المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ١٧ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 257 كتابً ا، كما أشار إليه ، فلو كُ لِّفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع " (3) . وفي القرآن من اللغات ما يقارب خمسين لغة (2). فلذا غدت القراءات مصدرًا أصيلاً لدراسة اللهجات ؛ لأنه متى وافقت القراءة وجهًا من أوجه العربية ، فالقراءة صحيحة ، حتى ولو سميت شاذة ، إذ الشذوذ قد يكون بسبب مخالفتها المصاحف العثمانية، مع صحتها سندًا . كالذي جاء عن أبي الدرداء (ت:12)، وابن مسعود (ت:12)، وغيرهم من طريقٍ صحيحٍ بزيادة، أو نقص، أو إبدال كلمة بأخرى، فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة ؛ لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحً ا ثابتًا (1). ويؤكد ذلك ما قاله ابن خالويه(ت:113) (4) في مقدمة حجته " فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة من أهل الأمصار الخمسة المعروفين بصحة النقل، وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية، فرأيت كلاً منهم قد ذهب في إعراب ما انفرد به من حرفه مذهبً ا من مذاهب العربية لا يُدفع، وقَ صَد من القياس وجهً ا لا يُمنع، فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية، غير مُؤثِ ر للاختيار على واجب الآثار" (5). (3) النشر في القراءات العشر، للحافظ محمد بن محمد الشهير بابن الجزري (3/22). (2) انظر: الإتقان علوم القرآن (2/193)، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي (33/293)، اللهجات العربية في القراءات القرآنية ( ص93-93 .) راجع للفائدةكتاب اللغات في القرآن لابن حسنون المقرئ المصري . (1) انظرمناهل العرفان في علوم القرآن (3/121. ) (4) الحس بن أحمد بن خالويه بن حمدان أبو عبد الله (ت:113)، اللغوي، النحوي، من كبار أهل اللغة والعربية، من كتبه :مختصر في شواذ القرآن، و "ليس" في كلام العرب، و الشجر . انظر : معجم الأدباء (1/99)، ووفيات الأعيان (2/318. ) (5) الحجة في القراءات السبع ( ص:63-62 ) .

عدد الصفحات ٢٥٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 258 واللهجات العربية تنقسم باعتبار إفادتها الدلالية إلى قسمين: الأول: ما لا يضيف معنى دلاليًّ ا. من اللهجات القرآنية ما لا أثر له في تغير الدلالة، والعرب بلهجاتها أفـرزوا للعالم تنوعً ا ظاهرً ا في النطق ، سواء كان هذا التنوع داخلاً على الأحرف الصّ امتة، مثل: الهمز وما يعتريه من تحقيق أو تسهيل، أو داخلاً على الحركات الصائتة، وهي الفتحة، والضمة، والكسرة، وما يعتريها عند بعض القبائل العربية مـن إمالـة (3) أو فتح، ومن ذلك: تسهيل قارئ المدينة أبي جعفر (ت:321 )للهمزة، أو حذفها، وهو بذلك يمثل بيئته المدنية خير تمثيل. ومنه ما تفرد به من قراءته بحذف الهمز، وضم ما قبلها في المفردات الآتية من قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﭟ ﭼ يس: ٠، ﭽ ﯪﭼ البقرة: 14،ﭽ ﮧ ﭼ الصافات: ٠٠ (2). ومن ذلك قراءة ابن كث (ت:323) قول الله- تبارك و تعالى-: ﭽ ﰍ ﰎ ﰏ ﭼ النمل: 44، فقرأها وحده بالهمز ﭽسأقيها ﭼ (1). ومن القراءات الشاذة ما رواه قطرب (ت:236) (4) عن بعض القرّ اءﭽمؤسىﭼ و ﭽ أم مؤسىﭼ (5). (3) الإمالة : هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء، وبالفتحة نحو الضمة، وبالألف نحـو الواو. انظر: سر صناعة الإعراب (3/53)، النشر2/29-13. ) (2) النشر (3/196) . (1) انظرالسبعة في القراءات ( ص:481 )،الحجة في القراءات السبع ( ص:212 . ) (4) محمد بن المستنير بن أحمد أبو علي، المعروف بقطرب (ت:236)، البصري، النحوي اللغوي، مـن الموالي، أخذ النحو عن سيبويه، كان يرى رأي المعتزلة النظامية، من كتبه :معاني القرآن، و النوادر. انظر : معجم الأدباء (5/445)، ووفيات الأعيان (4/132) . (5) انظر : المحتسب ( ص531 )، وإبراز المعاني من حرز الأماني (3/254)، والنشر3/161. )

عدد الصفحات ٢٥٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 259 الثاني: ما يضيف معنى دلاليًا. اختلاف اللهجات تُعطي في بعض جوانبها معاني دلاليّ ة مختلفة، والمقصود به اختلاف الألفاظ المنبثقة من المدلول الواحد، كأن يُطلَق على ش يء كذا، ويكون له في قبيلة أخرى مسمىً آخر، وهذه الدلالة اللّ غوية تبرز جدًّ ا في تفسير القرآن، فقد تطرق جلٌ من روّاد المفسرين هذا الباب، وامتطوا صهوته غَرَضَ توضيحِ المعاني، أو تثويرِها ، بذكر ما يقابل المفردة من اللهجات الأخرى. وما تضيفه هذه اللهجات من دلالات على أنواع: الأول: اللهجة التي تسهم في الترجيح اللُّ غوي: يتنازع المفسرون في مفردة ، وكل يُعمل ما يراه مُرجّحًا لاختياره على اختلاف في المرجحات، ومن هذه المرجحات النظر فيما يشفع للمعاني من اللهجات العربية، ومن الأمثلة على ذلك خلافهم في مفردة الخمر في قول الله - تعالى - من قصة صاحبي يوسف - 9-: ﭽﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ يوسف: ٠، ومن منطلق هذه الآية، ينقدح سؤال معروف: كيف يعقل عصر الخمر، وإنما يُ عصر العنب لا الخمر؟ أجاب العلماء عنه بثلاثة أجوبة: الأول: أن يكون هناك مضافً ا محذوفً ا تقديره: أعصر عنب خمر (3). وهذ اواب يضعفه أن التقدير خلاف الأصل، وإذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى ؛ لأن الأصل عدمُ ه (2). (3) انظرأحكام القرآن، للجصاص (4/181)، التفسير الكبير (38/338). (2) انظرالبحر المحيط في أصول الفقه (2/183)، والبرهان في علوم القرآن (1/334)، والإيضاح في علوم البلاغة ( ص:259 )، وإرشاد الفحول (3/219. )

عدد الصفحات ٢٥٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦٠ الثاني: أن العرب تسمّ ي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس. يقولون: فلان يطبخ دِبْسًا، وهو يطبخ عصيرًا ، وفلان يطبخ الآجُ ر، أي: يطبخ اللبن للآجر (3). قالأبو القاسم الزجاجي(ت:111) (2): "والعرب قد تسمي الشيء باسم عاقبته، كما قال الله-تبارك وتعالى-:ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ إنما كان يعصر عنبً ا تؤول عاقبته إلى أن يكون خمرً ا، فسماها بذلك " (1). والثالث: أن الخمر هي (4): العنب، وهي لغة عمان (5) عند أكثر المفسرين، وأضاف في البحر، أنها بلغة غسّان (6). قال أبو حنيفة (ت:353): وزعم بعضُ الرُّواة أنه رأى يمانيًّ ا قد حمل عنباً ، فقال له: ما تَحمل ؟ فقال: خمرًا، فسمَّى العنب خمرً ا (1) . (3) انظرمعالم التنزيل (2/425)، التفسير الكبير (38/338) ، النكت والعيون (1/16). (2) هو عبدالرحمن بن إسحاق الزجاجي، النحوي، البغدادي (ت111)، لقب بالزجاجي نسبة إلى شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، له:" الجمل "و" الأمالي "و" حروف المعاني" وغيرها . انظر : وفيات الأعيان (1/316)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ( ص:313 .) (1) كتاب اللامات، لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (3/339). (4) الخمرمؤنثة، وكذلك جميع أسمائها وصفاتها مثل الراح، والعقار، والشمول ...، وذهب الفراء بأنها قد تذكر. انظر : المذكر والمؤنث، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء ( ص:11 )، المذكر والمؤنث، لسعيد بن إبراهيم بن التستري الكاتب (3/4). (5) انظرغريب الحديث لابن قتيبة(3/543)، ومعاني القرآن، للنحاس (1/426)، والجامع لأحكام القرآن (9/393)، وتفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري (4/88 ). (6) انظرتفسير البحر المحيط (5/138)، وقالالخمر بلغة غسان اسم العنب، وقيل : في لغة أزد عمان " . (1) انظرغريب الحديث لابن قتيبة (3/543)،المحكم والمحيط الأعظم (5/385) .

عدد الصفحات ٢٦٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 1 ويستشهدون على هذه اللهجة بقول الراعي(ت:93): ينازع بها نُدمانُ صِدقٍ شِواءَ الطيرِ ، والعنبَ الحقينا (3) وهذا الرأي تؤيده قراءة ابن مسعود(ت:12)- - " إني أراني أعصر عنبًا " (2). فأعطت هذه القراءة دلالة تفسيرية، يُستطاع من خلالها التمييز بين الصحيح من الأقوال، خصوصًا مع تقارُ بها، وتلاقيها عند نتيجة واحدة، وهي أن المعصور هو العنب لا الخمر. ورأى أبو حيان (ت:145) أن قراءة ابن مسعود(ت:12)- - من قبيل التفسير، وأنه ينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لا على القراءة ؛ لمخالفتـه سـواد المصحف (1). وهــذ ه القــراءة أخرجهــا البخــاري (ت:256) في تاريخــه (4)،وابــن جرير(ت:133)(5)، وابن أبي حاتم (ت:121) (6)،وابن كثير (ت: 114) (1)، وفي الـدر المنثور من طرق عن ابن مسعود (ت:12) - - قال: " والله لقد أخذتها مـن رسول الله هكذا" (8). قال الآلوسي(ت:3213)": فافهم " (9). (3) انظرلسان العرب (4/255)، تاج العروس (33/233). (2) انظرتفسير الثوري (3/342)،التاريخ الكبير (3/214)،جامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/235)،تفسير ابن أبي حاتم (1/2342. ) (1) انظرتفسير البحر المحيط (5/138) . (4) انظرالتاريخ الكبير (3/214.) (5) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/235. ) (6) انظرتفسير ابن أبي حاتم (1/2342. ) (1) انظرتفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/419). (8) انظرالدر المنثور (4/516. ) (9) انظرروح المعاني (32/219).

عدد الصفحات ٢٦١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 2 ولعله لم يرتض قول أبي حيان (ت:145) فيما نحى إليه، من ترك قراءة ابن مسعود (ت:12) - - لصحة سندها عنده. الثاني: اللهجة التي لا توافق دلالتُها اللغويةُ السياقَ : من الدلالات ما يكون صحيحً ا في ذاته ، لكن سياق القصة لا يوائمها ، فألصقها بعض المفسرين بالمفردة، وهي أبعد ما تكون من سباق القصة ولحاقها، أو من المشهور في كلام العرب وعاداتها. ونظير ذلك من فسر الغيب بالليل في قصة يوسف -9- في قوله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ يوسف: 81: "فكأنهم قالوا: وما شهدنا عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه " (3). فإن الغيب اسم الليل على بعض اللغات، وهي لغة حِمْيَر (2). وذهبالخازن (ت:143) (1) إلى أن معالآية على هذه اللغة: "ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، وذهابه حافظين" (4). ولعل المراد من كلامه ، أن الآية أطلقت الليل، بينما المراد الأحوال كلها، وهذا من إطلاق البعض وإرادة الكل. (3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/213) . (2 ) انظر : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/213)، التفسير الكبير (38/352)، لباب التأويل في معاني التنزيل (1/136)، تفسير البحر المحيط (5/112)، روح المعاني (31/11). (1) على بن محمد بن إبراهيم (ت:143)،البغدادي، الصوفي، المعروف بالخازن عالم بالتفسير والحديث، من فقهاء الشافعية، له كتب منها : عدة الأفهام في شرح عمدة الأحكام ، و مقبول المنقول . انظر : الدرر الكامنة (4/335)، وطبقات المفسرين للداوودي3/426.) (4) لباب التأويل في معاني التنزيل (1/136) .

عدد الصفحات ٢٦٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 3 كقوله-تعالى- مبينًا هلاك أبي لهب : ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ المسد: 1، فإنه ذكر اليد ، وذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل، وكذلك في قوله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ العلق: ٠، مع أن الكاذب هو صاحبها (3). وقد وصف أبو حيان (ت:145) هذا التفسير بالغرابة(2). بينما قالالآلوسي (ت:3213): "وأنا لا أدري ما الداعي إلى هذا التفسير المظلم مع تبلج صبح المعنى المشهور" (1). الثالث: اللهجة المستبعدة لعدم تنزيهها لمقام النبوة : يركب أهل الأهواء موجة العطف والصرف في تحويل معاني المفردات إلى ما يوافق أهواءهم، ومن الآيـات الـتي تنـازعوا فيهـا ، مـا قصـه الله عـن آدم -9- من قوله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ طه: 121 ودلالة هذه الآية حصلت ملحمة قديمة مشهورة بين أهل السنة القائلين بعدم عصمة الأنبياء، وبين من يرى عصمتهم، من أهل والكلام، والشيعة، وكثير من المعتزلة، وبعض الأشعرية، وغيرهم، ممن يوجب عصمة الأنبياء من الصغائر. وكان دوران الملحمة حول الدلالة التي ترسمها لفظة ﭽ ﯕ ﭼ. فكانت الفرق نحوها ثلاثً ا: نقيضين، ووسطً ا: (3 ) انظرأضواء البيان (9/344) . (2) انظر : تفس البحر المحيط (5/112) . (1) روح المعا(31/11) .

عدد الصفحات ٢٦٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 4 أما النقيض الأول: من ذهب إلى ثبوت العصمة (3)، ورَ مَى بالمعنى إلى تعسفات بعيدة، وتأويلات سحيقة، وهؤلاء فروا من شيء ووقعوا فيما هو أعظم منه، ألا وهو تحريف الكلم عن مواضعه. أما النقيض الثاني: فهو الشاهد من إيراد هذه الآية الكريمة، وهو من لم يثبت العصمة ، وزاد حتى نحا بقوله إلى عدم تنزيه جناب النبوة ممّن هم عنه في سلامة ووقاية. وتوضيح ذلك: ذهب بنو طيء في لهجتهم إلى قلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً ، فيكون المعنى: فبَ شِم (2) آدممن كثرة الأكل (1). وهذا خطأ من وجهين (4): أحدهما: أنه لا يقال من البَ شَم:غوى يغوي، وإنما يقال: غوي يغوى. والثاني : أن قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف:ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ الأعراف:22 ، يدل على أنهما لم يكثرا من التناول، والذوق في اللغة: اختبار الطعم، وأصله فيما يقلُّ تَناوله ، فإِنَّ ما يَكثُر من ذلك يُقالُ له: الأَكْل (5). قال الزجاج(ت:133):" يدل على أنهما ذاقا ذوقًا ، ولم يبالغا في الأكل " (6) (3) انظرعلى سبيل المثال : أحكام القرآن للجصاص (4/232)، التفسير الكبير (22/333)، لباب التأويل في معاني التنزيل (4/281) . (2) هو أن يكثر من الطعام حتى يُكربه. يقال: بشمت من الطعام . لسان العرب (32/53) . (1) انظرزاد المسير (5/113) . (4) انظر : تأويل مختلف الحديث (3/68)، تهذيب اللغة (8/386)،الكشاف (1/94)، زاد المسير (5/113). (5) انظرتاج العروس (25/126)، المعجم الوسيط (3/138) . (6) معا القرآن، للفراء (2/265) .

عدد الصفحات ٢٦٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 وقال النحاس (ت:118): "وهذا يدل على أنهما لم يمُعِنا في الأكل " (3). وقال الخازن(ت:143): "وفيها دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصدً ا إلى معرفة طعمه ؛ لأن الذوق يدل على الأكل اليسير" (2). لكن ما ذُكر في الوجه الثاني هو مشكل في الحقيقة ! لأن الله قد أثبت لهما الأكل في سورة طه فقال: ﭽ ﮥ ﮦ ﭼ طه: 121، ولولا أنه -تبارك و تعالى- ذَكَر في هذه الآ ية أنهما أكلا منها، لكان ما في آية الأعراف لا يدل على الأكل، لأن الذائق قد يكون ذائقاً من دون أكل (1). ولذا قال بعض المفسرين جمعًا بين دلالتي الذوق والأكل ، أنهما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها (4). وألمح ابن عاشور (ت:3191) إلى أن الذوق في سورة ا عراف ترتب عليه انكشاف العورة، فزادت هذه الآية على ما في آية طه من الأكل. قال ابن عاشور(ت:3191): "ودلت هذه الآية على أن بُدُوّ سوآتهما حصل عند أوّل إدراك طعم الشّجرة، دلالة على سرعة ترتّب الأمر المحذور عند أوّل المخالفة " (5). وفيما قال مِ ن جمع قد امتلأ بالعظات، ما يستحق التأمل والتفكر ! القول الوسط: وهو أن تفسر الغواية بالخطيئة، وما جاء في القرآن فإنه يُفسر بما صح عن رسول الله ، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله : احتج آدم، وموسى، فقال له (3) معا القرآن، للنحاس (1/23 ). (2) لباب التأويل في معاني التنزيل (2/231). (1) انظرالتفسير الكبير (34/43) . (4) انظرتفسير النسفي (2/1)، تفسير البحر المحيط (4/283). (5) تفس التحرير والتنوير (8/62. )

عدد الصفحات ٢٦٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٠ موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق، فقال رسول الله :" فحج آدم موسى" مرتين (3). ومن أجمل ما قيل اعتذارًا وأدبًا في قصة آدم - 9-، وفيما بدر من بعض أنبياء الله ما قاله ابن تيمية (ت:128)، ولأن المقام مقام دفاع وتوضيح، آثرت نقله كما هو. قال - رحمه الله -: " وإنما ابتلى الله الأنبياء بالذنوب رفعً ا لدرجاتهم بالتوبة، وتبليغً ا لهم إلى محبته، وفرحة بهم، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويفرح بتوبة التائب أشد فَرحٍ ، فالمقصود كمال الغاية لا نقص البداية، فإن العبد تكون له الدرجة لا ينالها إلا بما قدره الله له من العمل أو البلاء " (2). إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعض أنبيائه، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، واستغفروا منها، وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة، لا تقبل التأويل، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة (1). (3) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي،باب: وفاة موسى وذكره بعد، حديث رقم (1433. ) (2) فتاوى ابن تيمية (23/89) . (1) انظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (33/255)

عدد الصفحات ٢٦٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 المبحث الخامس تنوع الدلالة وأثرها على مجريات القصة هذا المبحث يحتاج فيه الدارس إلى مزيدٍ من السَّ بر والعناية، والنظر والتأمل ؛ لما في اختلاف الدلالة من الأثر الواضح على بقية دلالات القصة، والتي بدورها تعطي اتجاهًا مغايرًا للسمات والأحداث التي تدور حولها . لذا، فالخلاف في هذا الباب واقع بين عامة مدارس التفسير، سواء ما كان منها في عهد الصحابة والتابعين، أو من جاء بعدهم من المفسرين على اختلا ف مشاربهم، ومذاهبهم، حتى بلغ الأمر إلى انزلاق بعض المفسرين بالدلالة في القصة إلى قول يُ نزّ ه عنه جناب الأنبياء والرسل، بل ووَ جَد اليهودُ من اختيار هذه الدلالة فجوة للطعن بالرسل، وتنقيص كرامتهم. وهذا التغير الدلالي أنواع، فإما أن يكون أثره : مُؤثِّرًا على كامل مجريات القصة أو على أكثر مجرياتها، أو على فصل من فصولها أو على مشهد قصير من مشاهدها. وتفصيل ذلك في الآتي.

عدد الصفحات ٢٦٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 النوع الأول تَغيُّ ر يؤثر على كامل مجريات القصة قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ الدخان: 9 – ٠. اختلف أهل التفيسر في وقت وقوع هذه الحادثة إلى أقوال متعددة، وسبب ذلك؛ تعدد الدلالة المعجمية لمفردة " الدخان " إلى دلالتين، فمن اختار الدلالة الأولى رأى أن الدخان مضى، ومن اختار الثانية فالدخان مُرتقب . وبالرجوع إلى أهل اللغة تُحصر الأقوال فيها على دلالتين : الدلالة الأولى: قال ابن فارس (ت:195): "الدال، والخاء، والنون، أصل واحد، وهو الذي يكون عن الوقود " (3). ويقال: دَخَنَت النارُ ، إذا ارتفع دخانُها ، والدخان معروف، وقياس جمعه في القلة: أدخنة، وفي الكثرة: دُخنان (2). الدلالةالثانية: أن الدخان: هو الجَدْب ، ومنه قيل لسنة الْمجَاعةِ : غَبْرَاءُ ، وجوع أَغْبَر . وربما وضعت العرب الدخان في موضع الشر إذا علا، فيقال: كان بيننا أمر ارتفع له دخان (1). (3) مقاييس اللغة (2/116 ). (2) انظر : تهذيب اللغة (1/116)، ومختار الصحاح ( ص:84 )، وتفسير البحر المحيط (8/12. ) (1) انظر : غريب القرآن للسجستاني (3/224)، والأزمنة والأمكنة، لأبي علي أحمد بن محمد الأصفهاني (3/332)، وتهذيب اللغة (1/321)، ولسان العرب (31/353. )

عدد الصفحات ٢٦٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 9 قال أبو عبيدة (ت:239):" الدخان هو الجَدْب (3). وقال ابن قتيبة (ت:216): " قيل للجوع دخان ؛ ليبس الأرض في سنة الجدب"(2). هذا ما قاله أهل اللغة في الدخان، ومن بعدها انطلق المفسرون في تأويل هذا الدخان، والبحث عن زمان وقوعه، وحقيقة ذلك ، فكانت لمحصلة ذلك أقوال: القــول الأول: إن الدخان هو الجدب. قال الزجاج (ت:133): "وفي أكثر التفسير على أن الدخان قد مضى(1). وعلى هذا يكون المراد ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع، حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان. فيكون معنى نسق الآيات على هذا القول: فانتظر يا محمد مشركي قومك، يوم تأتيهم السماء من البلاء بمثل الـدخان ، يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم، و يقولون هذا عذاب أليم موجع. وهم يضرعون إلى ربهم بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد عنهم، ويقولـون : إنك إن كشفته آمنا بك وعبدناك، فإذا كشف الله عنهم ما بهم من ضر لم يفوا بمـا عاهدوا، ولكنهم عاودا في ضلالتهم، فبطـش بهم-جل ثناؤه- بطشته الكـبرى في الدنيا فأهلكهم قتلاً بالسيف، والتي هي يوم بدر. (3 ) مجاز القرآن( ص:252 ) . (2 ) انظر : تفسير غريب القرآن، لأبي عبدالله محمد بن مسلم بن قتيبة ( ص432 ). (1 ) معاني القرآن للزجاج(4/121) .

عدد الصفحات ٢٦٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ وبنحو هذا القول قال ابن جرير (ت:133) (3)، وهو اختيار ابن أبي زمنين (ت:199) (2)، ورجحه الشوكا (ت:3253) (1)، والطاهر ابن عاشور (ت:3191) (4). واستدل أهلهذا الرأي بالآتي: الدليل الأول: ما رواه البخاري (ت:256) بسنده عن مسروق (ت:61) (5): "بينما رجل يحُ دّث في كِ ندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود (ت:12)، وكان متكئً ا فغضب، فجلس، فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم لا أعلم، فإن الله قال لنبيه ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ ص: ٠، وإن قريشً ا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ، فقال:" اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف". فأخذتهم سَ نة، حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويَ رى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان ، فجاءه أبو سفيان فقال :" يا محمد . جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله ". فقرأ ابن مسعود (ت:12): (3) انظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (25/334) . (2) انظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (1/231) . (1) انظر : فتح القدير (4/511) . والشوكاني هومحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني (ت:3253)، فقيه، مجتهد، من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء، له (334) مؤلفً ا، منها: نيل الأوطار، وفتح القدير، وإرشاد الفحول. انظر: الأعلام (6/298. ) (4) انظر : تفس التحرير والتنوير (25/281) . (5) مسروق بن الأجدع بن مالك أبو عائشة (ت:61)، تابعي ثقة، من أهل اليمن . انظر : الطبقات الكبرى (6/16)، الطبقات، لخليفة بن خياط العصفري ( ص:349 . )

عدد الصفحات ٢٧٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 271 ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ إلى قوله: ﭽ ﯞﭼ أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء، ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ يوم بدر، ولزامً ا يوم بدر ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ إلى قوله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﯘ ﭼ، والروم قد مضى" (3). وقد وافق ابن مسعود (ت:12)- - على تفسير الآية بهذا جماعة مـن السلف كمجاهد (ت:334) (2)، وأبي العالية (ت:91) (1)، وإبراهيم النخعي(ت:96)(4)، وقتادة (ت:338) (5) . قالابن جرير (ت:133): "الدخان الذي أمر الله نبيه أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم " (6). الدليل الثاني: مما استند إليه أصحاب هذا القول سياقُ الآيات، حيث كان الخطاب لمشركي مكة مذكراً إياهم بربوبيته فقال -سبحانه وتعالى-: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ الدخان: 8 – 9. (3) رواه البخاري في كتاب : التفسير، بابتفسير ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ، برقم (4114.) (2) تفس مجاهد (2/588) . (1) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (25/331). وأبو العالية هورفيع بن مهران(ت:91)، ويقال: فيروز أبو العالية الرياحي، مولى أعرابية من رياح. انظر : طبقات الفقهاء ( ص:91 )، ورجال مسلم، لأحمد بن علي الأصبهاني (3/239. ) (4) انظر : المرجع السابق (25/331). والنخعي هو إبراهيم بن يزيد أبو عمران (ت:96)،الكوفي، من أكابر التابعين، فقيه العراق. انظر : مشاهير علماء الأمصار ( ص:333 )، والهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، لأحمد بن محمد بن الحسين البخاري (3/63.) (5) انظر : المرجع السابق (25/331). (6) انظر : المرجع السابق (25/588.)

عدد الصفحات ٢٧١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 272 القــول الثـاني: إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغيوم ، قاله ابن الأعرج (ت:331) (3). قال ابن كث(ت: 114): "وهذا القول غريب جدًّ ا، بل منكر " (2). وفي إسناده ابن لهيعة (ت:394)، وحديثه عن غير العبادلة يعد من الأحاديث الضعيفة (1). القـول الثـــــــالث: وهو يقضي بأن الآيات متكونةٌ من مشهدين : المشهد الأول: ما يكون يوم القيامة، وهو المراد بقوله-تبارك وتعالى-: ﭽﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ فهذا كلّ ه يوم القيامة. (3) أخرجه ابن أبي حاتم (33/1281)- برقم38512. وابن الأعرج هوعبد الرحمن بن هرمز (ت:331)، ويكنى أبا داود مولى، ثقة، كثير الحديث. انظر : الطبقات الكبرى (5/281)، ومشاهير علماء الأمصار ( ص:11 .) (2) تفس القرآن العظيم لابن كثير (4/319) . (1) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي (ت:394)،الفقيه القاضي، كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا ، وقال أحمد:"ما حديث ابن لهيعة بحجة"، وأمره مضطرب لاحتراق كتبه . انظر : التوبيخ والتنبيه لعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (3/29)،وتهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني(5/121)، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلي المتقي بن حسام الدين (2/214)، والبدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، لأبي حفص عمر بن علي المعروف بابن الملقن (2/135. )

عدد الصفحات ٢٧٢