المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ١٤ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 9 ومنه: غياب الحرف في الموضع الآخر: ذكر الله - عز وجل - من أخبار فرعون مع بني إسرائيل، أنه كان يسومهم سوء العذاب، فقص علينا من سورة البقرة فقال -سبحانه وتعالى-: ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ البقرة: 49، فجاءت الجملة بعد السوم بلا واو، أما في سورة إبراهيم فقال-سبحانه وتعالى-: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ إبراهيم: ٠، فجاءت مقترنةً بالواو ، واتفقت عبارات المفسرين على دلالة واضحة لكل من المفردتين. فقالوا: إن خلو آية البقرة من حرف العطف دلّ على أن الجملة إنما كانت تفسـيريَّة للعذاب، والجملة التي كذلك لا يحسن معها دخولُ الواو ، فيقال: أتاني القوم، زيد و عمرو، ولا يقال: أتاني القوم، وزيد وعمرو، لأنه أراد أن يُفسر القوم بهما. قال ابن جني (ت:192): "وم كانت الجملة تفسيرً ا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها ؛ لأن تفسير الشيء لاحق به، ومتمم له، وجار مجرى بعض أجزائه " (3). وحيث أتت الجملة مقترنة بالواو دلّ ذلك على المغايرة ، وأن العذاب كان بالتذبيح وبغيره (2). (3) الخاطريات، لأبي الفتح عثمان بن جني ( ص19 . ) (2) انظرالبرهان في علـوم القـرآن ( 1/11)، والتفسـير الكـبير ( 39/61)، والجـامع لأحكـام القرآن(3/184)، والدر المصون (3/1591)،وروح المعاني (31/ 389)،وتفسير التحرير والتنوير (31/392) .

عدد الصفحات ٢٠٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ الثاني: التنوع في الأسماء والأوصاف جاء في القرآن قصةُ أصل الخليقة، وماهيَّةُ نشأتها، وأخبر الله- تبارك وتعالى - عن آدم - 9- أنه خلقه في أحسن تقو، فعدّ له وركبّ ه في الصورة التي يشاء الله. والمتأمل لقصة التكوين، والأصل الذي خلق منه آدم-9- يرى أن الآيات جاءت بألفاظ متباينة المعاني و الأسماء و الأوصاف. فمرة جاء الإفصاح والبيان عن خلقه إياه من تراب، فقال – جل جلاله -: ﭽ ﯻ ﯼ ﯽ ﭼ فاطر: 11. ومرة جاء التكوين مُبد وءًا بالطين من غير وصف أو قيد، فقال - سـبحانه وتعالى -:ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ السجدة: 7. و في بيانٍ آخر أنه - سبحانه - خلق نبيه من طين مقيدٍ بصفةٍ فقال – جل وعلا -:ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ الصافات: 11. وأخرىجاء البيان بأنه مخلوق من سلالة من طـين ، فقـال الله - سـبحانه وتعالى: ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ المؤمنون: 12. ومرة جاء الإفصاح والبيان عن خلقه إياه من صلصال، فقال الله - جل في علاه-:ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الحجر: ٠ وهذا الصلصال جاء مرة موصوفًا بكونه من حمأ مسنون ، كما في الآية الماضية. ومرة جاء بأنه كالفخار، فقال - جل من قائل سبحانه -: ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الرحمن: 14. فهل التراب، والطين، والسلالة، والصلصال من جنس واحد؟ أم بين هذه المفردات اختلاف؟ وإن كان ثمة ذلك، فما وجهه؟ وما الجمع؟

عدد الصفحات ٢١٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 211 وما حقيقة الصلصال المذكور في الآيات؟ وما دلالة كل من الحمأ المسنون والفخار بكونهما وصف للصلصال؟ وتوطئة للجواب، يحسن بالحال معرفة أقوال المفسرين في تلك المفردات. المفردة الأولى: " التراب " قال ابن منظور (ت:133): "و تربة الأرض: ظاهرها. و أترب الشيء: وضع عليه التراب، فتَ تَرَّب أي: تلطخ بالتراب....وأرض ترباء: ذات تراب " (3). وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع، ويرى المبرد أنه جمع، ومفرده: ترابة (2). المفردةالثانية: " الطين اللازب " أما "الطين" فهو: الوحل، وإن شئت فقل: التراب والماء المختلط، وقد يقع على متحجر التراب والماء، حيث يصير متهيئً ا لقبول وقوع الصورة فيه (1). أما" اللازب "، فقيل فيه عدة أقوال: أ ) اللازم، واللاصق، واللازق. قال مجاهد (ت:334):" لازبيعني لازم " (4)، وهو اختيار أبي عبيدة (ت:239) (5)،والفراء (ت:231)، وقال:" والعرب تقول: ليس هذا بضربة لازب (3) لسان العرب (3/228. ) (2) انظر :تحرير ألفاظ التنبيه، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (3/42). (1) انظرالمفردات في غريب القرآن (3/132)، ولسان العرب (31/213)، والتعاريف (3/488. ) (4) تفس مجاهد، لمجاهد بن جبر المخزومي (2/184). (5) مجاز القرآن ( ص216.)

عدد الصفحات ٢١١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 212 ولازم، يبدلون الباء ميمً ا لتقارب المخرج" (3)، " وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم، يقال: لازب ولازم " (2). واللزوم معناه: اللصوق، واللزوق (1). وبهذا القول قال ابن جرير(ت:133) أيضًا (4) . وقريب منه قول الراغب (ت:532):" إنه الثابت الشديد الثبوت (5) فإن تعريفه مُضمَّن اللزوم وشدة الالتصاق واللزوق. ب ) الحُرّ ، الكريم، الجيد. وبه قال ابن عباس (ت:68) - - وعكرمة (ت:335) (6)، وفي رواية أن ابن عباس (ت:68) قال: " اللازب الجيد " (1). ج) المن. وهو قول مجاهد (ت:334)(8)، ولعلَّ وصْفَه ب المنتن مأخوذ من قول الله-تعـالي -: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الحجور: ٠، ويُ ضعف هذا القول ما أخرجه ابن أبي حاتم (ت:121) في تفسيرهعن ابن عباس (ت:68) - - قال:" كان أوله ترابً ا، ثم صار حمأ منتنً ا، ثم صار طينً ا لازبً ا، فخلق الله منه آدم -9-" (9) . (3) معاني القرآن (2/543). (2) التفس الكبير (26/333) . (1) فرق بعضهم بينهما فقالاللاصق هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق هو الذي يلزق بما أصابه. انظر : النكت والعيون (5/43)، والجامع لأحكام القرآن(35/69) . (4) جامع البيان (21/42) . (5) المفردات في غريب القرآن ( ص:449 . ) (6) عكرمة بن عبد الله البربري (ت:335)، مولى بن عباس، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأعلام. انظر : لسان الميزان، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (1/138. ) (1) انظرالمحرر الوجيز (4/461)، وتفسير البحر المحيط (1/143)، وروح المعاني (21/16) . (8) انظرالدر المنثور، لعبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي (1/82. ) (9) تفس ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (33/1236) .

عدد الصفحات ٢١٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 213 وقد اعترض على كون اللازب منتنًا الآلوسي (ت:3213) في تفسيره(3) . والذي يظهر- والعلم عند الله- من خلال ما سبق، أن اللزوب يصح إطلاقه على ما كان لازمًا ، وملتصقًا ، ولازقًا ، ولا ينافي هذا القول من قال بأنه الجيد الكريم، فإن حَمْل المفردة القرآنية على أوسع معانيها ال لائقة بكتاب الله من مظاهر إعجازه وبيانه، وقد احتملت اللغة العربية كلا المعنيين في تفسيرها. أما القول الأخير ففيه ما ذُكر ، وكما أنه يقال أيضًا: إن تفسير ا للازب بالمنتن ليس مشهورًا في لغة العرب (2). المفردة الثالثة "السلالة" قال - جل سبحانه - ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ المؤمنون: 12 اختلف المفسرون في معنى السلالة الواردة في الآية؛ لأنهم اختلفوا في تحديد من هو الإنسان الوارد فيها؟ فقيل: إن الإنسان هو آدم - 9- فيكون معنى السلالة: أنها مأخوذة من سلِّ الشيء من الشيء أي : نزعه (1). فالمعنى على ذلك: أن آدم - 9- سُلَّ من الط ، والسلالة هي: المستلة من كل تربة، ولذلك كان خَلْق آدم مِن تربة أُخِذَت من أديم الأرض، والسلالة من كل شيء صفوته التي تستل منه (4). (3) انظر : روح المعا21/16. ) (2) انظر : المحيط في اللغة، لأبي القاسم إسماعيل الطالقاني (9/51)،والمحكم والمحيط الأعظم (9/53)، ولسان العرب (3/118)،والقاموس المحيط ( ص:312 ). (1) انظرالمفردات في غريب القرآن ( ص:211 )، لسان العرب (3/119) . (4) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (38/1)، النكت والعيون (4/41).

عدد الصفحات ٢١٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 214 وهو اختيار مقاتل (ت:353)(3)، والصنعاني (ت:233) (2)، والزجاج (ت:133)(1)، وابن أبي زَ منين (ت:199) (4). وقيل: إن الإنسان هو ولد آدم ، فيكون معنى السلالة : النطفة، والتي هي سلالة آدم -9-،أي: لقد خلقنا ولد آدم من نطفة، وهذه النطفة من طين، والذي هو آدم -9-. وهو اختيار أبي عبيدة(ت:239) (5)، وابن جرير(ت:133) وقال " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائة، وآدم هو الطين ؛ لأنه خلق منه" (6). (3) انظرتفسير مقاتل بن سليمان (2/191) وهوأبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير (ت:353)، الأزدي بالولاء الخراساني المروزي، أصله من بلخ دخل بغداد، وكان متروك الحديث، وأصحاب الحديث يتقون حديثه، من كتبه: التفسير الكبير. انظر : الطبقات الكبرى (1/111)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (5/255. ) (2) انظرتفسير القرآن، لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (1/44) . وهوعبد الرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري (ت:233)، صاحب المصنفات والتفسير، روى عنه سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، ويحيى بن معين . انظر : معرفة الثقات (2/91)، وطبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:29 . ) (1) انظرمعاني القرآن للزجاج (4/8) . وهوإبراهيم بن السري أبو إسحاق الزجاج (ت:133)، النحوي، كان من أهل الدين والفضل، كان في فتوَّ ته يخرط الزجاج، ومال إلى النحو فعلمه المبرد، من كتبه : معاني القرآن و الاشتقاق . انظر : معجم الأدباء (3/82)، والوافي بالوفيات (5/228. ) (4) انظرتفسير القرآن العزيز، لابن أبي زمنين (1/396) . وهومحمد بن عبد الله بن عيسى المري أبو عبد الله، كان عارفً ا بمذهب مالك، ومن الراسـخين في العلم، متفننً ا في الأدب والشعر، متقنً ا لآثار السلف مع الزهد والنسك،له:أصول السنة و تفسير القرآن. انظر : ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، لأبي الفضل عياض بـن موسـى اليحصبي (2/391)، وطبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:91-94 ). (5) انظرمجاز القرآن ( ص:381 . ) (6) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (38/8).

عدد الصفحات ٢١٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 215 وصححه النحاس(ت:118 )وقال:" وهو أصح ما قيل فيه " (3). ووافقهم كذلك السمرقندي(ت:111 )(2)، وقال:" يعني ابن آدم من نطفة سُلُّت تلك النطفة من طين، والطين آدم - 9- "(1)، وهو الظاهر من كلام السلمي (ت:432) (4). وذكر هذين القولين الماوردي(ت:453 ) (5). ولعل الراجح - والعلم عند الله - هو القول الثاني ؛ لأن مفردة "الإنسان" اسم جنس يعود على ولد آدم، والسلالة هي: النطفة. ويدل عليه ويؤيده ، عود الضمير في الآية بعدها من قول الله - تبارك وتعالى-:ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ المؤمنون: 13، والذي جُعِل نطفة في قرار مكين هو ولد آدم، لا آدم - 9-. المفردة الرابعة: " الصلصال " القول الأول: " إنه الطين اليابس الذي لم تُصِبه نار، فإذا نقرتـه صـلَّ ، فسـمعت لـه صلصلة"(6) . (3) انظرمعاني القرآن، للنحاس (4/441) (2) نصر بن محمد بن أحمد أبو الليث السمرقندي (ت:111 )من أئمة الحنفية، له: النوازل وخزانة الأكمل. انظر : الجواهر المضية في طبقات الحنفية(2/396)، وطبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:93 . ) (1) انظرتفسير بحر العلوم، للسمرقندي (2/415). (4) انظرحقائق التفسير (2/12) . وهومحمد بن الحسين بن محمد السلمي النيسابوري، أبو عبد الرحمن (ت:432)كان شيخ الصوفية، تفسيره غير محمود، قال الذهبي في تاريخه: كتابه حقائق التفسير ليته لم يصنفه فإنه تحريف وقرمطة. انظر : طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن علي السبكي (4/341)، و طبقات المفسرين، للسيوطي ( ص:98 . ) (5) انظرالنكت والعيون (4/41) . (6) مجاز القرآن ( ص:315 . )

عدد الصفحات ٢١٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وهذا معنى قول ابن عباس (ت:68)- - قال: "الصلصال: الماء يقع على الأرض الطيبة، ثم يحسر عنها فتيبس، ثم تصير مثل الخزف الرقاق" (3). ومعنى قول قتادة (ت:338):" الصلصال: التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة " (2). ونسبه ابن عطية(ت:543) (1)والثعال(ت:815)(4) إلى جمهور المفسرين. القول الثاني: أنه المنتن. وهو قول مجاهد (ت:334) (5). قال الأزهري(ت:113): "جعلَه حَمأً مَسنوناً ؛ لأنه جعله تفسيرًا للصلصال، ذهَب به إلى صلَّ ، أي : أَنتَنَ " (6). واختاره الكسائي (ت:389) (1)، وقال: " هو من قول العرب: صلَّ اللحم وأصلّ إذا أنتن " (8). (3) أخرجهابن جرير (34/28)، وأخرجهالدر المنثور من رواية عبد بن حميد، وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه،. انظر: الدر (5/16). (2) روح المعا21/16.) (1) انظرالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (5/226. ) (4) انظرالجواهر الحسان في تفسير القرآن (5/119. ) والثعالبي هوعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت:815) الجزائري، المغربي، المالكي، اختصر تفسير ابن عطية، وعمل في الوعظ والرقائق، من كتبه: الجواهر الحسان في تفسير القرآن. انظر : الضوء اللامع (4/352)، وطبقات المفسرين للأدنه ي( ص142 . ) (5) انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (34/28). (6) تهذيب اللغة (32/83). (1) هو علي بن حمزة الأسدي مولاهم (ت 389)، المقرئ، جود القرآن على الزيات، وقرأ عليه الدوري، والقاسم بن سلام، قال الشافعي : " من أراد أن يتبحر في النحو فعليه بالكسائي". انظر : العبر في خبر من غبر (3/132)، ومعرفة القراء الكبار (3/322. ) (8) انظرمعاني القرآن للنحاس (3/131)، والكشف والبيان (5/119) .

عدد الصفحات ٢١٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 217 قال ابن قتيبة(ت:216): "ويقال: صلَّ اللحم، وأصل، إذا تغير وهو نيء " (3). والصلصال، الأصل فيه: الصّلال ، أي: المُنْتِن . فأبدلوا من اللام الثانية صاداً (2). وبعد عرضهذين القولين يقال: إنه لا شك في أصالة كلا المعنيين في اللغة، إلا أن الراجح - والله أعلم - أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت، وهو ما أُخِذ من الصلصلة؛ لسـببين اثنين: أحدهما: إن الله -تبارك و تعالى- وصف الصلصال في موضع آخر من كتابه ، فقال:ﭽﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الرحمن: 14، فشبّهَ الله -تعالى شأنُ ه- الصلصال بأنه كان كالفخار في يُبسه، ولو كان معناه في ذلك المنتن لم يُشبّهه بالفخار؛ لأن الفخار ليس بمنتن. الثاني: إنه لو قيل بأن الصلصال هو المنتن، للزم التكرار في قوله -تبارك وتعالى-: ﭽﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الحجر: ٠، إذ إن الحمأ على الصحيح هو: المنتن كما سيأتي. وهذا هو اختيار ابن جرير (ت:133) (1) ،وتقدم بأنه قول الجمهور. (3) أدب الكاتب (3/311) . (2) انظرتهذيب اللغة (32/83)، والزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (3/388)، وغريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني (3/136) . (1) انظرجامع البيان عن تأويل آي القرآن (34/28).

عدد الصفحات ٢١٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 218 المفردة الخامسة: " حمــأ " دارت المعاجم، وكتب المعاني والتفسير على عبارتين في تفسير الحمأ: إحداهما: الطين الأسود المنتن (3). ثانيتهما الطين الأسود المتغير (2 )، ولم يحك الماوردي (ت:453 ) غيرَ ه (1). ولا تعارض بين المعنيين ما أمكن الجمع، فلفظة (المتغير) مخصوصة بما كان تغيره بسبب نَتَنه -والله أعلم-، قال ابن الأنباري (ت:128)":لا خلاف أن الحمأ: الطين الأسود المتغير الريح"(4)، وقال الراغب(ت:532)":والحمْ أة والحَ مَأ: طين أسود منتن، قال- تعالى-: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ الحجر: ٠، ويقال: حَمَأْتُ البئر: أخْ رَجتُ حَمْأتها، وأَ حْمَأتُ ها: جعلت فيها حَمَأ " (5). المفردة السادسة: " مسنون " القول الأول: إن المسنون: المنتن المتغير ، من قولهم قد أسِ ن الماء: إذا تغير فأنتن. كقول الله-تبارك تعالى-: ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ محمد: 15. وذهب إلى هذا القول من أهل اللغة، الكسـائي (ت:389)، وأبـو عمـرو الشيباني(6)،وزعم أبو عمرو: أن قول الله-تبارك و تعالى-: ﭽ ﯨ ﯩﭼ البقورة: 259 (3) انظرالعين (1/132)، والمخصص لأبي الحسن علي بـن إسماعيـل (1/43)، والتفسـير الكـبير (39/341)، ولسان العرب (3/63)، والقاموس المحيط ( ص:48 ). (2) انظرمجاز القرآن ( ص :315 )، وغريب القرآن للسجستاني (3/392)، ومعاني القرآن للنحـاس (3/131)، والمحيط في اللغة (1/229)، والكشاف (2/543) . (1) انظرالنكت والعيون (1/351. ) (4) المفردات في غريب القرآن ( ص:311 ) . (5) معاني القرآن، للنحاس (3/131) . (6) سعد بن إياس الكوفى، كاد أن يكون صحابيًّا، قال عن نفسه : كنت يوم القادسية ابن أربعين سنة، حدث عن علي وابن مسعود، وكان يقرأ القرآن في المسجد الأعظم . انظر : تذكرة الحفاظ (3/68. )

عدد الصفحات ٢١٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 219 من هذا، وأن الأصل فيه "لم يَتَسنّ ن " فأُ بدِ ل من إحدى النونين هاء (3)، وهو قـول مقاتل (ت:353)(2)، والفراء (ت:231) (1)، والزجاج (ت:133 )(4). وهذا القول يضعفه أمران: أحدهما: إن التصريف يرده، فلو كان من قولهم: أَسِن الماء إذا أنتن لكان قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﯩﭼ يتأسن. قال ابن جرير (ت:133 )مضعّ فًا : "وليس من الآسن المتغير ؛ لأنه من سنن مضاعف" (5)،وقال في البحر المحيط :" ولا يصح؛ لاختلاف المادتين" (6)، وممن ضعفه أيضًا ، ابن عطية (ت:543) (1)، وابن جزي الكل(ت:143) (8). وغلَّط هذا القول صاحب الدر المصون فقال: " وهذا غَلطٌ لاختلافِ المادتين " (9). ولا يصح التمثيل بآية سورة محمد ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ محمد: 15؛ لأنه يقال أسَ ن الماء يَأسِ ن أسْ نًا و أسُ ونً ا (33)، وليس منه: مسنون. (3) زاد المسير (4/191) . (2) تفس مقاتل بن سليمان (2/232. ) (1) معاني القرآن (2/88) . (4) معاني القرآن للزجاج (1/346. ) (5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (34/29) . (6) تفس البحر المحيط (5/443). (1) انظرالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/543). (8) انظرالتسهيل لعلوم التنزيل (2/345). (9) الدر المصون (3/1656 .) (33) لسان العرب (31/36).

عدد الصفحات ٢١٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ ثانيهما: إن قوله: ﭽ ﯕ ﭼ لا يدل على التّ غَير، وإنما التّ غَير يفهم من مجموع قولـه -تبارك وتعالى -: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ ؛ لأن الحمأ: الطين المتغير (3)،ولو قيل : إن المسنون المتغير للزم منه التكرار في الآية، لأن الحمأ - كما مرَّ - هـو الطـين الأسود المتغير. القول الثاني: إن المسنون الذي يحكّ بعضه بعضًا ، من قولهم: سننت الحجر على الحجر، إذا حككت أحدهما بالآخر، ومنه سمُّي المِ سَنّ ؛ لأن الحديد يُسنُّ عليه. وهذا القول عائد في الحقيقة إلى القول الأول ، فيضعفه ما أضعفه ؛ لأن المحكوك لا يكون إلا متغيرً ا (2). قال الزمخشري (ت:518) ":وقيل: المنتن، من سننت الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنً ا " (1). القول الثالث: إن المسنون: المصبوب، وهو اختيار أبي عبيدة (ت:239) (4). ويعود هذا القولإلى ما اختاره الزمخشري (ت:518) منكونه بمعنى:مُصَـ وَّر، كأنه أفرغ الحمأ فصوَّ ر منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نُقر صلصل (5) . قال السمين الحل(ت:156): (3) المخصص (2/453). (2) انظرمعاني القرآن للنحاس (3/131. ) (1) انظر : الكشاف (2/543) . (4) انظر: مجاز القرآن( ص315 )، وانظرجامع البيان (34/29)، التسهيل لعلوم التنزيل (2/345) . (5) انظرالكشاف (2/543) .

عدد الصفحات ٢٢٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 221 "والمسنون: المصبوب. من قولهم: سننت الشراب،كأنه لرطوبته جعل مصبوبً ا كغيره من المائعات،... يعني أنه يصير التقدير: من صلصال مُ صوَّ ر" (3). وقد جعل البقاعي(ت:885) " المسنون " صفة تدل على خلق الإنسان في أحسن تقويم، في لفتة بديعة إذ قال: " أي: مصبوب، مهيأ لعمل ما يُراد منه، بالدلك والتحسين من الذهاب والاضطراب، والجعل على طبع وطريقة مستوية " (2). ومنه ما قالهخالد بن زيد (ت:52) (1)، عن اقتصاد وضوء ابن عمر(ت:11) - -: "رأيت ابن عمر يتوضأ فكان يَ سِنُّ الماء على وجهه سنًّ ا " (4). قال الخطا(ت:188) (5):" إذا صّبه عليه صبا سهلاً " (6). القولالرابع: إنه الرطب، وهو قول ابن عباس (ت:68) - - . وهذا القول عائد إلى القول الذي قبله، إذ لا يكون رطبًا إلا ما كام مصبوبًا . قال النحاس (ت:118): (3) الدر المصون (3/1656) . (2) نظم الدرر (4/236.) (1) الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة (ت:52)، انقرض ولده، ونزل رسول الله على أبي أيوب حين رحل من قباء إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله انظر : الطبقات الكبرى (1/484)،مشاهير علماء الأمصار ( ص:26 . ) (4) أخرجه ابن أبي شيبة من كتاب الطهارة، باب: من كان يكره الإسراف في الوضوء. (3/68) . (5) حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب (ت:188)، من ولد زيد بن الخطاب، أبو سليمان البستي، نسبة إلى مدينة بست من بلاد كابل، كان محدثً ا فقيهً ا أديبً ا لغويً ا، له: معالم السنن وشرح للبخاري . انظر : معجم الأدباء (1/253)،وفيات الأعيان (2/234) . (6) غريب الحديث للخطابي (3/419 ).

عدد الصفحات ٢٢١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 222 "فهذا بمعنى المصبوب ؛ لأنه لا يكون مصبوبً ا إلا وهو رطب، وهذا قول حسن ؛ لأنه يقال: سننت الشيء، أي: صببته " (3) . وقيل غير ذلك... (2) ولعل الـراجح من هذه الأقوال أن المسنون هو: المصبوب، الرطب، المُصـوَّر على أحسن صورة، تمشيًا مع قاعدة احتمال القرآن مفردة أوسع المعاني إعجازًا ، مالم يكمن تعارض بينهما -والعلم عند الله سبحانه-. المفردة السابعة: " الفخَّ ار " ذهب أكثر المفسرين (1) إأنه الطين اليابس الذي طُبخ بالنار (4). إشكال وجوابه: جاء في الذكر الحكيم تشبيه الصلصـال بالفخـار ، في قـول الله -تبـارك وتعالى:ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﭼ الورحمن: 14، وقد تقرر فيما سـبق أن الصلصال غير الفخار بفارق الطبخ بينهما. فما توجيه التشبيه بينهما في الآية؟ يقال: إنه لا يلزم من هذا المعنى أن يكون الصلصال قد طبخ بالنار ؛ لأنه قد جاء التعبير القرآني بتشبيه الصلصال بالفخار، يعني أنه من يبسه، وإن لم يكن مطبوخً ا كالذي قد طبخ بالنار (5). (3) معا القرآن (3/131. ) (2) أورد الماوردي سبعة أقوال في اللفظة، ولعل ما ذُ كر هنا هو أشهر ما عند أهل التفسير واللغة. انظر : النكت والعيون (1 /83) . (1) الجامع لأحكام القرآن (33/23. ) (4) مجاز القرآن (3/63)، وانظرلسان العرب (33/182. ) (5) انظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/324) .

عدد الصفحات ٢٢٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 223 خلاصة جامعة بين دلالات هذه المفردات: وحتى تتضح الصورة أكثر، ألخص ما تم ترجيحه من الدلالات والمعاني. فيقال: التراب: معروف (3) . الط: التراب والماء المختلط. اللازب: اللازم، واللاصق، والجيد. سلالة: النطفة. الصلصال: الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته أحدث صوتًا . الحمأ: المتغير بسبب نتنه. المسنون: المصبوب، الرطب، المُصوَّر على أحسن صورة . الفخار: الطين اليابس الذي طبخ بالنار. وقد جمع أهل العلم بين هذه الآيات ، وردوا على الزنادقة الطاعنين المشككين. قال الإمام أحمد (ت:243) (2) في معرض حديثه عن توجيه الآياتفشكوا في القرآن وقالوا: هذا ملابسة ينقض بعضه بعضً ا " (1)، ثم شرع في التوجيه. (3) اقتصر على هذه العبارة عدد من اللغويين، والمفسرين، والمحققين. انظر على سبيل المثال: "المفـردات من الطبعة الرابعة من إصدار دار القلم ( ص:365 )، حيث قال : " التراب معروف "، ولم أجدها الطبعة التي اعتمدتها في البحث، وانظر : تهذيب الأسماء واللغات، لمحي الدين بـن شـرف النـووي (1/11)، وتفسير البحر المحيط (2/134.) (2) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (ت:243)، ويكنى أبا عبد الله، إمام أهل السنة، امـتحن وضرب بالسياط على أن يقول: القرآن مخلوق، له : المسند يحوي على أكثر من 333 حديث انظر : الطبقات الكبرى (1/154)، وطبقات الفقهاء ( ص:333 . ) (1) الرد على الزنادقة والجهمية، لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (3/33).

عدد الصفحات ٢٢٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 224 ودارت عبارات أهلالتفسير على أن الأقرب في التوجيه، أنه تعالى خلق آدم -9- أولاً من تراب، ثم من طين جيد لازم ، ثم من حمأ مسنون، ثم من صلصال كالفخار. (3) وهذه كلُّ ها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول. إذا عُ رِف هذا، فليُعلَم أنّ الله -جل في علاه - أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خُ لق منه آدم، وهي كالتالي: أولاً : التراب، وذلك في آيات عدّة، فقال-تبارك وتعالى-:ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ آل عمران: 59، وقال -تبارك وتعالى-:ﭽ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ الحج: 5، وقال - تعالى-:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ غافر: 7، إلى غير ذلك من الآيات. ثانيًا : التراب المبلول، فصار طيناً يعلق بالأيدي، فقال-تبارك وتعالى-:ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ الصافات: 11، وقال-تبارك وتعالى-:ﭽﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ المؤمنون: 12، وقال-تبارك وتعالى-:ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ السجدة: 7، إلى غير ذلك من الآيات. ثالثًا : ثم انتقل الطين المبلول إلى أسود متغير بقوله-تبارك وتعالى-: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ الحجر: ٠. (3) انظرزاد المسير (8/333)، والتفسير الكبير (39/342)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن (4/342)، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن القيم (3/29. )

عدد الصفحات ٢٢٤