- 505 - الدعانِّ، كما يؤذف به الالتفات ، والخروج عن مقتضى الظاهر في إسناد الكلاـ. ومدا جاء على التبادؿ بين الالتفات وعدمه في القراءات الدتواترة قراءة غير الجمهور لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِؿَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تػَتَّبِ عُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُوفَ﴾ [سورة الْعراؼ/ ٖ]،(ٔ) وقوله: ﴿أَمَّنْ مصُِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَا ُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَمصَْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الَْْرْضِ أَإِلَهٌ مَ َ ال لَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُوفَ ﴾ [سورة النمل/ٕٙ].(ٕ) فقر اءة الجمهور تجري على نسق ما قبلها من الخطاب في الآيتين، وهذا وجه من وجو بلاغتها ، ولذا وجه آخر هو أنها بعدما توجَّهت إلى الدشركين تأمرهم باتباع الحق، وترؾ ما درجوا عليه من الإشراؾ في سورة الْعراؼ، وبعدما ساقت الْدلة الدالة على وحدانيته بأسلوب الدواجهة في س ورة النمل تابعت في توجيه الخطاب إلى الدشركين في الآيتين توبِِّّهم على إعراضهم ، وقلة تذكُّرهم وتفكُّرهم، فأخرجت بذلك الكلاـ مخرج الوعيد والتهديد. (ٖ) أما قراءة الغيبة فتعدؿ عن سنن الظاهر إلى غير ؛ للإعراض عنهم و توجيه الكلاـ إلى غيرهم من السامعين، وهم النبي ومن معه من الدسلمين؛ لْنهم استأهلوا الإعراض بعد تذك ير هم،(ٗ) فهذا الالتفات يؤذف بأف سوء حالذم، في عدـ الامتثاؿ بالْمر والنهي يقتضي صرؼ الخطاب عنهم ، وحك اية جناياتهم لغيرهم.(٘) أي: إفَّ الالتفات يؤذف بأنهم أحقر عند ا﵁ من مخاطبتهم، وأف قبائح أفعالذم، وقلة استجابتهم يدعواف إلى الإعراض عنهم، وعدـ خطابهم مرة أخر ؛ ف الخطاب الْوؿ لم ينف معهم، ولو استمر في خطابهم فلن ينفعهم أيضاً، ولذلك استحقوا أف تحُ كى جنايتهم للغير بأسلوب الخبر. وقريب مدا ذكر في الدثالين السابقين مظكن توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بَِِا تػُبْصِرُوفَ ۞ وَمَا لاَ تػُبْصِرُوفَ ۞ إِنَّهُ لَقَوْؿُ رَسُوؿٍ كَرِيٍَ ۞ وَمَا هُوَ بِقَوْؿِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تػُؤْمِنُوفَ ۞ وَلاَ بِقَوْؿِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُوفَ﴾ [سورة الحاقة/ٖٛ-ٕٗ] .حيث قرأ ترهور القراء قَلِيلاً مَا تػُؤْمِنُوفَ ، قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُوفَ ) بالخطاب، وقرأ ابن كثير ، وابن (ٔ) قرأ ابن عامر (يَتذكَّروف) بياء قبل التاء، وكذا هو في مصاحف أهل الشاـ م تخفيف الذاؿ، وقرأ الباقوف بتاء واحدة من غير ياء قبلها كما هي في غير الدصحف الشامي. وتززة ، والكسائي، وخلف ، وحفص على أصلهم في تخفيف الذاؿ. انظر: السبعة، ص ٕٛٚ، والتيسير، ص ٓٛ، والنشر، ٕ/ٖٔٓ، وتحبير التيسير، ص ٖٓٚ. (ٕ) قرأ أبو عمرو ، وهشاـ، وروح بالغيبة، وقرأ الباقوف بالخطاب، وهم على أصولذم في الذاؿ كما تقدـ. انظر: السبعة، ص ٗٛٗ، والتيسير، ص ٕٔٔ، والنشر، ٕ/ٖٛٚ، وتحبير التيسير، ص ٖٜٗ. (ٖ) التحرير والتنوير، ٜٔ/ٜٕٓ. (ٗ) الدرج السابق ، ٛ/٘ٔ، ٜٔ/ٜٕٓ. (٘) إرشاد العقل، ٖ/ٕٔٔ، وروح الدعانِّ، ٛ/ٛٚ.
عدد الصفحات ٥٣٢- 505 - عامر، ويعقوب بالياء والغيبة.(ٔ) ومدا جر أيضاً على الالتفات في القراءات الدتواترة قراءة الجمهور لقوله تعالى: ﴿إِمسََّا تػَعْبُدُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتخَْلُقُوفَ إِفْكًا إِفَّ الَّذِينَ تػَ عْبُدُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّهِ لاَ مظَْلِكُوفَ لَكُمْ رِزْقًا فَابػْتػَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْؽَ وَاعْبُدُو ُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تػُرْجَعُوفَ ۞ وَإِفْ تُكَذِّبُوا فػَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قػَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُوؿِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِ ينُ ۞ أَوَلمَْ يػَرَوْا كَيْفَ يػُبْدِئُ اللَّهُ الخَْلْقَ ثَُُّ يُعِيدُ ُ إِفَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة العنكبوت/ٚٔ-ٜٔ]،حيث قرأ الْخواف وأبو بكر وخلف ﴿ أَوَلمَْ تػَ رَوْا﴾ بالتاء، و قرأ الباقوف ﴿أَوَلمَْ يػَرَوْا﴾ بالياء.(ٕ) فقراءة الْخوين تجري على وفق مقتضى الظاهر من الخطاب، أما قراءة الجمهور فتخرج عن هذا الظاهر، إعراضاً عنهم؛ للإيذاف بشدة الغضب على ما كاف منهم من قلة الاعتبار بعد كل ذلك التذكير والوعظ. (ٖ) كما إف الالتفات إلى الغيبة فيه "نكتة إبعادهم عن شرؼ الحضور بعد الإخبار عنهم بأنهم مكذِّ بوف."(ٗ) وبذلك يتبينَّ أف الالتفات إلى الغيبة في تري الْمثلة الدتقدمة يثري نص القرآف بِزيد من الدعانِّ التي يوحي بها الخروج عن مقتضى الظاهر. وقد بيَّنت الدراسة أفَّ التحقير والازدراء هي أبرز الدعانِّ التي مظكن ملاحظتها في قراءات الالتفات ؛ لْف الرجوع إلى الغيبة بع د الخطاب يؤذف بأف ا لإعراض عن الدخاطَبين هو الْنسب لدقاـ الكلاـ؛ إذ غالباً ما يكوف الدقاـ مقتضياً لطرح الدخاطبين، وترؾ الالتفات إليهم. والقراءات الدتعددة تحقق لنظم القرآف سَة إمصاز ؛ لْنها تحمل إلى الآية أغراضاً بلاغية متعددة؛ فقراءات الخطاب للوعيد والتهديد، وقراءات الغيبة للتبكيت والتحقير. ومظكن تحديد أغراض الالتفات البلاغية من خلاؿ السياؽ الذي يساعد في الكشف عن الدعنى الذي مضمله الالتفات إلى الآية، وأستحسن هنا الاستشهاد بقوؿ ابن الْثير (٘): "والذي عندي في ذلك أف الانتقاؿ من (ٔ) السبعة، ص ٛٗٙ–ٜٗٙ، والتيسير، ص ٖ٘ٔ، والكفاية، ص ٖٙٓ، والنشر، ٕ/ٖٓٗ، وتحبير التيسير، ص ٜٓ٘. (ٕ) السبعة، ص ٜٛٗ، والتيسير، ص ٗٔٔ، والتلخيص في القراءات، ص ٕٖٙ، والنشر، ٕ/ٖٖٛ، وتحبير التيسير، ص ٔٓ٘. (ٖ) نظم الدرر، ٘/ٚٗ٘. (ٗ) التحرير والتنوير، ٕٓ/ٔ٘ٔ. (٘) هو نصر ا﵁ بن محمد بن محمد بن عبد الكريَ بن عبد الواحد ضياء الدين، أبو الفتح الشيبانِّ الخزرجي الدعروؼ بابن الْثير، وُلِد في في جزيرة ابن عمر سنة ٛ٘٘هػ، وتعلم بالدوصل، واتصل بالسلطاف صلاح الدين، ووي الوزارة للملك الْ فضل علي بن صلاح الدين في دمشق، فلم تحُمَد سيرته. مهر في النحو واللغة وعلم البياف، واستكثر من حفظ الشعر، فحفظ شعر أبي تداـ حبيب بن أوس الطائي، وشعر البحتري، وشعر أبي الطيب الدتنبي. من مؤلَّفاته: الدثل السائر في أدب الكاتب والشعر، والوشي الدرقوـ في حل الدنظوـ، والدعانِّ الدخترعة في صناعة الإنشاء، وغيرها. توفي سنة ٖٚٙهػ. انظر: العبر في خبر من غبر، ٘/ٙ٘ٔ، وبغية الوعاة، ٕ/ٖ٘ٔ.
عدد الصفحات ٥٣٣- 510 - الخطاب إلى الغيبةِ، أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكوف إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقاؿ من أسلوبٍ إلى أسلوب، غير أنها لا تحُدُّ بحد ، ولا تُضبَط بضابطِ ، لكن يشار إلى مواض منها؛ ليقاس عليها غيرها، فإنا قد رأينا الانتقاؿ من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأف الدخاطب ، ثُ رأينا ذلك بعينه - وهو ضد الْوؿ - قد استعمل في الانتقاؿ من الخطاب إلى الغيبةِ ، فعلمنا حينئذ أف الغرض الدوجب لاستعماؿ هذا النوع من الكلاـ لا مصري على وتيرة واحدة ، وإمسا هو مقصور على العناية بالدعنى الدقصود، وذلك الدعنى يتشعب شُعباً كثيرة لا تنحصرُ ، وإمسا يُ ؤ تى بها على حسب الدوض الذي ترد فيه ."(ٔ) والخلاصة: أف تبادؿ القراءات بين حال ة الغيبة في الخروج عن مقتضى الظاهر ، و حالة الخطاب وفق ما يقتضي الظاهر يدؿُّ على بلاغة نظم القرآف من عدة جهات: فقراءات الخطاب تحفظ للنص القرآنِّ تراله اللفظي بتجاوبها، وتناسبها م النسق العاـ، وقراءات الالتفات إلى الغيبة تثري نص القرآف بالوجو البلاغية والدزايا الدعنوية. والدطلب الآتي سيتناوؿ بالدراسة بعض القراءات التي جرت على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلُّم، ويبينَّ أثرها في بلاغة النظم. (ٔ) الدثل السائر، ٕ/ٗ.
عدد الصفحات ٥٣٤- 511 - المطمب الثالث: الالتفات من الغيبة إلى التكمم. يدؿُّ الالتفات على أمشية ما سيأتي من الكلاـ، و ينبِّه الْذهاف على ضرورة تفهُّم واستيعاب مضمونه، وهو من أهم الوسائل التي يستدعي بها الدتكلِّم إصغاء السام . وهذ الفائدة عامَّة في تري أساليب الالتفات، وصور ، أما تحويل الْسلوب إلى التكلُّم خاصَّة فيدؿ على قيمة الكلاـ الدػُ لقى، وحظوته لد الدتكلِّم؛ إذ يدؿ على عناية الدتكلِّم بِضموف الكلاـ الآتي. و هذ الصورة ت ضيف معنى التعظيم إلى تلك الدعانِّ الآنفة الذكر عندما يكوف الدتكلِّم هو ا﵁ ، ثُ يأ السياؽ ليلقي على مقاـ التعظيم ألواناً من الدعانِّ تتعاضد تريعاً في التعبير عن الدراد بأبلغ عبارة ، وأنص بياف. وقد أسعف الاستقراء بالكثير من القراءات الدتواترة الجارية على هذا الْسلوب، و أشار الدفسروف والدوجهوف إلى الكثير منها، وبيَّنوا أفَّ العدوؿ عن أسلوب الغيبة إلى التكلِّم صورة من صور الالتفات تشير إلى تعظيم الدتكلِّ م للأمر، وأمشية الكلاـ،(ٔ) لكنهم لم يهتموا كثيراً بتوجيه القراءات في كل موض وردت فيه؛ تعويلاً على ما تقدَّـ لديهم من بياف الفوائد، والْغراض البلاغية لذذا الْسلوب وهذ الصورة. وفيما يأتي مساذج تدثيلية من قراءات متواترة عدلت عن مقتضى الظاهر من الغيبة ، والتفتت إلى التكلُّم؛ لْغراض بلاغية، سيتجه هذا الدطلب للكشف عنها، واستلهامها من أقواؿ الدفسرين . فعلى سبيل الدثاؿ اختلف قراء الدتواتر في قراءة قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُوفَ فيِ الْعِلْمِ مِنػْهُمْ وَالْمُؤْمِنُوفَ يػُؤْمِنُوفَ بَِِا أُنْزِؿَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْ زِؿَ مِنْ قػَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُوفَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُوفَ بِاللَّهِ وَالْيػَوْـِ الآْخِرِ أُولَ ئِكَ سَنػُؤْتِيهِمْ أَجْرً ا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء/ٕٙٔ]، حيث قرأ تززة وخلف ﴿ أُولَئِكَ سَ يػُ ؤْتِيهِمْ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿أُولَئِكَ سَ نػُ ؤْتِيهِمْ﴾ بالنوف.(ٕ) و قراءة تززة ، وخلف تجري على الظاهر، في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُوفَ بِاللَّهِ﴾،(ٖ) أما قراءة الجمهور فتعدؿ عن الظاهر؛ إذ الْصل أف يقوؿ: "سيؤتيهم" على نسق ما قبلها من الغيبة،(ٗ) لكنها عدلت عن مقاـ الغيبة إلى التكلُّم (ٔ) الدر الدصوف، ٕ/ٙ٘ٗ، واللباب، ٗ/ٔ٘ٔ، ٜ/ٛٓٗ، ٓٔ/ٕٛٙ، و نظم الدرر، ٗ/ٜٖٓ، وإرشاد العقل، ٔ/ٚٛ، ٘/ٜٔٔ، ٘/٘٘ٔ، وروح الدعانِّ، ٘ٔ/ٕٛٔ، ٛٔ/ٕٛٗ، وأضواء البياف، ٗ/ٕٕ، والتفسير الدنير، ٗٔ/ٕٓٙ، ٘ٔ/ٓٔ، ٜٔ/ٚٚ، ٕٔ/ٖٚٔ. (ٕ) السبعة، ص ٕٓٗ، و التيسير، ص ٗٚ، والنشر، ٕ/ٕٙٛ، وتحبير التيسير، ص ٖٗٗ. (ٖ) البحر ا﵀يط، ٖ/ٖٔٗ، والدر الدصوف، ٗ/ٙ٘ٔ، واللباب، ٚ/ٜٕٔ. (ٗ) صفوة التفاسير، ٔ/ٕٚٓ، والتفسير الدنير، ٙ/ٕٙ.
عدد الصفحات ٥٣٥- 512 - تعظيماً،(ٔ) وتشريفاً لدن اتصفوا بهذ الصفات الجليلة؛ إذ أضاؼ ا﵁ فيهذ القراءة الْجر إلى ذاته . ومقاـ الامتناف في الآية هو الذي حسَّن الالتفات إلى التكلُّم؛ لْف ضمير الدتكلم أدخل في الامتناف من ضمير الغائب،(ٕ) فهو مشعر بأف هذا الْجر واصل إليهم من العظيم ،و لا شك أف عطاء ليس كعطاء غير ؛ لْف العظيم -إذا أعطى- يعطي خيراً عظيماً ، لدن يستحق هذا العطاء العظيم.(ٖ) وكذلك اختلف قراء الدتواتر في قراءة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَ ُ مَنَازِؿَ لِتػَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِْسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالحَْقِّ يػُفَصِّلُ الآْيَاتِ لِقَوْـٍ يػَعْلَمُوفَ ﴾ [سورة يونس/٘]،فقرأ ابن كثير، والبصرياف ، وحفص ﴿ يػُفَصِّلُ الآْيَاتِ ﴾ بالياء، و قرأ الباقوف ﴿نػُ فَصِّلُ الآْيَاتِ﴾ بالنوف. (ٗ) ونسق هذ الآية وما قبلها مصري عل ى الغيبة، وبذلك تكوف القراءة بالياء متوافقة م مقتضى الظاهر، أما القراءة بالنوف فهي على الالتفات بعد طوؿ التعبير بالغيبة - التي قد يتوهم معها البعد والمجافاة - إلى التكلُّم الداؿ على القرب ، ولذة الإقباؿ بالدخاطبة، إضافة إلى معنى العظمة.(٘) أي: إفَّ التعبير عن تفصيل الآيات بنوف العظمة بعد التعبير عن الجعل والتقدير والخلق بأسلوب الغيبة، فيه تعظيم لشأف البياف،(ٙ) وكأف ا﵁ يقوؿ: وأنا الذي أفصِّل ، وأبينِّ الدلائل الباهرة ، واحدة في إثر واحدة ، تفصيلاً و بياناً شافياً يدعوكم إلى حقيقة الإمظاف ، والتسليم.(ٚ) ففي الالتفات اهتماـ وعناية بشأف البياف؛ لدا فيه من هزِّ فهم السامعين عند ذكر ،(ٛ) وفي إضافته إلى نوف الدعظِّم نفسه دلالة على علو شأف البياف، وارتقائه على تري الْفعاؿ الْخر التي هي صن ا﵁ أيضاً، فهذا البياف، والتفصيل أهمُّ من الخلق، والجعل، والتقدير؛ إذ به تهتدي العقلاء إلى طريق مذاتها وفلاحها ، و هو يدؿ على عظمة ا﵁ ، وشدة احتياج الخلق إليه؛ مدا يلزم هم بسلوؾ طريق طاعته، ومضتِّ م عليهم الإقرار بوحدانيته. (ٜ) (ٔ) الدر الدصوف، ٗ/ٙ٘ٔ، واللباب، ٚ/ٜٕٔ. (ٕ) التحرير والتنوير، ٜٔ/ٜٙ، ٜٔ/٘ٙ، ٕٕ/٘٘ٔ. وانظر مثله في صفوة التفاسير، ٖ/ٚٔ، والتفسير الدنير، ٜٔ/ٚٚ. (ٖ) التحرير والتنوير، ٖ/ٔٔٔ. (ٗ) السبعة، ص ٖٕٖ، والتيسير، ص ٙٛ، والنشر، ٕ/ٖٚٔ، وتحبير التيسير، ص ٜٖٚ. (٘) نظم الدرر، ٘/ٜٔٙ. (ٙ) البحر ا﵀يط، ٘/ٖٓٔ، والدر الدصوف، ٙ/ٗ٘ٔ، واللباب، ٓٔ/ٕٛٙ. (ٚ) نظم الدرر، ٖ/ٗٛٔ. (ٛ) التحرير والتنوير، ٖٔ/ٓٗٔ، ٕٔ/ٖٜ. (ٜ) وهذ الفائدة مستوحاة من قوؿ السمين الحلبي: "قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ٕٚ] =
عدد الصفحات ٥٣٦- 513 - كما إف مقاـ التكلُّ م في هذا السياؽ يؤذف باختصاصه بهذا البياف، وأنه لا يقدر أحد على مثل هذا التفصيل الشافي، والذادي إلى ربوبية الخالق ووحدانيته إلا هو.(ٔ) و الالتفات إلى التكلُّم هو الذي فتَّق الْذهاف عن هذ الدعانِّ؛ لْف ضمير الدتكلِّ م أدخل في الامتناف من ضمير الغائب، فهو مشعر بأف هذا التفصيل نعمة بها يتم تدييز الخطأ من الصواب، ولذلك كاف الدلتفَ ت إليه هو الْليق بهذا الالتفات؛ لْنه الْرقى في مقاـ الدنَّ ة.(ٕ) ومدا جر على الالتفات من الغيبة إلى التكلُّم في القراءات الدتواترة قراءة ابن كثير ، وعاصم، وابن ذكواف في إحد روايتين، وأبي جعفر لقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يػَنػْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاؽٍ وَلَنَجْزِ يَنَّ الَّذِينَ صَبػَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يػَعْمَلُوفَ﴾ [سورة النحل/ٜٙ]، خلافاً لقراءة الجمهور﴿وَلَ يَ جْزِيَنَّ﴾ بالياء.(ٖ) فأما قراءة الجمهور فتناسب نسق الغيبة الدتقدِّـ في قوله: ﴿وَلاَ تَشْتػَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ تذََنًا قَلِيلاً إِمسََّ ا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيػْرٌ لَكُمْ إِفْ كُنْتُمْ تػَعْلَمُوفَ﴾ [سورة النحل/ٜ٘]، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاؽٍ﴾ [ٜٙ]. وأماقراءة ابن كثير ، ومن معه فتعدؿ عن مقتضى الظاهر، وتحُوِّؿ أسلوب الكلاـ من الغيبة إلى التكلِّم ؛(ٗ) تعظيماً لشأف الجزاء، (٘) و مبالغةً في الحمل على الثبات في الدين ، أي: أقسم لنجزين الذين صبروا على أذية الدشركين ، ومشاؽ الإسلاـ التي من ترلتها الفقر و الوفاء بالعهود، بأحسن الجزاء ، بِقابلة صبرهم على ما لاقو من كذلك؛ لْف الدنة بالإخراج أبلغ من إنزاؿ الداء." انظر: الدر الدصوف، ٜ/ٕٕٙ، وقوؿ الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنػْزَؿَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نػَبَاتٍ شَتََّّ﴾ ٖ٘] الآيات كلها ، في إنبات النبات يدؿ على تعظيم شأف إنبات النبات؛ لْنه لو لم ينزؿ ا لداء، ولم ينبت شيئاً لذلك الناس جوعاً وعطشاً، فهو يدؿ على عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق إليه، ولزوـ طاعتهم له جل وعلا." انظر: أضواء البياف، ٗ/ٕٕ. (ٔ) وهذ الفائدة أيضاً مستوحاة من كلاـ أبي حياف: "فَأَنبَتػْنَا: وهذا التفات من الغيبة إلى التكلم بنوف العظمة، دالاً على اختصاصه بذلك، وأنه لم ينبت تلك الحدائق الدختلفة الْصناؼ والْلواف والطعوـ والروائح بِاء واحد إلا هو تعالى." انظر البحر ا﵀يط، ٚ/ٗٛ. وكلاـ الشيخ إسَاعيل حقي: "وقاؿ: ﴿فَسُقْنَا ُ إِلىَ بػَلَدٍ﴾ ٜ]لى زيادة اختصاصه به ، وأف الكل منه، والوسائط أسباب." انظر: روح البياف في تفسير القرآف، لْبي الفداء إسَاعيل حقي بن مصطفى الإستانبوي الحنفي الخلوتي (ٕٚٔٔهػ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ط.، د.ت. ٚ/ٖٔٔ. (ٕ) التحرير والتنوير، ٘ٔ/ٜٙ. (ٖ) السبعة، ص ٖ٘ٚ، والتيسير، ص ٜٙ، والنشر، ٕ/ٖٖٗ، وتحبير التيسير، ص ٖٖٗ. (ٗ) الدر الدصوف، ٚ/ٕٗٛ، واللباب، ٕٔ/ٖ٘ٔ، وروح الدعانِّ، ٗٔ/ٕٕ٘، والتحرير والتنوير، ٖٔ/ٜٕٔ. (٘) نظم الدرر، ٗ/ٜٖٓ.
عدد الصفحات ٥٣٧- 514 - الْمور الدذكورة .(ٔ) و الالتفات إلى التكلّم يدؿ على عظيم النعمة التي امتَّ بها ا﵁ على عباد . والدوافقة اللفظية هي التي تحسِّن القراءة الْخر التي يفهم معنى الامتناف فيها من السياؽ. وقد ورد الكثير من القراءات الجارية على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى التكلُّم في مقاـ الوعد والامتناف، والدقاـ لا يتس لذكرها تريعاً لكن أختم ببعض الآيات الواردة في سياؽ غفراف الذنوب ، ودخوؿ الجنة، وأذكر منها قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِ ِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِنْ تحَْتِهَا الَْْنػْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة النساء/ٖٔ]،(ٕ) وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِ ِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِنْ تحَْتِهَا الَْْنػْهَارُ وَمَنْ يػَتػَوَؿَّ يػُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [سورة الفتح/ٚٔ]،(ٖ) و قوله تعالى: ﴿يػَوْـَ مصَْمَعُكُمْ لِيػَوْـِ الجَْمْ ِ ذَلِكَ يػَوْـُ التػَّغَابُنِ وَمَنْ يػُ ؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيػَعْمَلْ صَالحًِا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِنْ تحَْتِهَا الَْْنػْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَ دًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التغابن/ٜ]،(ٗ) وقوله: ﴿وَمَنْ يػُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيػَعْمَلْ صَالحًِا يُ دْخِلْهُ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِنْ تحَْتِهَا الَْْنػْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [سورة الطلاؽ/ٔٔ].(٘) و قراءة الجمهور في هذ الآيات تجري على نسق الغيبة الدتقدِّـ، وهي تؤذف بعناية ا﵁ بالدؤمنين؛ لْنها تضيف الفعل إلى ضمير الجلالة.(ٙ) أما قراءة ناف ومن معه فتعدؿ عن مقتضى الغيبة إلى التكلم؛ تعظيماً لشأف هذ النعم الدذكورة (تكفير السيئات، ودخوؿ الجنة)، وتشريفاً للمؤمنين الصالحين، وتداشياً م سياؽ الامتناف؛ لْف الدقاـ مقاـ إقباؿ وتلطُّف، فناسبه ضمير الدتكلم.(ٚ) كما إف الالتفات ينبِّه الْذهاف على فخامة شأف ذلك الغفراف ، ودخوؿ الجنة، حيث نسبه ا﵁ إليهبعد (ٔ) إرشاد العقل، ٘/ٜٖٔ، وروح الدعانِّ، ٗٔ/ٕٕ٘. (ٕ) قرأ الددنيَّ اف وابن عامر ﴿نُدْخِلْهُ﴾ با لنوف، وقرأ الباقوف ﴿يُدْخِلْهُ﴾ بالياء. انظر: السبعة، ص ٕٕٛ، والتيسير، ص ٕٚ، وتحبير التيسير، ص ٖٖٙ. (ٖ) القراءات في هذ الآية ك آية النساء. انظر: السبعة، ص ٗٓٙ، والتيسير، ص ٖٓٔ، والنشر، ٕ/٘ٔٗ، وتحبير التيسير، ص ٓٙ٘. (ٗ) قرأ الددنيَّ اف وابن عامر ﴿نُكَفِّرْ عَ نْهُ سَيِّئَاتِهِ وَنُدْخِلْهُ﴾ بالنوف فيهما، وقرأ الباقوف ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ﴾ بالياء. انظر: السبعة، ص ٖٛٙ، والتيسير، ص ٖٗٔ، والكفاية، ص ٕٖٓ، والنشر، ٕ/ٕٛٗ، وتحبير التيسير، ص ٖٛ٘. (٘) القراءات في هذ الآية كالقراءات في آية النساء الآنف ذكرها . انظر: السبعة، ص ٜٖٙ، والتيسير، ص ٖٗٔ، والكفاية، ص ٖٖٓ، ٖٖٓ، وتحبير التيسير، ص ٗٛ٘. (ٙ) نظم الدرر، ٕ/ٕٕٗ، والتحرير والتنوير، ٕٙ/٘ٗٔ، ٕٛ/ٖٖٓ، ٕٛ/ٜٕٗ. (ٚ) التحرير والتنوير، ٕٛ/ٜٕٗ.
عدد الصفحات ٥٣٨- 515 - الإخبار عن تري ما تقدَّـ بأسلوب الغيبة،(ٔ) وهي أشدُّ تعظيماً لْمر هذ النعمة والدنة، و أشدُّ تنشيطاً للمؤمن وتحفيزاً له على العمل الصالح؛ لْنها الْنسب لحاؿ السام الذي يتشوَّ ؼ بكلتيه إلى الخبر، ومعرفة الجزاء، فبهذ القراءة يأتيه الجواب مفعماً بلذة الالتفات والإقباؿ.(ٕ) ومدا مضسِّنُ قراءات الغيبة أنها تجري على نسق الْلفاظ الدتقدمة في الآيات، أما قراءات الالتفات فيظهر حسنها بِا فيها من تنشيط السام ، وتحريك ذهنه للإصغاء إلى مضمو ف الكلاـ الآتي بعد الالتفات، مدا يدؿ على أمشيته، وجلالة شأنه لد الدتكلِّم. وبذلك يتبينّ أف الالتفات أسلوب بلاغيٌ يكسب نظم القرآف تراله اللفظي، بِا يضفيه عليه من التفنن في نظم الكلاـ، و تلوين الْساليب؛ مدا يهزُّ نشاط السام ، ويدعو للإصغاء،(ٖ) كما يكسبه الجماؿ الدعنوي بتعانق أسلو ب الغيبة والتكلُّم م سر الدعنى. كل ذلك ببلوغ غاية الحسن والروعة التي لا مظكن أف يقدح فيها منازع. والخلاصة: أف وجه ال بلاغة في قراءات الغيبة في الْمثلة الدذكورة ، وغيرها من القرا ءات الدتواترة ي تجلى في مناسبتها لدقتضى الظاهر، وتداشيها م نسق الآيات، وسياقها اللفظي، أما قراءات الالتفات فتكمن بلاغتها فيما تضيفه إلى الفعل الدلتفَت إليه من معنى التعظيم والتفخيم؛ إذ إنها تنسب هذ الْفعاؿ -في مقاـ الوعد والإقباؿ- إلى ا﵁ صراحة ، وبذلك تجعل الكلاـ أبلغ في الامتناف، وأعظم في بياف قدر النعمة الدخبرَّ عنها بطريق التكلُّم. وهذ القراءات أليق بسياؽ الآيات الدعنوي، وإف كانت الْخر أنسب لسياقها اللفظي، وقد تر نظم القرآف بينهما، فجم بذلك إليه الفضيلتين. وفيما يأتي مساذج وأمثلة من قراءات متواترة جرت على طريقة الالتفات إلى التكلُّم بعد الغيبة، لكن في سياؽ الترهيب والوعيد، أذكر منها القراءات الواردة على طريقة الالتفات إلى التكلُّم في مقاـ الحشر، في الآيات: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مدَِّنِ افػْتػَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يػُفْلِحُ الظَّالِمُوفَ ۞ وَيػَوْـَ مرَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ نػَقُوؿُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تػَزْعُمُوفَ﴾ [سورة الْنعاـ/ٕٔ-ٕٕ].(ٗ) (ٔ) روح الدعانِّ، ٘/ٚٔ. (ٕ) نظم الدرر، ٕ/ٕٕٗ، ٚ/ٖٕٓ. بتصرُّؼ. (ٖ) السرا ج الدنير، ٔ/ٛٔ، وإرشاد العقل، ٔ/ٙٔ، وروح الدعانِّ، ٔ/ٜٛ، والتحرير والتنوير، ٔٔ/٘٘، ٖٔ/ٕ٘٘. (ٗ) قرأ يعقوب ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ يػَقُوؿُ﴾ بالياء فيهما، وقرأ الباقوف ﴿مرَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ نػَقُوؿُ﴾ بال نوف. انظر: النشر، ٕ/ٜٕٓ، وتحبير التيسير، ص ٖٖ٘.
عدد الصفحات ٥٣٩- 516 - ﴿لذَُمْ دَارُ السَّلاَـِ عِنْدَ رَبهِِّمْ وَهُوَ وَلِيػُّهُمْ بَِِا كَانُوا يػَعْمَلُوفَ ۞ وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ ترَِيعًا﴾ [سورة الْنعاـ/ٕٚٔ-ٕٛٔ].(ٔ) ﴿إِفَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنػْفُسَهُمْ يَظْلِمُوفَ ۞ وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ كَأَفْ لمَْ يػَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النػَّهَارِ يػَتػَعَارَفُوفَ بػَيػْنػَهُمْ ﴾ [سورة يونس/ٗٗ-٘ٗ].(ٕ) ﴿لذَُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُوفَ خَالِ دِينَ كَافَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولاً ۞ وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ وَمَا يػَعْبُدُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّهِ فػَيػَقُوؿُ أَأَنػْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَـْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [سورة الفرقاف/ ٙٔ-ٚٔ].(ٖ) ﴿وَمَا أَنػْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فػَهُوَ مطُْ لِفُهُ وَهُوَ خَيػْرُ الرَّازِقِينَ ۞ وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ يػَقُوؿُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يػَعْبُدُوفَ ﴾ [سورة سبأ/ٜٖ-ٓٗ].(ٗ) وقراءة ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ﴾ تجري على نسق الغيبة الدتقدِّـ في تري الآيات الدذكورة وهي أو فق للنسق اللفظي، أما قراءة الجمهور ﴿وَيػَوْـَ مرَْ شُرُهُمْ﴾ فهي على طريقة الالتفات من الغيبة إلى مقاـ التكلُّم ؛(٘) إيذانًا بكماؿ الاعتناء والاهتماـ بأمر الحشر يوـ القيامة،(ٙ) وإشارةً إلى أفَّ الحشر أمر عظيم ينبغي أف يُ عتنى بأمر ، ويُستعَد له، كما إف نسبة الحشر إلى ا﵁ بنوف العظمة فيهاتهويل لْمر الحشر وتر الناس للحساب، وتهديد به ووعيد (ٔ) قرأ حفص ، وروح ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿مرَْشُرُهُمْ﴾ بالنوف. انظر: السبعة، ص ٜٕٙ، والتيسير، ص ٜٚ، والنشر، ٕ/ٜٕٙ، وتحبير التيسير، ص ٖٗٙ. (ٕ) قرأ حفص عن عاصم ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿مرَْشُرُهُمْ﴾ بالنوف. انظر: السبعة، ص ٕٖٚ، والتيسير، ص ٜٚ، ٚٛ، والنشر، ٕ/ٜٕٙ، ٕٖٓ، وتحبير التيسير، ص ٖٗٙ. أما الدوض الْوؿ من يونس ﴿وَيػَوْـَ مرَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ نػَقُوؿُ﴾ يونس/ٕٛ]ٕ/ٜٕٙ. (ٖ) قرأ ابن كثير ، وحفص ، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿مرَْشُرُهُمْ﴾ بالنوف، إلا أف ابن عامر يقرأ (مرَْشُرُهُمْ ... فػَنػَقُوؿُ) بالنوف، والباقوف (فػَيػَقُوؿُ) بالياء. انظر: السبعة، ص ٖٙٗ، والتيسير، ص ٜٓٔ، والإقناع، ص ٖ٘ٗ، والنشر، ٕ/ٖٖٚ، وتحبير التيسير، ص ٗٛٗ. (ٗ) قرأ حفص ، ويعقوب ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ يػَقُوؿُ﴾ بالياء فيهما، وقرأ الباقوف ﴿مرَْشُرُهُمْ ترَِيعًا ثَُُّ نػَقُوؿُ﴾ بالنوف . انظر: السبعة، ص ٖٓ٘، والتيسير، ص ٜٚ، والنشر، ٕ/ٜٕٓ، ٜٖٔ، وتحبير التيسير، ص ٖٗٙ. (٘) إرشاد العقل، ٗ/ٓ٘ٔ، ٙ/ٕٛٓ، وروح الدعانِّ، ٔٔ/ٕٚٔ، ٛٔ/ٕٛٗ، والتحرير والتنوير، ٚ/ٓ٘، ٜٔ/ٕ٘. (ٙ) البحر الدديد، ٗ/ٕٚٔ، وإرشاد العقل، ٘/ٜٙٔ، وروح الدعانِّ، ٘ٔ/٘ٚٔ، ٛٔ/ٕٛٗ، وصفوة التفاسير، ٕ/ٖٗٔ، والتفسير الدنير، الدنير، ٘ٔ/ٜٙٔ. لم يهتم أكثر الدفسرين بتوجيه بلاغة الالتفات إلى التكلم في الآيات الدذكورة، لكنهم اهتموا ببياف وجه البلاغة في الالتفات من الغيبة إلى التكلِّم في مقاـ الحشر عند تفسيرهم للآية ﴿وَمَنْ يػَهْدِ اللَّهُ فػَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فػَلَ نْ تجَِدَ لذَُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَمرَْشُرُهُمْ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمِّا﴾ٜٚ]، والالتفات لد تري القراء، ولذلك كاف الالتفات إلى التكلُّم فيها موض العناية لد الدفسرين، ومظكن تزل كلامهم على قراءات الالتفات في الآيا ت الدذكورة في الدت؛ لدشابهتها آية الإسراء في الدقاـ ، والسياؽ، والحكم.
عدد الصفحات ٥٤٠- 515 - عظيم للمخالفين والعاص،(ٔ) وهذا ما تُ شعر به الالتفاتات الدتكررة في كل موض يرد فيه ذكر الحشر في القرآف الكريَ مبنياً للفاعل ومسنداً إلى ا﵁ إما بضمير الجلالة أو بنوف العظمة.(ٕ) ومدا اختلف قراء الدتواتر في قراءته أيضاً ، وجر على الالتفات إلى التكلم في بعض قراءاته، قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فيِ طُغْيَانهِِمْ يػَعْمَهُوفَ ﴾ [سورة الْعراؼ/ ٙٛٔ]،حيث قرأ عاصم، والبصرياف ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياء و الرف ، و قرأ الْخواف وخلف ﴿وَيَذَرْ هُمْ﴾ بالياء و الجزـ، والباقوف ﴿وَ نَ ذَرُهُمْ﴾ بالنوف و الرف .(ٖ) فأما قراءة الجمهور بالياء فتجري على نسق الغيبة الدتقدِّـ في قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ ، وهي من هذ الجهة أوفق لنسق الآية وسياقها اللفظي. أما قراءة الحرميين ، وابن عامر، وأبي جعفر فتجري على الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلُّم؛(ٗ) تعظيماً وتهويلاً، وتشديداً للوعيد والتهديد الذي اشتملت عليه الآية، أي: ومرن - -بِا لنا من العظمة - نذرهم في طغيانهم، و كفرهم متحيرين مترددين.(٘) ومن أعرض ا﵁ عنه وتركه فقد خاب خيبة خيبة عظيمة؛ لْف إعراضه ليس كإعراض غير ، ووعيد وتهديد ليس كأي وعيد وتهديد ومدا جاء في الدتواتر أيضاً على الالتفات إلى التكلُّم بعد الغيبة قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو لقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَفْ مطَْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبػَرِّ أَ وْ يػُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثَُُّ لاَ تجَِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً ۞ أَـْ أَمِنْتُمْ أَفْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَ فػَيػُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فػَيػُغْرِقَكُمْ بَِِا كَفَرْتُُْ ثَُُّ لاَ تجَِدُوا لَكُمْ عَلَيػْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [سورة الإسراء/ ٙٛ-ٜٙ].(ٙ) وقراءة الجمهور لقوله تعالى: ﴿أَفػَلَمْ يػَرَوْا إِلىَ مَا بػَينَْ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالَْْرْضِ إِفْ نَشَأْ مزَْسِفْ (ٔ) إرشاد العقل، ٖ/ٗٛٔ، وروح الدعانِّ، ٛ/ٕ٘. (ٕ) دؿَّ الاستقراء على أف كل موض ورد فيه فعل (مضشر، مرشر) مبنياً للفاعل في القرآف الكريَ قد ورد بنوف العظمة على نسق ما تقدّـ، أو بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى التكلُّم إما اتفاقاً كما في (يونس/ٕٛ، الإسراء/ ٜٚ، مريَ/ٛٙ، مريَ/٘ٛ، طه/ٕٓٔ، طه/ٕٗٔ، النمل/ٖٛ) أو لد ترهور القراء كما في (الْنعاـ/ ٕٕ، الْنعاـ/ٕٛٔ، يونس/٘ٗ، الفرقاف/ ٚٔ، سبأ/ٓٗ) ما عدا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتػَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِ رِينَ ۞ وَإِفَّ رَبَّكَ هُوَ مضَْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الحجر/ٕٗ-ٕ٘] مسنداً إلى ضمير الجلالة بأسلوب الغيبة بعد التكلم؛ لتقدُّـ الضمير (هو) قبله (ٖ) السبعة، ص ٜٕٛ–ٜٜٕ، والتيسير، ص ٖٛ، والنشر، ٕ/ٖٛٓ، وتحبير التيسير، ص ٖٔٛ. (ٗ) اللباب، ٜ/ٛٓٗ، وإرشاد العقل، ٖ/ٖٓٓ، وروح الدعانِّ، ٜ/ٜٕٔ، والتحرير والتنوير، ٛ/ٖٗٚ. (٘) اللباب، ٜ/ٛٓٗ، وإرشاد العقل، ٖ/ٖٓٓ، وروح الدعانِّ، ٜ/ٜٕٔ. (ٙ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو (مزَْسِفَ، نػُرْسِلَ، نُعِيدَكُمْ، فػَنػُرْسِلَ، فػَنػُغْرِقَكُمْ) بالنوف في الخمسة، وقرأ ا لباقوف بالياء إلا أبا جعفر ورويساً فإنهما يقر آف تري ذلك بالياء إلا (فػَتػُغْرِقَكُمْ) فإنها عندمشا بالتاء على التأنيث. انظر: السبعة، ص ٖٖٛ، والتيسير، ص ٜٚ، والنشر، ٕ/ٖٙٗ، وتحبير التيسير، ص ٖٛٗ.
عدد الصفحات ٥٤١- 515 - بهِِمُ الَْْرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِفَّ فيِ ذَلِكَ لآَيَةً لِكُ لِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سورة سبأ/ٜ].(ٔ) وقراءة الجمهور لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يػُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَ سْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [سورة الجن/ٚٔ].(ٕ) حيث جرت قراءات الياء في هذ الآيات على نسق ما تقدَّمها من الغيبة، فقراءة الجمهور في الإسراء تتناسب لفظياً م قوله :﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فيِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُوفَ إِلاَّ إِيَّاه ُ فػَلَمَّا نَجَّاك م ُ إِلىَ الْبػَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ [/ٚٙ]وقراءة تززة ، والكسائي في سبأ تتناسب م قوله : ﴿أَفػْتػَرَ عَلَى اللَّهُِ كَذِبًا﴾ [سورة سبأ/ٛ]، وقراءة الكوفيين في سورة الجن تتناسب م قوله :﴿وَمَنْ يػُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهُِ﴾، وهي من هذ الجهة تحقق لنظم القرآف بلاغته اللفظية بتناسقها م سياؽ الغيبة فيها. أما القراءة بالنوف فتجري على طريق الالتفات إلى التكلُّم بعد الإخبار بطريق الغيبة، وتنسب بذلك هذ الْفعاؿ إلى ا﵁ بنوف العظمة،(ٖ) في مقاـ العذاب والتنكيل؛ لتهويل الْمر، والدبالغة في التحذير؛(ٗ) مدا مصعل الكلاـ في هذ القراءات أبلغ في الوعيد ، وأعظم في التهديد، وأشدُ في القهر من قراءات الغيبة . فالدعنى الكلي لذذ الآيات: إف بقيتم على عنادكم ، وكفركم فأعدوا أنفسكم لعذاب عظيم من خسفٍ ، وإرساؿِ عواصف، وإسقاطِ حَصَبٍ وكِسَف، وإغراؽٍ، وتعذيبٍ بنار نرسله عليكم بِا لنا من العظمة التي تضطركم إلى غاية الذؿ والدهانة.(٘) والخلاصة: أف وجه البلاغة في قراءات الالتفات يكمن فيما يضيفه هذا الْسلوب إلى نظم الآيات من مز ايا معنوية. و غالباً ما يكوف الغرض البلاغي من الالتفات إلى التكلُّم هو التعظيم، ثُ إف سياؽ الآيات هو الذي مضدِّد الدعنى الذي يلقي به الالتفات بحسب اختلاؼ الدقاـ بين الوعد والوعيد. وأخيراً : لا بد من الإشارة إلى أف الالتفات إلى التكلُّم في مقاـ الوعد كاف أكثر منه في مقاـ الوعيد - كما بينَّ الاستقراء - ولعل ذلك يرج إلى أف مقاـ التكلُّم مقاـ إقباؿ، فناسبه الترغيب والوعد أكثر من الترهيب والوعيد. والدطلب الآتي سيتناوؿ بالدراسة بعض القراءات التي جرت على طريقة الالتفات من التكلُّم إلى الغيبة. (ٔ) قرأ تززة ، والكسائي، وخلف ﴿إِفْ يَشَأْ مطَْسِفْ بهِِمُ الَْْ رْضَ أَوْ يُسْقِطْ﴾ بالياء في الثلاثة، وقرأ الباقوف (إِفْ نَشَأْ مزَْسِفْ ... أَوْ نُسْقِ طْ) بالنوف. انظر: السبعة، ص ٕٙ٘–ٕٚ٘، والتيسير، ص ٛٔٔ، والنشر، ٕ/ٜٖٓ، وتحبير التيسير، ص ٗٔ٘–٘ٔ٘. (ٕ) قرأ الكوفيوف ، ويعقوب ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿نَسْلُكْهُ﴾ بالنوف. انظر: السبعة، ص ٙ٘ٙ، والتيسير، ص ٖٙٔ، والنشر، ٕ/ٕٖٗ، وتحبير التيسير، ص ٜٗ٘. (ٖ) الدر الدصوف، ٚ/ٖ٘ٛ، ٜ/ٚ٘ٔ–ٛ٘ٔ، ٓٔ/ٜٙٗ، واللباب، ٕٔ/ٖٖٚ، ٙٔ/ٜٔ، ٜٔ/ٜٕٗ–ٖٓٗ، والسراج الدنير، ٕ/ٖٙ٘، ٖ/ٖٓ٘، وإرشاد العقل، ٘/٘ٛٔ، وروح الدعانِّ، ٘ٔ/ٙٔٔ، والتحرير والتنوير، ٗٔ/ٖٓٔ، ٕٕ/ٖٕ، ٜٕ/ٖٕٕ. (ٗ) إرشاد العقل، ٖ/ٙٗٔ. (٘) نظم الدرر، ٗ/ٚٓٗ، ٙ/ٙ٘ٔ.
عدد الصفحات ٥٤٢- 515 - المطمب الرابع: الالتف ات من التكمم إلى الغيبة. الالتفات إلى الغيبة بعد التكلم صورة من صور الالتفات يندر تحققها في القراءات الدتواترة، لكن الاستقراء التاـ لذذا النوع من القراءات قد هد إلى ثلاثة مواض خالف فيها بعض قراء الدتواتر إخوانهم، فأجروا قراءتهم على الالتفات إلى الغيبة بعد التعبير بأسلوب التكلُّم. ونظراً لندرة تحقق هذ الصورة في القراءات الدتواترة فقد قلَّ اعتناء الدوجهين والدفسرين باستخراج الوجو البلاغية التي يدؿ عليها هذا النوع من الالتفات، اللهم إلا إشارات لا تروي ظمأ الدتعطش إلى دراسة مغز الالتفات إلى الغيبة في القرا ءات الدخالفة لدقتضى الظاهر. وهذا الدطلب سيحاوؿ دراسة القراءات الدتواترة التي جرت على هذ الطريقة، واستخراج مزاياها الدعنوية وآثارها البلاغية في نظم الآيات الدختلَف في قراءتها. فقد تنوعت القراءات الدتواترة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّ بػُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فيِ الدُّنػْيَا وَالآْخِرَةِ وَمَا لذَُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ فػَيػُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَال لَّهُ لاَ مضُِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [سورة آؿ عمراف/ ٙ٘-ٚ٘]، حيث قرأ حفص ورويس ﴿فػَيػُوَفِّيهِ مْ﴾ بالياء، وقرأ الباقوف ﴿فػَ نػُ وَفِّيهِمْ﴾ بالنوف.(ٔ) أما قراءة الجمهور فتتناسب م مقتضى الظاهر ، وتجري م نسق الآية السابقة لذا، وم ضمير التكلُّم في قوله: ﴿فَأُعَذِّبػُهُمْ﴾، وهذا هو وجه بلاغتها اللفظي. ولذا وج و أخر معنوية منها: أنها تنسب فعل الجزاء إلى ا ﵁ بأسلوب التعظيم، خلافاً لدا تقدَّـ؛ حيث جاء هناؾ بالدتكلم وحد ، وهنا بالدتكلم بصيغة الدعظم نفسه؛ جر ياً على سنن العظمة والكبرياء؛ لْغراض بلاغية أمشها: الاعتناء بالدؤمنين، ورف شأنهم، والدلالة على أنهم مُعَظَّ مو فَ عندَ ،(ٕ) والإشعار بعظيم الْجر الذي سيُوفَّا الصالحوف ويُؤتو من ا﵁ ؛ إذ العظيم يعطي عظيماً.(ٖ) ومنها: موافقة نسق ما تقدَّـ من أسلوب التكلُّم م الإشعار بالفرؽ بين مقامي الآيتين؛ إذ نسب فعل الجزاء إلى نفسه بنوف العظمة؛ لإبراز تداـ الاعتناء بالْولياء، متضمناً غاية القهر للأعداء، فأبد فعل الوفاء والإثابة في مظهر العظمة؛ تعظيماً لذم، وتحقيراً لْعدائهم.(ٗ) جاء في البحر ا﵀يط: "وقرأ الجمهور : ﴿فػَنػُوَفِّيهِمْ﴾ بالنوف الدالة على الدتكلم الدعظِّ م شأنه، ولم يأت بالذمزة (ٔ) السبعة، ص ٕٙٓ، والتيسير، ص ٛٙ، والنشر، ٕ/ٕٗٚ، وتحبير التيسير، ص ٖٕٖ. (ٕ) البحر ا﵀يط، ٕ/ٜٜٗ، واللباب، ٘/ٖٕٚ. (ٖ) التحرير والتنوير، ٖ/ٔٔٔ. (ٗ) نظم الدرر، ٕ/ٜٜ.
عدد الصفحات ٥٤٣- 520 - كما في تلك الآية؛ ليخالف في الإخبار بين النسبة الإسنادية فيما يفعله بالكافر، وبالدؤمن، كما خالف في الفعل ، ولْف الدؤمن العامل للصالحات عظيم عند ا﵁ ، فناسبه الإخبار عن المجازي بنوف العظمة ."(ٔ) وأما قراءة حفص فتخالف مقتضى الظاهر وتعدؿ عن طريق التكلُّم الدتقدِّـ إلى طريق الغيبة؛ تفنُّناً في الفصاحة، وتنويعاً في الْساليب.(ٕ) و قد ذكر الآلوسي وجهاً بلاغياً آخر لذذ القراءة، وهو الإيذاف بالفرؽ بين مقامي التعذيب والإثابة، فقاؿ: "لعل وجه الالتفات إلى الغيبة على القراءة الْولى الإيذاف بأف توفية الْجر مدا لا يقتضي لذا نَ صبُ نفسٍ ؛ لْنها من آثار الرتزة الواسعة ، ولا كذلك العذاب ."(ٖ) ويقرب من هذ ا الوجه ما جاء في روح البياف: " ولعل الالتفات إلى الغيبة؛ للإيذاف بِا بين مصدري التعذيب والإثابة من الاختلاؼ من حيث الجلاؿ والجماؿ."(ٗ) ولا مظكن هنا أف يُفسَّر الالتفات إلى الغيبة بعد التكلُّم بأنه للإعراض، كما تُ تفسير غرض الالتفات إلى الغيبة في الدطلب الثانِّ؛ لْف الدقاـ والسياؽ لا يسمحاف بحمل الالتفات على مثل هذا الدعنى. وتنوع القراءات في هذ الآية يدؿُّ على أفَّ نظم القرآف يبلغ من الجلاؿ والجماؿ مبلغاً لا يفوت معه تري الدعانِّ التي مظكن للآية أف تتحمَّلها، بِجرد تغيير حرؼ واحد يوحي بأف التحويل في أسلوب الكلاـ وحد مظكن أف يعبرِّ عن الدعانِّ الكثيرة التي يلقي بها الالتفات على السيا ؽ والدقاـ؛ منبهاً بذلك الْذهاف على أف هذا التحويل لا بد أف يكوف لدعنى وغرَضٍ ما، فتأملوا كلاـ ا﵁ وأنتم تقرؤونه ، وتدبَّ روا أسلوبه، وطريقة تركيبه فإنها آية الإعجاز التي تفتِّق الآيات عن كثير من الدعانِّ التي تثري نظم القرآف . ومدا اختلف قراء الدتواتر في قراءته، ثَُّ جرت بعض قراءاته على أسلوب الالتفات من التكلّم إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿مَ ا أَشْهَدْتػُهُمْ خَلْقَ السَّمَ وَاتِ وَالَْْرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنػْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ ا لْمُضِلِّينَ عَضُدًا ۞ وَيػَوْـَ يػَقُوؿُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سورة الكهف/ٔ٘-ٕ٘]،حيث قرأ تززة ﴿ وَيػَوْـَ نػَ قُوؿُ ﴾ بالنوف، وقرأ الباقوف ﴿ يػَقُوؿُ ﴾ بالياء.(٘) وقراءة تززة تجري على نسق ما تقدَّـ من أسلوب التكلُّم في قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتػُهُمْ ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ ﴾، (ٔ) البحر ا﵀يط، ٕ/ٜٜٗ. (ٕ) البحر ا﵀يط، ٕ/ٜٜٗ، والدر الدصوف، ٖ/ٕٙٔ، واللباب، ٘/ٖٕٚ، وصفوة التفاسير، ٔ/ٕٖٔ، والتفسير الدنير، ٖ/ٖٕٙ. (ٖ) روح الدعانِّ، ٖ/٘ٛٔ. (ٗ) روح البياف، ٕ/ٔٗ. (٘) السبعة، ص ٖٜٖ، والتيسير، ص ٜٜ، والدبهج، ص ٜٓٙ، والنشر، ٕ/ٜٖٗ، وتحبير التيسير، ص ٘ٗٗ.
عدد الصفحات ٥٤٤- 521 - أما قراءة الجمهور فتعدؿ عن هذا الظاهر، وتلتفت إلى الغيب ة بعد التكلُّم. وقد تقدَّـ ضمير الجلالة في الآية السابقة لذذ القراءة، فدؿَّ على أف فاعل ﴿يػَقُوؿُ﴾ هو ا﵁ ،(ٔ) و مرج الضمائر في القراءتين واحد، و قراءة الجمهور على الالتفات. ولم يتعرض الدفسروف لذكر وجه البلاغة في قراءة الجمهور، ولعل الوجه يكمن في أف مقاـ التكلُّم مقاـ إقباؿ، والآية في سياؽ توبيخ وتقري الكفار الذين ادعوا الشركاء ﵁ ،(ٕ) وهذا الدقاـ يناسبه الإعراض، وترؾ الإقباؿ؛ لْف عدـ تجاوب الدشركين م دلائل التوحيد قد بلغ مبلغاً استدعى الإعراض عنهم، وتحقيرهم. ومدا يؤيد ذلك أف القوؿ يستدعي الإقباؿ على متلقي الخبر، غير أفَّ شدة العناد والإصرار على الكفر يستدعي الإعراض والازدراء ، فناسبه الالتفات الدتوافق م حاؿ الدشركين. فضلاً عما في هذ القراءة من وجو بلاغية عامة تتجلى في التنوي والتفنن، وجذب انتبا السام . وكذلك اختلف قراء الدتواتر في قراءة قوله تعالى: ﴿وَيػَوْـَ مضَْشُرُهُمْ وَمَا يػَعْبُدُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّهِ فػَيػَقُوؿُ أَأَنػْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَ ءِ أَـْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ [سورة الفرقاف/ ٚٔ]، فقرأ الجمهو ر (وَيػَوْـَ مرَْ شُرُهُمْ ... فػَيػَقُوؿُ ) الفعل الْوؿ بالنوف والثانِّ بالياء، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، وقرأ حفص، و ابن كثير ، وأبو جعفر، ويعقوب (مضَْشُرُهُمْ ... فػَيػَقُوؿُ) كليهما بالياء، وقرأ ابن عامر (مرَْشُرُهُمْ ... فػَ نػَ قُوؿُ) كليهما بالنوف.(ٖ) وما يهم في هذ الآية هو قراءة الجمهور التي تعدؿ عن مقتضى الظاهر في قراءة الفعل ( فػَيػَقُوؿُ )، وتلتفت إلى الغيبة بعد التعبير بطريق التكلم في قوله: ( مرَْشُرُهُمْ ).(ٗ) ولعل وجه البلاغة في الالتفات إلى الغيبة يتجلى في تناسب الالتفات م مقاـ الكلاـ؛ إذ يتوجه ا﵁ إثر حشر الخ لائق إلى ا لدعبودين من أصناـ وأوثاف وغيرها ، فيسألذم على سبيل ال تقري والتبكيت للعَبَدة: ﴿أَأَنػْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَـْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ، أي: هل أنتم الذين دعوتدوهم إلى عبادتكم، أـ إنهم ضلُّوا عن السبيل بأنفسهم بإخلالذم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن الرشد. (٘) ولدػَّا كاف مقاـ التقري والتوبيخ أنسب ل لغيبة والإعراض من مقاـ التكلُّم أعرض والتفت عن إضافة فعل (ٔ) مفاتيح الغيب، ٕٔ/ٛٔٔ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٖٓٔ، والدر الدصوف، ٚ/ٜٓ٘، واللباب، ٕٔ/ٔٔ٘. (ٕ) روح الدعانِّ، ٘ٔ/ٜٕٛ، وفتح القدير، ٖ/ٜٔٗ. (ٖ) السبعة، ص ٕٙٗ–ٖٙٗ، والتيسير، ص ٜٓٔ، والنشر، ٕ/ٖٖٚ، وتحبير التيسير، ص ٗٛٗ. (ٗ) التحرير والتنوير، ٜٔ/ٕ٘، وأضواء البياف، ٙ/ٕٖ، وأيسر التفاسير لكلاـ العلي الكبير، ٖ/٘ٓٙ. (٘) أنوار التنزيل ، ٗ/ٕٓٔ، و البحر الدديد، ٘/٘ٔٔ، وفتح القدير، ٗ/ٜٚ.
عدد الصفحات ٥٤٥- 522 - القوؿ إلى ضمير الدتكلم، وأضافه إلى ضمير الغيبة؛ إيذاناًبشدة غضبه، و إعراضه عن مواجهتهم والإقباؿ عليهم بذاته الدقدَّسة. جاء في البحر الدديد في أثناء تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قػُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَـَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَافَ مِنَ الجِْنِّ فػَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف/ٓ٘] :"وفي الالتفات إلى الغيبة،... من الإيذاف بكماؿ السخط، والإشارة إلى أ ف ما فعلو ظلم قبيح، ما لا مطفى."(ٔ) والخلاصة: أف الالتفات من التكلم إلى الغيبة صورة نادرة التحقق في القراءات الدتواترة، وإف وجدت فعناية الدفسرين بتوجيهها ضعيفة، ومظكن التماس وجهها مدا ذكر البلاغيوف من أغراض الالتفات ، ووجوهه البلاغية، ومدا أشار إليه الدفسر وف في مواض أخر ، على أف يكوف ذلك مدا يت فق م سياؽ الآية ومقامها. وقد ذكر بعض الدفسرين أف نافعاً قرأ (وَلَ يَ جْزِيػَنػَّهُمْ ) بالياء من قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالحًِا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنػْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فػَلَنُحْيِيػَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيػَ نػَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يػَعْمَلُوفَ﴾ [سورة النحل/ٜٚ]، وهذ القراءة تجري على طريقة الالتفات إلى الغيبة بعد التكلُّم، وتخالف مقتضى الظاهر، إذ الْصل يقضي أف يكوف الفعل (وَلَنَجْزِيػَنػَّهُمْ ) بالنوف؛ ليتناسب م صيغة الفعل (فػَلَنُحْيِيػَنَّهُ ) قبله.(ٕ) وبذلك تكوف بعض قراءات هذ الآية مدا يندرج تحت صورة الالتفات من التكلُّم إلى الغيبة في الدتواتر. وهذا التوجيه صحيح لو صحت نسبة هذ القراءة إلى ناف ؛ غير أف هؤلاء الدفسرين قد أخطأوا فيما نسبو إلى ناف ؛ حيث أتر علماء القراءات على قراءة هذ الكلمة با لنوف، فهي مدا لم مطُتػَلَف في قراءته على هذا الوجه. (ٖ) و كذلك ذكر الشيخ ابن عاشور أف بعض قراءات قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَافٍ أَلْزَمْنَا ُ طَائِرَ ُ فيِ عُنُقِهِ وَمزُْرِجُ لَهُ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يػَلْقَا ُ مَنْشُورًا﴾ [سورة الإسراء/ ٖٔ]،(ٗ) تجري على الالتفات من التكلُّم إلى الغيبة. و الحق أف قراءة الجمهور لقوله: ﴿وَمزُْرِجُ﴾ تجري على نسق أسلوب التكلُّم في قوله: ﴿أَلْزَمْنَا ُ﴾،أما قراءة يعقوب، وأبي جعفر فتخرج على خلاؼ مقتضى الظاهر والنسق اللفظي الدتقدِّـ . (ٔ) البحر الدديد، ٗ/ٜٙٔ، وانظر: إرشاد العقل، ٘/ٕٕٛ، وروح الدعانِّ، ٘ٔ/ٜٕ٘. (ٕ) ا﵀رر الوجيز، ٖ/ٜٔٗ، نقلاً عن أبي حاتُ، وانظر أيضاً: البحر ا﵀يط، ٘/ٚٔ٘، و الجواهر الحساف في تفسير القرآف، ٕ/ٕٕٖ، وروح الدعانِّ، ٗٔ/ٕٕٛ. (ٖ) السبعة، ص ٖ٘ٚ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٜٖ، وإبراز الدعانِّ، ٕ/ٜ٘٘، والإتحاؼ، ص ٜٜٗ. (ٗ) قرأ أبو جعفر ﴿وَمطُْرَجُ﴾ بالياء الدضمومة وفتح الراء مبنياً للمفعوؿ، وقرأ يعقوب ﴿وَمطَْرُجُ﴾ بالياء الدفتوحة وضم الراء، وقرأ الباقوف ﴿وَمزُْرِجُ﴾ بالنوف الدضمومة وكسر الراء. انظر: النشر، ٕ/ٖٗٗ.
عدد الصفحات ٥٤٦- 523 - وقد عدَّ ابن عاشور قراءة يعقوب على الالتفات، وهذا ا﵀مل غير صحيح؛ لاختلاؼ مرج الضمائر في القراءتين، ولعل السبب في ذلك هو خطؤ في عزو القراءة الصحيحة إليه؛ حيث قاؿ: " وقرأ الجمهور ﴿وَمزُْرِجُ﴾ بنوف العظمة، وبكسر الرا ء، وقرأ يعقوب بياء الغيبة الدضمومة، وكسر الراء، والضمير عائد إلى ا﵁ الدعلوـ من الدقاـ، وهو التفات."(ٔ) والصحيح أف قراءة يعقوب ب الياء الدفتوحة و ضم الراء ، لا كسرها، والفاعل هو ضمير الطائر، ولذلك لا مظكن تزل قراءة يعقوب على الالتفات إلا بتكلُّف، وإف كانت مخالفة لدقتضى الظاهر، إذ إف قراءة ( وَمزُْرِجُ )؛ أنسب لدا قبلها. وذكر الآلوسي أف فرق ةً قرأت: " (وَمطُْرِ جُ ) بالياء من الإخراج مبنياً للفاعل، وهو ضمير ا﵁ ، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة."(ٕ) أي: إفَّ الالتفات إلى الغيبة في هذ الآية قد جر في بعض القراءات الشاذة، ولم مصرِ في القراءات الدتواترة. والخلاصة: أف الالتفات في بعض قراءات الآي ات ينشِّط السام ، ويدعو للإصغاء؛ لدا في التفنن وتلوين الْساليب من أثر في طرد الضجر والدلل الذي جبلت عليه النفوس، كما مضقق لنظم القرآف غاية الإمصاز والاقتصاد في التعبير؛ لْف الدتكلِّم يعبرِّ عما في نفسه بِجرد تحويل أسلوب الكلاـ. ثُ إف سياؽ الآيات هو الذي مضدِّد الدعنى الذي يلقي به الالتفات على الآية بحسب اختلاؼ الدقاـ بين الوعد والوعيد. و بشكل عاـ فإف أكثر ما وق في القراءات الدتنوعة من صور تجري على الالتفات من التكلم إلى الغيبة هو على مذهب السكاكي؛ فكثيراً ما يعبر ا﵁ عن نفسهابتداءً بصيغة الغائب، وهو كث ير في القرآف الكريَ، لكنه ليس موض البحث هنا؛ لْنه لا مصري على طريقة التحويل من أسلوب إلى آخر من أساليب الكلاـ. (ٔ) التحرير والتنوير، ٗٔ/ٜٖ. (ٕ) روح الدعانِّ، ص ٘ٔ/ٕٖ.
عدد الصفحات ٥٤٧