دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 193 ومنأعظم تبّاع هذه المدرسة إفراطًا ، وأكثرهم لهـا انتسـابًا ، وأوسـعهم لرصيدها داعمًا طنطاوي جوهري (ت:3158) (3)، إذ إنه ألف تفسيرًا ضخمًا في بابه ، وأسماه: الجواهر في تفسير القرآن، المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات فإلى وقفة مع هذا الكتاب: ميوله وأثرها على التفسير. انطلق جوهري (ت:3158) مُعَ لَّقًا قلبُه بالتفسير منذ باكورة شبابه، حيث بدأ يفسِّر بعض الآيات القرآنية ، حين كان مدرسً ا في مدرسة دار العلوم، ثم ولج قلمه إلى المقالات التي تتناول تفسير بعض الآيات الكريمة ممزوجة بالعلوم الكونيـة الحديثـة، وكان يقوم بنشر هذه المقالات في بعض المجلات مثل "الملاجئ العباسية"، وجريـدة "المؤيد"، وجريدة "اللواء" (2). يقول في مقدمة كتابه " خُلقت مُغرمًا بالعجائب الكونية ، مُعجبًا بالبدائع الطبيعية ..." (1). وقدبين في مقدمة تفسيره أن هدفه الرئيس هو حث المسلمين على طرق باب العلوم الكونية ، والتفوق في دراستها كمقدمة ضرورية لاستئناف المدنية الإسلامية المجهضة (4)! (3) طنطاوي بن جوهري المصري(ت:3158)،ولد في قرية من قرى مصر، وتعلم في الأزهر، وتوفي في القاهرة، وناصر الحركة الوطنية، من كتبه : النظام والإسلام، والتاج المُ رصَّ ع . انظر : الأعلام (1/213) (2) الجواهر في تفسير القرآن،لطنطاوي جوهري (3/91. ) (1) المرجع السابق (3/2. ) (4) المرجع السابق (3/1. )
عدد الصفحات ١٩٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 194 وفي تفسيره ترى عزوفًا شديدًا عن المسائل الشرعية، عقائديـةً كانـت أو فقهيةً ، إضافةً إلى عزوفه عن المسائل البلاغية واللُّ غوية، ويقابل ذلك توسعه الشديد في القضايا العلمية الكونية ، وفي ذلك دليل واضح على مدى انسـجام منهجـه في التفسير مع هدفه الرئيس منه. يقول محمد رشيد رضا (ت:3154) مبينًا منهجه "والأستاذ الشيخ طنطاوي مغرم بالعلوم والفنون التي هـي قطـب رحـى الصناعات والثروة والسيادة في هذا العصر، ويعتقد بحق أن المسلمين مـا ضـعفوا وافتقروا واستعبدهم الأقوياء إلا بجهلها، وأنهم لن يقووا ويثروا ويستعيدوا استقلالهم المفقود إلا بتعلمها على الوجه العملي بحذقها، مع محافظتهم على عقائد دينهم وآدابه وعباراته وتشريعه، ويعتقد حقًا أن الإسلام يرشدهم إلى هذا " (3). نقده لمنهج المفسرين الأوائل وتفضيل منهجه عليهم: وفي قلب للموازين، وانقلاب على ما أودعه المفسرون في بطون كتبهم من الآثار والآراء ، جهّل طنطاوي (ت:3158) تلك ا هود وجعلها حبيسة الغرور والتكلف فهو يقول: " إن دراسة القرآن في العصور الخالية كانت تكلُّ فيّ ة، وقراءة سطحية، وعلومًا لفظية، فعكف الناس على الألفاظ، وكثر الحفاظ، وقل المفكرون، فجمدت القرائح وماتت العلوم " (2). وقال:" يا أمة الإسلام. آيات معدودات في الفرائض اجتذبت فرعاً من علـم الرياضيات، فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلِّ ها.. هذا زمان (3) مجلة المنار، لمحمد رشيد رضا13/533) . (2) الجواهر في تفسير القرآن2/233) .
عدد الصفحات ١٩٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 195 العلوم، وهذا زمان ظهور نور الإسلام، هذا زمان رُ قيِّ ه، يا ليت شعري.. لمـاذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟ ولكنى أقول: الحمد لله... الحمد لله، إنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض، لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله وهى فرض عَيْن على كل قادر ، إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن، هي التي أغفلها الجهلاء المغرورون، من صغار الفقهاء في الإسلام، فهذا زمان الانقلاب، وظهور الحقائق، والله يهدى مَن يشاء إلى صراط مستقيم " (3). ولم يكتفطنطاوي (ت:3158) برميه الأوائل بالتكلف، حتى ذهب يهدد المسلمين بالويل إن هم أعرضوا عن كتابه! فقال: " فليدرس المسلمون علوم النبات والحيوان والإنسان وعلم الفلك، هذه هي العلوم التي تشير إليها عصا موسى...فويل للمسلمين إذا قصّروا ، ويل لهم ثم ويل إذا هم ناموا عن العمل، وصمّوا آذانهم عن سماع هذا القول " (2). بل إنه أوجب نشر كتابه وإعلامه بين الناس قائلاً: "إن إعلام هذا العلم واجب على كل من قرأ هذا التفسير وأمثاله ؛ لأني أوضحت بعض هذه الحقائق فيه أيضاحًا يوجب إماطة اللثام " (1). ثم إنه رأى أن هجر القرآن الحقيقي، هو هجر منهجه العلمي الذي أودعه في كتابه الكوني، فهو يقول: "والمسلمون قد ناموا نومًا عميقًا ، وتركوا القرآن وفهمه تركًا حقيقيًّ ا ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ الفرقان: ٦، هجروه وظنوا أن علم الفقه خلاصته، والباقي لا عمل له إلا التبرك به " (4). (3) المرجع السابق (1/39- 23) . (2) المرجع السابق (33/83. ) (1) المرجع السابق (33/83. ) (4) المرجع السابق (33/83. )
عدد الصفحات ١٩٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ مصادره في التفسير: بيَّ ن طنطاوي(ت:3158) أن ما كتبه من الحقائق الحديثة إنما كان تنزيلها على الآيات من بُ نيَّ ات فكره، وعزائم إلهامه، فهو يقول: "وخرَّجْ تُ فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية ، وجعلت آيات الوحي مطابقة لآيات الصنع... هذا التفسير نفحة ربانيّة ، وإشارة قدسية، وبشارة رمزية، أمرت به بطريق الإلهام، وأيقنت أن له شأنًا سيعرفه الخلق " (3). القصص مصدر من مصادر العلوم الحديثة!: يرى طنطاوي (ت:3158)، أن العلوم الحديثة يمكن استخراجها من القصص، فقال عند قول المولى - تبارك وتعالى - في قصة محاورة موسى وفرعون: ﭽ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﭼ طه: ٦: " إذ أثبت أن القرآن يُ دخِ ل العلوم والحكم في غضون القصص" (2). وبين كذلك أن مدارعلوم الطبيعة مستوحاة من قول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮍ ﭼ الفيل: 1، التي في أول قصة أصحاب الفيل. فقال: " إن العلوم الطبيعية عليها مدار الرقي في الحياة والبراهين، وهي المذكورة في خبر (أ ل م) " (1). (3) المرجع السابق (3/2. ) (2) المرجع السابق (33/325. ) (1) المرجع السابق (26/213. )
عدد الصفحات ١٩٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 197 تكلُّفه في إدخال العلوم الحديثة في القصة. وفي قصة مريم عند قول الحق - تبارك وتعالى-: ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ مريم: 45 يقول: " إن في هذه الآية من العلم ما لا يحتمله هذا الكتاب " (3). ثم تكلم عن الجوع والشبق والشهوة ومدارس الطب والتشريح وقراءة العقاقير...! ثم قال:" أفلا تتعجب معي كيف كان قوله: ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ مريم: 45، شاملاً لهذه المعاني وغيرها " (2). ولعلم تحضير الأرواح نصيبحافل، حيث استخرجها من قصة بني إسرائيل والبقرة من قول الحق -تبارك وتعالى-:ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ البقرة: 7، فقال: "وأما علم تحضير الأرواح، فإنه من هذه الآية استخراجه، إن هذه الآية تُتلى ، والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولاً ، ثم بسائر أوروبا ثانياً ، فأذكر نبذة منه لتعرف كيف كان مبدأ هذا العلم، وكيف كان انتشاره بين الأمم، وفائدة هذا العلم، إن من صَ حَّت عنده أحوال الأرواح وظهورها، أيقن بالآخرة، وبالحياة بعد الموت إيقانًا تامًا ، وأما من لم تصح عنده ، فإنه مقلد كسائر الناس ، ولتعلم أن هذا العلم متشعب، اخلط فيه الحق بالباطل، والصدق بالكذب، وصار الناس فيه طائفتين ، طائفة مكذبة وطائفة مصدقة ، ولكل حجج ليس هذا محلها ، ولكن بالإجمال أقول:... " إلى أن قال مستدلاً بنص من التوراة على ما ذكر: " أما ما جاء في العصر الحاضر الذي ي ناسب مسألة القتيل الذي ضربوه ببعض البقرة ، ومسألة إبراهيم (3) المرجع السابق (9/16. ) (2) المرجع السابق (9/18. )
عدد الصفحات ١٩٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 198 الخليل، وقول الله - سبحانه وتعالى-:ﭽ ﭡ ﭢ ﭼ البقرة: ٦٠ ، ومسألة صموئيل النبي مع طالوت ، المعبر عنه بلفظ شارل في التوراة ، الذي ذكرنا قصته آنفًا ،..." ثم قال بعد أن ساق قصته: "ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة للعزير بعد موته، وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الطاعون، فماتوا ثم أحياهم.. وعلم الله أننا نعجز عن ذلك، جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة، كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها، فلا تيأسوا من ذلك، فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح، فاستحضروها بطرقها المعروفة، واسألوا أهل الذِكر إن كنتم لا تعلمون، ولكن ليكن المُحَضِّر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين، كالعزير، وإبراهيم، وموسى، فهؤلاء لعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت: ﭽ ﯱ ﯲ ﭼ الأنعام: ٦ " (3). وهكذا يتوغل في أمر ليس له زمام أو خطام، وإنما هو ضرب من ضـروب الغيب، وغاية مصدره تورطُ ه في النقل عن مصادر أسطوريّ ة وفلسفيّ ة وباطلة محرفـة كالأناجيل القديمة. وياليت طنطاوي اكتفى في مسألة تحضير الأرواح بما اكتفى به محمد عبـده (ت:3121)، إذ كان موقفه تجاه هذا العلم أنه الشعوذة والطلسمة، وقد حضر مؤتمرًا لتحضير الأرواح في أوربا، فيقول عن نفسه: "لقد حُضِّرتْ أرواحُ كثيرين، ومنهم من أعرفهم قبل وفاته،...فقلت لهم: إن رأيي في هذا أنه عمل من أعمال الجن، وطلبت منهم إن كانوا صادقين أن يُ حضِّ روا (3) الجواهر في تفسير القرآن3/84- 89) .
عدد الصفحات ١٩٨دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 199 روح الن لأسأله عن الأحاديث الصحيحة الواردة عنه، ولأتـبين فصـاحته و بلاغته... ولِ يَقيني أن النبي محفوظ من أن يتمثل الشيطان بصورته، علمـت أني سأفوز عليهم، فلم يلبثوا أن عجزوا جميعًا ، معتذرين بأن هذه روح عالية لا يمكـن إحضارها، فتبين لي أن هذا العمل من أعمال الجن " (3). ولقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في دار الإفتاء السعودية فتوى هذا نصها: " التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة ؛ باستخدام جـني يسـلطه المنوِّم على المنوَّم فيتكلم بلسانه ويكسبه قوة على بعض الأعمال بسيطرته عليـه إن صدق مع المنوَّم وكان طوعًا له مقابل ما يتقرب به المنوَّم إليه ، ويجعل ذلـك الجـني المنوَّم طوع إرادة المنوِّم ؛ يقوم بما يطلبه منه من الأعمال بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوِّم . وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقًا أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة أو علاج مريض أو القيام بأي عمل آخر بواسطة المنوم غير جائز؛ بل هو شرك؛ لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسـباب العادية التي جعلها الله سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم " (2). وفي نهاية التجوال أضحى الكتاب موسوعةً علميةً ، طاف على كل نظرة تجريبيّ ة أو قانون تطبيقي، فكان حقُّ هذا الكتاب أن يوصف بالمقولة السابحة : فيه كـل شيء إلا التفسير (3) التصوف الإسلامي والإمام الشعرا(358- 359. ) نقلاً عن كتاب عالم الجن، د.عبـد الكـريم عبيدات( ص:452 .) (2) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء3/146)-(3/593. )
عدد الصفحات ١٩٩دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦٦ بل الكتاب أحق بهذا الوصف وأولى به ممن قيلت فيه، و يا ليت أنْ كان توجُ ه مؤلفِ ه النظرَ في الآفاق العلميّة التي تجلّت عنده في القرآن ، علم أن القرآن كتاب هداية تميزت آياته بأنها: عامةٌ ، وتامةٌ ، وواضحةٌ. أما عمومها: فلأنها تنظم الإنس والجن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان، قال الله الحق -تبارك وتعالى-:ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ الأنعام: 19،وقال -جلت حكمته-: ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﭼ الأنعام: 92 ، وقال -عز اسمه-: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ الأعراف: 158،وقال -عمت رحمته-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ الأحقاف: 29 – 32 وأما تمام هذه الهداية: فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله للناس، وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات، على اختلاف أنواعها، وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه، ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد، اقرأ إن شئت قول الله-سبحانه-: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ البقرة: 177 .
عدد الصفحات ٢٠٠دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 1 وأما وضوح هذه الهداية: فلعرضها عرضً ا رائعً ا مؤثرً ا تَوفّ ر فيه الإيضاح و الإقناع، بأسلوب معجز في بلاغته، واستدلال أخاّذٍ في منطقه ، وأمثال خلابة تُخْرِج أدق المعقولات في صورة أجلى الملموسات، وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام وجلال التشريع، وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين ويهذب النفوس والغرائز، مُصوِّ رًا مستقبل الأبرار والفجار تصويرً ا يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار (3). (3) انظرمناهل العرفان في علوم القرآن (2/89-93).
عدد الصفحات ٢٠١دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 2 تنوع المفردة ودلالتِها في قصص القرآن وفيه مدخل وخمسة مباحث: مدخل: مفهوم التنوع للمفردة ودلالتها في قصص القرآن. المبحث الأول: تنوع المفردة في القصة المتكررة. المبحث الثاني: تنوع دلالة المفردة في القصة. المبحث الثالث: تنوع دلالة المفردة تبعًا لتنوع قراءتها . المبحث الرابع: تنوع دلالة المفردة تبعًا لتنوع لغات العرب . المبحث الخامس: تنوع الدلالة وأثرها على مجريات القصة
عدد الصفحات ٢٠٢دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 3 مدخـــــــــل مفهوم التنوع للمفردة ودلالتها في قصص القرآن إن بلاغة القرآن لا تدانيها بلاغة، وكل كلام -وإن علا- فإنـه دونههـا (3)، وهذه البلاغة لا يحيط بها وصفٌ ، ولا يستطيع أن يلملم خصائصَ ها مُجِ دّ، فعلوم البلاغة وما حوته من بيان وبديع ومعاني، وكذلك النقد والإعجاز، وما حواهما مـن القـديم والحديث، إنما دُ رس للكشف عن مظاهر هذه البلاغة وأسرارها. وهذه البلاغة جعلت الصنديدَ القرشيَّ الوليدَ بنَ المغيرة يتساءل متعجبًا : " ماذا أقول فيه؟! فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدة، ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيء من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، معذق أسفلُ ه، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى" (2). ولقد تعددت مناحي البلاغة فيه، حتى غدا موردًا لكل وارد ، ومنهلاً لكل ناهل؛ ذلك أن القرآن بلغ الذروة في صفائه وبيانه. قال الباقلاني (ت:431) (1) في ذكره جملة من وجوه إعجازه: (3) انظرشرح ديوان الحماسة (3/144) . (2) أخرجه الحاكم في المستدرك2/553)، رقم1812)، وقال: هذا حديث صحيح على شرطالبخاري ولم يخرجاه، و وافقه الذهبي والبيهقي في شعب الإيمان ( 3/351)، رقم 314)، وانظر تفسير عبد الرزاق بن همام الصنعاني(1/128)، ودلائل النبوة لأبي بكر بن أحمد البيهقي (2/341.) (1) محمد بن الطيب بن محمد (ت:431)، القاضي أبو بكر المالكي البغدادي الأشعري المشهور، صاحب المصنفات في علم الكلام ونشر المذهب الأشعري، من كتبه: "الإنصاف"و "مناقب الأئمة". انظر : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لأبي المحاسن يوسف بن تغري بردى الأتابكي (4/21)، ديوان الإسلام، لأبي المعالي محمد بن عبد الرحمن بن الغزي (3/241).
عدد الصفحات ٢٠٣دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 4 " الوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة، إلى الحد الذي يُعلم عجزُ الخلق عنه" (3) . ومن مناحي البلاغة القرآنية ، القيمةُ الدلالية لِ لَفظ المفردة فيه ، ودور هذه المفردات في نماء الصور في القصص ، مع التوافق والتناسق بين المفردة وسياقها الذي سيقت لأجله، وانتظمت فيه. وتنوع المفردة ودلالتُ ها في قصص القرآن إما أن يكون في القصة المتكررة: والمقصود به حينئذٍ ، تغير بعض الحروف، أو الأسماء والأوصاف، أو الصيغ والأفعال في القصة التي تكررت في القرآن، وإبراز سر هذا التغير الذي لم ينشأ إلا عن حكمة، ولم يطرأ إلا عن بيان. ومثاله في الحرف: ما أخبره الله عن فرعون وقومه في ذبح أبناء بني إسرائيل فقال: ﭽ ﭙ ﭚ ﭼ البقرة: 49، وفي موضع آخر جاء الفعل مُتَوَّجًا بالواو ، فقال -سبحانه وتعالى-: ﭽ ﭡﭢ ﭼ إبراهيم: ٠ . ومثاله في الأسماء والأوصاف: اختلاف أطوار الخلق في قصة آدم -9-، ففي موضع أخـبر الله-سبحانه وتعالى- أنه من طين، وفي آخر أنه من تراب، وفي آخر أنه من صلصال، وهذا الصلصال مرة وُصِف بأ نه من حمأ مسنون، ومرة وُصِف بأنه كالفخار . ومثاله في الصيغ والأفعال: قول الله-سبحانه و تعالى- من قصة موسى -9- مـع بـ إسرائيل:ﭽ ﮄ ﮅ ﭼ البقورة: ٦٠، وقوله -سبحانه و تعـالى -:ﭽﭢ ﭣ ﭼ (3) إعجاز القرآن، لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني ( ص:15 ) .
عدد الصفحات ٢٠٤دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 الأعوراف٦٠، فالقصة متكررة، لكن جاءت اللفظتان مختلفتي المعنى، مع أن الحـدث واحد ! وإما أن يكون التنوع في دلالة المفردة في القصة الواحدة: والمقصود به حينئذٍ تعدد المعاني اللُّ غوية في الكلمة الواردة في القصة ، مثاله قول الله - تبارك وتعالى -: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ ص: 23، فلفظة النعجة أطلقها العرب على أكثر من معنى و دلالة، فمن دلالاتها الأنثى من الضأن ، ومن دلالاتها المرأة (3). ولربما كانت هذه الدلالات للمفردة الواحدة مؤثرة في تغير الحدث والقصة. ومن ذلك مفردة: (شَرِيَ ) فمن دلالاتها عند أهل اللغة، ما ذكره صاحب التهذيب:"شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت " (2). لذلك عاد الخلاف مجددً ا بين المفسرين في قوله - تبارك تعـالى -: ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ يوسوف: 2، فإن قلت: شـروه بمعنى باعوه، اختلف عود الضمير، ودخـل إخـوة يوسـف - 9- في مجريات الصفقة، وتهيكلت القصة ببناء جديد، وشخصيات أخر. إلى غير ذلك من الأمثلة التي تحتاج إلى استقراء ومعرفة... (3) انظر: لسان العرب (2/183) . (2) تهذيب اللغة(2/3868. )
عدد الصفحات ٢٠٥دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٦ المبحث الأول تنوع المفردة في القصة المتكررة في جُ عبة هذا المبحث الكثيرُ من الأسرار، فقلادته قد أسبلت العنق، وأطلقت العَ بَق، ولـو خُصّصـت دراسـة علـى ضـوئه مـن خـلال قصـة موسـى -9- لا تتجاوز أُطُره ، متبحرةً في آياته ، مكتفيةً بالتنقيب عن خفايـاه وعجائبه، لربما تكسّرت الأقلام ولم تحط به خُ بْرًا ، وكلّت الأيدي ولم تستطع عليـه صبرًا ، ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ الأنعوام: ٦، وخير شاهدِ المقالِ ما أودعـه قلـم الآلوسي (ت:3213) من نُخَب المرجان ، وعظيمِ نُدَر الجمان في تفسـيره لأحـداث موسى -9- معفرعون من سورة الأعراف، من غوصٍ في استجلاب القلائد، وسباحة في نبع الفرائد ، فأخْلِق بذي العلم أن يحظى بحاجته ، ومدمن الفهم للأبواب أن يلجَ (3). ومن خلال هذا الباب نفذت المستشرقةُ في محاولة بائسة إلى الطعن في القرآن زاعمين تناقض القصة المتكررة باختلاف مفرداتها في المشهد الواحد. والسؤال: لماذا هذا التنوع والذي يراه الطاعنون اختلاف تضاد ومفارقة؟ والجواب: أن المستشرق(2) لم يفهم القمة البلاغية، والغاية البيانيـة :"مطابقـة الكلام لمقتضى الحال"، والحال المقصود به في القصة هو سياقها، والغـرض الـذي سيقت من أجله، إنْ في السورة المدنية أو السورة المكية، وإنْ في مقـام السـرور أو مقام الأحزان، وإنْ في مقام التأكيد أو مقام الرجـاء... إلى غـير هـذه المشـاهد والأحوال. (3) انظر: روح المعاني (9/39)، آية331)،و(9/22)، آية333)، و(9/26)، آية323). (2) انظرنمو العقيدة الإسلامية وتطورها، لجولدتسيهر، عن كتاب دعاوى الطاعنين في القرآن الكـريم، د. عبدالمحسن بن زبن المطيري ( ص:284 ) وما بعدها
عدد الصفحات ٢٠٦دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 أولاً التنوع في الحروف وهو على وجوه: منها: أن يحل بدل الحرف حرفٌ آخر : كقول موسى - 9- لأهله عندما رأى النار في قوله- تبارك وتعالى -: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ القصص: 29، و في قوله - تعالى-: ﭽ ﮌ ﮍ ﮎﭼ النمل: 7، فهاهنا تنوع واقع بين حرف الترجي " لعل " وحرف التنفيس " السين ". وتعددت أقوال المفسرين في توجيه هذا التنوع إلى عدة أقوال: القول الأول: إنهما بمعنى، فقد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة أو الترجي. وإلى هذا ذهب الزمخشري (ت:518) (3)، والرازي (ت:636) (2)، وابن جزي الكلبي (ت:143) (1)، وابن عادل (بعد:883) (4)، وأبوحيان (ت:145) (5). قال أبوحيان (ت:145) في البحر:" وجاء هنا (يعني في سورة النمل): ﭽ ﮌ ﮍ ﮎ ﭼ، وهو خبر، وفي طه: ﭽ ﯜ ﯝ ﭼ طوه: ٦، وفي القصـص : ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ، وهو تَرَجّ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر ! ولكن الرجاء إذا قـوي جاز للراجي أن يخبر بذلك، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع" (6). (3) انظرالكشاف (1/154) . (2) انظر : التفس الكبير (24/356) . (3) انظرالتسهيل لعلوم التنزيل (1/91. ) (4) انظراللباب في علوم الكتاب (35/333. ) (5) انظر : تفس البحر المحيط (1/51) . (6) انظرالمرجع السابق .
عدد الصفحات ٢٠٧دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 القولالثاني: إن لغة موسى - 9- تحتمل المعنيين اللذين جاء بهما القرآن، وهما الخبر والرجاء، فجاء القرآن مرة بهذه، وأخرى بتلك. وإلى هذا القول ذهب الزبير الغرناطي (ت:138)، فقال: " فيمكن لتقارب معنيهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معً ا، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم " (3). القولالثالث: إن بين الآيتين خصوصً ا وعمومً ا، وموسى -9- إنما جاء بصيغة الرجاء والتي دل عليها سياق سورتي طه والقصص، فخُصص ما ورد في سورة النمل من عموم. وإلى هذا القول ذهب البقاعي (ت:885)، أن موسى قال ذلك" معبراً بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل " (2). القولالرابع: إن موسى -9- قال كلا الأمرين، ونطق لسانُه بكلا الأسلوبين : الرجاء والخبر، فالله - جل وعلا - أخبر بذلك، وقوله حق، وخبره صدق. ولعله - والعلم عند الله - قد حصل حوار بين موسى - 9- وأهلِ ه، فهو لما رأى النار أمرهم بالمكث والبقاء قائلاً : ﭽ ﯜ ﯝ ﭼ، فحصل بعد ذلك مراجعة أهلِه له ، إذ كيف يتركهم وحدهم في ظلمة قد لفت المكان، وبَ رْد قد التفت معه الأبدان، في أمر يرجى حصوله، وغير أكيد نوالُه ، حينئذٍ جزم موسى -9- فقال: ﭽﮌ ﭼ حتى يبث في روعهم الخلود، وتطمئن قلوبهم بالعَود . (3) ملاك التأويل2/833). (2) نظم الدرر (5/31).
عدد الصفحات ٢٠٨