عدل عن ىذا الظاىر إلى التعبير بالدضارع؛ لتقديم صورة السحاب الدثار كأنو حدث يجري مع تلبوة النص، وىذا الأسلوب فيو إحضار للمشاىد الداضية في صور الدشاىد الحاضرة الجارية ذات الأحداث الدتجددة، إذ الفعل الدضارع يفيد مع الح دوث الحاضر التجدد والتتابع، مع ما فيو من التنويع في أسلوب التعبير الذي يستثير الانتباه ويستدعيو بقوة. ومنو: الانتقال من الدضارع إلى الداضي في وصف بعض أحداث يوم القيامة؛ لتقديم الأحداث التي ستأتي في الدستقبل في صورة أحداث قد وقعت ومضت، كقولو تعالى: ﴿وَي َوْمَ ي ُن ْفَخُ فيِ الصُّورِ ف َفَزِعَ مَنْ فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فيِ الاْرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّوُ﴾ =
عدد الصفحات ٥١٦- 094 - والالتفات ىو أكثر صور الخروج عن مقتضى الظ اىر برققاً بين القراءات الدتواترة، أما الصور الأخرى فمنها ما لم يتحقق في القراءات، ك ( الإِ ضمار في مقام الإِظها ر، والإِظهار في مقام الإِضمار، و أسلوب الحكيم، والتغليب، وبذاىل العارف، (ٔ) والقلب(ٕ))، ومنها ما ىو قليل الوقوع، ك ( التعبير عن الدستقبل بلفظ الداضي، و وضع الخبر موضع الإِ نشاء وبالعكس، و الانتقال من الداضي إلى الدضارع وبالعكس ). والالتفات من أبرز الصور الدذكورة ، وأكثرىا تردداً بين القراءات الدتواترة ؛ لذا سأفرد ىذه الصورة بدبحث مستقل من بين تلك الصور، و سأتناول الصور الأخرى بال دراسة في مبحث آخر. [ٚٛ] لتقديم الأحداث التي ستأتي في الدستقبل صورة أحداث قد وقعت ومضت، مع ما في ىذا الأسلوب من تنويع يستثير الانتبا ه. انظر: البلبغة العربية، ٔ/٘ٔ٘–ٚٔ٘. (ٔ) بذاىل العارف: ىو أن يتكلم العارف بالأمر لسرجاً ما يعرف صحتو لسرج ما يشك فيو أو يجهلو؛ ليزداد تأكيداً. ومنو: قول البوصيري: أَمِنْ تَذَكُّر جِيرَ انٍ بذي سَلَمٍ مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ. أَمْ ىَبَّتِ الرّْيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ وَأَوْمَضَ الْب َرْقُ في الظَّلْمَاءِ مِنْ إضَمِ. شكَّك في الأسباب الداعية إلى بكائو الدختلط بالدم، فسأل: أىي التذكر، أم الريح التي ىبت من أرض لزبوبو، أم البرق الذي أومض من جهتها؟ رغم معر فتو بأن السبب ىو التذكر، بقصد التعجيب. انظر: البلبغة العر بية، ٔ/ٚٔ٘–ٛٔ٘. (ٕ) القلب: وىو إجراء التبادل بين جزئين يمكن إجراء التبادل بينهما من أجزاء الجملة لغرضٍ بلبغيّ. كقولو تعالى: ﴿فَذَبحَُوىَا وَمَا كَادُوا ي َفْ عَلُونَ ﴾ [ٔٚ]توسع، راجع: مفتاح العلوم، ص ٕٜٖ-ٖٓٗ، و الإيضاح في علوم البلبغة، ص ٓٚ-ٓٛ، و لستصر الدعاني، ص ٗٚ-ٕٛ، والبلبغة العربية، ٔ/ٛٚٗ-ٕٓ٘.
عدد الصفحات ٥١٧- 090 - المبحث الأول: الالتفات في بعض القراءات ، وأثره في بلاغة النظم. المطمب الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. المطمب الثاني: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. المطمب الثالث: الالتفات من الغيبة إلى التكمم. المطمب الرابع: الالتفات من التكمم إلى الغيبة.
عدد الصفحات ٥١٨- 094 - الالتفات أسلوب بلبغيلو كبير الأثر في برقيق البلبغة لنظم القرآن ؛ حيث يوحي بالكثير من اللطائف والدعاني، ويجدد نشاط السامع، ويطرد عنو الدلل الذي قد يعتريو من جريان الكلبم على طريقة واحدة من طرق التعبير. وقد اىتم العلماء قديماً وحديثاً بدراستو ؛ لأهميتو وشدة اتصالو بالقرآن الكريم؛ حيث لا تكاد بزلو سورة في القرآن الكريم من ىذا الأسلوب. والالتفات في اللغة: الصرف ، و لّ الشيء على غير جهتو، يقال: لَفَتُّ الشَّيءَ: لوَي ْتُو ، و منو قولو تعالى: ﴿وَلاَ ي َلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ [سورة الحجر/٘ٙ]، ويقال: لفَ تُّ فلبناً عن رأيو : صرفتو عنو ، ومنو قولو تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْت َنَا لِت َلْفِت َنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْوِ آبَاءَنَ ا﴾ [سورة يونس/ٛٚ]، أي: تصرفنا (ٔ) أما تعريف الالتفات اصطلاحا فقد اضطربت الآراء في مشمولاتو وحدوده بين تضييق لدفهومو، و اتساع ،(ٕ) فاختار بعض البلبغيين توسيعو بحيث يشمل العدول والتحوُّل من نوع من أنواع الضمائر إلى آخر، كالتحوّْل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إ لى تكلُّم، والعدول في صيغ الأفعال من الداضي إلى الدضارع، و عكس ذلك، والعدول في الأعداد من خطاب الجماعة إلى خطاب الدفرد أو الدثنى، وعكس ذلك.(ٖ) ومن ثََّ عرَّفوا الالتفات بأنو: "العدول من أسلوب في الكلبم إلى أسلوب آخر لسالف للؤول."(ٗ) و ىذا الاتساع في مفهوم الالتفات لم يتوافق مع ما نحا إليو علم البلبغة بعد من برديد الدصطلحات والتقنين، ولم يطب لكثير من الدتأخرين الّذين جعلوا مصطلح الالتفات خاصَّاً بالدخالفة بين الضمائر، متابعين في ذلك ابن الدعتز الذي كان أول من تعرض للحديث عن ىذا الأسلوب برت مصطلح الالتفات، فقال: "الالتفات: وىو انصراف الدتكلم عن الدخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى الدخاطبة ، وما يشبو ذلك."(٘) وحَ صْ رُ الالتفات بالضمائر ىو مذىب الزلسشري، والسكاكي ، والخطيب القزوينِ، وكل من اعتنى بشرح (ٔ) تِذيب اللغة، ٗٔ/ٖٕٓ، و لستار الصحاح، ص ٕٔٙ، ولسان العرب، ٕ/ٗٛ، و تاج العروس، ٘/ٛٚ. (ٕ) راجع: أسلوب الالتفات في البلبغة القرآنية، د. حسن طبل، دار الف كر العربِّ، القاىرة، د.ط./ ٛٔٗٔى -ٜٜٛٔم، ص ٕٔ–ٕٙ. (ٖ) وىذا الدذىب ىو اختيار ضياء الدين ابن الأثير ، والعلوي الدالكي ، والزركشي من الأقدمين، و اختاره بعض الدعاصرين، ومنهم: د.قحطان، وحسن طبل. راجع: الدثل السائر، ٕ/ٔٔ، والطراز الدتضمن لأسرار البلبغة وعلوم حقائق الإعجاز، يُيى بن بضزة بن العلوي اليمنِ (٘ٗٚى )، دار الكتب الخديوية، مصر، د.ط./ٕٕٕٔى -ٜٔٗٔم، ٕ/ٕٖٔ، والبرىان، ٕ/ٖٖٗ، وانظر: أسلوب الالتفات في البلبغة القرآنية، د. حسن طبل، ص ٖٕ–ٕٗ، والالتفات في البلبغة العربية ، ونماذج من أسرار بلبغتو في القرآن الكريم، د. طاىر عبد الربضن قحطان، لرلة الدراسات الاجتماعية، لرلة علمية لزكَّمة تصدر عن جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، ع/ٜٔ، يناير-يونيو عامٕ٘ٓٓم، آّلدٓٔ، ص ٘ٙٔ-ٙٙٔ. (ٗ) الطراز الدتضمن لأسرار البلبغة، ٕ/ٕٖٔ. (٘) البديع، لابن الدعتز، ص ٛ٘.
عدد الصفحات ٥١٩- 094 - تلخيص الدفتاح من البلبغيين، وىو مذىب بصهور البلبغيين، وإن اختلفوا في برديد أطرافو :(ٔ) حيث ذىب بصهورىم إلى أن الالتفات ىو : التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلبثة – التكلم، والخطاب، والغيبة - بعد التعبير عنو بطريق آخر منها ، بشرط أ ن يكون التعبير الثاني على خلبف ما يقتضيو الظاىر.(ٕ) وذىب الزلسشري ، والسكاكي إلى أنو التعبير عن الدعنى بطريق من ىذه الطرق بعد التعبير عنو بغيره، أو التعبير ابتداء بواحدة من ىذه الطرق إذا كان على خلبف مقتضى الظاىر .(ٖ) أي: إنَّ السكاكي يتفق مع بصهور البلبغيين بجعل الالتفات خاصَّاً بتحويل الضما ئر دون الصيغ ، والأعداد. ويخالفهم في كونو يجيز لريء الالتفات في أول الكلبم إذا كان ابتداء الكلبم على خلبف مقتضى الظاىر؛ لأن الالتفات عنده التعبير بطريق من الطرق الثلبثة عما عُ برّْ عنو بغيره، أو كان مقتضى الظاىر أن يُ عبرَّ عنو بغيره، أما الجمهور فلب يجيزون وقوع الالتفات في أول الكلبم سواء وافق مقتضى الظاىر أو خالفو. فقول القائل لزدّْثاً نفسو: ويُك ما فعلتَ وما صنعتَ ؟ ليس التفاتاً عند الجمهور، وإن كان مقتضى الظاىر أن يقول: ويُي ما فعلتُ وما صنعتُ ، وىو التفات عند السكا كي؛ لأنو عبر عن الدتكلم بطريق الدخاطب، وكان مقتضى الظاىر أن يعبر عنو بطريق التكلم .(ٗ) أي: إنَّ تعريف السكاك ي للبلتفات أعم من تعريف الجمهور ، فكل التفات عند بصهور البلبغيين ىو التفات عنده من غير عكس.(٘) ومذىب بصهور البلبغيين أقرب إلى الصواب من مذىب الزلسشري والسكاكي ؛ لأن "الالتفات من عوارض الألفاظ، لا من التقادير الدعنوية."(ٙ) فنقل أسلوب الكلبم ابتداءً إلى غير ما يقتضي الظاىر إنما ىو نقل تقديري عما تقتضيو مواضعات اللغة، وليس نقلبً أسلوبياً متجسداً بطرفيو في نسيج الكلبم.(ٚ) والالتفات من أجلّْ الدباحث البلبغية، وأعظمها شأناً، ويلقب بشجاعة العربية؛ لأن البليغ حين يستخدم أسلوب الالتفات يقدم على أنماط من التعبير لسالفة لدا يقتضيو الأصل، و يفاجئ الدتلقي بالتنقل بين طرق الكلبم ، وىذا ضرب من الشجاعة، واقتحام سبيل غير السبيل الدألوف؛ ولذلك كان البليغ الذي يستعمل الالتفات في (ٔ) الالتفات في البلبغة القرآنية، د. حسن طبل، ص ٕٕ-ٕ٘. (ٕ) الإيضاح في علوم البلبغة، ص ٕٚ-ٖٚ، ولستصر الدعاني، ص ٚٚ–ٛٚ، والبلبغة العربية، ٔ/ٜٚٗ، وخصائص التراكيب، ص ٕٙٔ–ٕٚٔ. (ٖ) راجع: مفتاح العلوم، ص ٜٖ٘–ٖٓٗ. (ٗ) خصائص التراكيب، ص ٕٚٔ. (٘) الإيضاح في علوم البلبغة، ص ٕٚ–ٖٚ، ولستصر الدعاني، ص ٛٚ. وقد غلط الأستاذ لزمد أبو موسى في إبانة العلبقة بين مفهوم الالتفات عند الجمهور والسكاكي، فقال: "إن كل التفات عند السكاكي التفات عند الجمهور من غير عكس". انظر: خصائص التراكيب، ص ٕٚٔ. والعكس ىو الصحيح؛ لأن مفهوم الالتفات عند بصهور البلبغيين أخص من مفهومو عند السكاكي كما تبينَّ. (ٙ) تفسير البحر ا﵀يط، ٔ/ٕٗٔ. (ٚ) أسلوب الالتفات، د. حسن طبل، ص ٕٙ.
عدد الصفحات ٥٢٠- 094 - كلبمو كالرجل الشجاع يركب مالا يستطيعو غيره، ويتورَّد ما لا يتورَّ ده سواه.(ٔ) والبليغ حين يقتحم ميدان الالتفات بشجاعة يهدف إلى برقيق أغراض بلبغية عامة ، و أخرى خاصة: فأما الأغراض العامة فتشترك ّٔا بصيع أساليب الالتفات، وصوره و ىي: التفنن في انتقال الكلبم من أسلوب إلى آخر، والتنويع في العبارة ؛ بغية استثارة انتباه الدتلقي، و بعث نشاطو لاستقبال ما يوجو لو، والإصغاء إليو، و صيانة السمع عن الضجر والدلل؛ لدا جبلت عليو النفوس من حب التنقلبت، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، بالإضافة للئيجاز والاقتصاد في التعبير؛ لأن الدتكلّْم يعبرّْ عما في نفسو بدجرد برويل أسلوب الكلبم. (ٕ) وأما الأغراض البلبغية الخاصة: فتظهر من النظر في مواقع الكلبم، وأحوالو، ومن معنى العبار ة التي حصل الالتفات إليها، وىذه الأغراض تُ فهَم من السياق، و لا تستفاد إذا جرى القول وفق مقتضى الظاىر. ومن أهمها: التعظيم، و التفخيم، و الدبالغة، و الدلالة على الاختصاص، و التنبيو، و الاىتمام، و التوبيخ، و الددح، والإنكار.(ٖ) وللبلتفات وفق الدصطلح الذي استقر لدى بصهور البلبغيين ست صور، ىي: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، والانتقال من التكلم إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، و الانتقال من التكلم إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى التكلم. و قد برقق من ىذه الصور في القراءات ال صور الأربع الأولى دون الأخيرتين. (ٗ) الأخيرتين.(ٗ) و ىذا الدبحث سيتناول دراسة الالتفات من خلبل القراءات الدتواترة ، و يبينّْ آثاره البلبغية في نظم القرآن ، وفق رؤية الجمهور وتعريفهم لذذا الدصطلح، لا وفق رؤية السكاكي وتعريفو. (ٔ) الطراز الدتضمن لأسرار البلبغة ، ٕ/ٖٔٔ-ٕٖٔ، و خصائص التراكيب، ص ٕ٘ٔ–ٕٙٔ. (ٕ) البرىان، ٖ/ٕٖٙ، والإتقان، ٖ/ٜٕٛ، والبلبغة العربية، ٔ/ٕٛٗ–ٖٛٗ. (ٖ) البرىان، ٖ/ٕٖٙ–ٖٖٓ، والبلبغة العربية، ٔ/ٖٛٗ. (ٗ) أكثر صور الالتفات شيوعاً بين القراءات الدتواترة ىي الصورة الثانية (الالتفات من الغيبة إلى الخطاب)، في حين تتقارب نسبة وقوع الصورتين الأو لى والرابعة، ويندر برقق الصورة الثالثة في الدتواتر. وقد ذكر دكتور أبضد سعد لزمد أن نماذج الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومن الغيبة إلى التكلم تكثر في القراءات الدتنوعة وتقل في صورتي الالتفات من الخطاب أو التكلم إلى الغيبة، أما الالتفات من التكلم إلى الخطاب في القراءات فنادر الوقوع. انظر: التوجيو البلبغي، ص ٖٔٗ. وأخالفو فيما ذىب إليو حيث بينَّ الاستقراء التام للقراءات الدتواترة والشاذة أن عدد نماذج الا لتفات من الغيبة إلى الخطاب بشانو ن نموذجاً، وعدد نماذج الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم ىي بضع وأربع و ن نموذجاً، أما الالتفات من التكلم إلى الغيبة في القراءات فوقع في ثلبثين موضعاً، أكثرىا في القراءات الشاذة التي ىي موضع الاىتمام والعناية في أطروحتو. ولم أقف على نماذج للبلتفات من الخطاب إلى التكلم ، وبالعكس بين القراءات الدتنوعة : متواترىا وشاذىا .
عدد الصفحات ٥٢١- 094 - المطمب الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. يدل التحول عن الغيبة إلى الخطاب على التفاوت بين مقامي الد ُ خبرَ عنهم بصيغة الغائب، والد ُ قبَل عليهم بالخطاب، ويُمل ىذا الانتقال بين ثناياه معاني بلبغية بزتلف باختلبف الدقام وعداً أو وعيداً، وىذه الدعاني يدل عليها سياق الإقبال على الدخاطبين، ومواجهتهم بالكلبم الدنقول إليهم. فالالتفات إلى الخطاب في مقام الوعد يعنِ الإقبال على الدخاطبين بالتحبب والتلطُّف، وينطوي على معاني التشريف ، والتكريم، والإيناس، وىذا ما يؤكّْده استقراء سياق آيات الوعد الدتضمنة التفاتات من ىذا القبيل، أما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مقام الذم والوعيد فيشمل معاني التوبيخ، والتقريع ، والإنكار، والدلالة على شدة الغضب حسبما يؤكده الاستقراء لدقام الآيات الدخت َلَف في قراءتِا.(ٔ) وفيما يأتي دراسة موجزة لبعض الج مل القرآنية التي اختلف قراء الدتواتر في قراءتِا بين حالتي الالت فات ولسالفة مقتضى الظاىر، ومشأّة الأفعال السابقة في الإسناد وفق ما يقتضي الظاىر، وستحاول ىذه الدراسة الكشف عما ينطوي عليو الالتفات من معانٍ ووجوهٍ بلبغية، وأثر ىذا الأسلوب في بلبغة نظم القرآن . فعلى سبيل الدثال: اختلف قراء الدتواتر في قراءة الآيات الآتية التي يخبر ا﵁ ّٔاعن لزاسن أعمال بعض أىل الكتاب بقولو: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ي َت ْلُونَ آيَاتِ اللَّوِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَىُمْ يَسْجُدُونَ ۞ ي ُؤْمِنُونَ بِاللَّوِ وَالْي َوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَي َن ْ هَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فيِ الخَْي ْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالحِِينَ ۞ وَمَا ي َفْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّوُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [سورة آل عمران /ٖٔٔ-ٔٔ٘]، اختلف القراء في قراءة الآية الأخيرة ﴿وَمَا ي َفْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ بين الالتفات وعدمو.(ٕ) إن الأفعال في ىذه الآيات جرت بصيعاً بطريقة الإخبار عن الغائب، ث التفتت في الآية الأخيرة - في قراءة الجمهور - إلى الحاضرين منهم برضُّهم على سلوك مسلك الصالحين، ﴿وَمَا ت َ فْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َلَنْ تُ كْفَرُ وهُ ﴾ [سورة آل عمران /٘ٔٔ]، وىذاالالتفات إلى الخطاب وعد للحاضرين من أىل الكتاب، وترغيب لذم للئقبال على شرع ا﵁ الدستقيم، والتخلي عن الرذائل التي درج عليها بعض أسلبفهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم، كما يُ مل الالتفات معاني الربضة والعطف على الدخاطبين، وإيناسهم بالإقبال عليهم بالخطاب. وىذه الوجوه التي تتجلى في قراءة الالتفات والخطاب تتناسب مع غرض الآيات وسياقها، حيث اقتصرت (ٔ) التوجيو البلبغي، ص ٕٖٗ. (ٕ) قرأ حفص و الأخوان وخلف ﴿وَمَا ي َفْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بياء الغائب ، وقرأ الباقون ﴿وَمَا ت َفْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ بتاء الخطاب. انظر: السبعة، ص ٕ٘ٔ، والغاية، ص ٕٙٔ، والتيسير، ص ٜٙ، والنشر، ٕ/ٕ٘ٚ، وبربير التيسير، ص ٕٖٙ.
عدد الصفحات ٥٢٢- 099 - الآية على ذكر آّازاة بالخير، ولم تتعرض لذكر الجزاء على فعل الشر، رغم أن كلبً من فعل الخير والشر يترتَّب عليو موعوده. يقول أبو حيان: "لدا وصفهم بأوصاف جليلة أقبل عليهم؛ تأنيساً لذم، واستعطافاً عليهم، فخاطبهم بأنّ ما تفعلون من الخير فلب بسنعون ثوابو؛ ولذلك اقتصر على قولو: (مِنْ خَيرٍْ )؛ لأنو موضع عطف عليهم وترحم، ولم يتعرض لذكر الشرّ ، ومعلوم أن كل ما يُ فعَ ل من خير وشر يترتب عليو موعوده."(ٔ) ولذذه القراءة أثر بليغ في إيصال الدعنى إلى نفوس الدخاطبين عامةً ، لشا يُمل الدسلمين وغيرىم على الدسارعة إلى فعل الخيرات؛ لأن الإقبال إليهم بالخطاب بعد الإخبار بصيغة الغائب يشعر الدخاطبين بعظيم مراقبتو لأحوالذم، واطلبعو على خفايا نفوسهم،لشا يُثهم على مراقبتو في أفعالذم وأقوالذم كما يراقبهم، فتمتلئ قلؤّم عند العمل بعظمتو، فيعملو ن ما يعملون وكلهم شعور بأنو مطلع على ما بزفي صدورىم ، وفي ىذا ترغيب لذم للمسارعة إلى فعل الخيرات. و عموم الخطاب لا يدل على اختصاص صالحي أىل الكتاب بحسن الجزاء ، بل يشمل بصيع الدؤمنين، كما يدل عليو ابتداء الخطاب، فهي كقولو تعالى: ﴿ وَمَا ت َفْعَلُواْ مِنْ خَيرٍْ ي َعْلَمْوُ اللَّوُ ﴾ [سورة البقرة /ٜٚٔ]، وقولو﴿وَمَا ت ُقَدّْمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّْنْ خَيرٍْ بذَِدُوهُ عِندَ اللَّوِ ﴾ [سورة الدزمل /ٕٓ].(ٕ) وقراءة الغيبة ﴿وَمَا ي َ فْعَلُوا مِنْ خَيرٍْ ف َ لَنْ يُ كْفَرُوهُ﴾ تعاضد معنى قراءة الخطاب؛ حيث تدل على عظم أجر الصالحين السابقين بقرينة مقام الامتنان، ووقوعو عقب ذكرىم .(ٖ) ولا يخفى أن بلبغتها تتجلى في مشأّتها لدا قبلها من الأفعال، و بذاؤّا مع نسقها الظاىر، لشا يجعل الكلبم ّٔا يسير على وتيرة واحدة،(ٗ) وىذا وجو بلبغي جليل تتجلى بو بصالية النسق اللفظي للآيات.(٘) (ٔ) البحر ا﵀يط، ٖ/ٜٖ. وانظر مثلو في الدر الدصون، ٖ/ٖٛ٘. (ٕ) معاني النحاس، ٔ/ٖٙٗ–ٗٙٗ، ومعالم التنزيل، ٕ/ٜٗ، ومفاتيح الغيب، ٛ/ٚٙٔ، ولباب التأويل في معاني التنزيل، ٔ/ٚٓٗ، والدر الدصون، ٖ/ٖٛ٘، واللباب، ٘/ٔٛٗ. (ٖ) التحرير والتنو ير، ٖ/ٜٙٔ. (ٗ) حجة أبِّ زرعة ، ص ٔٚٔ، وروح الدعاني، ٗ/ٖ٘. (٘) رجَّح الإمام الطبري قراءة الغيبة ونسب إليها الصواب؛ لأن ما قبل ىذه الآية من الآيات إخبار عن الأمة القائمة من أىل الكتاب، فرأى أن إلحاق ىذه الآية بدعاني الآيات قبلها أولى من صرفها عن معاني ما قبلها ؛ لعدم توفر دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم. انظر: تفسير الطبري، ٚ/ٖٔٔ. وأرى أن التعليل ّٔذه العلة لترجيح قراءة الغيبة غير صحيح، وأن الأَ ولى بالصواب ىو النظر إلى ما في كل قراءة من أغراض ومعانٍ بلبغية لا تدل عليها القراءة الأخرى. أي: إنَّ الأجدر بالدفسر أن يوفق بين معاني القراءات الدتنوعة، ويوجّْو اىتمامو إلى استخراج الدعاني الكثيرة التي تدل عليها الآية بقراءاتِا، والاستدلال بذلك على ثراء النص القرآني، وليس أن يوجّْو اىتمامو إلى ترجيح أو نسبة الصواب إلى بعضها دون البعض الآخر.
عدد الصفحات ٥٢٣- 444 - غير أن قراءة الالتفات تتناغم في دلالاتِا ، وتتجاوب مع النسق الدعنوي، والسياق القرآني؛ لتصل بالنص إلى غايتو الأسمى في الإمتاع ، والإبداع ، والتأثير. وبذلك يكون أبو حيان قد تفوَّق على سائر الدفسرين حين بذاوز النظرة الجزئي ة في برليل القراءات وتوجيهها، وا نطلق إلى ما وراءى ا من التوفيق والتأليف بين الدعاني الجزئية التي يدل عليها أسلوب الالتفات، والدعاني الكلية التي تفهم من السياق العام ودلالة الاقتصار على فعل الخير.(ٔ) ؤّذه الوجوه الدتعددة التي تم ّٔا توجي و القراءتين يتبينَّ كيف أمكن للنص القرآني التعبير بقليل من الألفاظ عن الكثير من الدعاني، والوجوه البلبغية ؛ بفضل القراءات الدتعددة، وىذا يعدُّ آية من آيات الجمال والكمال ، والإيجاز والإعجاز التي يتسم ّٔا نظم القرآن . و يمكن أن تلحظ الكثير من الدعاني والوجوه ال بلبغية إذا تأملت أيضاً قولو وىو يصف ما أعده للمتق من نعيم: ﴿ىَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحَُسْنَ مَآبٍ ۞ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لذَُمُ الأَْب ْوَابُ ۞ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ۞ وَعِنْدَىُمْ قَاصِ رَاتُ الطَّرْفِ أَت ْرَابٌ ۞ ىَذَا مَا تُوعَدُونَ لِي َوْمِ الحِْسَابِ ﴾ [سورة ص/ٜٗ-ٖ٘]، وقد اختلف قراء الدتواتر في قراءة الآية الأخيرة ﴿ىَذَا مَا تُوعَدُونَ لِي َوْمِ الحِْسَابِ ﴾ بين الالتفات وعدمو.(ٕ) اقرأ والحظ كيف أخبر ا﵁ عن ىذا النعيم العظيم بصيغة الغائب، ث تأمل الالتفات إلى الخطاب في قراءة الجمهور ﴿ىَذَا مَا تُوعَدُونَ لِي َوْمِ الحِْسَابِ ﴾ [سورة ص/ٖ٘]. إنَّ الالتفات إلى الخطاب في ىذا الدقام بعد الإخبار عن كلّْ ما تقدَّم بأسلوب الغائب يُ شعر بالدنَّ ة و الشرف العظيم الذي خص ا﵁ بو الدخاطبين، ويُشعر بالفرح الغامر الذي يجعل الدخاطبين يطيرون فرحاً بالبشارة الكبرى الدل قاة إليهم؛ حيث لا يغيب عن بال الدستمع لقراءة الالتفات معنى الامتنان، والتشريف ، والتكريم للمتقين بإحضارىم لدقام خطاب ا﵁ ،(ٖ) وىذه الدعاني تأخذ بدجامع قلوب الدخاطبين؛ حيث لا يغيب عن التذوق البلبغي تلك الدعاني التي أضفاىا التحول من الغيبة إلى الخطاب على نظم ىذه الآيات. ولاشك أن الخطاب في ىذا الدقام ىو الأليق بدعاني التكريم ، والامتنان، والتشريف، (ٗ) وإن كان في القراءة الأخرى وجوهٌ بلبغية لا يمكن ملبحظتها في قراءة الخطاب ؛ حيث برُْ ضِ رُ قراءة الغيبة - بالدقابل - معاني التنكيل (ٔ) التوجيو البلبغي، ص ٖٚٗ، بتصرُّف. (ٕ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ىَذَا مَا يُوعَدُونَ﴾ بطريقة الإخبار عن الغائب، وقرأ الباقون ﴿ىَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ بالخطاب. انظر: السبعة، ص ٘٘٘، والتيسير، ص ٕٕٔ، والنشر، ٕ/ٕٓٗ، وبربير التيسير، ص ٕٖ٘، وال م ُستنير، ٖ/ٚٔ. (ٖ) اللباب، ٙٔ/ٜٖٗ، والسراج الدنير، ٖ/ٔٔ٘، وإرشاد العقل السليم، ٚ/ٖٕٔ-ٕٖٕ، والبحر الدديد، ٙ/ٕٕٙ،والتحرير والتنوير، ٖٕ/ٙٚٔ، والتفسير الدنير، ٖٕ/ٖٕٔ. (ٗ) إرشاد العقل، ٚ/ٕٖٕ.
عدد الصفحات ٥٢٤- 444 - بالطاغ، وإدخال الحسرة والندامة والغمّْ إلى قلؤّم. فعندما تسمع القراءة ﴿ىَذَا مَا يُ وعَدُونَ ﴾ التي أعرضت عن توجيو الخطاب إلى الدتقين، و ألقتو بطريقة الغيبة تشعر أنها جاءت ّٔذا الأسلوب لتأتي بالطاغين إلى مقام الاستماع ؛ لتعرّْفهم بدا أعده ا﵁ للمتق، وعندىا ستر ى التنكيل وىو يتزايد على الطاغين، والحسرة والندم و هما يتضاعفان عليهم.(ٔ) فضلبً عما في ىذا الأسلوب من موافقة ومشأّة ما قبلو في طريقة الإسناد، لشا يجعل الكلبم يأتلف على نظام واحد.(ٕ) والنظر في معاني القراءتين ووجوىهما البلب غية يؤكد أن بلبغة نظم القرآن في ىذه الآيات لا تتجلى بجمالذا كاملة إلا بالنظر إلى الآية بجميع قراءاتِا، وبالتركيز على معاني التفنن والتنويع والإيجاز التي يدل عليها الالتفات عموماً، ومعاني التشريف و الامتنان التي يدل عليها السياق، ومقام الوعد خصوصاً. وفي الدقابل تِدي دراسة ا لقراءات الواردة في مقام الوعيد إلى معانٍ ووجوه بلبغية أخرى بعكس تلك الدعاني والوجوه التي كشف عنها أسلوب الالتفات في مقام الوعد. فعلى سبيل الدثال اختلف قراء الدتواتر في قراءة قولو تعالى: ﴿وَلاَ يَُْسَبَََّ الَّذِينَ ي َبْخَلُونَ بدَِا آتَاىُ مُ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ ىُوَ خَي ْرًا لذَُمْ بَلْ ىُوَ شَرّّ لذَُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بخَِلُوا بِوِ ي َوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّوِ مِيرَاثُ ا لسَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاللَّوُ بدَِا ت َعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [/ٓٛٔ]حيث قرأ بصهور القراء ﴿وَاللَّوُ بدَِا ت َعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بالخطاب، وقرأ ابن كثير والبصريان ﴿وَاللَّوُ بدَِا ي َ عْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بالغيبة.(ٖ) في ىذه الآية يهددُّ ويتوعَّد ا﵁ أولئك الذين أنعم عليهمببعض الخيرات والدنافع - مالاً أو علماً - ث بخلوا ّٔا، ومنعوىا أىلها ومستحقيها. وقد جاء نسق القرآن في ىذه الآية بصيعها بأسلوب الحديث عن الغائب: لا يظنَّن و لا يتوهمَّ ن ىؤلاء البخلبء أن بخلهم ىو خير لذم ، بل ىو شر لذم؛ لأن عقاب بخلهم سيرتد عليهم، حيث سيلزمون إبشو في الآخرة ، وسيجعل ا﵁ الأموال التي بخلوا ّٔا طوقاً يلتف حول رقأّم ويعذّٔم ّٔا، فا﵁ لا يخفى عليو شيء من أمر العباد، فهو خببدا كان منهم من منع الحقوق، وسيجازيهم عل ى ذلك.(ٗ) أمَّا قراءة الجمهور ﴿وَاللَّوُ بدَِا ت َعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، فتصبُّ غضب ا﵁ على أولئك البخلبء بذلك التذييل الدروّْع الذي جاء بأسلوب الخطاب بعد الغيبة، والالتفات بعد الإعراض؛ ليدل على أن الغضب قد بلغ منو (ٔ) التحرير والتنوير، ٖٕ/ٙٚٔ. بتصرُّف. (ٕ) حجة أبِّ زرعة ، ص ٗٔٙ، وإبراز الدعاني، ٕ/ٚٙٙ، و أنوار التنزيل ، ٘/ٔ٘، وإرشاد العقل، ٚ/ٖٕٔ، وفتح القدير، ٗ/ٖٕٙ. (ٖ) السبعة، ص ٕٕٓ، والتيسير، ص ٔٚ، والنشر، ٕ/ٜٕٚ، وبربير التيسير، ص ٖٖٔ. (ٗ) مفاتيح الغيب، ٜ/ٜٔ–ٜٗ، وروح الدعاني، ٗ/ٜٖٔ–ٓٗٔ، باختصار وتصرُّف.
عدد الصفحات ٥٢٥- 444 - مبلغاً،كأنو قد تناىى إلى حد جعلو يتوجو إليهم بالخطاب، و يشافو بالعتاب،(ٔ) فالالتفات "للمبالغة في الوعيد، والإشعار باشتداد غضب الربضن الناشئ من ذكر قبائحهم ."(ٕ) و قراءة الغيبة بذري مع نسق النص ونظامو ، وسياق الغيبة فيو، وىذا يجعلها أوفق لجمال التناسق اللفظي في الآية، إلا أن الدلحظ البلبغي في قراءة الالتفات يتجلى بدا في توجيو الخطاب من الوعيد والتهديد، وىذا الأمر ىو الذي جعل الدفسّْرين يتفقون على أن قراءة الالتفات أبلغ من قراءة الغيبة.(ٖ) ولم يعد يخفى أنَّ ىذا الدسلك لسالفٌ للؤَ ولى، لكنَّ البحث عن وجوه البلبغة في بصيع القراءات الدتواترة ىو الأليق بالدصدر الرباني لجميعها. و كذلك يُ لحَ ظ معنى الدبالغة في الوعيد والتهديد في قراء ة الالتفات في الآيات الآتية من سورة الروم: ﴿أَوَلمَْ ي َت َفَكَّرُوا فيِ أَن ْفُسِهِمْ مَا خَلَ قَ اللَّوُ السَّمَ وَاتِ وَالأَْرْضَ وَمَا ب َي ْن َهُمَا إِلاَّ بِالحَْقّْ وَأَجَلٍ مُسَمِّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَِّّْٔمْ لَكَافِرُونَ ۞ أَوَلمَْ يَسِيرُوا فيِ الأَْرْضِ ف َي َنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ ق َبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِن ْهُمْ ق ُوَّةً وَأَثَارُوا الأَْرْضَ وَعَمَرُوىَا أَكْث َرَ لشَِّا عَمَرُوىَا وَجَاءَت ْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْب َي ّْنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّوُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَن ْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۞ ثَُّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّوِ وَكَانُوا َِّٔا يَسْت َهْزِئُونَ ۞ اللَّوُ ي َبْدَأُ الخَْلْقَ ثَُّ يُعِيدُهُ ثَُّ إِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ ﴾ [سورة الروم/ٛ-ٔٔ]. فعند قراءة ىذه الآيات تَلحَ ظ نبرة التقريع والتوبيخ بذري في سياق ىذه الآيات كلها، وىي تسير و فق نظام واحد من الغيبة، ث إنك تُ فاجَأ بانحراف مسار النص ونسقو عن أسلوب الغيبة، حيث يأتي الالتفات إلى الخطاب في قراءة الجمهور ﴿ثَُّ إِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ﴾(ٗ) بعد ذاك الإعراض وتوجيو الخطاب إلى الغائب في آيات كثيرة سابقة لذذه القراءة. وإذا تابعت في قراءة ا لآيات التالية من ىذه السورة ﴿وَي َوْمَ ت َقُومُ السَّاعَةُ ي ُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ۞ وَلمَْ يَكُنْ لذَُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ۞ وَي َوْمَ ت َقُومُ السَّاعَةُ ي َوْمَئِذٍ ي َت َفَرَّقُونَ ۞ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالحَِاتِ ف َهُمْ فيِ رَوْضَةٍ يُُْب َرُونَ﴾ [/ٕٔ–٘ٔ] إذا تابعت القراءة فإنك ستقرر أن الالتفات والتحوُّل الدفاجئ عن مسار الغيبة، ث العودة إليو لا بد أنو جرى وفق ىذه الطريقة لدلحظٍ بلبغي مهم يفوت الغرض بدونو. (ٔ) غرائب القرآن، ٕ/ٜٖٔ. (ٕ) إرشاد العقل، ٕ/ٕٔٔ. (ٖ) الكشاف، ٔ/ٗٚٗ، ومفاتيح الغيب، ٜ/ٜٗ، ومدارك التنزيل، ٔ/ٜٗٔ–ٜ٘ٔ، و لباب التأويل، ٔ/ٛ٘ٗ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٖٗٔ، وغرائب القر آن، ٕ/ٜٖٔ، ونظم الدرر، ٕ/ٜٛٔ، وروح الدعاني، ٗ/ٓٗٔ. (ٗ) قرأ الجمهور ﴿ثَُّ إِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ﴾ بالخطاب، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب ﴿ثَُّ إِلَ يْوِ ي ُرْجَعُونَ﴾ بالغيبة. انظر: السبعة، ص ٙٓ٘، والتيسير، ص ٘ٔٔ، والنشر، ٕ/ٖٗٛ، وبربير التيسير، ص ٗٓ٘.
عدد الصفحات ٥٢٦- 444 - إن الالتفات إالخطاب في قولو ﴿ثَُّ إِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ﴾ يُمل بين طياتو معاني بلبغية جليلة، منها: الدبالغة في الوعيد والترىيب؛ إذ كان مقتضى الظاىر أن يقول: ( ثَُّ إِلَيْوِ ي ُرْجَعُونَ ) بياء الغيبة، إلا أنو عدل عنو إلى خطاب الدشركين ؛ "لدكافحتهم بالوعيد، ومواجهتهم بالتهديد،" كما أن توجيو الخطاب إليهم بعد الحديث بطريقة الغيبة يوىم أن الرجوع إلى ا﵁ للحساب لسصوص ّٔم،(ٔ) وبذلك يكون الالتفات؛ لتأكيد وتقرير مضمون الكلبم، والدبالغة في إثبات الرجوع إلى ا﵁ الذي ينكرونو، والدبالغة في الوعيد والترىيب.(ٕ) ولاشك أن قراءة الغيبة ت تجاوب مع النسق العام للآيات، وتتماشى مع مقتضى الظاىر، وتؤذن بدا في الغيبة من الإعراض عن الدكذّْبين، غير أنها لا تقدم للقارئ ىذه الصورة الدروّْعة التي تقدمها قراءة الالتفات، ولا تقرع أذنو بالتهديد الشديد، والوعيد الدزلرر، كما تصنع قراءة الخطاب. و إذا استقر في ذىن القارئ ىذه الوجوه التي يُ ملها الالتفات، وتفهَّم الدعاني والصور التي يُملها فإنو سيقرر النتيجة ذاتِا وىو يقرأ الآيات الآتية من سورة الزخرف: ﴿سُبْحَانَ رَبّْ السَّمَ وَاتِ وَالأَْرْضِ رَبّْ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ۞ فَذَرْىُمْ يخَُوضُوا وَي َلْعَبُوا حَتَّّ يُلبَقُوا ي َوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ۞ وَىُوَ الَّذِي فيِ السَّمَاءِ إِلَوٌ وَفيِ الأَْرْضِ إِلَوٌ وَىُوَ الحَْكِيمُ الْعَلِيمُ ۞ وَت َبَارَ كَ الَّذِي لَوُ مُلْكُ السَّمَ وَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا ب َي ْن َهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ ال سَّاعَةِ وَإِلَيْوِ ت ُرْ جَعُونَ ۞ وَلاَ يمَْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِوِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالحَْقّْ وَىُمْ ي َعْلَمُونَ ﴾ [سورة الزخرف/ ٕٛ-ٛٙ]. إن القارئ الدتمعّْنسيحكم بالحكم ذاتو عندما يعترضو الالتفات إلى الخطاب في قراءة الجمهور ﴿وَإِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ﴾،(ٖ) إذ إن الالتفات الدفاجئ إلى الخطاب في ىذا التذييل، وترك النسق العام من الغيبة لا بد أن يكون لدقاصد بلبغية لا تتحقق إلا بو، وقد ذكر الدفسرون أن الالتفات في قراءة الجمهور؛ للتهديد، وىذا الدعنى لا تدل عليو قراءة الغيبة التي جاءت تبعاً لأسلوب الضمائر التي قبلو، وتناسبت لفظياً مع السياق العام.(ٗ) وكذلك ي هدينا التدبُّر في قولو تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ ب َي ْن َهُمْ بدَِا أَن ْزَلَ اللَّوُ وَلاَ ت َتَّبِعْ أَىْوَاءَىُمْ وَاحْذَرْىُمْ أَنْ ي َفْتِنُوكَ عَنْ ب َعْضِ مَا أَن ْزَلَ اللَّوُ إِلَيْكَ فَإِنْ ت َوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنمََّا يُرِيدُ اللَّوُ أَنْ يُصِيب َهُمْ بِب َعْضِ ذُنُؤِِّمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ۞ أَفَحُكْمَ الجَْاىِلِيَّةِ ي َب ْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّوِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة الدائدة/ٜٗ-ٓ٘]،إن التدبّر في (ٔ) روح الدعاني، ٕٔ/ٕٗ. (ٕ) إرشاد العقل، ٚ/ٖ٘، و البحر الدديد، ٘/ٖٖٗ، وفتح القدير، ٗ/ٜٖٓ، وروح الدعاني، ٕٔ/ٕٗ، والتفسير الدنير، ٕٔ/ٚ٘. (ٖ) قرأ ابن كثير ، وبضزة ، والكسائي، وخلف ، ورويس ﴿وَإِلَيْوِ ي ُرْجَعُونَ﴾ بالغيب، وقرأ الباقون ﴿وَإِلَيْوِ ت ُرْجَعُونَ﴾ بالخطاب. انظر: السبعة، ص ٜٛ٘، والتيسير، ص ٕٚٔ، والنشر، ٕ/ٓٔٗ، وبربير التيسير، ص ٓ٘٘. (ٗ) أنوار التنزيل، ٘/٘٘ٔ، والسراج الدنير، ٖ/ٜٚٙ، وإرشاد العقل، ٛ/ٚ٘،و البحر الدديد، ٚ/ٖٙ، وروح الدعاني، ٕ٘/ٚٓٔ، والتحرير والتنوير، ٕ٘/ٖٔٓ.
عدد الصفحات ٥٢٧- 440 - ىذه الآية وقراء اتِا(ٔ) يهدي إلى أن الالتفات إلى الخطاب في قراءة ابن عامر ﴿أَفَحُكْمَ الجَْاىِلِيَّةِ ت َ ب ْغُونَ ﴾ أبلغ في زجر أىل الكتاب، وردعهم ، و تبكيتهم من قراءة الجمهور ﴿ي َ ب ْغُونَ﴾ التي تناسبت مع نسق ما قبلها من الغيبة. و الزجر والردع متحقق في القراءتين؛ لأنو مفهوم من أس لوب الاستفهام الإنكار ي الذي قُصِد بو توبيخ أىل الكتاب على ما كان من هم من ترك ما جاء بو النبي ، والإعراض عنو إلى ما درج عليو حُ كَّ ام الجاىلية، إلا أنَّ قراءة الخطاب أبلغ في الإنكار، وأغلظ عليهم في التوبيخ، وأدلُّ على شدة الغضب؛ إذ فيها مواجهتهم بالإنكار، و الردع والزجر ، وليس ذلك في الغيبة.(ٕ) وكذلك يمكن لدن قرأ قولو تعالى: ﴿قُلِ الحَْمْدُ لِلَّوِ وَسَلبَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّوُ خَي ْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [/ٜ٘]ونظر في سياقها الذي تناول الحديث عن عجائب ذنوب الأمم السابقة، وما ك ان من قصصهم، وكيف كانت نهايتهم، يمكن لدن قرأ ىذه الآية ، ث تدبَّر قراءة الجمهور ﴿آللَّوُ خَي ْرٌ أَمَّا تُ شْرِكُونَ﴾ التي عدلت عن مقتضى الظاىر من الغيبة، يمكن لو أن يؤكّْد أن الالتفات إلى الخطاب في ىذه القراءة؛ ل تبكيت وتوبيخ الدشركين الذين آثروا عبادة الأصنام على عبادة ا﵁ ،بالرغم من شدّْة التباين بين ا﵁ وبين الأوثان، وظهور خير ية ونفع ما أعرضوا عنو ، و ىي أبلغ في التهكّْم ّٔم و تنبيهم على نهاية ضلبلذم، وجهلهم الدفرط من قراءة عاصم والبصريين ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالغيبة.(ٖ) وأصل معنى التوبيخ والتبكيت متحقق في القراءتين؛ لأ نو مفهوم من تذييل الآيات الدالة على وجوب عبادة ا﵁ وتوحيده ، ومن الاستفهام الإنكاري .(ٗ) إلا أنَّ معنى التوبيخ في قراءات الخطاب - في ىذا الدثال، وما سبقو - أبلغ،(٘) ومعنى الإعراض في قراءات الغيبة أوضح؛ لدا فيو من إبعادىم عن توجيو الخطاب إ ليهم، لشا يؤذن بتناىي الغضب، وشدة الإنكار. والقراءات الدتعددة بذمع إلى الآية بصيع ىذه الأغراض، وتعبرّْ عنها بأقل الألفاظ، وىذا من بلبغة الإيجاز في قراءات القرآن. (ٔ) قرأ ابن عامر ﴿ت َب ْغُونَ﴾ بالخطاب، وقرأ الباقون ﴿ي َب ْغُونَ﴾ بالغيبة. انظر: السبعة، ص ٕٗٗ، والتيسير، ص ٘ٚ، والنشر، ٕ/ٕٚٛ، وبربير التيسير، ص ٖٚٗ. (ٕ) البحر ا﵀ يط، ٖ/ٙٔ٘، والدر الدصون، ٗ/ٕٜٛ-ٜٜٕ، واللباب، ٚ/ٖٚٚ، ونظم الدرر، ٕ/ٜٚٗ، والسراج الدنير، ٔ/ٖٚٗ، وإرشاد العقل، ٖ/ٚٗ، وروح الدعاني، ٙ/ٙ٘ٔ. (ٖ) السبعة، ص ٕٖٗ، والتيسير، ص ٕٔٔ، والنشر، ٕ/ٖٛٚ، وبربير التيسير، ص ٖٜٗ. (ٗ) الكشاف، ٖ/ٜٖٚ، ومفاتيح الغيب، ٕٗ/ٙٚٔ، و مدارك التنزيل ، ٖ/ٕٛٔ، والبحر ا﵀يط، ٚ/ٗٛ، وغرائب القرآن، ٘/ٖٖٔ، والسراج الدنير، ٖ/ٗٔٔ، وإرشاد العقل، ٙ/ٖٜٕ، والتحرير والتنوير، ٜٔ/ٖٕٛ–ٕٗٛ، والتفسير الدنير، ٕٓ/ٓٔ. (٘) اللباب، ٘ٔ/٘ٛٔ.
عدد الصفحات ٥٢٨- 444 - والخلبصة: أن الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في سياق ومقام الوعد يُمل معاني اللطف ، والربضة ، والتشريف ، والإيناس، والامتنان، وكل معاني التكريم التي يُتملها سياق الآيات، أما الالتفات في مقام الوعيد فغالباً ما يكون للمبالغة في الإنكار ، والتهديد، والترىيب، والتوبيخ كل ذل ك بحسب ما يُتملو السياق من الدعاني والوجوه. أما عندما يكون مضمون الكلبم الحث على أمر من الأمور؛ فغالباً ما يكون الالتفات أدعى إلى الدسارعة في امتثال الأمر، كما تقرَّر في الدثال الأول، وغالباً ما يكون الخطاب أقرب إلى نفس الدخاطَب، وأرغب لو في قبول الأمر.(ٔ) وقد بينَّ الاستقراء أ ن الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القراءات وقع أكثر ما وقع في مقام الوعيد حاملبً معو معاني التوبيخ، والتقريع ، والإنكار، وأن وجو البلبغة في قراءة الغيبة يتجلى في بذاؤّا مع النظام ، والنسق العام، ووجو البلبغة في قراءة الالتفات يتجلى فيما يُملو من معانٍ ووجوه بلبغية دعت للخروج عن مق تضى الظاىر. ؤّذه الوجوه تتحقق لنظم ال قرآن البلبغة التي يتبينَّ ّٔا إعجازه؛ لأن الالتفات يُقق لنص القرآن بصالو اللفظي ، وبلبغتو الدعنوية بدجرَّد برويل أسلوب الكلبم في لفظ واحد. والدطلب الآتي سيتناول بالدراسة بعض القراءات التي جرت على طريقة الالتفات من الخ طاب إلى الغيبة، ويبينَّ أثرىا في بلبغة ا لنظم. (ٔ) وىو ما نلحظو في قراءة الجمهور لقولو تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِِ إِسْرَائِيلَ لاَ ت َعْبُدُ ونَ إِلاَّ اللَّوَ ﴾ٖٛ] ي َعْبُدُونَ) "بالياء؛ فلؤن بنِ إسرائيل لفظ غيبة، ومن قرأ بالتاء فهو التفات، وحكمتو الإقبال عليهم بالخطاب؛ ليكون أدعى للقبول، وأقرب للبمتثال؛ إذ فيو الإقبال من ا﵁ على الدخاطب بالخطاب." انظر: البحر ا﵀يط ، ٔ/ٔ٘ٗ، ومثلو في الدر الدصون، ٔ/ٛ٘ٗ، واللباب، ٕ/ٕٕٚ.
عدد الصفحات ٥٢٩- 506 - المطمب الثاني: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة دؿَّ الاستقراء على أف هناؾ ال كثير من القراءات الدتواترة الجارية على التبادؿ بين ا لالتفات من الخطاب إلى الغيبة وعدـ الالتفات، فعلى سبيل الدثاؿ اختلف قراء الدتواتر في قراءة قوله تعالى: ﴿فػَلَمَّا وَضَعَتػْهَا قَالَ تْ رَبِّ إِنِِّّ وَضَعْتػُهَا أُنػْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بَِِا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالُْْنػْثَى وَإِنِِّّ سَََّيْتػُهَا مَرْيَََ وَإِنِِّّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيػَّتػَهَ ا مِنَ الشَّيْطَافِ الرَّجِيمِ ﴾ [سورة آؿ عمراف/ ٖٙ]، حيث قرأ أبو بكر عن عاصم، وابن عامر، ويعقوب ﴿وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بَِِا وَضَعْ تُ ﴾ بإسكاف العين وضم التاء، و قرأ الباقوف ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بَِِا وَضَعَتْ﴾ بفتح العين وإسكاف التاء.(ٔ) وترلة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بَِِا وَضَعَتْ﴾ على قراءة الجمهور من كلاـ ا﵁ ، وليس من كلاـ امرأة عمراف، وفيها تنبيه على عِظَم قَدْر هذا الدولود، والدلالة على أفَّ له شأناً لم تعرؼ به أمه؛ إذ إنها لا تعرؼ من أمر سو كونه أُنػْثَى لا يصلح لخدمة الدساجد، دوف ما سيؤ وؿ إليه أمرها ، وأمر ولدها من عظائم الْمور.(ٕ) ولست بصدد دراسة أغراض هذ القراءة البلاغية ، وما فيها من تعظيم أمر الدولود، والتنبيه على جهل أمه بقدر ؛ لْف الجملة على هذ القراءة ترلة معترضة من كلاـ ا﵁ ، وليست من قوؿ امرأة عمراف ا﵀كي أما قراءة أبي بكر ومن معه فتجعل الجملة من كلاـ امرأة عمراف، لا من كلاـ ا﵁ . والجملة على هذ القراءة فيها التفات من الخطا ب إلى الغيبة؛ إذ كاف مقتضى الظاهر أف تقوؿ: " وَ أنت أَعْلَمُ بَِِا وَضَعْتُ " جرياً على نسق ما قبله من الخطاب في قولذا: ﴿رَبِّ إِنِِّّ وَضَعْتػُهَا أُنػْثَى﴾ ، لكن عدلت عن هذا الظاهر لغرض ما. ومضُتَمل أف يكوف هذا الغرض تسلية نفسها، ولذلك عدلت عن الخطاب، وتوجهت إلى نفسها تسليها عن فوات الذَ كَ ر، وكأنها تقوؿ: إ ف علم ا﵁ وحكمته مضم ف على عدـ التحسر على ما فات من الدقصد؛ إذ مراد ينبغي أف يكوف الدراد ، وليس الذكر الذي طلبته ، ورجوته مثل الْ نثى التي علمها، وأرادها ، وقضى بها، فلعل هذ الْنثى تكوف خيراً من الذكر؛ لْف ا﵁ هو الذي أرادها . سلَّ ت بذلك نفسها.(ٖ) وقد يكوف غرض هذا الالتفات إظهار غاية الإجلاؿ، والخجل من الدواجهة بالاعتذار؛ إذ إف ما أمذبته وهو الْنثى لا يصلح أف يكوف محرَّراً لخدمة بيت الدقدس كما نذرت.(ٗ) وقد يكوف الغرض ا لتحسُّر على فوات الدقصود بالْنثى، ولذلك عدلت إلى الغيبة عن نسق الخطاب، (ٔ) السبعة، ص ٕٗٓ، والغاية، ص ٕٓٔ، والدبسوط، ص ٕٙٔ، والتيسير، ص ٛٙ، والنشر، ٕ/ٕٕٚ، وتحبير التيسير، ص ٕٖٔ. (ٕ) الكشاؼ، ٔ/ٖٗٛ، وفتوح الغيب، ٖ/ٜٚ–ٜٛ، والدر الدصوف، ٖ/ٖ٘ٔ–ٖٙٔ، واللباب، ٘/ٗٚٔ، وإرشاد العقل، ٕ/ٕٛ. (ٖ) الكشاؼ، ٔ/ٖٗٛ، والبحر ا﵀يط، ٕ/ٚ٘ٗ، والدر الدصوف، ٖ/ٖ٘ٔ، وإرشاد العقل، ٕ/ٕٛ. (ٗ) اللباب، ٘/ٗٚٔ، وإرشاد العقل، ٕ/ٕٛ.
عدد الصفحات ٥٣٠- 505 - وأخرجت الكلاـ مخرج الخبر الدستعمل في التحسُّر.(ٔ) والنص لا مظن أياً من هذ الاحتمالات؛ فا﵁ هووحد العالم بِا كاف مرادها وهي تقوؿ ما قالت. والذي يهم هنا هو الإشارة إلى أف الجملة القرآنية عندما تعدؿ عن مقتضى الظاهر ، وتخرج عنه إلى غير فإف ذلك يكوف لغرض بلاغي يقصِّد الدتكلم. كما إف تعدد القراءات في هذا الدوض يدؿ على أف التنوع ما بين الالتفات وعدمه يثري النص بكثير من الدعانِّ، ويهبه طاقة كبيرة تجعله يتحمَّل أكثر مدا تسمح به أمثاله من الجُمَل عادة، مدا يدؿ على سعة نص القرآف ، وثرائه نتيجة تنوع قراءاته. ومدا جر على الالتفات إلى الغيبة في القراءات الدتواترة قراءة الجمهور لقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتػَعْجِلُو ُ سُبْحَانَهُ وَتػَعَالىَ عَمَّا يُشْرِكُوفَ ﴾ [سورة النحل/ٔ]، خلافاً لقراءة الْخوين وخلف ﴿تُ شْرِكُوفَ﴾ بالخطاب.(ٕ) وقراءة الْخوين تجري على نسق ما قبلها من الخطاب في قوله :﴿فَلاَ تَسْتػَعْجِلُو ُ ﴾، وتعبرِّ عن سخط ا﵁ على قبائح أفعالذم، وما كاف منهم من نسبة الشريك إليه ، والإعراض عن توحيد ، فعذاب ا﵁ الدوعود قد أتى، وهو يتربَّص بكل من نسب الإلوهية لغا﵁ ، فلا تستعجلو ؛ لْف قبائح أفعالكم جعلت عذاب ا﵁ هو الذي يطلبكم أما قراءة الجمهور فتعدؿ عن مقتضى الظاهر من الخطاب وتلتفت إلى الغيبة ، وهي بهذا تعبرِّ عن غاية السخط والازدراء والتحقير لكل من اعتقد الشريك ﵁ ، ونسب إليه بذلك ما يستحيل وجود فالحكمة من هذا الالتفات: "أنه أعرض عن مخاطبتهم، وأبرزهم في صورة من لا يُ قبَ ل عليهم بالخطاب، وجعلهم كالغا ئبين عنه؛ لْف مخاطبة الشخص، ومواجهته بالكلاـ إقباؿ من الدخاطب عليه، وتأنيس له، فقط عنهم مواجهته لذم بالخطاب؛ لكثرة ما صدر عنهم من الدخالفات ."(ٖ) أي: إفَّ الالتفات إلى الغيبة أبلغ من الخطاب في تحقير شأف الدشركين بحطِّهم عن رتبة الدخاطبة، والإشارة إلى كماؿ التبرُّؤ منهم؛(ٗ) لْنه يؤذف باقتضاء ذكر قبائحهم؛ للإعراض عنهم ، وحكاية شنائعهم لغيرهم .(٘) وهذ الدعانِّ لا مظكن توفيرها في قراءة الخطاب؛ لْف جرياف النصِّ على مق تضى الظاهر لا يتفتق عن هذ (ٔ) التحرير والتنوير، ٖ/ٙٛ. (ٕ) السبعة، ص ٕٖٗ، والتيسير، ص ٙٛ، والنشر، ٕ/ٚٔ، وتحبير التيسير، ص ٜٖٚ. (ٖ) البحر ا﵀يط ٔ/ٖٗٗ. (ٗ) التحرير والتنوير، ٖٔ/ٛٚ. بتصرُّؼ. (٘) إرشاد العقل، ٘/ٜ٘، وروح الدعانِّ، ٗٔ/ٕٜ.
عدد الصفحات ٥٣١