس إلا في القيامـة ، يلزم من هذا القول اختلاف النسق بين روابط الآيات، والأصل عدمه. - إن كلمة:ﭽ ﮤﭼ تكررت ثلاث مـرات ، والأوفـق ببلاغـة القـرآن الانسجام والتوافق والتناسق بين معانيها، لا أن تكون مختلفة المعاني فشـيء منها مُراد به عذاب الدنيا ، وآخر مُراد به عذاب الآخرة ! والبلاغة السـياقيّة تحتم توّ حد المعاني على مقصود واحد، فعلى هذا تكون (أل) مـن كلمـة العذاب من قوله –تبارك وتعالى-: ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﭼ للعهـد الذِّ كْري(2)، وفائدته: التنبيه على أن مصحوب (أل) والمراد بهذا المصـحوب كلمة ﭽ ﮤﭼ هي الأُ ولى بعينها التي ذكرت أول الآيات. (3) انظرتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/111) . (2) العهد الذكري : هو أن يكون مدخول(أل) تقدم له ذكر في الكلام، كقوله تعالى: ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ النور: 35، وفائدتها : التنبيه على أن مصحوبها هو الأول بعينه . انظر : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام ( ص:12 )، تعجيل الندى بشرح قطر الندى، د. عبد الله صالح الفوزان ( ص:333 ).
عدد الصفحات ٢٧٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 274 القـول الرابـــع: إن الدخان هو ما يغشى الناس يوم القيامة. وممن قال به: علي بن أبي طالب (ت:43) (3)، وابن عمر (ت:11) (2)، وابن عباس (ت:68) (1)، والحسن (ت:333) وقال:" هو دخان يجيء يوم القيامة، يصيب المؤمن منه مثل الزكام، ويُ نضِ ج رؤوس الكافرين والمنافقين "(4). وروي هذا القول عن أبي سعيد الخدري (ت:14) موقوفًا و مرفوعاً (5). واختاره من المفسرينالـرازي (ت:636) (6)، وابـن كـثير (ت: 114) (1)، والبقاعي(ت:885) (8)، ولكنه جوّ ز أن يكون المراد أعم من ذلك كلِّ ه، وأن أولّ ه وقت القحط، وهي آية على ما بعده (9). واستدل أصحاب هذا الرأي بالآتي: الدليل الأول: ما رواه مسلم (ت:263) عنحذيفة بن أَسِيد الغِ فَاري- - قال: كان النبي في غرفة، ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: " ما تذكرون؟ " (3) أخرجه ابن أبي حاتم (33/1288)، برقم38514.) (2) انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (25/331.) (1) انظرالمرجع السابق . (4) انظر المرجع السابق . (5) أخرجه موقوفًا ابن جرير (25/331)، و ابن أبي حاتم (33/1281) برقم38511)، وأخرجه مرفوعًا ابن كثير (4/343)، وذكره في الدر المنثور وعزاه إلى علي- - موقوفًا ( 1/438)،وهو في النكت والعيون (5/241)، والجامع لأحكام القرآن (36/313) . (6) انظر : التفس الكبير (21/238). (1) انظرتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/343). (8) انظرنظم الدرر (1/61). (9) انظر : المرجع السابق
عدد الصفحات ٢٧٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 275 قلنا: الساعة. قال:" إن الساعة لا تكون ، حتى تكون عشر آيات ، خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن تَ رْحَل الناس " (1). الدليلالثاني: ما رواه البخاري (ت:256) عنابن عباس (ت:68)- - قال رسول : لابن صيّا د:" قد خبأت لك خَ بْئًا فما هو؟ قال: الدُّ خ. قال:" اخسأ " (2 ). والدُّ خ هو: الدخان. والمراد به قوله تعالى: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﭼ ، فقد وقع في رواية ابن عمر (ت:11) عند الإمام أحمد: " إني قد خبأت لك خبيئًا ، وخبأ له: ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﭼ" (3 ) . قال ابن كث (ت: 114): " وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكُّ هان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال: هو الدخ، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول مادته، وأنها شيطانية فقال :" اخسأ فلن تعدو قدرك" (4) . (3) رواه مسلم في كتاب الفتن، باب : في الآيات التي تكون قبل الساعة، برقم1286.) (2) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب : قول الرجل للرجل : اخسأ، برقم6312.) (1) أخرجه أحمد برقم6163)، بتحقيق أحمد شاكر وقال : " إسناده صحيح انظر : أشراط الساعة، ليوسف بن عبدالله الوابل ( ص: 288 . ) (4) تفس ابن كثير (4/343) . انظر لمزيد اطلاع عن أحوال ابن صيَّاد رسالة الماجستير: أشراط الساعة ( ص 288 . )
عدد الصفحات ٢٧٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ الدليل الثالث: ما رواه عبد الله بن أبي مُليكة قال:غدوت على ابن عباس(ت:68)- - ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت:لم؟ قال: " قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت" (1 ) . قالابن عباس- -:"قال ابن مسعود (ت:12): "البطشة الكبرى، يوم بدر"، وأنا أقول: هي يوم القيامة " (2 ) . وحسبك تفسيرًا فسّ ره حبر الأمة، وترجمان القرآن، ولئن كان الرسول الكريم أوصى أمته بقراءة أم عبد (ت:12)، فلقد دعا لابن عباس (ت:68) أن يفقهه الدين ويعلمه التأويل(3 ) - - . الدليل الرابع: أن هذا القول هو ظاهر القرآن، وهو كذلك لعدة أسباب: أ-أن قوله تعالى ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ يقتضي وجود دخان يأتي من السماء، وما ذكره أصحاب القول الأول من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع (3) أخرجهالطبري (25/331)، والحاكم في المستدرك (4/536) برقم8439) وقالهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، وصحح إسناده ابن كثير في التفسير وقال :" وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما " (4/343) . (2) أخرجه الطبري في التفس (25/331)، وأورده الثعلبي في كشفه (8/153)، والرازي في تفسيره (21/239)، وقال ابن كثير في التفسير :" وهذا إسناد صحيح " (4/343). (1) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب : وضع الماء عند الخلاء برقم (341) عن ابن عباس أن النبي دخل الخلاء فَوَضَعتُ له وضوءًا ، قال:" من وضع هذا؟ فأخبر، فقال:"اللهم فقهه في الدين"، وهو بهذه الزيادة:" وعلمه التأويل " عند أحمد (2191) وابن حبان (1355) والحاكم (6283) وقال:" صحيح الإسناد ".
عدد الصفحات ٢٧٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 277 فذاك ليس بدخان أتت به السماء، فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولاً عن الظاهر بلا دليل. ب-أنه وَصَف ذلك الدخان بكونه مبيناً ، فقال - سبحانه -: ﭽ ﮗ ﮘﭼ والحالة التي ذكرها أصحاب القول الأول ليست كذلك ؛ لأنها عارضة تعرض، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخاناً مبيناً . ج-أنه وَصف ذلك الدخان بأنه: ﭽ ﮚ ﮛ ﭼ، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم، والحال التي ذكرها أصحاب القول الأول لا توصف بأنها تغشى الناس إلا على سبيل المجاز - مع القول بوجوده -، والعدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل (1). الدليلالخام : أن طريق الوعيد والتهديد، مع التأني بالكفرة ، وتذكيرهم يوم القيامة، هي طريقة القرآن معهم، وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم (2) . الدليلالسادس: أن الله -تعالى- قال في هذه الآية: ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ، وهذا يقال يوم القيامة للكفار، حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا، فيقال: قد ذهب وقت الرجوع (1)، والتّذكُّر يتأتى في الدنيا ولا يكون في الآخرة ، فكيف يستبعد الله عنهم التذكر في الدنيا لو قيل: إن الحدث واقع إبّ ان مكة؟ (3) انظرالتفسير الكبير (21/238)، تفسير القرآن العظيم لابن كث(4/343- 343) . (2) انظرتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/111) . (1) انظر: المرجع السابق3/111) .
عدد الصفحات ٢٧٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 278 الدليلالسابع: إن تفسير أصحاب القول الأول ﭽ ﯢ ﯣ ﭼ بوقعة بدر، فيـه نظـر ظاهر، لعدة أمور منها: - أن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم. - أن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ غافر: 17 . - أن هذه البطشة لمّا وصفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش، وذلك ليس إلا في القيامة (3). بقي أن يقال: إنّ ثَمّت إشكالا ن على قول من قال إّن الدخان لم يمض بعد، وإنما هو ما توعدهم الله به يوم القيامة، وهو: كيف يوجه قول من قال: إّن الدخان لم يمض بعد معنى قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﭼ، وهل العذاب يُكشف عن المجرمين يوم القيامة ؟! وأيضًا يقال : ما توجيه قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﯝ ﯞ ﭼ، فهل هناك توبة يوم القيامة حتى يعودوا منها إلى كفرهم وطغيانهم؟! قالوا جوابًا عن الإشكال الأول: إن الآية تحتمل أحد معنيين: الأول: أن المقصود من قوله: ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ: لو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقول الله (3) انظرالتفسير الكبير (21/238)، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/111) .
عدد الصفحات ٢٧٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 279 -تعا-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ المؤمنون: 75، وكقوله-جلت عظمته-: ﭽ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ الأنعام: 28 (3 ). وهذا في الحقيقة فيه نظر ، لأن الجملة جاءت مؤكَّدة بـ " إنَّ " ، وحمل القرآن على الظاهر أولى من عسف المعنى على تقدير " لو "، والعلم عند الله. الثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخروا العذاب عنكم قليلاً وأنتم في الدنيا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من كشف العذاب عنهم أن يكون باشرهم، كقول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ يونس: 98. أما الإشكال الآخر عن قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﯝ ﯞ ﭼ،وهل من توبة يوم القيامة حتى يعودوا منها إلى كفرهم وطغيانهم؟! فقالوا: لا يلزم أيضً ا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم، ثم عادوا إليه مـرة أخـرى ، فمعنى ﭽ ﯞﭼ: صائرون، ومثله: قول الله -تبارك وتعالى- إخبارً ا عـن نـبي الله شعيب - 9- أنه قال لقومه حين قـالوا : ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الأعوراف: 88 ، فقال: ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ الأعراف: 88 - 89 (2 ). فهل يقال: إن شعيبً ا - 9- كان في ملتهم الشركية الكفرية عاد منها؟! فإنه - 9- لميكن قط على ملتهم وطريقتهم. (3) انظر تفسير ابن كثير (4/343. ) (2) انظر المرجع السابق (4/343. )
عدد الصفحات ٢٧٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ فعلى هذا يكون معنى قول الملأ لشعيب: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ أي: لتصيرن، كما تقول: عاد عليَّ من فلان مكروه (3 ). فيحمل معنى آية الدخان: ﭽ ﯝ ﯞ ﭼ أي: إنكم صائرون إلى العذاب، وهذا هو معنى قول قتادة (ت:338): "إنكم عائدون إلى عذاب الله" (2). وهذ القولالأخير هو أقرب الأقوال للصواب؛ لما تقدم -والله تعالى أعلم-. ومن اللطيف أن ابن جرير(ت:133) علّق اختيار هذا القول إن صحّ حديث حذيفة- -، فقال: "وإن كان صحيحً ا فرسول الله أعلم بما أنزل الله عليه وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول" (1) . والحديث في مسلم كما مر (3) انظر معاني القرآن، للزجاج (2/288)،معاني القرآن، للنحاس (1/54)،المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/421)،الجامع لأحكام القرآن (1/253. ) (2) أخرجه الطبري (25/336)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (1/431) . (1) جامع البيان في تأويل أي القرآن (25/334).
عدد الصفحات ٢٨٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 281 النوع الثاني تغير يؤثر على أكثر مجريات القصة ومن أمثلته :قول الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ ص: 23. إن من القصص التي طال الجدل بين المفسرينتأويلها، وكثرت السؤالات بين أهل السير في تفسيرها، وتداعت العلل بين أهل الأدب في توجيهها، قصة نبأ الخصم الذين تسوروا المحراب على داود -9-،فقد اختلف الناس فيها، وأكثروا القول قديمً ا وحديثً ا. وقد نالت الأخبار الإسرائيلية من هذه القصة الجمّ اء الغفير من الروايات ، وأكْ ثَرَ مِن نقلها الثعلبي (ت:421) في تفسيره (3)،وتبعه من أهل الرِّواء والأدب النويري (ت:111) (2) في نهايته(1). ولعل من أهم أسباب انعقاد الخلاف كونَ مفردة النعجـة " لهـا دلالتـان أثرت على مجريات الأحداث، وسياقات القصة، فمن دلالاتها: (3) انظرتفسير الكشف والبيان للثعلبي (8/392) . والثعلبي هوأحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي (ت:421) صاحب التفسير المشهور، والعرائس في قصص الأنبياء، كان أوحد زمانه في علم القرآن، عالماً بارعً ا في العربية، حافظً ا . انظر : وفيات الأعيان (3/19)، وطبقات المفسرين للداوودي (3/66. ) (2) أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم (ت:111)،البكري، القرشي، النويري، المصري، المؤرخ، نسبته إلى نويرة(ناحية بمصر)، من مصنفاته: التاريخ الكبير، ونهاية الأرب في فنون الأدب . انظر : هدية العارفين (5/338)، ومعجم البلدان5/132)، والأعلام3/365.) (1) انظرنهاية الأرب في فنون الأدب، لأحمد النويري (34/49.)
عدد الصفحات ٢٨١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 282 الدلالة الأو: أن النعجة تطلق ويراد بها المرأة، وكانت العرب تُكنِّي عن المرأة بالنعجة (3)؛ لأن القرآن أنزل بلسان قوم، وبلغاتهم، وما يتعارفونه بينهم، ويستعملونه في منطقهم، قال مقاتل (ت:353) " يع تسعًا وتسعين امرأة " (2). وذكرالبخاري (ت:256) إطلاق النعجة والشاة على المرأة(1). وإنما أطلقت العرب على المرأة نعجة؛ لما هي عليه من السكون، وضعف الجانب، وقد يُكنَ ى عنها بالبقرة والحَ جَر والناقة؛ لأن الكلّ مركوب (4) .قال الثعل (ت:421): "وهذا من أحسن التعريض، حتّى كنّى بالنعاج عن النساء " (5). ويشهد على هذه الدلالة، عدةُ أمور: أ-قراءة ابن مسعود (ت:12) - - " نعجة أنثى" (6). ب-ويشهد لها كذلك ما نقله أبو بكر الأنباري (ت:128) (1) عن عنترة(8): يا شاةَ ما قَنَصٍ لمنْ حَلَّتْ له حَرُمتْ عليَّ وليتَها لم تَحْرُمِ (9) (3) انظرلسان العرب (2/183.) (2) تفس مقاتل بن سليمان (1/336)، وأصل العبارة( يعني تسعة وتسعون امرأة (1) صحيح البخاري (1/3251). (4) انظرأحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي (4/49). (5) تفس الكشف والبيان (8/389). (6) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/341)، وشواذ ابن خالويه ( ص313 )، ومعاني القرآن للنحاس (6/91)، وشواذ القراءات للكرماني ( ص433 )، والنشر3/28.) (1) انظرالزاهر (3/133)،جمهرة أشعار العرب، لأبي زيد القرشي (3/349 . ) (8) عنترة بن شداد بن قراد بن مخزوم، الفارس المشهور، وإنما سمي عنترة الفوارس؛ لكثرة ملاقاته فرسان العرب، وإغارته على أحيائها. مات قبل الهجرة بثنتين وعشرين سنة . انظر : المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم، للحسن بن بشر الآمدي (ص:391)،المذاكرة في ألقاب الشعراء، لأبي المجد اسعد بن إبراهيم الشيباني الإربلي (3/5.) (9) العرب تكني عن المرأة بالنعجة، والقنوص، والقلوص هي: الناقة الشابة، فكنى عن امرأة، وقال : أي صيد أنت لمن يحل له أن يصيدك، فأما أنا فإن حرمة الجوار قد حَرَّمتكِ عليّ .
عدد الصفحات ٢٨٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 283 ج-أنه لم يُعدل عن ذكر الكبش في مثل هذا الموضع إلا لأنه أراد المرأة (3) . ويَ قرُ ب من هذا التعليل اختيار النعجة دون العنز، وذلك على ماجرت عليه العرب من إطلاق النعجة على الزوجة، قال الجاحظ(ت:255) (2): "و يقل: إنَّ هذا أَخي له تسعٌ وتسعونَ عَنْزَاً وَلي عنزٌ واحدة لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة " (1). الدلالةالثانية: أن النعجة تطلق ويراد بها الأنثى من الضأن، وقد تطلق النعجة عند العرب ويراد بها: البقرة الوحشية، أو الظبية (4). والذي يظهر- والعلم عند الله - ترجيح الدلالة الثانية لأمرين: أحدهما: أن هذه الدلالة موافقة لظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة (5). قال أبو حيان (ت:145): "فما حكى الله تعالى في كتابه يُمرُّ على ما أراده تعالى، وما حكى القصاص مما فيه غَضّ عن منصب النبوة طرحناه " (6). = انظررسائل الثعالبي، لعبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي ( ص:381 )، وكشف المشكل (3/291)، وزاد المسير (1/323)، ولسان العرب (1/82) . (3) انظرالمثل السائر (2/381) . (2) عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ (ت:255)، من أهل البصرة، أحد شيوخ المعتزلة، له كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان،وكتاب العرجان والبرصان والقرعان. انظر : معجم الأدباء (4/411)، وبغية الوعاة (2/228.) (1) الحيوان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (5/455) . (4) انظرجمهرة اللغة (3/486)، تهذيب اللغة (3/245. ) (5) انظر : قواعد الترجيح3/311) . (6) تفس البحر المحيط (1/118) .
عدد الصفحات ٢٨٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 284 فالأو أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، ويفهم ما كان من ظاهرها، وأن يرد علم ما لا علم لنا به إلى الله - عز وجل - (3). قال ابن حزم(ت:456): "إنما كان ذلك الخصم قومً ا من بني آدم بلا شك، مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم، بغى أحدهما على الآخر على نص الآية، ومن قال أنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء فقد كذب على الله - عز وجل- " (2). قال السعدي (ت:3116): " وهذا الذنب الذي صدر من داود - 9- لم يذكره الله؛ لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به، وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محلُّ ه "(1) . أما قراءة ابن مسعود (ت:12) فلا دلالة فيها لترجيح الرأي الأول ؛ لأنها مؤكِّ دة لا مفسِّ رة، فهي محمولة على سبيل توكيد العرب الكلمةَ ، وإما أن يقال: عَنَى بقوله أنثى أنها حسنة (4)، والحُسْ ن يطلق على المرأة، وعلى النعاج من الضأن، ولكل حُ سْنُه المراد منه . ثانيهما: أن القول بأن " النعجة " هي المرأة سيفتح المجال للانحراف بمسار القصة إلى ما ذُكر من روايات إسرائيلية باطلة، ذهب المحققون من أهل العلم لإبطالها بدلائل، وحجج، و إلزامات ممّ ا سبيل الأنبياء التنزه عنها، من هذه الدلائل والحجج: (3) انظرتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/12). (2) الفصل في الملل (4/34). (1) تيس الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/132). (4) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/341) .
عدد الصفحات ٢٨٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 285 أ- إنكار علي - - على من حَ دَّث بها، بل إنه هدد وتوعد من فعل ذلك قائلاً :" من حَدَّث بما يقول هؤلاء القُ صّاص في أمرِ داود -9- جلدته حدين" (1) . ب-يلزم من إثبات القصة الباطلة أن يكون داود -9- خطب على خطبة غيره (2). ج-إظهاره -9- بمظهرالحريص على التزويج مع كثرة مَن عنده من النساء (1). د-تضعيف المُ حدِّ ثون لأمثال هذه القَ صَص . وقد ذكر ابن جرير الطبري (ت:133) أن ما يُذكر من أخبار نبي الله داود -9- إنما هو من مزاعم أهل الكتاب (4). قال النحاس(ت:118): "وقد جاءت أخبار وقصص في أمر داود - 9- وأوريا، وأكثرها لا يصح، ولا يتصل إسناده، و لا ينبغي أن يُجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها " (5). قال ابن كث(ت: 114): "لم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن رَوَى ابن أبي حاتم (ت:121 )هنا حديثً ا لا يصح سنده " (٠). (3) أي363 جلدة، قال الماوردي في تفسيره(5/89":) لأن حد الناس ثمانون وحد الأنبياء ستون ومائة". انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/349)، والجامع لأحكام القرآن ( 35/383)، والتسهيل لعلوم التنزيل (1/382). (2) انظرأحكام القرآن للجصاص (5/254) . (1) المرجع السابق (5/254. ) (4) انظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/349. ) (5) معا القرآن، للنحاس (6/98.) (6) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/12).
عدد الصفحات ٢٨٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وبنحوه قال السيوطي(ت:933) في الإكليل(3). قال الشنقيطي (ت:3191): "كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعًا إلى النبي لا يصح منه شيء " (2). هـ-أن هذه القصة وأمثالها من تعمّد كذب اليهود ، وقد ذكر البقاعي (ت:885) أن يهوديًا أسلم فأخبره أنهم يتعمدون ذلك في حق نبي الله داود - 9- ؛ لأن عيسى - 9- من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه (1) . (3) انظر الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي ( ص:223 ) . (2) أضواء البيان (6/119) . (1) انظرنظم الدرر (6/116) .
عدد الصفحات ٢٨٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 287 النوع الثالث تَغيَّ ر يؤثر على فصل من فصول القصة من المفردات التي كان لها التأثير القوي في أحداث القصة ومجرياتها مفردة " شَرِي "من قول الله - تبارك و تعالى-:ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﭼ يوسف ٦. وعند الرجوع إلى الدلالة المعجمية قبل النظر إلى الدلالة التفسيرية، يُعلم أن لفظة شري من الأضداد. قال ابن فارس (ت:195): " شريت الشيء، واشتريته: إذا أخذته من صاحبه بثمنه، وربما قالوا: شريت. إذا بعت" (3). وقد شريت الشيء فأنا أشريه، إذا بعته، وإذا اشتريته (2). وذكر الأصمعي (ت:235) أن اشتريته وشريته على وجهوهما من الأضداد، وأوضحُ الوجهين في شريته معنى البيع، وعليه التنزيل، قال الله -تبـارك و تعـالى -: ﭽﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ البقرة: 7، و قال الله -تعالى-: ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ النساء: 74 (1). ووافق الأصمعي(ت:235) الراغبُ (ت:532) فقال: " وشريت بمعنى بعت أكثر " (4). (3) مقاييس اللغة (1/266) . (2) انظرالزاهر في معاني كلمات الناس (2/244). (1) انظرالأضداد في كلام العرب، لأبي الطيب عبد الواحد بن علي الحلبي ( ص:153 . ) (4) المفردات في غريب القرآن ( ص:263 . )
عدد الصفحات ٢٨٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 288 ومنه قوليزيد بن مُفرِّ غ الحِ ميَ ري (ت:69) (3) نادمًا على بيعه غلامَه بُردًا : وشريت بُردً ا، ليتـــني من قبل برد كنت هَــامَ ه (2) قال الفراء (ت:231): " سمعت أعرابيً ا يقول: بعْ لي تمرًا بدرهم، يريد: اشتر لي "(1). يتبيَّن من كلام اللغوي ين أن " شريته " تُطلق ويُراد بها : البيع، أو الشراء ، وإطلاقها على البيع هو الأكثر، وعليه نزل القرآن. أما ما قاله أهل التأويل بالنسبة للدلالة التفسيرية، فكانوا على ما كان عليه أهل اللغة من صحة إطلاق المفردة "شَ رِيَ " على الوجهين. إلا ما جاء عن الطاهر ابن عاشور(ت:3191)، فهو يرى أن "شَرِيَ " لا تأتي في اشترى، حيث قال: " وما ادّعاه بعض أهل اللغة أن شرى واشترى مترادفان في معنيهما يغلب على ظني أنه وَهَم ، إذ لا دليل يدل عليه" (4). أما بقية المفسرين فجاءاختلافهم في تنزيل المعنى على المفردة القرآنية، هل الصفقة كانت بيعًا أم شراءً ؟ (3) يزيد بن مُفرِّ غ الحميري (ت:69)،من فحول شعراء الدولة الأموية، ولقب مُفرِّ غًا؛ لأنه راهن على سقاء من لبن فشربه حتى فرغه، ولابن مفرغ هجو مقذع، ومديح، ونظمه سائر . انظر : طبقات فحول الشعراء (2/683)، الأغاني (1/249.) (2) الهامهكانت العرب في الجاهلية تزعم أن أرواح الموتى تطير وتكون بومة . والبيت من قصيدة هي من أجود قصائده، والتي مطلعها : أصرمتَ حبلك من أمَ امِ ه من بعد أيــامٍ برامِ ه والقصيدة كاملة في طبقات فحول الشعراء (2/689)، وأمالي الزجاجي، لعبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النهاوندي الزجاجي ( ص:13 .) (1) نقله عنه الأنباري في كتابهالزاهر في معاني كلمات الناس (2/244). (4) تفس التحرير والتنوير (32/31) .
عدد الصفحات ٢٨٨