المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ١٥ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 225 رابعًا : ثم انتقل إلى اليبوسة، فيبس حتى صار صلصالاً ، أي: تسمع له صلصلة من يبسه، بقوله-تعالى-:ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الحجر: ٠، وقوله - تعالى-: ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الرحمن: 14، والعلم عند الله تعالى (3). (3 ) انظرأضواء البيان (2/214) .

عدد الصفحات ٢٢٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ ثالثًا : التنـوع في الأفعــــال مع تكرر القصة تأتي بعض أفعالها متنوعة في السياق ذاته ، مما يستدعي الوقوف مع سر الدلالة الناشئة عن هذا التنوع، فمن ذلك: قوله-تعالى-:ﭽ ﮄ ﮅﭼ البقرة: ٦٠،وقوله-تبارك وتعالى-:ﭽﭢ ﭣ ﭼ الأعراف: ٦٠، وقد انطلقت أقوال المفسرين في هذا التنوع إلى عدة أقوال: القول الأول: ذهب بعض المفسرين إلى أن الانبجاس والانفجار بمعنى، ولا دلالة تضيفها إحدى الآيتين إلى الأخرى، بل هو من قبيل التنوع والتفنن في الأساليب. وإلى هذا القول ذهب أبـو عبيـدة (ت:239)(3)،والنحـاس (ت:118) (2)، والزمخشري (ت:518) (1)، واستظهره الآلوسي (ت:3213) (4). القول الثاني: أن لهما مدلولين مختلفين، لكن اختلف المفسرون في تفسير الدلالتين إلى أقوال: أ - منهم من ذهب إلى تعدد الدلالة، وأن الانبجاس: فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار: يستعمل فيه، وفيما يخرج من شيء واسع. (3) انظرمجاز القرآن ( ص:92 . ) (2) انظرمعاني القرآن (1/92) . والنحاس هوأحمد بن محمد بن إسماعيل(ت:118)، أبو جعفر، النحوي، المصري، أخذ عن الأخفش الأصغر، والمبرد، والزجاج، وصنف كتبً ا منها: إعراب القرآن، ومعاني القرآن. انظر : وفيات الأعيان (3/99)، وبغية الوعاة (3/162. ) (1) انظر الكشاف (2/359. ) (4) انظرروح المعاني (3/213. )

عدد الصفحات ٢٢٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 227 إلا أنهما في الآيتين بمعنى واحد، وهو: معنى الانبجاس، فاستُ عمل اللفظـان حيث ضاق المخرج، وإلى هذا القول ذهب الراغب (ت:532) في مفرداته(3)، ونقله عنه المناوي (ت:3313) في التعاريف(2). ب - مذهب أبي عمرو بن العلاء (ت:351) (1) أن" انبجست " بمعنى: عَرَقَـت ، و" انفجرت" بمعنى: سالت. قال المفسرون: إن موسى - 9- كان إذا ضرب الحجر ظهر عليه مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يسيل، ونقله عنه السمين الحلبي (ت:156) (4)، وابن عادل (بعد:883) في اللباب(5). ج-أن الانبجاس: أول الانفجار وهو أخف من الانفجار، وأضيق منه . وذهب إلى هذا القول: الماوردي (ت:453)(6)، والقرطبي (ت:613) (1)، وابن عطية (ت:543) (8)،والكلبي (ت:143) (9). (3) انظرالمفردات في غريب القرآن ( ص:11 ). (2) انظرالتوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوي (3/335). وهومحمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين ابن علي المناوي (ت:3313) له نحو ثمانين مصنفا، منها الكبير والصغير، عاش وتوفي في القاهرة، من كتبه :كنوز الحقائق في الحديث، والتيسير في شرح الجامع الصغير. انظر : الأعلام (6/234) . (1) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي (ت:351)، كان مقدمً ا في عصره، عالماً بالقراءة، قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية، متمسكً ا بالآثار . انظر : السبعة في القراءات، لأحمد بن مجاهد ( ص: 19-83 )،معرفة القراء الكبار (3/333.) (4) انظرالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي (5/488). (5) انظر اللباب في علوم الكتاب، لعمر بن علي ابن عادل الحنبلي (9/152) . (٠) انظر : النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (3/321) . (7) انظرالجامع لأحكام القرآن (3/439) . (8) انظرالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/466) . (9) انظر التسهيل لعلوم التنزيل (2/52) . والكلبي هومحمد بن أحمد بن محمد ابن جزى الكلبي الغرناطي(ت:143)، مشارك في فنون العربية والفقه والأصول وله تصانيف منها : وسيلة المسلم في تهذيب مسلم، والبارع في قراءة نافع . انظر : غاية النهاية في طبقات القراء ( ص:135 )، والدرر الكامنة5/88-89.)

عدد الصفحات ٢٢٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 228 وعلى هذا القوليأتي هذ السؤال: كيف يمكن الجمع في موهم التعارض بين المفردتين؟ يقال: لعل مُ حصِّ لةَ هذا القول عند أصحابه أن كلا الأمرين وقع، لكنه كان بتدرج،كمنبع الماء إذا بدأ بالتدفق، فإن من صفات الانبجاس النبع فإن لم ينبع فليس بانبجاس (3)، قال في الكليات :" لعله انبجس أولاً ، ثم انفجر ثانيً ا"(2). وقد ألمح ابن كث (ت: 114) في ل فتة ذكية بعد اختياره هذا القول أن الانبجاس ذُكر في الأعراف لكونها مكية ، فناسبت أول الانفجار ، وجاء الانفجار في البقرة لأنها مدنية، وهو آخره. قال ابن كثير (ت: 114):" وأخ ههنا بما آل اليه الحال آخرً ا، وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار ههنا، وذاك هناك، والله أعلم " (1). أماابن الزبير الغرناطي (ت:138) (4)، فبين أن سبب تنوع المفردة في القصة الواحدة، كون سورة الأعراف جاء فيها الانبجاس، والذي هو مبدأ الانفجار، في سياق طلب بني إسرائيل، وطلبهم هو مبدأ السؤال قال -تبارك وتعالى-:ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ الأعراف: ٦٠، وفي سورة البقرة جاء الانفجار، في سياق طلب موسى - 9-، وطلبه هو (3) انظر : تهذيب اللغة33/136)، مقاييس اللغة (3/399. ) (2) الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأيوب بن موسى الحسيني الكفومي (3/233.) (1 )تفسير القرآن العظيملابن كثير (3/332. ) (4 )أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي (ت138) أبو جعفر، الحافظ النحوي، إليه انتهت الرياسة بالأندلس في شتى العلوم، من تأليفه: كتاب ملاك التأويل، والبرهان في ترتيب سور القرآن. انظر : الإحاطة في أخبار غرناطة، لأبي عبد الله بن سعد ابن الخطيب (3/12-11)، والدرر الكامنة (3/96).

عدد الصفحات ٢٢٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 229 غاية السؤال ونزول الإجابة قال-تبارك وتعالى -: ﭽﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭼ البقرة: ٦٠. قال ابن الزبير الغرناطي (ت:138): "الواقع في الأعراف طلب بني إسرائيل مـن موسـى - 9- السقيا، قال -تبارك وتعالى -:ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ والوارد في سورة البقرة طلب موسى - 9- من ربـه قـال -تبـارك وتعالى-:ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ . فطلبهم ابتداء، فناسبه الابتداء، وطلب موسى -9- غاية لطلبهم ؛ لأنه واقع بعده ومرتب عليه، فناسب الابتداءُ الابتداء، والغايةُ الغاية، فقيل جوابً ا لطلبهم: ﭽﭢﭼ وقيل إجابة لطلبه:ﭽ ﮄﭼ وتناسب ذلك وجاء على ما يجب، ولم يكن ليناسب العكس، والله أعلم"(3). ويقال أيضًا : إن من دواعي اختلاف المفردة في السورتين أح وال عطشهم ، وحاجتهم إلى الماء ، فلا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، ويخرج الماء كثيرًا، ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس فيخرج قليلاً (2) وا أعلم. (1) ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل (3/232) . (2) انظرالتفسير الكبير (1/89 ).

عدد الصفحات ٢٢٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ المبحث الثاني تنوع دلالة المفردة في القصة تعدد دلالة المفردة من الظواهر القرآنية اللُّ غوية الماتعة، ووَجَد هـذ المبحـث حيّزًا تأصيليًّا في كتب المعاني المعنية بالدلالات اللُّغوية ، وحيزًا موسـوعيًا أكـبر في التفاسير التي وُصِمت بذلك ، ففي طياتها العديد من تلك المفردات التي تَحمل دلالات عدّ ة ومختلفة، لربما أحدث كل معنى دلالي منها مسارًا مختلفًا ، وسياقًا مغايرًا ، وممـا يحددها ويدل على المراد منها: السياق والسباق الذي وردت فيه، ومن هذه النقطـة تتجلى أهمية الدراسة الشمولية للمفردة مع السياق، وأنه لا ينبغي أن تُدرس المفـردة مقطوعةً مبتورةً عمّا تقدمها وتأخرها. ومن المفردات المتعددة ما يصلح كلُّ معنى منها أن يكون من أحداث القصة وأطوارها، عندها يحتاج المُفسر إلى سلوك مُرجّح آخر غير ما ذكـر مـن السـياق والسباق، أكثر عمقًا ، وأدق دراسة، فينظر في أصالة الدلالات من حيث الشـذوذُ وعدمُه ، أو ما يعضدها من عادة قرآنية، أو سنة نبوية، أو آثار سلفية، أو غير ذلك، ومن خلالها يصل المفسر إلى اختيار الأوفق. و بهذا التَّمحيص يظهر مدى التقارب بين المشترك اللفظي في القرآن، وبين تعدد الدلالة للمفردة ، فكلاهما يُعنى فيه المُفسر بمعرفة دليل يخصص المعنى المراد ، ويسمى هذا الدليل والقرينة بيانً ا ومُ بيّ نًا، ويختلف المشترك اللفظي بأن غالب قرائنه هو السياق. ويوضح ذلك قول القائل: (نظرت بالعين المجردة، وشربت من عين زبيدة)، ومدلوله يتعين في المثال الأول أن يكون جارحة الإنسان الباصرة، ومدلوله في المثال الثاني يتعين أن يكون نابعة الماء الجارية، وذلك بقرينة لفظ (نظرت) في المعنى الأول ولفظ (شربت) في الثاني (3). (3) انظرمناهل العرفان (3/323) .

عدد الصفحات ٢٣٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 231 ومن خلالاستقراء مفردة القصة الواحدة غير المتكررة، يُمكن استنتاج بعض أنواعها، من خلال المثال لا الحصر، فمن ذلك : دلالة تحتمِ لها اللغة، ولا تحتملها عادة القرآن: قال الله- تبارك وتعالى-:ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ سبأ: ٠. هذه الآية جزء من قصة سبأ، وقد جاءت مفردة ﭽ ﭭ ﭼ في سياق وَ صْف العقوبة، والعذاب الذي حلَّ عليهم جزاءَ كفرهم، وقد كانت محصلة أهل التفسير واللغة عدة دلالات فيها: الدلالة الأولى: أن العرم هو: الجُرَذ الذي يقال له : الخُلد .حكاه الزجاج (ت:133 ) (3). قال مجاهد(ت:334):"بلغنا أن هلاكهم كان في جرذ " (2). وعن ابن الأعرابي (ت:213): "من أسماء الفأر: البِرّ ، والثُعْبة ، والعَرِم " (1). وحكاه الطالقاني (ت:185)(4)،و وصفه بأنه الجُ رَذ الذكر (5). وإنما نسب إليه السيل من حيث إنه نقب السد وأفسده (6). وهذه الدلالة وإن كان لها أصل في اللغة، ونقلها أهلها في معاجمهم (1)، إلا إنها دلالة ضعيفة في سياق الآية. (3 ) معاني القرآن للزجاج (4/388) . (2) تفس مجاهد (2/524) . (1 ) تهذيب اللغة (2/211. ) (4) إسماعيل بن عباد بن العباس أبو القاسم (ت:185)، المعروف بالصاحب ابن عباد، غلب عليه الأدب، بدعتة الاعتزال، وشنعته التشيع، ولد في الطالقان بقزوين، له مصنفات منها :المحيط، وكتاب الوزراء. انظر : التدوين في أخبار قزوين (2/291)، ومعجم الأدباء (2/231.) (5) انظرالمحيط في اللغة (2/46) . (6) انظرالمفردات في غريب القرآن ( ص:112 ) . (1) انظرالمخصص (2/135)، والمحكم والمحيط الأعظم (2/341)، وتاج العروس (11/83. )

عدد الصفحات ٢٣١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 232 وذلك الضعف راجع إ سببين: الأول:كون المعنى المذكور في هذه الآية حُ مِل على تفصيلات و أمور مغيبة، لا دليل عليها من القرآن أو السنة، وإنما لا تعدو أن تكون من ق بيل الروايات الإسرائيلية(3). الثا أنه لم يتفق أهل اللغة على هذا المعنى اتفاقًا تامًا ، فهذا أحمد بن فارس (ت:195) يقول في مقاييسه:" فأما قولهم: إن العَ رِم: الجرذ الذَّ كَر، فمما لا معنى له، ولا يعرج على مثله " (2). كما أن أصحاب معاني التفس- والمتقدمين منهم خصوصًا -كأبي عبيدة (ت:239) (1)، والفراء (ت:231) (4)، لم يذكروا هذا المعنى في كتبهم. وضعف هذه الدلالة أيضًا ابن عطية (ت:543) في تفسيره (5). الدلالة الثانية: أنها من باب إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل: السيل العرم. والعرم: الشديد، وأصله من العرامة، وهي الشراسة والصعوبة، وعرم فلان فهو عارم وعَ رِم (6). ومعلوم أنالإضافة إلى الصفة مبالغة، وهي كثيرة في كلام العرب (1). (3) انظر : قواعد الترجيح عند المفسرين، للدكتور : حسين بن علي الحر3/225.) (2) مقاييس اللغة (4/291) . (1) انظر : مجاز القرآن ( ص:221 . ) (4) انظر : معاني القرآن للفراء (2/158. ) (5) المحرر الوجيز (4/434) . (6) انظر : تهذيب اللغة (2/211)، والمحيط في اللغة (2/45)، ولسان العرب (32/195)،والدر المصون (3/4142)، واللباب في علوم الكتاب (36/42. ) (1) انظر : تهذيب اللغة (2/211)،المحيط في اللغة (2/45)،لسان العرب (32/195)، الدر المصون (3/4142)،اللباب في علوم الكتاب (36/42. )

عدد الصفحات ٢٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 233 قال ابن فارس(ت:195): "الع، والراء، والميم، أصل صحيح واحد، يدل على شدة وحِ دِّة. يقال: عَرِم الإنسان يَعرم عَرامة وهو عَارم " (3). وهو قول لابن عباس (ت:68)- - مما نقل عنه. (2) قال السعدي (ت:3116): "السيل المتوع ر، الذي خرب سدهم ، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم" (1). الدلالة الثالثة: أن العرم: اسم، وهو جمعٌ لعَرَمة ، بوزن شَ جَرة. وهو ما بني ليمسك الماء، وتسمى: المُ سنَّ اة (4)، كانت تُبنى في عُرض الوادي ؛ ليحبس الماء حتى يفيض على الأرض (5). والمُ سنَّ اة بوزن مُ فعَّ لة، اسم الآلة ، مشتق من سنيت بمعنى : سقيت، ومنه سميت الساقية سانية، وهي الدلو المُ ستقى به. والمعنى: أرسلنا السيل الذي كان مخزونً ا بالسد (6). وهو اختيار أبي عبيدة(ت:239) (1)، وذكره الصنعاني (ت:233) في تفسيره (8) قال النحاس (ت:118) :" وهذا أعرف ما قيل في معنى العرم " (9). (3) مقاييس اللغة (4/292) . (2) انظرالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/434) . (1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( ص611 . ) (4) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (22/18) . (5) انظرجمهرة اللغة لمحمد بن الحسن بن دريد (2/3322) . (6) انظرالتحرير والتنوير (9/313) . (1) انظرمجاز القرآن ( ص:211 . ) (8) انظر تفسير الصنعاني (1/328) وانظرفتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني (4/123) . (9) معا القرآن للنحاس (5/431) .

عدد الصفحات ٢٣٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 234 ولعل الراجح - والعلم عند الله - ما ذهب إليه السعدي، وهو الموافق لظاهر القرآن ؛ لأن الله أخبر أنه أرسل عليهم سيل العرم، ولا يكون هذا الإرسال إلا بشدة وقوة كما هي عادة القرآن في مفردة " أرسل " في هذا الخطب : قال الله- تبارك وتعالى- عن آل فرعون: ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ الأعراف: 133. وقال- تبارك وتعالى- عنهم كذلك: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ الأعراف: 2. وقال- تبارك وتعالى- عن قوم عاد:ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ فصلت: ٠. وقال- تبارك وتعالى- عن أصحاب الفيل: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الفيل: 3 دلالة تحتملهااللغة، ولا يحتملها القرآن أو السنة أو قول السلف: ومن ذلك قول محمد بن كعب القرظي (ت:383) (3) في تفسير قول ا- جل وعلا - ﭽ ﭱ ﭲ ﭼ موريم: 28: إنها أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون(2). وهذا فيه مخالفة صريحة لما رواه المغيرة بن شعبة - - قال: بعثني رسول الله إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﭽ ﭱ ﭲ ﭼ وموسى قبل عيسى (3) محمد بن كعب بن سليم القرظي، أبو حمزة (ت:383)،من عباد أهل المدينة وعلمائهم بالقرآن، وكان أبوه ممن لم يُنبِ ت يوم قريظة فتُ رِك . انظر : مشاهير علماء الأمصار ( ص:65 )، والثقات للبستي (5/153). (2) انظرتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/323).

عدد الصفحات ٢٣٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 235 بكذا وكذا! قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله فقال:" ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" (3). ومن ذلك ما انتهجه أبو عبيدة (ت:239) في جعله القرآن نصا عربيًّ ا مجردًا ، ولم يراع في ذلك الدلالة التي يقتضيها السياق. قال أبو عبيدة (ت:239) مفارقًا تطابق السياق للدلائل والقرائن من قول الحق -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ آل عمران: 39: "ﭽﭯ ﭰ ﭱ ﭼ أي: بكتاب من اللّه ، تقول العرب للرجل: أنشِ دني كلمة كذا وكذا، أي قصيدة فلان وإن طالت" (2). قال ابن جرير (ت:133): "وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ بكتاب من الله، من قول العرب: أنشَ دني فلان كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا، جهلاً منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه " (1). والذي ذهب إليه أهل التفس، أن معنى هذه الآية، أي: مصدقـًا بعيسى بن مريم - 9- (4). (3 )أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب : الآداب، باب : النهى عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، حديث رقم (9. ) (2) مجازالقرآن ( ص:41 ). (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/251) . (4) كما هو مروي عن ابن عباس، والضحاك، والربيع، وغيرهم . انظر المرجع السابق (1/251) .

عدد الصفحات ٢٣٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ ومن ذلك قول الله- تبارك وتعـالى -:ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ يوسف: 49 حيث تتضح عبارات عدم الرضى، والنقد، انصبت علـ ى أبي عبيدة (ت:239) ؛ لاختياره الدلالة اللُّ غوية الأبعد لمفردة القصة القرآنية: ﭽ ﮧ ﭼ. قال أبو عبيدة (ت:239): "ينجون، وهو من العصر، وهى العصرة - أيضً ا - وهى المنجاة، قال: و لقد كـان عُ صْرةَ المنـجود أي:المقهور المغلوب..." (3). قال ابن جرير (ت:133) - رحمه ا-: "يكفي من الشهادة على خطئه خلافُ ه قول جميع أهل العلم من الصـحابة والتابعين " (2). وقال- رحمه الله -: " وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله: ﭽ ﮦ ﮧ ﭼ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة." (1) وقال جمهور المفسرين: هي من عصر النباتات،كالزيتون، والعنب، وجميع ما يعصر(4). (3) مجاز القرآن ( ص323 . ) (2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (32/214) . (1) المرجع السابق (32/211) . (4) انظرالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/253) .

عدد الصفحات ٢٣٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 237 دلالة لا تحتملها اللغة، لضعفها وشذوذها(3): يصل الهوى ببعض أصحاب المناهج المنحرفة ، فتقع أعينهم على الهزال من الضرع، حُبـًّا في نشر مذهب فاسد، ودعم بدعة مُ ضِلّة. قال الجويني (ت:418) (2): " مما رده المحققون من طرق التأويل ما يتضمن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة، تنأى عن اللغة الفصحى، فقد لا يُتساهل فيه إلا في مضايق القوافي وأوزان الشعر، فإذا حمل حامل آية من كتاب الله، أو لفظً ا من ألفاظ رسول الله على أمثال هذه المحامل، وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده، فهذا لا يقبل" (1). فمثل هذه الدلالات ينبغي أن تحذر، وأن ينزه عنها رفيع قدر القرآن، الذي هو في ذروة الفصاحة والبيان، ويدخل في ذلك مالم يرد في كلام السلف والخلف. من ذلك ما قاله الزمخشري (ت:518) مفسرًا لمفردة " الأفـول بالحركـة والانتقال، من قول الله - جل وعلا - من قصة إبراهيم -9-: ﭽﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ الأنعام: ٠، قال في كشافه: " لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى مكان، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام " (4) . قالابن تيمية(ت:128) مُفنِّ دًا : (3) الضعيف : ما انحط عن درجة الفصيح، والشاذ : الذي يكون وجوده قليلاً ، لا يجيء على القياس. انظر : المزهر في علوم اللغة والأدب للسيوطي (3/369)،كتاب الكليات ( ص: 528-515 .) (2) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي الجويني (ت:418)،الفقيه، الشافعي، المعروف ب"إمام الحرمين" صنف في الكلام الكتب الكثيرة كالشامل على مذهب الاشاعرة، و الإرشاد . انظر : طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (5/365)، والنجوم الزاهرة (5/323. ) (1) البرهان في أصول الفقه، لعبد الملك بن عبد الله الجويني (3/156) . (4) الكشاف (2/19) .

عدد الصفحات ٢٣٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 238 " الوجه الرابع: أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام، كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي (ت:283) وغيره من علماء السنة، وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع ، وبسبب هذا الابتداع أخذ ابن سينا (ت:428) وأمثاله لفظ الأفول بمعني: الإمكان كما قال في إشاراته: " قال قوم: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه، لكن إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود، لم تجد هذا المحسوس واجبً ا، وتلوت قوله تعالى: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ، فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما. فهذا قوله ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب: أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلا، ولو كان الخليل أراد بقوله: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ هذا المعنى لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر" (3) . وقال ابن القيم (ت:153): " كما تأولت طائفة قوله تعالى: ﭽ ﭷ ﭸ ﭼ الأنعام: ٠، بالحركة وقالوا: اُستدل بحركته على بطلان ربوبيته، ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة ألبتة في موضع واحد " (2). و ﭽ ﭸ ﭼ في اللغة لها دلالتان: - الغياب. يقال: أفلت الشمس: غربت، وكذلك القمر يأفل إذا غاب، وكذلك سائر الكواكب، وهذا هو معنى مفردة الآية. - الصغار من الإبل، والأفيل: هو الفصيل، والجمع الإفال. (3) درء تعارض العقل والنقل، لأحمد بن عبد السلام بن تيمية (3/135) . (2) الصواعق المرسلة (3/393) .

عدد الصفحات ٢٣٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 239 قالالأصمعي(ت:235):" الأفيل: ابن المخاض، وابن اللبون، والأنثى أفيلة، فإذا ارتفع عن ذلك فليس بأفيل" (3). دلالة لا تحتملها اللغة البتة: فهذه الدلالة لم ترد في اللسان العربي يوم نزول القرآن ، بل هي من قبيل الاصطلاحات العصر ية، التي ولّ دها التقدم والتطور ، وإنما نزل القرآن على عقول العرب وعادتها، ومن فسر المعاني بتلك التفاسير والدلالات الحادثة، فقد زعم أن الله خاطب العرب بما لم يفهموه (2). ومنه صنيع محمد عبده (ت:3121) في تفسير " الطير الأبابيل " بجواز أن يكون من جنس الذباب ، والبعوض، والميكروبات، "والحجارة ": هي الج راثيم التي تنقل الأمراض الفتاكة. قال محمد عبده(ت:3121): " فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذى يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذى تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار به تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرً ا من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذى يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فِرَق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارؤها" (1). (3) انظرمقاييس اللغة (3/339)، المفردات في غريب القرآن ( ص:23 )،لسان العرب (33/ 38) (2) انظر : قواعد الترجيح2/169 . ) (1) انظرتفسير جزء عم، لمحمد عبده ( ص:19 . )

عدد الصفحات ٢٣٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ والأبابيل عند أهل التفسير والمعاني: جماعة في تَفْرُقة، أو جماعات من ههنا وجماعات من ههنا، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يتبع بعضها بعضًا ، وذهب أبو عبيدة (ت:239) إ أن الأبابيل جمع لا واحد له، بمنزلة عبابيد، وشماطيط، وشعاليل (3). ومرّ في المدرسة العقلية الحديث عن ذلك مفصّلاً -بحمد الله-(2). (3) انظر : مجاز القرآن ( ص296 )، والمحيط في اللغـة (33/153)، والجـامع لأحكـام القـرآن (23/391)، ولسان العرب (33/6). (2) انظر: ( ص365 ) من هذه الرسالة

عدد الصفحات ٢٤٠