المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم دراسة تحليلية تفسيرية

عاصم بن عبد الله آل حمد

صفحة ١١ من ٣٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 1 ثم أورد تحت الباب عند قول الله -تبارك وتعالى-: ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ مريم: ٠ - 57 قوله: "وأعلى الأمكنة المكان الذى تدور عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس، وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر" (3). ومن خلال هذه الأمثلة من الواضح أن يُقال: إن التفسير الصوفي النظري قائم على الخروج بالقرآن إلى هواه وهدفه ومقصده، حتى لو خالف ظاهرَ الآيات وإجماعَ العقلاء، حتى لو ذهب بالدين من أساسه !! التفسير الفيضي أو الإشاري: التفسير الإشاري "هو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأربـاب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر والمراد أيضً ا " (2). والفرق بينه وبين التفسير الصوفي النظري: - أن التفسير الصوفي النظري ينبني على مقدمات علمية في ذهن الصوفي أولاً، ثم يُنزِ ل القرآن عليها بعد ذلك. أما التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدمات علمية، بل يرتكز على رياضـة روحية، حتى تصل إلى درجة تنكشف فيها الإشارات القدسية. - أن التفسير الصوفي النظري، ليس وراءه معنى آخر يمكن أن تُحمل الآية عليه . أما التفسير الإشاري فلا يرى الصوفي أنه كل ما يُراد من الآية، بل يـرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويُراد منها أولاً وقبل كل شيء، وذلك هو المعنى الظاهر الذى ينساق إليه الذهن قبل غيره (1). (3 )فصوص الحكم ( ص15 ). (2 )مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني (2/56. ) (1 )انظرالتفسير والمفسرون للدكتور :محمد حسين الذهبي (2/219. )

عدد الصفحات ١٦١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 2 وينبغي أنيُعلم أن التفسير الإشاري لا يكون مقبولاً إلا بشروط خمسة: 3- ألا يتنامع ما يظهر من معنى النظم الكريم. 2- ألا يُ دّعى أنه المراد وحده دون الظاهر، فلا يمكن لعاقل أن يقبل ما نُقِـل عـ ن بعض المتصوفة من أنه فسَّر قول الله - تبارك وتعالى -: ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﭼ البقورة: 255 فقال: معناه"من ذل" من الذل "ذي" إشارة إلى الـنفس "يشف" من الشفاء "عِ " أمر من الوعي! 1- ألا يكون تأويلاً بعيدً ا سخيفً ا ممجوجًا كتفسير بعضـهم قـول الله – تبـارك وتعالى-: ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ العنكبووت: 9 بجعل كلمـةﭽ ﮨ ﭼ ماضـيً ا، وكلمة ﭽ ﮩ ﭼ مفعوله. 4- ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي 5- أن يكون له شاهد شرعي يؤيده (3). ومنتلكم التفاسير التي خالفت كل شرط، ما كتبه الشيرازي (ت:636)(2) في قصة توبة بني إسرائيل من قول الحق- تبارك وتعالى-:ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ البقرة: 54، يفسر الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية قائلاً: " ﭽ ﮛ ﮜ ﭼ أي: فارجعوا عن دوية مواهبه، إلى معرفة نفسه، واقتلوا أنفسكم بسيوف همومكم حتى لا يزاحمكم في قربة ٍبربكم ، وأيضًا : توبوا من دويـة (3) انظر : مناهل العرفان في علوم القرآن (2/58. ) (2) أبو محمد روزبهان بن أبي نصير البقلي الفسوي (ت:636)،كان على الطريقة الصوفية، له مؤلفات منها: كتاب: الأنوار في كشف الأسرار، وتفسير العرائس في التأويل. انظر : طبقات المفسرين، للأدنه وي ( ص:235 )، ومعجم المؤلف3/128. )

عدد الصفحات ١٦٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 3 توبتكم عليكم، واقتلوا أنفسكم بمعرفتكم برؤية توبة ربكم عليها، حتى توصـلكم معرفتها ومخالفتها إلى معرفة ربكم، التوبة هاهنا محو أصول الخيـال عنـد مبـادئ المكاشفات، وقتل النفس عند وجدان المشاهدات، قربانًا مـن البريّـات ، لصـفات الأزليات" (3). التفسير الصوفي الفيضي أو الإشاري الإمامي: ومن التفسير الصوفي القصصي ما كتبه الجنابذي (كان حيًا: 3133)(2)في تفسيره، والذي قرر في غير موضع منه أن القصص القرآني من قبيل المرموزات الصوفية، ومن أراد أن يحملها على الظاهر فلا بدَّ أن يقع في الحيرة والتناقض. ويعطينا هذا التفسير لونً ا من ألوان التفسير عند الإماميـة الاثـني عشـرية، فغالب تفاسيرهم على لون واحد، هو نقل ما جاء في التفسير عن الأئمة وآل البيت، أما هذا الكتاب فجعله مؤلفُ ه لوناً مخالفاً ، فهو يمزج بها التفسير الصوفي الذى يقـوم على الرموز والإشارات، كما يخلط بالتفسير كثيرً ا من البحوث الفلسفية الدقيقة(1) . فعند تفسيره لقصة آدم- 9- يقول " فالمراد بآدم في العالم الصغير، اللطيفةُ العاقلة الآدمية، الخليفة على الملائكـة الأرضين، وعلى الجنة والشياطين، المطرودين عن وجـه أرض الـنفس والطبـع ، المسجودة للملائكة، المخلوقة من الطين الساكنة، في جنة النفس الإنسـانية ، وهـ ي أعلى من مقام النفس الحيوانية ، من المخلوق من ضلع جنبها الأيسر، الـذي يلـي النفس الحيوانية، زوجتها المسماة بحواء، لكدرة لونها بقربها من الـنفس الحيوانيـة ، والمراد بالشجرة المنهية، مرتبة النفس الإنسانية التي هي جامعة لمقام الحيوانية، والمرتبة (3) عرائسالبيان في حقائق القرآن، لأبي محمد روزبهان الشيرازي ( ص:14 . ) (2) سبقت ترجمته في ( ص356 . ) (1) انظر : بيان السعادة2/311. )

عدد الصفحات ١٦٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 4 الآدمية...وهبوط آدم وحواء عبارة عن تنزيلهما إلى مقام الحيوانية، وهبوط إبلـيس والحية وذريتهما، عبارة عن تنزيلها عن مقام التبعية لآدم، فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظـاهره، كان رفعتها رفعـة، وشرافتها باستخـدام آدم لها شرافته... " (3). وفي انحراف صوفي اُصطبغ بالمذهب الإمامي الذي تقلده صاحب ال تفسير، يقول في ذات القصة عند قول الله - تبارك وتعالى-: ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﭼ البقرة: 35: " الشجرة: شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله، دون غيرهم، ولا تنال بأمر الله إلاهم " (2). وعند قوله - تعالى- من قصة مريم من سورة مريم: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ مريم: 17، يطالعنا صاحب السعادة بقول فائض في الغرابة، بأن الروح الذي أُ رسِ ل إليها ليس هو جبريل، بل الذي فوقه، فيقول: " والتشريف بالإضافة يقتضي أن يكون هذا هو المراد، على أن التوجه إلى البشر وتربية آدم إنما هو من الروح، الذي هو رب النوع الإنساني، وهو أعظم من الملائكة كلهم " (1). (3) المرجع السابق3/83) . (2) المرجع السابق3/83) . (1) المرجع السابق1/1) .

عدد الصفحات ١٦٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 5 المبحث الخامس المدرسة العقلية الحديثة تعدّ المدرسة العقلية الحديثة النصف الثاني من المدرسة العقلية ، أما النصف الأول أعني: (المدرسة العقلية القديمة )، فقد مرّ الكلام عنها ضمن عبث المدرسة المتكلمة (3 ). أما نواة المدرسة العقلية الحديثة فبدأتفي القرن المنصرم آخذةً على عاتقهـا التجديد، بأن تقوم على الكيان العقلي، وكان من سقى ساقيتها، وبذر بذرتها جمال الدين الأفغاني (ت:3135) (2)،ثم من جاء بعده منتهجًا نهجه ولافًّا لفيفه ، وانتحـت هذه المدرسة طريق المعتزلة في تحكيم العقل مع بعض الاختلافات بينهما، و تباين في الأصول والمعتقدات. وقد تشرَّ ب بعض المعاصرين من قيء هذه المدرسة ، فانقسموا في الآراء ، وتعددوا في المذاهب: من رجالٍ في الأدب، ورجالٍ في الشريعة، ورجالٍ في السياسة، ورجالٍ في الاجتماع، مُتكدّ سين على رابط واحد يجمعهم، هو العقل، الذي زاحم بدوره النصوص الشرعية، فردّوها بحجة تعارضها مع ه . وهذه العقلانية قد صرخت في كتابة أحدهم إذ يقول: "منهجي الذي أؤمن به وأدافع عنه في مجال الفلسفة العربية هو: المنهج العقلي التجديدي وأكاد أقطع بأننا لو سرنا في طريق التقليد مئات السنوات، وانحرفنا عن نهر العقل، فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة في سبيل إرساء دعائم فلسفتنا العربية، (3) انظر صفحة ( ص325 ) من هذه الرسالة (2) محمد بن صَفْدر الحسي (ت:3135) ولد بأفغانستان، شيعي، ماسوني، فيلسوف صاحب شخصية غامضة، نُفي من الآستانة ومصر، مات بالسرطان في فكّه، مُقلٌّ في التأليف، له: "تاريخ الأفغـان". انظر : الأعلام (6/368)، ودعوة جمال الدين في ميزان الإسلام، لمصطفى غزال( ص13-363)

عدد الصفحات ١٦٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠٠ وكشف ما فيها من مواطن القوة والضعف " (3). ولا أسف على عقلانيي الغرب أن يُ حكّ موا عقولهم في نُ ظُمهم ؛ لأنهم ضالون مضلون عن سواء السبيل، لكنّ الأسف على من أكرمهم الله بالإسلام دينًا ، وأتم عليهم القرآن نظامًا ، ثم هم بعد ذلك يعصفون بذكاء عقولهم إلى الهاوية، وما نفع القوم أن أوتوا ذكاء بلا زكاء، فبعدًا لذكاءٍ بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى(2). وكان لهذهالمدرسة آراءٌ تخالف منهاج السلف، أوقعهم فيها الغلو في تقديم العقل، حتى جاوزوا الحق والصواب، فشكك بعض العلماء في أفراد هذه المدرسـة والتي كان من أبـرز رجالاتهـا : جمـال الـدين الأفغـاني (ت:3135)، ومحمـد عبده(ت:3121)(1) . ولقد أصاب زكامُ العقلان يين تفسيرَ مفردة القصة القرآنية، و"لم تجرؤ العقلية الحديثة على إنكار شيء من أصول العقيدة جرأتها على إنكار المعجزات للأنبياء والمرسلين، وتأويلها تأويلاً يؤول إلى إنكارها " (4)، هذه المعجزات التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالقصة القرآنية ، حتى غدت المفردة في باحتها مسرحًا لجناة العقل ، ودعاة التجديد. (3) ثورة العقل في الفلسفة العربية، للدكتور : محمد عاطف العراقي ( ص:31 . ) (2) انظرسير أعلام النبلاء (34/62. ) (1) انظرمنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، د. فهد بن عبد الرحمن الرومي ( 3/13 . ) (4) الاتجاهات العقلانية الحديثة ( ص235 . )

عدد الصفحات ١٦٦

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 7 جمال الدين الأفغاني(ت:3135) لئن كان الأفغا(ت:3135) هو المؤسس لهذه المدرسة، إلا أن محمد عبده هو الذي أقام صروحها وقوّى دعائمهـا، وسـاهم في نشـرها بـين النـاس، أمـا الأفغاني(ت:3135) فهو مع حثّه على التفسير ودعوته إليه إلا إنه من المُقلّين فيه ، ولـه تعليقات يسيرة على بعض الآيات وجدت في تضاعيف مقالاته. والغالب على نشاطه السياسة، وإنما اتخذ من الدروس ما يدفع بـه عجلـة السياسة قُدُمًا إلى أغراضه وأهدافه ، ولربما عَرَض في تضاعيف حديثه آيـةً قرآنيـةً يستشهد بها لتقوية رأيه، مفسرًا إياها تفسيرًا قاصرًا على حديثه من غير استقصـاء لمعانيها (3). وعن جمال الدين الأفغاني (ت:3135) قال المستشـرق الفرنسـي "آرنسـت رينان" (ت:3139): "وقد خُ يل إليّ من حرية فكره ، ونبالة شيمه، وصراحته، وأنا أتحدث إليـه ، أنني أرى وجهًا لوجه أحدَ من عرفتُ هم من القـدماء ، وأنـني أشْـ هَد ابـن سـينا (ت:428)(2) أو ابن رشد(ت:595) (1)، أو أحد أولئك الملحدين العظام الذين ظلـوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار" (4)! (3) انظرمنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير (3/86). (2) أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا (ت:428)، حفظ علوم الفلسفة ولم يجاوز38) عامًا، وصفه ابن القيم بأنه معطل جاحد للنبوات والمعاد، لا رسول عنده ولا كتاب، له: القانون، والمعاد. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لأبي العباس أحمد بن القاسم السعدي ( ص: 411 )، وإغاثـة اللهفان لابن القيم (2/261) . (1) محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد(ت:595)، يكنى بأبي الوليد، فيلسوف، استظهر الموطأ حفظً ا ، له: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وتلخيص لكتب أرسطو . انظر : تاريخ قضاة الأندلس، لأبي الحسن بن عبد الله بن الحسن المالقي ( ص:333 ) والديباج المذهب ( ص:284 ) . (4) جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، د.محمد عمارة( ص:265 ).

عدد الصفحات ١٦٧

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 8 ولا غروَ أن يقال مثلُ هذا عنه ؛ لأن من أفكاره وآرائه أنـه إذا لم يـرَ في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفى بما جاء فيه من الإشارة، ورجـع إلى التأويل، وبناء على هذه النظرة راح يفسر القرآن تفسيرًا عقليًا فوقع فيما لم يُحمد له من العقبى (3). أما ما يتعلق بمفردة القصة القرآنية فهي أقلّ بك ثير من الكبريت الأحمر، ومن تفسيره ما أوّل به ريح سليمان- 9- ضاربًا لها المثل بالطائرات في قول الله -تبارك وتعالى-:ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ الأنبياء: 81. وأوّلَ سرعة نقل الأخبار والأشياء بأسرع من البرق بالتلغراف اللاسلكي. ثم قال منكرًا لمعجزات سليمان - 9- بأن ألفاظ القرآن وإن كانت صريحةً في إثباتها ، لكنّها لا تدل على حقيقتها ؛ لعدم تصور الرعيل الأول لتأويلاتها التي تصير الألفاظ إليها من: طائرات، و أدوات اتصال حديثة، فهو يزعم ذلك قائلاً : " وجدنا في ذلك القصص أن بتلك الواسطة التي توفرت لسليمان، وبها نقل عرش بلقيس من سبأ إلى القدس قبل أن يرتد إليه طرفه ، جاءت صريحة بالعمل ، مبهمة عن الآلة العاملة، إذ لم يكن بالإمكان للقرآن أن يصرح بشكلها أو باسمها؛ لبعد ذلك عن الأذهان في ذلك الحين" (2). (3) انظردعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام، لمصطفى فوزي عبداللطيف غزال ( ص:118 . ) (2) خاطرات جمال الدين الأفغا، لمحمد باشا المخزومي ( ص:353-352. )

عدد الصفحات ١٦٨

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 9 الأستاذ محمد عبده (ت:3121) (3) دعا محمد عبده (ت:3121 )إما أسماه بـ "قلب السلطة الدينية " ووضح ذلك بقوله: " لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف أو خلف" (2). وبهذا المبدأ استطاع أن يحرر نفسه إلى عقلها، ثم ينطلق ليُ قعِّ د قواعد كانت السبب في انجرافه بمفردة القصة وغيرها إلى مالم يقله أحد، فمن قواعده تلك: " الأصــل الثــاني ل ســلام : تقــديم العقــل علــى ظــاهر الشــرع عنــد التعارض"(1). إنّ تحرير الفكر من التقليد كان هاجسًا في عقل الأستاذ، وفي الوقت نفسـه كان هذا الهاجس مُ صمّ مًا أن يضع تيارًا حد يثً ا يخلِّص المثقفين من رقّ التغريب. لكنه ما لبث أن ثار على التقليد ثورةً عظّ م فيها العقل، ووضعه في مكانـة رفيعة، حتى قدّ مه على نصوص الوحيين عند تعارضهما في الظاهر!. " ونستطيع القول بأن ( اعقل كي تؤمن ) من أهم القضايا التي آمن بها محمد عبده (ت:3121) ، فهذه المدرسة ترى أن المرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقـل دينـه ، وعَ رَفَه بنفسه حتى اقتنع به"! (4). (3) محمد عبده بن حسن خير الله (ت:3121)، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، من كبار الدعاة إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، تصوف وتفلسف، له تفسير القرآن الكريم لم يتمه، ورسالة التوحيد. انظر : الأعلام (6/252)، ومحمد عبده وآراؤه في العقيدة الإسلامية -عرض ونقد- د. خالد محمد الجعبري ( ص:12.) (2) الإسلام والنصرانية، لمحمد عبده ( ص16 . ) (1) المرجع السابق ( ص13 . ) (4) الإمام محمد عبده والقضايا الإسلامية، د. عبدالرحمن محمد بدوي ( ص1 . )

عدد الصفحات ١٦٩

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٦ وتتجلى النزعة العقلية في هذه المدرسة عندما عطّلت حصانة الحديث النبوي بحجة عدم الاستطاعة من تحقق السند، ومن هذا المنطلق أتت هذه المدرسة بعجائب التفسير، والتي خالفت في جملتها جماهيرهم. وللشيخ محمد عبده (ت:3121) قصب السبق من بين العقلانيين المحـدثين في تأويل المعجزات والخوارق التي وردت في القرآن الكريم حسب مقتضـيات العلـم المادي الغربي الحديث -بزعمه-. رأي محمد عبده(ت:3121) في القصة: يُخرج الأستاذُ القصةَ أحيانًا عن مدلولها الحقيقي التاريخي إلى مدلول عقلي ، حتى يقبلها المنكرون، ويُ صدِّ ق بها المكذبون، كصنيعه في الطير الأبابيل، أو الملائكة المسوِّ مين، وكان تأثره واضحًا بالزمخشري (ت:518) في استخدامالتمثيل والتأويل في فهم القرآن ، ولكنَّ الفرق بينهما كونُ الزمخشري (ت:518) يوظِّف ذلك ليؤيد المعتزلة، بينما وظف الأستاذ التمثيلَ والتأويلَ ليوافق النصُّ العقلَ ، محاربًا صنيع الزمخشري وكلَّ من أوّل القرآن لمذاهبَ كلاميّة أو أفكار مذهبيّة (3). يثبت ذلك تأويلُه لمعصية آدم بأنه تمثيل لا حقيقة، فيقول: " وأما عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يَذهَ ب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه، كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول: إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة، كما قال -جل شأنه-: ﭽﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ طه: 115، والاتفاق إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة، وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانً ا، فسمي تفخيمً ا لأمره عصيانً ا، (3) انظر : محمد عبده وآراؤه في العقيدة الإسلامية ( ص595.)

عدد الصفحات ١٧٠

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 171 والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلاً فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل" (3). ثم طفِق يؤول القصة على طريقة الخلف العقلية التمثيلية. قصة أبرهة: ذهب بعض الباحثين إلى أنّ "محمد عبده (ت:3121) يُعوِّ ل على عقله كثيرًا ، ومع ذلك كان يلتقي مع السلف في كثير من مسائل العقيدة ؛ لأن العقل الصحيح يلتقي مع النص الصريح" (2). ومن هذا المنطلق اعتذر الباحث عن محمد عبده(ت:3121 )في تأويله الط الأبابيل والحجارة من السّجيل ، عند كلامه المُشتهر في تفسيره لجزء عمّ : " فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذى يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذى تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار به تلك القروح التي تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يُعَدُّ من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذى يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فِرَقٌ وجماعاتٌ لا يحصي عدَ دها إلا بارئُها، ولا يتوقف ظهورُ أثرِ قُدرةِ الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مُغْرِب، ولا على أن يكون له ألوانٌ خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها فلله جند من كل شيء " (1). (3) تفسير النار3/211. ) (2) انظر : منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم، لعبدالله محمود شحاته ( ص91 . ) (1) تفس جزء عم . لمحمد عبده ( ص:363-362 . )

عدد الصفحات ١٧١

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 172 فيرى الباحث: أنّ مح مد عبده (ت:3121)لم يبتعد في كلامه عن قول عكرمة (ت:335) الذي يرىأن إهلاك أبرهة كان بسبب الحصبة والجدري(3)، بل إنه ألقى بدلوه في الدلاء، في نفس المياه التي يستقي منها غيره، ولم يخرج عن نطاقها. ولربما يُوافق على كلام الباحث في أن الأستاذ محمد عبده (ت:3121) عـوّل على عقله كثيرًا في تضاعيف أبحاثه ، ولكن لا يُ وافق عليه في اعتـذاره بـأن كـلام الأستاذ محمد عبده (ت:3121) إنما هو من جنس كلام السلف في تفسير الآية، لأمور منها: 3- إن كلام عكرمة (ت:335) فيه نوع مخالفة لما قـرره الأسـتاذ ؛ إذ في كـلام عكرمة (ت:335) إثبات للقصة بلا تأويل، فالرمي بالحجارة عنده حاصل واقع، وإنما حصل الجدري بعد عملية الرمي فهو يقول:" كانت ترميهم بحجارة، فإذا أصاب أحدَ هم خرج به الجدري" فهذا النص صريح في أن عكرمـة (ت:335) يرى حقيقة الرّمي ، أما الأستاذ فيرى أن الرمي في الآيـة مـؤول بالاتصـال الجسدي الذي إذا دخل في مسامته أثار فيه هذه القروح. 2- إن الآيات قد أوضحت كيفية هلاك القوم، فلا مزيد عليها إلا بضرب مـن التّ كهن والتّ خمين، وياليت الأسـتاذ أخـذ بوصـية الخليفـة عمـر بـن عبدالعزيز(ت:333) إذ قال " فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل لو كان فيه أحرى" (2). (3) أخرجه الطبري في تفسيره (13/299)، وذكره ابن حجر في الفتح (8/129) من طريق عبدالرحمن بن سابط. (2) الشريعة، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري (2/913) .

عدد الصفحات ١٧٢

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 173 قصة آدم والملائكة لأنّ الأستاذ كان يتكئ على العقل، جاعلاً منه مُ حكِّ مًا في كثير من الغيبيات، فإنه يُ قحِ م هذا العقل في تأويل الملائكة تأويلات بعيدة، جاعلاً الملائ كة قوى لا تعقل أودعها الله في الطبيعة . وقد كان هذا القول هو المخالفة الصريحة لمفهوم الآيات ومنطوقها، والمعارضة الواضحة لأقوال المسلمين، بل ولأقوال اليهود والنصارى من أن الملائكة عباد لله ﭽﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ التحريم: ٠. وإليك نص كلام الأستاذ: "وذهب بعض المفسرين مذهبً ا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات، وخِ لقة حيوان، وحفظ إنسان، وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص، نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكً ا. ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمّ ي هذه المعاني " القوى الطبيعية "، إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة. والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه، هو أن في باطن الخلقة أمرً ا هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكً ا، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسً ا طبيعيً ا ؛ لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة، والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات" (3). (3) تفس القرآن الحكيم ، المسمى :تفسير المنار، لمحمد رشيد بن علي رضا (3/221)

عدد الصفحات ١٧٣

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 174 وبعد هذا التقرير أصبح الأستاذ مُلزمًا نفسه بتأويل الأحداث الواردة في قصة آدم مع إسجاد الملائكة له، زاعمًا أنها على سبيل التخييل والتمثيل ، قائلاً : " وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض، هو عبارة عن تهيئة الأرض، وقوى هذا العالم وأرواحه، التي بها قوامه ونظامه، لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها، فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض ؛ لأنه يعمل باختياره ويعطي استعدادً ا في العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك، وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض. وتعليم آدم الأسماء كلها، بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض، وانتفاعه به في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودً ا لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله - تعالى - في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري" (3). وحقيقة الأمر، أن الأستاذ قد اضطرب في هذا الباب، وتذبذب بين تحكيم العقل، وبين اتباع سبيل المؤمنين، فله من الكلام ما ينقض تأويلاته، جاريًا فيه مجرى السلف، قائلاً : = وقد اعتذر التلميذ في تفسيره المنار(3/214) لأستاذه بأن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبر عنه بالإيماء وبالإشارة إقناع منكري الملائكة بوجودهم وهذا حسن ظنٍ تحلّى به محمد رشيد، ولو أن محمد عبده اتبع أقوال السلف في هذا المسائل وأشباهها لما تأرجح بين العقل والنقل . (3) المرجع السابق3/211. )

عدد الصفحات ١٧٤

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم 175 " أما الملائكة فيقول السلف فيهم: إنهم خلق أخبرنا الله - تعالى - بوجودهم وببعض عملهم فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم فنفوض علمها إلى الله - تعالى - " (3). وذكر أن أحدًا لم ير الملائكة ، فيستحيل أن يعرف شيئًا عنها (2). لكن ما قرره الشيخ سرعان ما عارضه بعقله من خلال تفسيره. قال ابن تيمية (ت:128) في معرض ردّه على مؤولة الملائكة : " وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل، ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة، وقد يوجد نحو هذه الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه" (1). ومن تحكم العقل المجرد الذي لم يقم على دليل ما قاله الأستاذ عند قوله تعالى: ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ الفجر: ٦، بعد أن ساق الأقوال في الآية: " وأظهر أقوالهم ملائمة للحقيقة أن الأوتاد: المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة، في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا ، وينتهي بأدق مما ابتدأ، وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون، على أنها معهودة للمخاطبين " (4). (3) المرجع السابق3/232. ) (2) انظر : الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، لمحمد عمارة ( ص:451 . ) (1) فتاوى ابن تيمية (4/146) . (4) تفس جزء عم . لمحمد عبده ( ص:84 . )

عدد الصفحات ١٧٥

دلالة المفردة في قصص القرآن الكريم ٠ وهكذا سار محمد عبده (ت:3121 )متأثرًا بالمعتزلة من حيث وثوقُ ه بالعقل إلى حد لو تعارض معه النص لرجح العقل عليه، لاجئًا إلى تأويل النص تـأويلاً عقليًـا ليتوافق مع المعقول، ويرفع كل تعارض بينهما (3). وما قيل في دراسة أقواله في هذا البحث وفي غيره لا يُسوِّغ لقائل (2) أن يتهم مُنتقديه بأن الد وافع هي الأحقاد الشخصيّ ة، أو الخصومات الحزبيّ ة، أو أن هذه الانتقادات شاعت عن هذا الرجل فتناقلها المنتقدون على سبيل التقليد السلبي والنظر السطحي، فالأستاذ من كلامه يُدان ، وعِ رض الإسلام أحب إلى منتقديه من عرض العقل وتقديمه وتعظيمه. (3) انظر : موقف العقل كما يراه الإمام محمد عبده من بعض المفاهيم التي طرحها الإسلام . د. زاهر خلف الروسان ( ص:311 ). (2) انظر مثلاً ما كتبه د عثمان أمين في كتابه: رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده ( ص:211.)

عدد الصفحات ١٧٦