- 434 - والثالثلا يحُمنل أحدٌ من الناس عذاب ذلك الإنساف الكافر، فهو كقولو تعالى: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُل نػَفْسٍ إِلان عَلَ يػْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعاـ/ٗٙٔ].(ٔ) ولا يخفى ما في جميع الوجوه الدذكورة في تأويل معتٌ الآية على القراءتتُ من تعظيم أمر ذلك العذاب الذي ينالو الإنساف الكافر الذي اتصف بأبشع القبائح وخصاؿ السوء، غتَ أنو يغيب عن أكثر الدفسرين استخراج الوجوه البيانية التي يدؿ عليها ذكر الفاعل وحذفو في القراءتتُ؛ ذلك أف ذكر الفاعل وحذفو في ىذا الدقاـ – تصوير مشهد من مشاىد يوـ القيامة - لا بد وأف يكوف لو أغراض بلبغية سوى الإيجاز ، ومعلومية الفاعل. و من أبرز الأغراض البلبغية لذكر الفاعل ، وبناء فعل التعذيب للمعلوـ في ىذه الآيات: أف إسناد فعل التعذيب والتوثيق إلى ا﵁ في موقف الحساب والعقاب يبلغ بو التًويع منتهاه، فتعذيب ا﵁ لا يشبو تعذيب الدعذمبتُ من البشر، وتوثيقو لا يشبو توثيق البشر، ولعل ىذا الدلمح البلبغي لا يغيب عن آيات القرآف الكريم التي أسندت فعل التعذيب للمعلوـ في أكثر من أربعتُ موضعاً في القرآف الكريم.(ٕ) ولا يخفى أف توجيو الاىتماـ إلى العذاب في قراءة الكسائي ىو أىم غرض لحذؼ الفاعل في ىذه القراءة ، فالدذكور يُ عذنب من قبل ا﵁ وزبانية جهنم عذاباً لا يدكن وصفو؛ إذ لم يعُهَد مثلو في أصناؼ العذاب ومعهوداتو. فضلبً عن القصد إلى الإيجاز؛ لدعلومية الفاعل؛ كوف الدوقف لا يحتمل أف يكوف لذذا الفعل فاعلٌ سوى ا﵁ ، أو من أوكل إليو ىذا الفعل من الدلبئكة. فحذؼ الفاعل يدخل الرىبة في القلوب ، والخوؼ من ذات الدوقف، وذكره يبلغ بالدوقف غاية التًويع ومنتهاه؛ لأنو يُ سند الفعل إلى جبار لا يدكن تصو ر منتهى قدرتو ، وغاية سطوتو وجبروتو، فعذابو ىو العذاب الدتناىي في الألم والإىانة. ويدكن حُل ىذا الكلبـ على كل فعل من أفعاؿ يوـ القيامة اختلف القراء في قراءتو بتُ البناء للمعلوـ والمجهوؿ، ومنو تسيتَ الجباؿ في قولو تعالى: ﴿وَيػَوْـَ نُسَيػمرُ الجِْبَاؿَ وَتػَرَى الأَْرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاىُمْ فػَلَمْ نػُغَادِرْ مِنػْهُمْ (ٔ) الكشاؼ، ٗ/٘ٚ٘، والجامع لأحكاـ القرآف، ٕٓ/ٙ٘–ٚ٘، والبحر ا﵀يط، ٛ/ٚٙٗ، والدر الدصوف، ٓٔ/ٖٜٚ، وفتح القدير، ٘/ٕٗٙ، وروح الدعاني، ٖٓ/ٖٓٔ. وذىب السمتُ في الدر إلى جواز تأويل قر اءة الجمهور بِّذا الدعتٌ، أي: لا يحَْمِلُ أحدٌ عذابَ ذلك الإِنسافِ الكافر. انظر: الدر الدصوف، ٓٔ/ٜٗٚ. وأرى أف ذلك فيو بعد، لأف (أحد) في قراءة الجمهور فاعل التعذيب، فناسبو أف يكوف بدعتٌ (الدػُ عذمب) لا (الدػُ عذنب)، أما في قراءة الجمهور فهي في موقع الدفعوؿ، ويدكن حُلها على ىذا الدعتٌ، أي: لا يحُ ممل ا﵁ أحداً من الناس لشن لا ذنب لو ذنب ىذا الكافر، ث يعذم بو بو. (ٕ) التفستَ البياني للقرآف الكريم، د. عائشة عبد الرحُن بنت الشاطئ، دار الدعارؼ، القاىرة، ط ٘/ٜٛٙٔـ، ٕ/ٜ٘ٔ.
عدد الصفحات ٤٥٤- 431 - أَحَدًا﴾ [سورة الكهف/ٚٗ].(ٔ) والنفخ في الصور في قولو تعالى: ﴿يػَوْـَ يػُنػْفَخُ فيِ الص ورِ وَنحَْشُرُ الْمُجْرِمِتَُ يػَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [سورة طو /ٕٓٔ].(ٕ) وبعد: فإف أبرز الأغراض البلبغية التي دؿ عليها التبادؿ بتُ ذكر الفاعل وحذفو في الآيات الدختلَ ف في قراءتها: ىي الاعتناء بالحدث أو صرؼ العناية إلى الفاعل، مع ما يقتضيو كل سياؽ من وجوه أخرى، كا لتهديد أو الامتناف، أو التعظيم. و أبرز الآثار النابذة عن ىذه الوجو ه البلبغية ىي جعل الآية الواحدة بقراءاتها تقوـ مقاـ آيات متعددة، فتقصد بذلك إلى الكشف عن سمة الإيجاز التي ىي أبرز سمات الكلبـ البليغ، وتقصد من جهة أخرى إلى التفنن في التعبتَ عن الدعتٌ الواحد بأكثر من طريقة كلٌ منها تلفت نظر القارئ والسامع إلى معتٌ ووجو غتَ الذي تفيده الأخرى. واتصاؼ القرآف بِّ ذه الدزايا ىو الذي رفع قيمة نظمو من أعلى مراتب البلبغة إلى مرتبة الإعجاز. والدطلب الآتي سيتناوؿ دراسة الوجوه البلبغية لحذؼ الدفعو ؿ وذكره، وأثرىا في بلبغة النظم. (ٔ) قرأ الجمهور ﴿نُسَيػمرُ الجِْبَاؿَ﴾ ببن اء الفعل للمعلوـ، وقرأ ابن كثتَ وأبو عمرو وابن عامر ﴿تُسَيػنرُ الجِْبَاؿُ﴾ ببناء الفعل للمجهوؿ. انظر: السبعة، ص ٖٜٖ، والتيستَ، ص ٜٜ، والدبهج، ص ٛٓٙ، والنشر، ٕ/ٜٖٗ، وبربتَ التيستَ، ص ٘ٗٗ. (ٕ) قرأ أبو عمرو (نػَنػْفُخُ) بالنوف وبناء الفعل للمعلوـ، وقرأ الباقوف (يػُنػْفَخُ) بالياء وبناء الفعل للمجهوؿ. انظر: السبعة، ص ٕٗٗ، والتيستَ، ص ٗٓٔ، والدبهج، ص ٕٙٗ، والنشر، ٕ/ٕٖٙ، وبربتَ التيستَ، ص ٕٙٗ.
عدد الصفحات ٤٥٥- 234 - المطمب الثانيتبادل القراءات بين ذكر المفعول وحذفو، وأثره في بلاغة النظم. تقدَّم في مدخل ىذا ابؼبحث أن الغرض البلاغي الرئيس الذي يدعو لذكر ابؼفعول ىو تر تيب الفائدة عليو؛ لأن ابؼتكلِّم حين يقصد إلى ذكر أو حذف متعلق الفعل فإنَّ لو غرضاً وقصداً يدعوه إلى ذلك، فقد يقصد البليغ إلى حذف مفعول الفعل ابؼتعدي؛ للإيجاز؛ لكونو معلوماً، أو لصرف العناية عنو إلى الفعل أو الفاعل، أو لقصد التعميم، لتذىب النفس في تقديره كل مذىب ، أو لاستهجانو، أو لرعاية الفاصلة . وقد يقصد إلى ذكره ليتعينَّ ، ولا يلتبس بغ يره، أو لغرض آخر يدعوه إلى ذلك.(ٔ) واستخراج ىذه الأغراض لا يلتبس على ابؼتأمل والناظر عندما تكون ابعملة على وجو واحد من ابغذف أو الذكر، أما عندما ترد ابعملة بابغذف تارة ، والذكر طوراً فهذا مما يحتاج إلى إعمال الفكر لاستخراج الوجوه والأغراض البلاغية بؽذين الوجهين . وقد ورد في القرآن الكريم بصلٌ قرآنية كثيرة اختلف قراء ابؼتواتر في قراءتها بين حالي حذف ابؼفعول وذكره، و ىذا ابؼطلب سيوجِّو عنايتو إلى دراسة الوجوه البلاغية التي يدل عليها تبادل القراءات ابؼتواترة بين ذكر ابؼفعول وحذفو، وأثر ىذا التبادل في بلاغة نظم القرآن . فعلى سبيل ابؼثال: وردت بعض ابعمل القرآنية نتيجة تنوع القراءات ابؼتواتر ة على التبادل بين حالتي حذف ابؼفعول و عدمو، و منها قولو تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْوِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِِِمُ امْرَأَت َينِْ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْ بُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾ [ٖٕ]حيث قرأ ابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو ﴿حَتَّّ يَصْدُرَ الرِّعَاءُ ﴾، بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون ﴿حَتَّّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾، بضم الياء وكسر الدال.(ٕ) والفعل (يَصْدُر) في قراءة ابن عامر ومن معو لا يحتاج إلى مفعول؛ لأنو من الفعل اللازم (صَدَرَ). ومعنى الآية بناء على ىذه القراءة: وبؼا ورد موسى إلى بئر مدين، وجد عليها بصاعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، (ٔ) راجع: دلائل الإعجاز، ص ٕٚٔ–ٖٛٔ، والإيضاح في علوم البلاغة، ص ٖٓٔ–ٜٓٔ، وخصائص التراكيب ، ص ٖٙٓ–ٕٖٛ. (ٕ) السبعة، ص ٕٜٗ، والتيسير، ص ٖٔٔ، والعنوان، ص ٚٗٔ، والنشر، ٕ/ٖٔٛ، وبربير التيسير، ص ٜٚٗ.
عدد الصفحات ٤٥٦- 233 - ووجد في مكان أسفل من مكانِم امرأتين بسنعان أغنامهما عن ابؼاء، فقال بؽما: ما شأنكما بسنعان أغنامكما عن ابؼاء؟ قالتا: لا نسقي حتّ ينصرف الرعاة عن ابؼاء.(ٔ) أما الفعل (يُصْدِرَ) في قراءة ابعمهور فهو من (أصدر) ابؼتعدي بابؽمزة، وىو يحتاج إلى مفعول، غير أن ابؼفعول في ىذه الآية محذوف؛ لأغراض بلاغية سيأتي بيانِا. ومعنى الآية في قراءة ابعمهو ر: لا نسقي حتّ يصرف الرعاة مواشيهم عن ابؼاء.(ٕ) والغرض البلاغي في قراءة ابن عامر ومن معو ىو توجيو الاىتمام إلى انصراف الرعاة، وليس إلى انصراف ابؼواشي،(ٖ) وفيها بيان عفة الفتاتين، وابتعادهما عن ابؼاء في حال وجود الرعاة؛ حذراً من مزابضة الرجال، وىي تدل على فرط حيائهما، وتواريهما من الاختلاط بالأجانب.(ٗ) وأما الغرض البلاغي في قراءة ابعمهور فهو بيان تعلُّق الفعل بدفعول محذوف؛ لدلالة الكلام عليو من جهة،(٘) ورغبة في سوق الفعل محذوفَ ابؼفعول من جهة أخرى؛ لصرف العناية عنو إلى إثباتِ الفعل لفاعلِو، وليبينِّ ابؼتكلم أن الغرض من كلامو لا يتعلق بدفعول معَّين، بل الغرض ىو أن يعلم السامع أنو قد "كان منَ الناس في تلك ابغال سَقْيٌ، ومن ابؼرأتين ذَوْدٌ، وأنِما قالتا: لا يكون مِنَّا سَقْيٌ حتّ يُصدِرَ الرِّعاء، وأنو كان مِن موسى من ب َعْدِ ذلك سَقيٌ . فأمّا ما كان ابؼسقيُّ غنماً أم إبلاً أم غيرَ ذلك فخارجٌ عن الغرضِ ومُوْىِمُ خلافِو؛ وذاك أنو لو قيل: وجدَ من دونِم امرأتين تذودان غنمَهما، جاز أن يكونَ : لم يُنكَ رِ الذَّودُ من حَيْثُ ىو ذَوْدٌ، بل من حيثُ ىو ذَوْدُ غَنَمٍ، حتّ لو كان مكانَ الغنم إبلٌ لم ينُكَ رِ الذَّود. كما أنك إذا قلتَ : ما لك بسنعُ أخاك؟ كنتَ منكراً ابؼنعَ لا من حيثُ ىوَ مَنْعٌ، بل مِنْ حيث ىو منعُ أخٍ ." (ٙ) (ٔ) حجة ابن خالويو، ص ٕٙٚ، وحجة أبي زرعة، ص ٖٗ٘، والكشف عن وجوه ا لقراءات، ٕ/ٖٚٔ، ومعالم التنزيل، ٙ/ٕٓٓ، وابؼوضِّح، ٕ/ٜٜٚ، ومفاتيح الغيب، ٕٗ/ٕ٘ٓ، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٖٖٙ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٕٛٛ، والدر ابؼصون، ٛ/ٖٙٙ، واللباب، ٘ٔ/ٖٕٙ. (ٕ) جامع البيان، ٜٔ/٘٘٘، ومعاني النحَّاس، ٘/ٖٚٔ، و حجة ابن خالويو، ص ٕٙٚ، وحجة الفارسي، ٘/ٕٔٗ–ٖٔٗ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖ٘ٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٖٚٔ، ومفاتيح الغيب، ٕٗ/ٕ٘ٓ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٜٔٓٔ، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٖٖٙ، والدر ابؼصون، ٛ/ٖٙٙ، واللباب، ٘ٔ/ٖٕٙ، وفتح القدير، ٗ/ٖٕٙ. (ٖ) حجة أبي زرعة ، ص ٖٗ٘. (ٗ) روح ابؼعاني، ٕٓ/ٓٙ. (٘) حجة أبي زرعة ، ص ٖٗ٘. (ٙ) دلائل الإعجاز، ص ٕٖٔ.
عدد الصفحات ٤٥٧- 232 - فالغرض من حذف ابؼفعول في قراءة ابعمهور ىو أن يتوفر الكلام على إثبات الفعل للفاعل؛ ليتبينَّ أن موسى رق بؽما بؼا كان منهما من سقي وذود، ولو ذكر ابؼفعول وقال: غنمهما لأوهمت العبارة أن موسى رق لذودهما الغنم، وما في ذود الغنم خصوصاً من مزيد عناء؛ لشدة تفلتها وصعوبة ضبطها، ولو كان منهما ذود إبل بعاز أن يدعهما، وليس ىذا مرادًا. وبؽذا كان بغذف ابؼفعول في ىذا ابؼوضع من الرِّوْعة وابغُسن ما ليس في ذكره؛ لأن في حذفو وتركِ ذِكِره فائدةً جليلة، و لأَ نَّ الغرضَ لا يَصحُّ إلاّ على تركو .(ٔ) ولا يخفى أن القراءات ابؼتعددة في ىذه الآية قامت مقام آيات متعددة؛ لأن كل قراءة صرفت اىتمام السامع إلى جهة غير ابعهة التي صرفتها إليها القراءة الأ خرى، وىذا من بلاغة الإيجاز في نظم الق رآن . ومن الأفعال التي وردت على التبادل بين اللزوم ، والتعدي في القراءات ابؼتواترة الفعل (يضلُّ) في الآيات الآتية: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَىْوَائِهِمْ بِغَيرِْ عِلْمٍ ﴾ [سورة الأنعام /ٜٔٔ]،﴿رَب َّنَا إِنَّكَ آت َيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَََهُ زِينَةً وَأَ مْوَالاً فيِ ابغَْيَاةِ الدُّن ْيَا رَب َّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ [سورة يونس /ٛٛ].(ٕ) و في قولو تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّوِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِوِ ﴾ [سورة إبراىيم /ٖٓ]،﴿ثَانيَِ عِطْفِوِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّوِ ﴾ [سورة ابغج/ٜ]،﴿وَمِ نَ النَّاسِ مَنْ يَشْترَِي بؽَْوَ ابغَْدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّوِ بِغَيرِْ عِلْمٍ ﴾ [سورة لقمان/ٙ]﴿وَجَعَلَ لِلَّوِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِوِ ﴾ [سورة الزمر /ٛ].(ٖ) حيث قرأ بعض القراء الفعل (يضل) في ىذه الآيات مفتوح الياء، من الفعل اللازم (ضلَّ)، وقرأه آخرون مضموم الياء من الفعل ابؼتعدي (أضلَّ). فالقراءات التي تفتح الياء ، وبذعل الفعل لازماً تسند فعل الضلال إلى أنفسهم، وأما القراءات التي تضم الياء فتجعل الفعل متعدياً ، و تسند إليهم إضلال غيرىم، و قراءات تعدية الفعل أعمُّ من قراءات اللزوم؛ لأنِا تعبِِّّ عن ق ُبْحَ فِعْلِهم الذي بصع القبيحين معاً، فهم قد ضلوا في أن ْفُسِهِم، وأضَلُّوا غيرىم، و لأن من أضل غيره لا بد وأن يكون ضالاًَّ في نفسو، من غير عكس.(ٗ) فقراءات الفعل بضم الياء تتضمن (ٔ) خصائص التراكيب، ص ٖٗٔ. (ٕ) قرأ الكوفيون (لَيُضِلُّونَ، لِيُضِلُّوا) بضم الياء في الأنعام ويونس، وقرأ الباقون (لَيَضِلُّونَ، لِيَضِلُّوا) بفتحها في ابؼوضعين. انظر: السبعة، ص ٕٚٙ، والتيسير، ص ٛٚ، والنشر، ٕ/ٜٕٙ، وبربير التيسير، ص ٖٖٙ. (ٖ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لِيَضِلُّوا، لِيَضِلَّ) في إبراىيم وابغج ولقمان والزمر بفتح الياء في الأربعة، وقرأ الباقون: (لِيُضِ لُّوا، لِيُضِلَّ) بضمها في الأربع ة إلا أن رويساً وافق ابن كثير وأب ا عمرو في إبراىيم وابغج والزمر. انظر: ا لسبعة، ص ٕٚٙ، والتيسير، ص ٜ٘، والنشر، ٕ/ٖٖٙ، وبربير التيسير، ص ٕ٘ٗ. (ٗ) حجة الفارسي ، ٖ/ٕٜٖ–ٜٖٚ، و الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٜٗٗ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٜٖٖ، والدر ابؼصون، ٘/ٖٓٔ، ٛ/ٖٕٙ، ٜ/ٓٙ، ٗٔٗ، واللباب، ٛ/ٕٓٗ، ٗٔ/ٕٚ، ٘ٔ/ٖٛٗ، والإبراف، ص ٖٗٛ، ٜ٘٘.
عدد الصفحات ٤٥٨- 234 - معناىا، ومعنى قراءات فتح الياء، وقراءات فتح الياء لا تتضمن معنى ال قراءات الأخرى، لذلك كانت القراءات بتعدية الفعل وحذف ابؼفعول أ عمَّ معنى، وأشدَّ إيجازاً .(ٔ) وذىب ابن عاشور إلى أن ابؼعنى ابغاصل من القراءتين متحد؛ لأنِم إذا ضلوا في أنفسهم وىم قادة قومهم كان ضلابؽم تضليلاً لغيرىم، وكذلك إذا أضلوا الناس فإنِم ما أضلوىم إلا و ىم ضالون مثلهم.(ٕ) والواقع أن ما ذكره ابن عاشور ليس بلازم؛ لأن من أضل غيره فهو في الضلال أذىب، ومن ابؽدى أبعد. يقول الإمام أبو علي الفارسي: " ألا ترى أن كلَّ مُضلٍ ضالٌّ، وليس كلُّ ضالٍ مُضِلاً؛ لأن الضالَّ قد يكون ضلالُو مقصوراً عليو نفسو لا يتعداه إلى سواه، وابؼ ُ ضِلُّ أكثرُ استحقاقاً للذم، وأغلظ حالاً من الضالِّ؛ لتحملو إثم من أضلَّو، كما قال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَىُمْ كَامِلَةً ي َوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّون َهُمْ بِغَيرِْ عِلْمٍ ﴾ [سورة النحل /ٕ٘]".(ٖ) وأرى أن الغرض البلاغي من ت نوع القراءات في ىذه ابؼواضع ىو إثبات الفعلين بؽم، فابؼذكورون ىم ممن امتطى الضلال، واختاره لو طريقاً ، وعن ىذه ابؼعاني عبِّت قراءات اللزوم. وىم أيضاً ممن لم يقنع بضلال نفسو حتّ ذىب يحرِّ ض الناس ويحملهم عليو، وعلى ىذه ابؼعاني دلت قراءات الفعل ابؼتعدي، و إنما حذف ابؼفعول على ىذه القراءات؛ لقصد الإيجاز، لكون ابؼفعول معلوماً، فأغنى ابغذف في ىذا ابؼقام عن الذكر، ولقصد ا لتعميم؛ لئلا يُظَ ن أن ابؼراد إضلال أشخاص معينين، وبهذه الأغراض يتحقق لنظم ىذه الآيات بظة الإيجاز؛ حيث تقوم كل آية منها مقام عدة آيات. ومن ابعمل القر آنية التي حذف مفعوبؽا في بعض القراءات ابؼتواترة دون بعضها: قولو تعالى: ﴿وَشَجَرَةً بزَْرُجُ مِنْ طُورِ سَي ْنَاءَ ت َنْبُتُ بِالدُّىْنِ وَصِبْغٍ لِلْْكِلِينَ ﴾ [سورة ابؼؤمنون /ٕٓ]،حيث قرأ ابعمهور ﴿ت َنْبُتُ بِالدُّىْنِ ﴾ بفتح التاء وضم الباء، و قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس ﴿ت ُنْبِتُ بِالدُّىْنِ ﴾ بضم التاء وكسر الباء.(ٗ) والفعل (ت َنْبُتُ) في قراءة ابعمهور فعل لازم من (نبَتَ)، وابعملة على ىذه القراءة لا تفتقر إلى ابؼفعول؛ للزوم فعلها. و(بالدىن حال)، وابعملة كقولك: خرج زيد بسلاحو. ومعنى الآية بناء على ذلك: إن ىذه الشجرة تَنبُت مصحوبة بالدىن الذي يستخرج من زيتونِا .(٘) (ٔ) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٜٗٗ. (ٕ) التحرير والتنوير، ٔٔ/٘ٙٔ. (ٖ) حجة الفارسي ، ٖ/ٜٖٚ. (ٗ) السبعة، ص ٘ٗٗ، والتيسير، ص ٚٓٔ، والإقناع، ص ٕٖٗ، والنشر، ٕ/ٖٛٙ، وبربير التيسير، ص ٗٚٗ. (٘) جامع البيان، ٜٔ/ٖٕ، ومشكل إعراب القرآن، ٕ/ٜٜٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٕٚٔ، والكشاف، ٖ/ٗٛٔ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٓٗٔ، وابؼوضِّح، ٕ/ٖٜٛ، ومفاتيح الغيب، ٖٕ/ٜٚ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٜ٘، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٛٓٙ، وابعامع =
عدد الصفحات ٤٥٩- 234 - أما الفعل في القراءة الأخرى فاختلف ابؼفسرون فيو على ثلاثة أقوال ىي الأول: أن نبت، وأنبت لغتان و الفعل لازم، ومعنى قراءة ابن كثير على ىذا القول كمعنى قراءة ابعمهور. (ٔ) ومما يؤيد ذلك قول الشاعر: رأيْتَ ذوي ابغاجاتِ حَوْلَ ب ُيُوتهِِمْ قَطِينا بؽَُمْ حتّ إذا أن ْبَتَ الب َقْلُ.(ٕ) (البحر الطويل) الثاني: أن الفعل في قراءة ﴿ت ُنْبِتُ بِالدُّىْنِ ﴾ من الفعل (أنبت) ابؼتعدي، ومفعولو (الدىن)؛ لأن الباء في قولو: (بِالدُّىْنِ) زائدة،(ٖ) فهي كقولك: أخذت ثوبَ و، وأخذت بثوبِ و، وكقول الشاعر: نََْنُ ب َنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالبيضِ وَن َرْجُو بالفَرَج.(ٗ) (بحر الرجز ) وقيل: دخلت الباء على ابؼفعول؛ لتدل على لزوم الإنبات و دوامو، كقولو تعالى: ﴿اق ْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [سورة العلق/ٔ]؛ لأن الفعل (قرأ) يتعدى إلى مفعولو بغير حرف، وإنم ا زيدت الباء ؛ لتدل على الأمر بدلازمة القراءة .(٘) الثالث: أن تكون الباءُ غيرَ زائدةٍ ، وابعار والمجرور متعلق ين بغير الفعل (تنبت) الذي تعدى إلى مفعول محذوف، و(بالدىن) حال، وابؼعنى: إنِا شجرة تنبت وبزرِج بشرىا، أو جناىا، وفيو الدىن (الزيت) .(ٙ) لأحكام القرآن، ٕٔ/٘ٔٔ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٔ٘ٔ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٖٔٚ، والدر ابؼصون، ٛ/ٕٖٛ، واللباب، ٗٔ/ٕٜٔ، وروح ابؼعاني، ٛٔ/ٕٕ، وأضواء البيان، ٘/ٖٖٓ. (ٔ) جامع البيان، ٜٔ/ٖٕ، و حجة الفارسي ، ٘/ٕٜٕ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٕٚٔ، والكشاف، ٖ/ٗٛٔ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٓٗٔ، ومفاتيح الغيب، ٖٕ/ٜٚ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٜ٘، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٛٓٙ، وابعامع لأحكام القرآن، ٕٔ/٘ٔٔ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٔ٘ٔ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٖٔٚ، والدر ابؼصون، ٛ/ٕٖٛ، وإرشاد العقل، ٙ/ٕٛٔ، وروح ابؼعاني، ٛٔ/ٕٕ، والتحرير والتنوير، ٛٔ/ٕٖ، وأضواء البيان، ٘/ٖٖٓ. (ٕ) البيت لزىير بن أبي سلمى، انظر: ديوان زىير بن أبي سلمى، بشرح ثعلب، القاىرة، د.ط./ ٖٗٛٔى -ٜٗٙٔم، ص ٔٔٔ. (ٖ) جامع البيان، ٜٔ/ٖٕ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٕٚٔ، و حجة الفارسي ، ٘/ٜٕٔ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٓٗٔ، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٛٓٙ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٜ٘، وابعامع لأحكام القرآن، ٕٔ/٘ٔٔ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٖٔٚ، والدر ابؼصون، ٛ/ٕٖٛ، واللباب، ٗٔ/ٜٔٔ، وروح ابؼعاني، ٛٔ/ٖٕ. (ٗ) القول للنابغة ابععدي. انظر: ديوان النابغة ابععدي، تح: عبد العزيز الرباح، مطبوعات ابؼ كتب الإسلامي، دمشق، د.ط./ٖٗٛٔى - ٜٗٙٔم، ص ٕ٘ٔ، وموضع الشاىد أن الباء زائدة في قولو: وَن َرْجُو بالفَرَج. وابؼعنى: ونرجو الفرجَ. (٘) مشكل إعراب القرآن، ٕ/ٜٜٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٕٚٔ. (ٙ) حجة الفارسي ، ٘/ٕٜٕ، و مشكل إعراب القرآن، ٕ/ٜٜٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٕٚٔ، والكشاف، ٖ/ٗٛٔ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٓٗٔ، وابؼوضِّح، ٕ/ٜٕٛ، ومفاتيح الغيب، ٖٕ/ٜٚ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٜ٘، وإبراز ابؼعاني، ٕ/ٛٓٙ، و ابعامع =
عدد الصفحات ٤٦٠- 237 - وأميل إلى الوجو الثالث من ىذه الوجوه؛ إعمالاً بعميع القراءات ، وبضلاً بؽا على ابؼعاني ابؼتعددة التي برتملها؛ لأن إعمال بصيع ابؼعاني أولى من إهمال بعضها. وأرى أن حذف ابؼفعول في قراءة ابن كثير إما اقتصاراً؛ لتركيز الاىتمام على حدث الإنبات، وإما اختصاراً؛ لدلالة ابؼعنى عليو؛(ٔ) إذ أبصع ابؼفسرون على أن الشجرة ابؼذكورة ىنا ىي شجرة الزيتون، ومعروف لكل أحد ما ىو الثمر الذي بزرجو ىذه الشجرة. و ىناك بصل قرآنية اتفق القراء على تعدية فعلها ، لكن اختلفوا في حذف ابؼفعول وذكره ، فقرأه بعض قراء ابؼتواتر محذوفَ ابؼفعول، و قرأ آخرون ب ذكره ، ومن ذلك قولو تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نََِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ۞ لِيَأْكُلُوا مِنْ بشََرِهِ وَمَا عَمِلَتْوُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ﴾ [سورة يس/ٖٗ-ٖ٘]، حيث قرأ الأخوان وخلف وأبو بكر ﴿وَ مَا عَمِلَتْ ﴾ بغير ىاء ضمير وىي في مصاحف أىل الكوفة كذلك، وقرأ الباقون ﴿وَمَا عَمِلَتْوُ ﴾ بابؽاء وىو في ابؼصحف ابؼكي والشامي وابؼدني ومصحف البصرة كذلك.(ٕ) و(ما) في قولو: ﴿وَمَا عَمِلَتْوُ ﴾ ﴿وَمَا عَمِلَتْ ﴾ على القراءتين برتمل وجهين : أولاً: أن تكون موصولة، وابؼعنى: ليأكلوا من بشر ابعنات والأعناب، ومن الذي عملتو أيديهم من الغَرْس. وابؽاء في قراءة ابعمهور تعود على الاسم ابؼوصول، جرياً على الأصل، أما العائد في القراءة الأخرى فمحذوف، كما حذِف عائد الاسم ابؼوصول في قولو تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ ي َتَّخِذُونَكَ إِلاَّ ىُزُوًا أَىَذَا الَّذِي ب َعَثَ اللَّوُ رَسُولاً ﴾ [سورة الفرقان /ٔٗ]. وابؼراد: بعثو ا﵁ ثانياً: أن تكون (ما) نافية، وابؼعنى: ليأكلوا من بشرٍ لم يخلقوه، وابؽاء في قراءة ابعمهور تعود إلى ما ذكر من ابغبِّ ، والنخيل، والأعناب في الآية السابقة. لأحكام القرآن، ٕٔ/٘ٔٔ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٔ٘ٔ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٖٔٚ، والدر ابؼصون، ٛ/ٕٖٛ، واللباب، ٗٔ/ٜٔٔ، وإرشاد العقل، ٙ/ٕٛٔ، وروح ابؼعاني، ٛٔ/ٕٕ، والتحرير والتنوير، ٛٔ/ٕٖ. (ٔ) الاختصار: ىو أن يحذف ابؼفعول مع كونو مراداً؛ لتقدم ذكره، أو لدلالة الكلام عليو، أو لغرض تعميمو، والاقتصار: ىو أن يحذَف ابؼفعول دون أن يكون مراداً في الكلام؛ لغرض تركيز الاىتمام على الفعل، وإثبات الفعل لفاعلو، دون الالتفات إلى من وقع الفعل عليو. انظر: البحر ا﵀يط، ٖ/ٚٙٗ، والدر ابؼصون، ٔ/ٕٛٔ. (ٕ) السبعة، ص ٓٗ٘، والتيسير، ص ٕٓٔ، والتلخيص في القراءات، ص ٖٓٛ، و النشر، ٕ/ٖٜٖ، وبربير التيسير، ص ٖٕ٘.
عدد الصفحات ٤٦١- 234 - وأياً ما كان معنى (ما) فمفعول الفعل (عملت) مذكور في قراءة ابعمهور، وىو (ىاء) الضمير العائد إلى ما سبق ذكره، جرياً على الأصل، غير أنو في القراءة الأخرى ﴿وَمَا عَمِلَتْ ﴾ محذوف.(ٔ) وابغذف ىنا حذف اختصار؛ لأن ابؼفعول في ىذه الآية معلوم؛ لتقدم ما يدل عليو، أو محذوف لإر ادة التعميم، أي: وما عملت أيديهم شيئاً من ذلك.(ٕ) ويجوز أن يكون ابؼفعول ىنا محذوفاً اقتصاراً؛ والضمير غير منوي؛ قصراً للمعنى على الفعل، ورداً بعميع الأمور إلى بارئها سواء أكانت بسبب أم بغير سبب، وابؼعنى: ولم يكن لأيديهم عمل لشيء من الأشياء لا بؽذا، ولا لغير ه مما لو مدخل في عيشهم، و في غيره، وىذا القول يتفق مع تفسير (ما) بالنافية، وعندىا يحسن كل ابغسن إنكار الصنع عليهم.(ٖ) ويجوز في (ما) على قراءة الأخوين وجو ثالث سوى ما ذُكِر من الصلة والنفي، وىو أن تكون (ما) ىي ابؼصدرية. وابؼعنى: ليأكلوا من بشره وعمل أيديهم، وىذا الوجو لا يدكن على قراءة من قرأ مع الضمير، وعندىا لا نَتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن احتمال ابغذف غير وارد على ىذا الوجو. (ٗ) وىذا الوجو لا يعارض الوجو الأول من الوجهين ابؼذكورين آنفاً؛ لأن ابؼراد بابؼصدر ىنا اسم ابؼفعول، أي: ليأكلوا من بشره ومعمول أيديهم، وبذلك تعود ابؼصدرية إلى معنى ابؼوصولة.(٘) واستبعد مكي بضل (ما) في قراءة الأخوين على النفي، لأن القول بالنفي يجعل الفعل محتاجاً إلى ابؼفعول. "ومن قرأ (عملت) بغير ىاء كان الأحسن أن تكون ما في موضع خفض، وبرذف ابؽاء من الصلة، ويبعد أن تكون نافيو؛ لأنك برتاج الى إضمار مفعول لعملت."(ٙ) ويُ فهَ م من كلامو ىذا أنو يستبعد معنى النفي ، وحذف ابؼفعول في قراءة الأخوين، ويرجِّح أن (ما) موصولة وعائدىا محذوف، وىذا يتفق مع ابؼبدأ العام الذي يقضي بترجيح كل وجو إعرابي يقل الإضمار فيو. (ٔ) جامع البيان، ٕٓ/٘ٔ٘، وحجة الفارسي، ٙ/ٔٗ، وحجة أبي زرعة، ص ٜٛ٘، ومعالم التنزيل، ٚ/ٚٔ، والكشاف، ٗ/ٛٔ، وابؼوضِّح، ٖ/ٕٚٓٔ-ٖٚٓٔ، ومدارك التنزيل، ٗ/ٖٔ، والبحر ا﵀يط، ٚ/ٕٖٓ، والدر ابؼصون، ٜ/ٕٛٙ، واللباب، ٙٔ/ٕٗٔ، والتحرير والتنوير، ٕٕ/ٕٕٙ. (ٕ) نظم الدرر، ٙ/ٕٔٙ، والدر ابؼصون، ٜ/ٕٛٙ، والتحرير والتنوير، ٕٕ/ٕٕٙ. (ٖ) نظم الدرر، ٙ/ٕٔٙ. (ٗ) جامع البيان، ٕٓ/٘ٔ٘، ومفاتيح الغيب، ٕٙ/ٓٙ، وغرائب القرآن، ٘/ٕٖ٘، وروح ابؼعاني، ٖٕ/ٜ. (٘) روح ابؼعاني، ٖٕ/ٜ. (ٙ) مشكل إعراب القرآن، ٕ/ٖٓٙ.
عدد الصفحات ٤٦٢- 234 - وجاء في التفسير ابؼنير: "وإما أنِا نافية في قراءة (عملت) بغير ىاء، والوجو الأول أوجو؛ لاحتياج (عملت) لتقدير مفعول إذا كانت (ما) نافية."(ٔ) وذىب بعض ابؼفسرين إلى أن الأولى بضل (ما) على الصلة؛ توفيقاً بين معنى القراءتين؛ لأن بضلها على النفي يجعل القراءة (عملت) بلا ىاء بحاجة إلى تقدير مفعول محذوف؛ و حذف العائد من الصلة أحسن من ابغذف من غيرىا.(ٕ) ومع إجلالي وتقديري بؽؤلاء العلماء إلا أني أرى عدم وجاىة مذىبهم ىذا؛ لأن ابغذف أو الإضمار قد يكون في كثير من الأحيان أبلغ من الذكر، وخاصة عندما يتعلق الكلام بحذف ابؼفعول كما في ىذا ابؼوضع؛ لأن حذف ابؼفعول من الكلام يدل على بلاغة الكلام، وقوة الناطق بالعربية؛ لأن ابؼتكلم البليغ لا يحذفو إلا وىو يقصد إلى غرض بلاغي من وراء ذلك. وقد يكون الغرض في ىذا ابؼوضع إرادة الإيجاز والاختصار؛ لدلالة الكلام على ا﵀ذوف، أو الاقتصار؛ لتركيز الاىتمام على ابغدث، ونفي الفعل عن الإنسان، وإن كان متسبباً فيو، وإظهار أن الثمر بخلق ا﵁ لا بعمل الإنسان، بناءً على أن بصيع ابؼخلوقات مستندة إليو.(ٖ) وذىب د.محمد ابعمل إلى أن قراءة ذكر ابؼفعول فيها بزصيص للخطاب بابؼخاطبين، حتّ يشعروا أنِم معنيون قبل غيرىم، وقراءة حذف ابؼفعول تعمم ذلك ؛ لتشمل كل من يصلح لو ابػطاب. (ٗ) وبذلك تكون قراءة الأخوين – على بصيع الوجوه ابؼذكورة في تأويل (ما) - قد أضافت إلى قراءة ابعمهور معنى جديداً، لم يكن ليفهم من الآية لولاىا. ويُلحَظ من ىذا ابؼثال أن معاني القراءات في ىذا ابؼقام لم تتناقض رغم اختلافها، وىذا يثبِت مزية الإعجاز لنظم القرآن الذي تتوافق قراءات و ابؼتعددة وتتكامل، وتضيف قراءات حذف ابؼفعو ل إلى قراءات اللزوم والذكر معاني جديدة تدل على اتسام نظم القرآن بالإيجاز، وبلوغو الغاية القصوى التي لا يصلح أي نظم آخر لبلوغها. (ٔ) التفسير ابؼنير، ٖٕ/ٓٔ. (ٕ) ىم أصحاب التفاسير ابؼذكورة: زاد ابؼسير، ٚ/ٙٔ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٖٖٗ، وإرشاد العقل، ٚ/ٙٙٔ–ٚٙٔ، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، ٚ/ٕٓٗ-ٕٔٗ. (ٖ) حاشية القونوي على تفسير البيضاوي، ٙٔ/ٖٖٔ. (ٗ) الوجوه ا لبلاغية في توجيو القراءات، ص ٙ٘ٗ.
عدد الصفحات ٤٦٣- 224 - وحاصل الأمر: أن تبادل القراءات ابؼتواتر ة بين لزوم الفعل وتعديو، وحذف ابؼفعول وذكره قد أريد بو الدلالة على تكامل معاني القراءات ، وعدم تناقضها، رغم التبادل بين حالتين: حالة لا برتاج فيها ابعملة ابؼختلَف في قراءتها إلى مفعول، وأخرى برتاج فيها إلى مفعول، لكنو محذوف ؛ لدلالة الكلام عليو، أو لتذىب النفس في تقديره كل مذىب، أو لتركيز الاىتمام على ابغدث دون من وقع عليو. وىذه الأمثلة تصرف الأذىان إلى بصالية تعدد ابؼعاني ، والإيجاز في التعبير، وىناك أمثلة أخرى حُذِف ابؼفعول من ابعملة في بعض قراءاتها؛ مراعاة لأغراض معنوية بإزاء ابغفاظ على بصال اللفظ والإيقاع، وم نها: حذف ياءات الزوائد(ٔ) في أواخر الآيات؛ مراعاة لتوافق الفواصل، فقد اختلف القراء في إثبات ياء ابؼتكلم وحذفها التي تقع من الكلمة في موقع الفاصلة على ثلاثة مذاىب: الأول: إثبات ياءات الزوائد في الوصل؛ مراعاة للَصل، وحذفها في الوقف؛ مراعاة للرسم، وىذا مذىب نافع وأبي عمرو و الأخوين وأبي جعفر. الثاني: إثباتها في حالتي الوصل والوقف؛ مراعاة للَصل، وىو مذىب ابن كثير ويعقوب. الثالث: حذفها في حالتي الوصل والوقف؛ مراعاة للرسم، وىذا مذىب ابن عامر وعاصم وخلف.(ٕ) ولكل قارئ من العشرة استثناءات يخرج بها عن ىذه القواعد، و تفصيلها في كتب القراءات. (ٖ) ومن الأفعال التي حذف مفعوبؽا في أصول بعض القراء (فَارْىَبُونِ، فَات َّقُونِ) في قولو تعالى: ﴿يَا بَنِ إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتيَِ الَّتيِ أَن ْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْىَبُونِ ۞ وَآمِنُوا بدَِا أَن ْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِوِ وَلاَ تَشْت َرُوا بِآيَاتيِ بشََنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَات َّقُونِ ﴾ [سورة البقرة /ٓٗ-ٔٗ]،حيث أثبت ابن (ٔ) ياءات الزوائد: ىي كل ياء متطرفة زائدة في التلاوة على رسم ابؼصاحف العثمانية، وتكون في الأبظاء، نَو: (الداع، ابعوار) وفي الأف عال، نَو: (يأت ويسر) وىي في ىذا وشبهو لام الكلمة. وتكون أيضاً ياء إضافة في موضع ابعر والنصب، نَو: ( دعائي، وأخرتن). وتكون أصلية وزائدة، وكل منهما فاصلة وغير فاصلة، فأما غير الفاصلة فخمس وثلاثون، منها ثلاث عشر ة أصلية، نَو: (الداع، ويأت) واثن تان وعشرون غير أصلية، وىي ياء ابؼتكلم الزائدة، نَو: ( إذا دعان، واتقون يا أولي). وأما الفاصلة فست وبشانون، منه ا: بطس أصلية وىي: (ابؼتعال، التلاق، التناد، يسر، بالواد)، والباقي وىو إحدى وبشانون الياء فيو للمتكلم، نَو: (فارىبون، فاتقون، ولا تكفرون). وىذا الأخير ىو موضع الدراسة في ىذه الفقرة. انظر: النشر، ٕ/ٕٗٓ–ٕ٘ٓ، والإبراف، ص ٜٕٔ. (ٕ) انظر: الروضة في القراءات الإحد ى عشرة، للإمام أبي علي ابغسن بن محمد بن إبراىيم ابؼالكي البغدادي ( ٖٛٗى )، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، دراسة وبرقيق: نبيل بن محمد إبراىيم آل إبظاعيل، إشراف: د.عبد العزيز بن أبضد إبظاعيل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين، قسم القرآن وعلومو، عام ٘ٔٗٔى ، ص ٘٘ٙ-ٙ٘ٙ، و النشر، ٕ/ٕٚٓ، والإبراف، ص ٜٕٔ. (ٖ) راجع: النش ر، ٕ/ٕٚٓ–ٕٛٔ، والإبراف، ص ٜٕٔ–ٕٕٚ.
عدد الصفحات ٤٦٤- 224 - كث ويعقوب ياء ابؼتكلم في حالتي الوصل والوقف في ىذه الآيات فقرآ (فَارْىَبُونيِ، فَات َّقُونيِ )؛ مراعاة للَصل؛ لأن ىذه الأفعال تفتقر إلى مفعول، ومفعوبؽا ىو الياء التي أثبتوىا، و حذفها ابن عامر وعاصم وخلف في ابغالين؛ مراعاة للرسم، وىذه وإن وقعت في موقع ابؼفعول إلا أن الكسرة في الوصل تدل على الياء ا﵀ذوفة، ودلا لة الكلام تعينِّ ابؼفعول ا﵀ذوف. ووجو البلاغة في قراءة الإثبات: أنِا تراعي الأصل ، وتكشف عن مفعول ابعملة، أما قراءة ابغذف فتترك للسامع أمر تقدير ابؼفعول ابؼفهوم من السياق ودلالة الكلام، وتراعي برقيق ابؼوافقة في الصوت والنغم بين فواصل ىذه الآيات، والفواصل المجاور ة، وقراءة نافع ومن معو تقصد إلى ابعمع بين مزايا قراءتي ابغذف والإثبات. و من ىذا ابؼثال وما يوافقو يتبينَّ أن رسم القرآن والقراءات ابؼتعددة راعت النواحي الشكلية ابعمالية في نظم القرآن ، فحذف ياءات ابؼتكلم الدالة على ابؼفعول، و الواقعة في فواصل الآيات؛ مرا عاة للانسجام الصوتي بين الفواصل، وىذا الغرض من بصلة الأغراض البلاغية التي يدكن التعليل بها بغذف ابؼفعول. وبذلك يراعي القرآن الكريم وقراءاتو ابغفاظ على بصال النغَم، دون الإخلال بابؼعاني، وبتلك الوجوه البلاغية بصيعها يتحقق الإعجاز لنظم القرآن الذي لا يشابو في طر يقة تأليفو وصياغتو اللفظية وابؼعنوية الأسجاع والأشعار التي كانت مألوفة، بل خرج عن قوانين الكلام ابؼعروفة، فحقق بذلك لنفسو بظة الإعجاز. وابؼطلب الآتي سيتناول بالدراسة حذف قيود الفعل الأخرى ومتعلقاتو في بعض القراءات أو ذكرى ا، وأثر ذلك في بلاغة نظم القرآن .
عدد الصفحات ٤٦٥- 444 - المطلب الثالث: حذف عناصر الجملة الأخرى في بعض القراءات ، وأثره في بلاغة النظم. تتضح القيمة البلاغية لحذف الدسند إليو، وحذف قيود الفعل أكثر ما تتضح في حذف الفاعل والدفعول، وىذان العنصران من عناصر الجملة هما من أكثر العناصر التي وردت القراءات الدتنوعة على الت بادل بتُ حذفهما أو ذكرهما، وىناك عناصر أخرى ورد التبادل بتُ حذفها وذكرىا في القراءات الدتعددة في مواطن قليلة لا تكاد تذكر بإزاء ما ورد في حق الفاعل والدفعول. فمما ورد من القراءات على التبادل بتُ الحذف والذكر أو الإضمار من عناصر الجملة: الفعل، الدضاف، الصفة أو الدوصوف. وىذا الدطلب سيهتم بدراسة الأمثلة التي ورد فيها الحذف في القراءات الدتواترة ، وسيستعتُ أحياناً ببعض القراءات الشاذة التي تدل على أن ثمة محذوفاً في القراءات ا لدتواترة. أولاً: حذف الفعل في بعض القراءات المتواترة، وأثره في بلاغة النظم. كما ذكرت س ابقاً فإن شواىد حذف الفعل (الدسند) في القراءات الدتواترة قليلة ونادرة جداً لا تكاد تذكر، ومدا ورد في الدتواتر من ذلك، قولو تعالى: ﴿وَال ذِينَ ي ُت َوَف وْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِي ةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلىَ الحَْوْلِ غَي ْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [سورة البقرة /ٕٓٗ]، حيث قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص (وَصِي ةً) بالنصب، وقرأ الباقون (وَصِي ةٌ ) بالرفع .(ٔ) وفي الجملة محذوف على كلتا القراءتتُ، فأما ا﵀ذوف في قراءة الجمهور (وَصِي ةٌ ) فهو إما الدبتدأ أو الخبر؛ لأن تقدير الدعتٌ: إما: وصيةٌ كائنة وحاصلةٌ لأزواجهم، وعلى ىذا التقدير ا﵀ذوفُ ىو الخبر. ويدكن أن يكون الدعتٌ: الأمر أو الدفروض أو الحكمُ وصيةٌ، وعلى ىذا التقدير (وَصِي ةٌ ) خبر، والدبتدأ ىو ا﵀ذوف. وأما قراءة أبي عمر و ومن معو بالنصب فتجعل (وَصِي ةً ) مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف، تقديره: ي وصون وَصِي ةً، أو فليوصوا وَصِي ةً ، ويجوز أن يُ قد ر (أَلزِموا) فعلاً، مفعولو: (وَصِي ةً )، والدعتٌ: ألزموا الذين يتوفون منكم وصيةً.(ٕ) (ٔ) السبعة، ص ٗٛٔ، والتيستَ، ص ٗٙ، والنشر، ٕ/ٕٓٙ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٙٓ. (ٕ) جامع البيان، ٘/ٕٔ٘، و إعراب النح اس، ٔ/ٕٕٖ–ٖٕٖ، و حجة ابن خالويو، ص ٜٛ، و حجة الفارسي، ٕ/ٖٔٗ–ٖٖٗ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٛٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٜٜٕ، والكشاف، ٔ/ٖٚٔ، وا﵀ رر الوجيز، ٔ/ٕٖ٘–ٕٖٙ، وزاد الدستَ، ٔ/ٕ٘ٛ–ٕٙٛ، ومفاتيح الغيب، ٙ/ٖٗٔ، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٜٔ، وإبراز الدعاني، ٔ/ٕٖٙ، وأنوار التنزيل، ٔ/ٖٚ٘، والبحر ا﵀ي،، ٕ/ٕٗ٘، والدر الدصون، ٕ/ٔٓ٘-ٖٓ٘، واللباب، ٗ/ٜٖٕ–ٕٓٗ، والسراج الد نتَ، ٔ/ٔٛٔ، والإبراف، ص ٜٕٓ، و البحر الدديد، ٔ/ٖٕ٘، وفتح القدير، ٔ/ٖٜٖ، وروح الدعاني، ٕ/ٛ٘ٔ–ٜ٘ٔ.
عدد الصفحات ٤٦٦- 444 - والغرض البلاغي منىذا الحذف ىو: الإيجاز؛ لدلالة السياق على ا﵀ذوف، حيث ترك النظم أمر تقدير ا﵀ذوف للسامع، أو لدن أكرمه م ا﵁ بعلم تأويل القرآن، وأوكل إليهم بيانو، وىم الدفسرون الذ ين نذروا أنفسهم لبيان كلام ا﵁ ، والإيضاح عن معانيو، وتفستَ ما أجمل منو، وتقدير ما حُذف، ومنو ىذا الدوضع. ومن وجوه البلاغة في القراءتتُ: أن قراءة الرفع بذعل الجملة اسمية فتفيد الثبوت واللزوم، و تدل على الدبالغة في أهمية الوصية، وضرورة الإيصاء. وقراءة النصب بذعل الجملة فعلية تدل على التجدد والحدوث،(ٔ) وتنبِّو على ضرورة بذديد الوصية حيناً بعد حتُ؛ لأن الإنسان لا يعلم متى توافيو الدني ة.(ٕ) وبذلك تقوم القراءتان مقام آيتتُ. ومدا ورد محذوفَ الفعل في القراءات الدتواترة قولو تعالى: ﴿وَإِذْ ي َرْفَعُ إِب ْرَاىِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْب َيْتِ وَإِسمَْاعِيلُ رَب نَا ت َقَب لْ مِن ا إِن كَ أَنْتَ الس مِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [سورة البقرة /ٕٚٔ]،فقد دلت قراءة عبد ا﵁ بن مسعود وأبيّ بن كعب : (وَي َقُولاَنِ : رَب نَ ا ت َقَب لْ ) على أن في الآية الدتواترة فعلاً محذوفاً وىو فعل القول، وجملة: (رَب نَا ت َقَب لْ مِن ا) في محلّ نصب على الحال بإضمار قولٍ دلت عليو القراءة الشاذة، أي: يرفعان قائلتُ: رب نا.(ٖ) ولعل الغرض البلاغي من حذف فعل القول في القراءة الدتواترة ىو الق صد إلى أن تتوفر العناية بالدقول، ونستعيد الصورة أو الحال التي قيل فيها، وكأنها ماثلة أمامنا، فالقول على ىذا مضمَر في الواقع، ومضمر في الجملة الدعبرِّة عنو، ولو صرفنا اىتمامنا إلى تقدير القول ا﵀ذوف ليس غتَ لتغتَ الدعتٌ لدى الدتلقي من استحضار صورة الدقول إلى حكايتو، فينقلب غرض الكلام.(ٗ) وحذف ا لقول في القرآن الكريم كثتَ جداً، ومنو قولو تعالى: ﴿وَلَوْ ت َرَى إِذِ الظ الِمُونَ فيِ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَن ْفُسَكُمُ ﴾ [سورة الأنعام /ٖٜ]،أي: يقولون: أخرجوا أنفسكم. ومنو أيضاً قولو تعالى: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ۞ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بدَِا صَب َرْتُْ ﴾ [سورة الرعد /ٖٕ-ٕٗ]، أي: يقولون لذم: سلامٌ عليكم. ومنو قولو: ﴿وَلَوْ ت َرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِِِّّمْ رَب نَا أَبْصَرْنَا وَسمَِعْنَا فَارْجِعْنَا (ٔ) التحرير والتنوير، ٕ/ٓ٘ٗ. (ٕ) الوجوه البلاغية في توجيو القراءات، ص ٚٗٗ. (ٖ) معاني الفَر اء، ٔ/ٛٚ، وجامع البيان، ٖ/ٗٙ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٔٔ، والجامع لأحكام القرآن، ٕ/ٕٙٔ، ومدارك التنزيل، ٔ/ٕٙٔ، والبحر ا﵀ي،، ٔ/ٜ٘٘، والدر الدصون، ٕ/ٗٔٔ، واللباب، ٔ/ٜٚٗ–ٓٛٗ، وإرشاد العقل، ٔ/ٓٙٔ، وفتح القدير، ٔ/ٕٕٔ، وروح الدعاني، ٔ/ٖٗٛ. (ٗ) التوجيو البلاغي، ص ٜٕٗ.
عدد الصفحات ٤٦٧- 444 - ن َعْمَلْ صَالحًِا إِن ا مُوقِنُونَ ﴾ [سورة السجدة /ٕٔ]، أي: يقولون: ربنا أبصرنا. (ٔ) و إنما اختًت التمثيل بالآية موضع الدراسة؛ لأن القراءة الشاذة قد صرحت بالفعل ا﵀ذوف. وفي القراءات الشاذة أمثلة كثتَة لحذف الفعل، تع ر ض بعض الدراستُ لأ مثلة منها، ولا أرى أنها تتناسب مع موضوع ىذه الأطروحة؛ لعدم تقاطعها مع القراءة الدتواترة التي تتجلى بلاغة النظم فيها.(ٕ) ثانياً: حذف المضاف في بعض القراءات المتواترة، وأثره في بلاغة النظم. وردت بعض القراءات الدتواترة على التبادل بتُ حذف الدضاف وعدمو، ومدا ورد على ىذا النم، قولو تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الحَْوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيمََ ىَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ ي ُن َزِّلَ عَلَي ْنَا مَائِدَةً مِنَ الس مَاءِ ﴾ [سورة الدائدة /ٕٔٔ]، حيث قرأ جمهور القراء ﴿ىَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾، إلا الكسائي فإنو قرأ ﴿ىَلْ تَسْتَطِيعُ رَب كَ ﴾.(ٖ) فأما قراءة الجمهور فواضحة وليس فيها أي حذف، ومعناىا: ىل يطيعك ربك في ىذا الأمر، وىل يفعل ىذا، وىل يقع منو إجابة إليو؟ فالاستفهام عن الاستجابة لا عن القدرة. وفي ذلك يقول ابن عباس :كان الحواريون أعلم با﵁ من أن يشكُّ و ا أن ا﵁ تعالى يقدر على ذلك، وإنما معناه: ىل يستطيع لك، أي: ىل يطيعك؟ وىذه الصيغة من باب التلطف والتأدب في السؤال، فهي كقول بعض الصحابة لعبد ا﵁ بن زيد :ىل تستطيع أن ترينا كيف كان يتوضأ رسول ا﵁ ؟ مع جزمهم بأن عبد ا﵁ كان قادرًا على تعليمهم الوضوء، وكذلك كان الحواريون جازمتُ بأن ا﵁ قادرٌ على إنزال الدائدة، فالسؤال ليس بشك في الاستطاعة، وإنما سألو ا بطريقة الأدب مع ا﵁ ، والتلطُّف في السؤال.(ٗ) وأما قراءة الكسائي فتحتمل وجوىاً، منها: ٔ - أن الحواريتُ عبر وا بالاستطاعة عن طلب الطاعة، أي: إجابة السؤال، والدعتٌ: ىل تسأل لنا ربك؟ وىل تستدعي طاعة ربك فيما تسألو؟(٘) (ٔ) معاني الفَر اء، ٔ/ٔٛ. (ٕ) راجع: التوجيو البلاغي، ص ٜٕ٘–ٕٕٙ. (ٖ) السبعة، ص ٜٕٗ، والتيستَ، ص ٘ٚ، والعنوان، ص ٛٛ، والنشر، ٕ/ٜٕٛ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٔ٘. (ٗ) جامع البيان، ٔٔ/ٜٕٔ، ومعاني النح اس، ٕ/ٖ٘ٛ، و حجة ابن خالويو، ص ٖ٘ٔ، و حجة أبي زرعة ، ص ٕٔٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٗ–ٖٕٗ، والنكت والعيون، ٕ/ٕٛ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٜٕ٘، والتبيان في إعراب الق رآن، ٔ/ٖٚٗ، والجامع لأحكام القرآن، ٙ/ٖٗٙ–ٖ٘ٙ، والبحر ا﵀ي،، ٗ/٘ٚ، وإرشاد العقل، ٖ/ٜٚ، والبحر الدديد، ٕ/ٕٕٚ، وروح الدعاني، ٚ/ٜ٘. (٘) النكت والعيون، ٕ/ٕٛ، و الجامع لأحكام القرآن، ٙ/ٖ٘ٙ، وفتح القدير، ٕ/ٖٗٔ، والتحرير والتنوير، ٘/ٕٗٙ.
عدد الصفحات ٤٦٨- 444 - ٕ – أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: ىل تستطيع سؤالَ ربِّك، لكن حُذف الدضاف، وألقى بحركة إعرابو على ما بعده، وعلى ىذا أكثر الدفسرين .(ٔ) فقراءة الجمهور ليس فيها أي حذف، أما قراءة الكسائي فأغلب الدفسرين على أن فيها مضافاً محذوفاً، والغرض من ىذا الحذف ىو الإيجاز، وبرريك الأذىان إلى تقدير محذوف يتوافق مع سياق الآية. ومدا ورد على حذف الدضاف من الجملة في بعض القراءات الدتواترة، قولو تعالى: ﴿الرِّجَالُ ق َو امُونَ عَلَى النِّسَاءِ بدَِا فَض لَ الل وُ ب َعْضَهُمْ عَلَى ب َعْضٍ وَبدَِا أَن ْفَقُوا مِنْ أَمْوَالذِِمْ فَالص الحَِاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بدَِا حَفِظَ الل وُ ﴾ [سورة النساء /ٖٗ]، حيث قرأ جمهور القراء ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بدَِا حَفِظَ الل وُ ﴾ برفع لفظ الجلالة، إ لا أبو جعفر فإنو قرأ ﴿بدَِا حَفِظَ الل وَ ﴾ بنصب لفظ الجلالة.(ٕ) فأما قراءة الجمهو ر فليس فيها حذف، وىي برتمل معاني منها: أنهن حافظات للغيب بحفظ الل و إي اىُن ، وبتوفيقو لذن، أو بال ذي حفظو الل وُ لذَُن مِنْ مُهُورِ أزواجهِن ، والنّفقة عليهن.(ٖ) وأما القراءة الأخرى فلا بد فيها من تقدير مضاف محذوف لكي يستقيم الدعتٌ؛ لأن الذ ات الدقد سة لا ينسب إليها أنها يحفظها أحَدٌ، وقد قدر ه الدفسرون تبعاً لابن جتٍ: بدا حَفِظَ دين الل و، أو أمر الل و، أو حق ا﵁.(ٗ) وقد صح ىذا الحذف استئناساً بالدقام وواقع الح ال، والغرض من الحذف ىنا ىو الإيجاز، وبرريك ذىن السامع إلى تقدير ا﵀ذوف بدا يتوافق مع السياق. ومدا ورد أيضاً على حذف الدضاف من الجملة في بعض القراءات الدتواترة، قولو تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ۞ قَالَ بَصُرْتُ بدَِا لَْ ي َبْصُرُوا بِوِ ف َ قَبَضْتُ ق َبْضَةً مِنْ أَثَرِ الر سُولِ ف َنَبَذْت ُهَا وَكَذَلِكَ سَو لَتْ لِ ن َفْسِي ﴾ [سورة (ٔ) جامع البيان، ٔٔ/ٕٛٔ، و معاني النح اس، ٕ/ٖ٘ٛ، و حجة ابن خالويو، ص ٖ٘ٔ، و حجة الفارسي ، ٖ/ٖٕٚ، و حجة أبي زرعة ، ص ٕٔٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٗ، والنكت والعيون، ٕ/ٕٛ، ومعال التنزيل، ٖ/ٚٔٔ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٓٙ، وزاد الدستَ، ٕ/٘٘ٗ–ٙ٘ٗ، ومفاتيح الغيب، ٕٔ/ٚٓٔ، والتبيان في إعراب ا لقرآن، ٔ/ٖٚٗ، والجامع لأحكام القرآن، ٙ/ٖ٘ٙ، والبحر ا﵀ي،، ٗ/ٛ٘، والدر الدصون، ٗ/ٜٜٗ، وغرائب القرآن، ٖ/ٖٚ، والسراج الدنتَ، ٔ/ٚٙٗ، وإرشاد العقل، ٖ/ٜٚ، وفتح القدير، ٕ/ٖٗٔ، وروح الدعاني، ٚ/ٜ٘، والتحرير والتنوير، ٘/ٕٗٙ. (ٕ) بربتَ التيستَ، ص ٜٖٖ. (ٖ) البحر ا﵀ي،، ٖ/ٕٓ٘، والدر الدصون، ٖ/ٔٚٙ، واللباب، ٙ/ٖٔٙ. (ٗ) ا﵀تسب، ٔ/ٛٛٔ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٚٗ، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٖٗ٘، والبحر ا﵀ي،، ٖ/ٕٓ٘، والدر الدصون، ٖ/ٔٚٙ، واللباب، ٙ/ٖٔٙ، والإبراف، ص ٜٖٖ، وروح الدعاني، ٘/ٕٗ.
عدد الصفحات ٤٦٩