- ٖٔ٘ - فأما قراءة ﴿وَاتخََّذُوا﴾ بأسلوب الخبر فتحتمل وجوىاً، أشهرىا وجها ف:(ٔ) الأوؿ: أنو معطوؼ على (جَعَلْنَا) الواقعة في لزل جر بإضافة (إذ) إليو، و الكلاـ جملة واحدة. و الدعنى: ألذمنا الناس أف يتخذوا من مقاـ إبراىيم مصلى، أو أمرناىم بذلك على لساف إبراىيم فامتثلوا واتخذوه.(ٕ) الثاني: أنو معطوؼ على قولو: (وإذْ جَعَلْنَا)، فيحتاج إلى تقدير (إذْ )، أي: وإذ اتخَّّ ذُوا، والكلاـ جملتاف. وذكر أبو البقاء وجهاً ثالثاً، وىو جواز أف يكوف معطوفاً على لزذوؼ تقديره: فثابوا واتخذوا.(ٖ) وأما قراءة الأمر فتحتمل أوجهاً، أشهرىا ثلاثة: الأوؿ: أنو مفعوؿ لقوؿ لزذوؼ، أي: وقلنا: اتخِ ذوا. وعلى ىذا الوجو يحتمل : أف يكوف الخطاب لإبرا ىيم وذريتو ، بتقدير عطف جملة ﴿وَاتخَِّذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلِّى﴾ على جملة ﴿إِنيّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة / ٕٗٔ] والدع: لدا ابتلاه ا﵁ بكلمات وأتدهن، قاؿ لو جزاء لدا فعلو من ذلك : (إِنيّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا )، وقاؿ: (وَاتخَِّذُواْ مِ ن مَّقَاـِ إِبْراىِيمَ مُصَلِّى ).(ٗ) ويجوز أف يكوف إبراىيم أمر بهذا ولده إلا أنو أضمر قولو: (وقاؿ إبراىيم). (٘) ويحتمل أف يكوف الخطاب ﵀مد وأمتو.(ٙ) و الكلاـ معترض في قصة إبراىيم ، ومعناه: إناشرفنا الْبػَيْتَ و جَعَلْنَاه مَثَابَة لّلنَّاسِ وَأَمْناً ، فَ اتخَِّذُو ا أنتم من مقاـ إبراىيم قبلة لأنفسكم.(ٚ) ولشا يؤيد ذلك ما أخرجو البخاري عن عمر بن الخطاب أنو قاؿ"وافقت ربي في ثلاث، فقلت يا رسوؿ ا﵁ لو اتخذنا من مقاـ إبراىيم مصلى ، فأنزلت ﴿وَاتخَِّذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلّىً ﴾."(ٛ) فهذا يدؿ على أف (ٔ) جامع البياف، ٕ/ٕٖ، وحجة الفارسي، ٕ/ٕٕٓ، وحجة أبي زرعة، ص ٖٔٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٖٕٙ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٚٓ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٗٗ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٔٔٔ، والبحر ا﵀يط، ٔ/ٕ٘٘، والدر الدصوف، ٕ/٘ٓٔ، واللباب، ٕ/ٕٙٗ. (ٕ) التحرير والتنوير، ٔ/ٜٔٙ. (ٖ) التبياف في إعراب القرآف، ٔ/ٕٔٔ، والدر الدصوف، ٕ/٘ٓٔ، واللباب، ٕ/ٕٙٗ. (ٗ) جامع البياف، ٕ/ٕٖ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٗٗ. (٘) مفاتيح الغيب، ٗ/ٗٗ. (ٙ) حجة الفارسي ، ٕ/ٕٕٓ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٔٔ، والتحرير والتنوير، ٔ/ٜٔٙ–ٕٜٙ. (ٚ) مفاتيح الغيب، ٗ/ٗٗ. (ٛ) صحيح البخاري، كتاب أبواب القبلة، باب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصل ى إلى غنً القبلة، رقم/ ٖٜٖ، ٔ/ٚ٘ٔ.
عدد الصفحات ٣٧٥- ٕٖ٘ - الأمر لأمة سيدنا لزمد .(ٔ) الثاني: أنو معطوؼ على (اذكروا)، إذا قيل بأف الخطاب ىنا لبني إسْرَائِيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا.(ٕ) الثالث: أنو معطوؼ على الأمر الذي تضمنو قولو: (مثابة)، كأنو قاؿ: ثوبوا واتخِ ذوا.(ٖ) وذكر السمنٌ نقلاً عن أبي البقاء وجهاً رابعاً، وىو: أف يكوف الكلاـ مستأنفاً.(ٗ) و ذىب ابن عاشور إلى الْمع بنٌ جميع الاحتمالات الواردة في تفسنً قراءتي الآية بتأويل قوؿ عمر : (فنزلت) أنو نزؿ على النبي شرع الصلاة عند حجر الدقاـ بعد أف لم يكن مشروعاً لذم؛ ليستقيم الْمع بنٌ معنى القراءتنٌ : (واتخَ ذوا) بصيغة الداضي وبصيغة الأمر؛ فإف صيغة الداضي لا تحتمل غنً حكاية ما كاف في زمن إبراىيم ،وصيغة الأمر تحتمل ذلك وتحتمل أف يراد بها معنى التشريع للمسلمنٌ؛ إعمالاً للقرآف بكل ما تحتملو ألفاظو.(٘) وقد خالف ابن خالويو جمهور الدفسرين في ذلك فذىب إلى أف الدراد بقراءتي الخبر والأمر أمة النبي لزمد ، فقاؿقولو تعالى: ﴿وَاتخَِّذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلِّى﴾ يُ قرَ أ بكسر الخاء وفتحها، فالحجة لدن كس ر: أنهم أمروا بذلك ودليلو، قوؿ عمر : أفلا نتخذه مصلى، فأنزؿ ا﵁ ذلك موافقاً بو قولو. والحجة لدن فتح: أف ا﵁ أخبر عنهم بذلك بعد أف فعلوه. فإف قيل: فإف الأمر ضد الداضي، وكيف جاء القرآف بالشيء وضده ؟ فقل: إف ا﵁ أمرىم بذلك مبتدئاً ، ففعلوا ما أمروا بو، فأثنى بذلك عليهم، وأخبر بو، وأنزلو في العرضة الثانية ."(ٙ) وأظن أف ما ذكره ابن خالويو لزتمل أيضاً، إلا أف الوجوه التي ذكرىا جمهور الدفسرين في تفسنً قراءة الداضي أوضح وأبنٌ، لأف دلالة الدقاـ والسياؽ تؤيدىا. وقد رجَّح بعض الدفسرين - منهم الطبري والنحاس ومكي – قراءة الْمهور بأسلوب الأمر؛ لأف الظاىر أف (ٔ) ا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٚٓ. (ٕ) جامع البياف، ٕ/ٖٓ–ٕٖ، وإعراب النحَّاس، ٔ/ٜٕ٘، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٚٓ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٗٗ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٔٔٔ، والبحر ا﵀يط، ٔ/ٕ٘٘، والدر الدصوف، ٕ/٘ٓٔ، واللباب، ٕ/ٕٙٗ، وإرشاد ا لعقل، ٔ/ٚ٘ٔ. (ٖ) الْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٔٔٔ، و البحر ا﵀يط، ٔ/ٕ٘٘، والدر الدصوف، ٕ/ٓٔٙ، واللباب، ٕ/ٕٙٗ، وإرشاد العقل، ٔ/ٚ٘ٔ. (ٗ) التبياف في إعراب القرآف، ٔ/ٖٔٔ، والدر الدصوف، ٕ/ٙٓٔ، واللباب، ٕ/ٕٙٗ. (٘) التحرير والتنوير، ٔ/ٕٜٙ. (ٙ) حجة ابن خالويو، ص ٚٛ.
عدد الصفحات ٣٧٦- ٖٖ٘ - الدقصود بالدقاـ في الآية ىو الحجر الذي تستحب صلاة ركعتي الطواؼ عنده اليوـ، بدليل الأخبار الواردة عن عمر ،(ٔ) و لدا أخرجو مسلم عن جابر أف رسوؿ ا﵁ لدا فرغ من طوافو عمد إلى مقاـ إبراىيم فصلى خلفو ركعتنٌ وقرأ الآ ية.(ٕ) و أرى أف ىذه الحجة ليست كافية للقوؿ برجحاف إحدى القراءتنٌ، بل الأولى القوؿ بأف القراءتنٌ في قوة الثبوت والدلالة والبلاغة سواء؛ إذ كل منهما تحكي واقعاً غنً ما تحكيو الأخرى، وكل منهما تحمل على حاؿ غنً الحاؿ الذي تحمل عليو الأخرى، وىذا من بلاغة الإيجاز في نظم القرآف بقراءاتو الدتنوعة. واختلف القراء في قراءة الفعل ﴿أَعْلَمُ﴾ من قولو تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلىَ الْعِظَاـِ كَيْفَ نػُنْشِزُىَا ثَُُّ نَكْسُوىَا لحَْمًا فػَلَمَّا تػَبػَنٌََّ لَوُ قَاؿَ أَعْلَمُ أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ٕٜ٘] على وجه ﴿أَعْلَمُ﴾ بصيغة الدضارع الداؿ على الحاؿ، و﴿اعْلَمْ﴾ بصيغة الأمر الداؿ على طلب الفعل بالدستقبل.(ٖ) والقراءة بصيغة الدضارع أسندت الكلاـ إلى الدتكلم وىو ىنا الرجل الذي مرَّ على القرية والذي أخبر ا﵁ عنو بقولو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قػَرْ يَةٍ وَىِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَاؿَ أَنََّّ يحُْيِي ىَذِهِ اللَّوُ بػَعْدَ مَوْتَِِا فَأَمَاتَوُ اللَّوُ مِائَةَ عَاـٍ ثَُُّ بػَعَثَوُ قَاؿَ كَمْ لَبِثْتَ قَاؿَ لَبِثْتُ يػَوْمًا أَوْ بػَعْضَ يػَوْـٍ قَاؿَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَاـٍ فَانْظُرْ إِلىَ طَعَ امِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ يػَتَسَنَّوْ وَانْظُرْ إِلىَ حَِِارِؾَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلىَ الْعِظَاـِ كَيْفَ نػُنْشِزُىَا ثَُُّ نَكْسُوىَا لحَْمً ا فػَلَمَّا تػَبػَنٌََّ لَوُ قَاؿَ أَعْلَمُ أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ةٜٕ٘]. أي: إف الفعل على ىذه القراءة ىو جواب الرجل عن قوؿ ا﵁ لو: ﴿فَانْظُرْ إِلىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ يػَتَسَنَّوْ وَانْظُرْ إِلىَ حَِِارِؾَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلىَ الْعِظَاـِ كَيْفَ نػُنْشِزُىَا﴾ [ٜٕ٘]. وذىب جمهور الدفسرين إلى أف جملة ﴿قَاؿَ اعْلَمْ أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ٜٕ٘] على القراءة ﴿اعْلَمْ﴾ بهمزة الوصل من كلاـ ا﵁ أمراً للرجلبالاعتقاد الحق الذي يجب أف يقوده إليو العقل السليم بعد قياـ الأدلة على عظيم قدرة ا﵁ الذي أحيا العظاـ بعد موتِا.(ٗ) وذىب آخروف إلى أف الفاعل على ىذه القراءة ىو الرجل الدارُّ نفسو، نزَّؿ نفسو منزلة الأجنبي، وأقبل عليها لساطباً إياىا على سبيل التجريد ؛ مبكِّ تاً لذا، (ٔ) إعر اب النحَّاس، ٔ/ٜٕ٘، وجامع البياف، ٕ/ٕٖ–ٖٖ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٗٙ، وروح الدعاني، ٔ/ٖٓٛ. (ٕ) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ، رقم ٚٗٔ، ٕ/ٙٛٛ. (ٖ) قرأ الأخواف (قَاؿَ اعْلَمْ) بوصل الألف وجزـ الديم على الأمر، وقرأ الباقوف (قَاؿَ أَعْلَمُ) بقطع الألف ورفع الديم على الإخبار. انظر: السبعة، ص ٜٛٔ، والتيسنً، ص ٘ٙ، والنشر، ٕ/ٕٗٙ، وتحبنً التيسنً، ص ٜٖٓ. (ٗ) حجة ابن خالويو، ص ٓٓٔ، وحجة أبي زرعة، ص ٗٗٔ–ٗٔ٘، ومعالم التنزيل، ٖ/ٕٕٖ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٖٔ٘، والْامع لأحكاـ القرآف، ٖ/ٜٕٙ–ٜٕٚ، وتفسنً القرآف العظ يم، ٔ/ٛٛٙ، وروح الدعاني، ٖ/ٕٗ، والتحرير والتنوير، ٕ/ٓٔ٘-ٔٔ٘.
عدد الصفحات ٣٧٧- ٖٗ٘ - و موبخاً على ما اعتراىا من ذلك الاستبعاد: اعلم أيها الإنساف أف ا﵁ على كل شيء قد ير.(ٔ) ومذىب جمهور الدفسرين أرجح؛ لأف دلالة الأمر على وجود لساطَب يوجو إليو الأمر أظهر، ولأف ىذا الوجو يناسب الأوامر السابقة: (فَانْظُرْ ، وَانْظُرْ )، ويؤيده قراءة الأعمش (قيل اعلم) بالبناء للمفعوؿ.(ٕ) فالعلم بقدرة ا﵁ على كل شيء ىو جواب الذي مرَّ على القرية على قراءة الْمهور، ومن كلاـ ا﵁ ، ولشا أُمِرَ الرجل باعتقاده بعد قياـ الأدلة على القراءة الأخرى. ويحمَلُ تنوع القراءات في ىذه الآية على التفنن في تأدية الكلاـ، وبياف الأحواؿ الدختلفة التي اعترت الرجل الدارَّ على القرية، وىذا يدؿُّ على الإيجاز الذي ي تسم بو نظم القرآف. ولشا ورد على التبادؿ بنٌ الخبر والأمر من القراءات الدتواترة قولو تعالى: ﴿وَآتػَيػْنَاهُ الإِْلصِْيلَ فِيوِ ىُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بػَنٌَْ يَدَيْوِ مِنَ التػَّوْرَاةِ وَىُ دًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِنٌَ ۞ وَلْيَحْكُمْ أَىْلُ الإِْلصِْ يلِ بَِِا أَنػْزَؿَ اللَّوُ فِيوِ﴾ [ الدائدةٙٗ-ٚٗ]حيث قرأ جمهور القراء (وَلْيَحْكُمْ) بصيغة الأمر، وقرأ حِزة (وَلِ يَحْكُمَ ) بصيغة الدضارع الدقترف بلاـ التعليل على الخبر.(ٖ) فأما قراءة الْمهور فالأرجح أنها إخبار عمَّا فرض ا﵁ على النصارى في ذلك الوقْ تِ على سبيل الحكاية، بتقدير كلاـ لزذو ؼ يدؿ عليو ما قبلو. والدعنى: وآتيناه الإلصيل فيو ىدى ونورٌ ومصدقًا لدا بنٌ يديو من التوراة، وأمرنا أىْلَو أف يحكموا بِا أنزؿ ا﵁ فيو.(ٗ) أو: وآتيناه الإلصيل الدوصوؼ بتلك الصفات، وقلنا: ليحكم أىل الإلصيل بِا فيو.(٘) ويحتمل أف يكوف قولو: "وَلَيَحْكُمْ " أمراً مبتدئاً للنَّ صارى بالحُكْمِ بِا في الإلصيلِ من الدلائل الدالة على نبوة لزمدٍ ، وغنً ذلك من الأحكاـ التي لم ينسخها القرآف، فمثل ىذه الأمور يجوز تحكيم الإلصيل فيها بعد نزوؿ القرآف؛ لعدـ تعارضها مع ما جاء بو القرآف الك ريم.(ٙ) (ٔ) جامع البياف، ٘/ٕٛٗ، و حجة أبي زرعة ، ص ٘ٗٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٖ/ٜٕٙ–ٜٕٚ، وروح الدعاني، ٖ/ٕٗ. (ٕ) الدبهج، ص ٖٖٛ، و البحر ا﵀يط، ٕ/ٖٛٓ. (ٖ) السبعة، ص ٕٗٗ، والدبسوط، ص ٘ٛٔ، والتيسنً، ص ٗٚ، والنشر، ٕ/ٕٚٛ، وتحبنً التيسنً، ص ٖٚٗ. (ٗ) جامع البياف، ٓٔ/ٗٚٗ، وإعراب النحَّاس، ٕ/ٖٕ، و حجة الفارسي ، ٖ/ٕٕٛ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٜٜٔ، وزاد الدسنً، ٕ/ٜٖٙ. (٘) الكشاؼ، ٔ/ٕٚٙ، والدوضِّح، ٔ/ٕٗٗ، ومفاتيح الغيب، ٕٔ/ٓٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٙ/ٜٕٓ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٔ٘ٔ، واللباب، ٚ/ٖٗٙ، وإرشاد العقل، ٖ/ٗٗ، وروح الدعاني، ٙ/ٔ٘ٔ، والتحرير والتنوير، ٘/ٕٕٔ. (ٙ) مفاتيح الغيب، ٕٔ/ٓٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٙ/ٜٕٓ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٔٔ٘، واللباب، ٚ/ٖٗٙ، وإرشاد العقل، ٖ/ٖٗ–ٗٗ.
عدد الصفحات ٣٧٨- ٖ٘٘ - ويجوز أف يكوف الدراد بقولو: (وليحكمْ ): زجر النصارى عَن تحريفِ ما فيِ الإلصيل وتَغ ينًهِ ، كما فعل اليهود مِنْ إخفاءِ أحكاـِ التَّوراةِ . والدعنى: و لْيُقِرّ أىل الإلصيل بِا أنزؿ ا﵁ فيو من غَنًِْ تحريفٍ ولا تبديلٍ ، وىذا الوجو بعيد، وما ذُكِر قبلو أولى.(ٔ) وأما اللاـ في قراءة حِزة فهي لاـ التعليل الناصبة للفعل، بِعنى كي. والفعل بعدىا متعلق بػ( آتينا)، أو بػ(قفَّيػْنَا). ومعنى الآية على ىذه القراءة: وآتيناه الإلصيل وأنزلناه عليو فيو ىدى ونورٌ و مصدقًا لدا بنٌ يديو من التوراة ؛ كي يحكم أىلو بِا أنزؿ ا﵁ فيو.(ٕ) وقد رجَّح مكي قراءة الْمهور بأسلوب الأمر؛ لأف الْماعة عليو، ولأف ما بعده من الوعيد والتهديد يدؿ على أنو إلزاـ من ا﵁ لأىل الإلصيل .(ٖ) والصواب – كما يقوؿ النحاس - أنهما قراءتاف حسنتاف ؛ لأف ا﵁ لم ينزؿ كتاباً إلا ليعمل بِا فيو.(ٗ) وقد أنزؿ ا﵁ الصيل؛ لكي يعمل النصارى بأحكامو، و لأجل ذلك أمر ىم بالعمل بِا فيو. كما أمر النبي في الآية التي بعدىابالعمل بِا أنزؿ ا﵁ إليو في الكتاب ، فقاؿ: ﴿وَأَنػْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَْقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بػَنٌَْ يَدَيْوِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَ يْوِ فَاحْكُمْ بػَيػْنػَهُمْ بَِِا أَنػْزَؿَ اللَّوُ وَلاَ تػَتَّبِعْ أَىْوَاءَىُمْ ﴾ [سورة الدائدة/ٛٗ].(٘) فالقراءتاف تتكاملاف في التعبنً عن مراد ا﵁ ، ولا غنى لإحداهما عن الأخرى في فهم الدعاني التي دلت عليها كلتا القراءتنٌ، وىذا الإيجاز ىو وجو من وجوه الإع جاز في نظم القرآف . و لشا ورد على التبادؿ بنٌ الخبر والأمر من القراءات الدتواترة قولو تعالى: ﴿ ىَارُوفَ أَخِي ۞ اشْدُدْ بِوِ أَزْرِي ۞ وَأَشْرِكْوُ فيِ أَمْرِي ﴾ [طوٖٓ-ٕٖ]، حيث قرأ جمهور القراء (اشْدُدْ ، وَأَشْرِكْوُ ) بصيغة الأمر، وقرأ ابن عامر (أشْدُدْ ، وَأُ شْرِكْ وُ) بصيغة الدضارع على الإخبار.(ٙ) (ٔ) مفاتيح الغيب، ٕٔ/ٓٔ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٔٔ٘، واللباب، ٚ/ٖٗٙ. (ٕ) جامع البياف، ٓٔ/ٗٚٗ، وإعراب النحَّاس، ٕ/ٖٕ، و حجة ابن خالويو، ص ٖٔٔ، و حجة الفارسي ، ٖ/ٕٕٚ–ٕٕٛ، و حجة أبي زرعة ، ص ٕٕٛ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٓٔٗ، والكشاؼ، ٔ/ٕٚٙ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٜٜٔ، والدوضِّح، ٔ/ٕٗٗ، ومفاتيح الغيب، ٕٔ/ٓٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٙ/ٜٕٓ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٕٔ٘، وإرشاد العقل، ٖ/ٗٗ، وفتح القدير، ٕ/ٓٚ. (ٖ) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٔٔٗ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٙ/ٜٕٓ، وفتح القدير، ٕ/ٓٚ. (ٗ) إعراب النحَّاس، ٕ/ٖٕ. (٘) حجة أبي زرعة ، ص ٕٕٛ. (ٙ) السبعة، ص ٛٔٗ، والدبسوط، ص ٜٕٗ، والتيسنً، ص ٖٓٔ، والنشر، ٕ/ٜٖ٘، وتحبنً التيسنً، ص ٛ٘ٗ.
عدد الصفحات ٣٧٩- ٖٙ٘ - فأما الأمر في قراءة الْمهور فيخرج على وجو الدعاء؛ لأنو سؤاؿ من العبد لربو. (ٔ) ومعنى الآية على ىذه القراءة: سأؿ موسى ا﵁ أف يجعل ىاروف معيناً لو في أعمالو، فقاؿ: اللهم قوني بأخي ىاروف، واجعلو نبياً كما جعلتني، واجعلو شريكاً لِ في أمر النبوَّة، و تبليغ رسالتو. (ٕ) وأما التعبنً بالدضارع في قراءة ابن عامر؛ فلإخراج الكلاـ على أسلوب الخبر ب إسناد الكلاـ إلى ذات الدتكلم، وقد جُزِـ الفعلاف؛ لأف الأوؿ واقع في جواب الطلب، وىو قولو: ﴿وَاجْعَلْ لِِ وَزِيرًا ﴾ [سورة طو/ٜٕ]، والثاني معطوؼ عليو. ومعنى الآية على ىذه القراءة: أسند موسى ىذه الأفعاؿ إلى نفسو، فقاؿ سأشد أزري وأحكم قوتي استعانة بأخي ىاروف، و سأشركو في تدبنً أمور الإرشاد والدعوة إلى الحق. وموسى ىنا لا يريد بقولو (أمري) النبو ة؛ لأف النبوَّ ة لا يكوف لدوسى أف يشرؾ ف يها بشراً .(ٖ) ولأجل الذروب من تأويل الأمر في قراءة ابن عامر بغنً أمر النبوة ذىب الطبري إلى رد قراءة ابن عامر، فقاؿ: "بِعنى الخبر من موسى عن نفسو أنو يفعل ذلك، لا على وجو الدعاء، وإذا قرئ ذلك كذلك جُ زِ ـ (اشدد) و(أشرؾ ) على الْزاء، أو جواب الدعاء، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإف كاف لذا وجو مفهوـ، لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها."(ٗ) وذىب آخروف – ومنهم النحاس وأبو علي الفارسي وابن عطية – إلى ترجيح قراءة الْمهور؛ لأف الفعلنٌ في قراءة ابن عامر وقعا في موقع جواب الطلب، و جواب الطلب ينجزـ بِعنى الشرط والمج ازاة ، على معنى: إف تجعل لِ وزيراً من أىلي أشدد بو أزري ، وأشركو في أمري . وأمره ىو النبوة والرسالة ، و ىو أمر ليس إليو أف يشرؾ أحداً فيو فيخبر بو، لذا كانت قراءة الْمهور أليق بالدقاـ وواقع الحاؿ على معنى: أنو سأؿ ا﵁ أف يشرؾ معو أخاه ىاروف في أمر النبوة.(٘) واحتج الفارسي وابن عطية بأف قراءة الْمهور ىي الأنسب للسياؽ، حيث تتناسب مع ما سبقها من الدعاء في الآيات السابقة، وىي قولو: ﴿قَاؿَ رَبِّ اشْرَحْ لِِ صَدْرِي ۞ وَيَسِّرْ لِِ أَمْرِي ۞ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَا نيِ ۞ (ٔ) حجة ابن خالويو، ص ٕٔٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٜٚ، والكشاؼ، ٖ/ٖٙ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٕٗ، وزاد الدسنً، ٘/ٕٕٛ، ومفاتيح الغيب، ٕٕ/ٗٗ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٕٕ٘، والدر الدصوف، ٛ/ٕٖ، واللباب، ٖٔ/ٕٕٛ. (ٕ) جامع البياف، ٛٔ/ٖٔٓ، و حجة أبي زرعة ، ص ٕ٘ٗ، ومعالم التنزيل، ٘/ٕٔٚ، ومفاتيح الغيب، ٕٕ/ٗٗ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٔٔ/ٜٗٔ، والسراج الدننً، ٕ/ٚٓ٘، وروح الدعاني، ٙٔ/٘ٛٔ، وفتح القدير، ٖ/ٜٔ٘، والتحرير والتنوير، ٙٔ/٘ٔٔ. (ٖ) جامع البياف، ٛٔ/ٖٔٓ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٕٗ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٕٕ٘، وروح الدعاني، ٙٔ/٘ٛٔ. (ٗ) جامع البياف، ٛٔ/ٖٔٓ. (٘) إعراب النحَّاس، ٖ/ٖٛ، و حجة الفارسي ، ٘/ٕٕٕ، وزاد الدسنً، ٘/ٕٕٛ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٔٔ/ٜٗٔ.
عدد الصفحات ٣٨٠- ٖٚ٘ - يػَفْقَهُوا قػَوْلِِ ۞ وَاجْعَلْ لِِ وَزِيرًا مِنْ أَىْلِي ﴾ [سورة طو/ٕ٘-ٜٕ]،(ٔ) ولأنو قد وردت آيات أخرى في مواضع أخرى من القرآف الكريم تشنً إلى أف موسى قد سأؿ ا﵁ أف يجعل أمر النبوة إلى ىاروف ويكلفو بالرسالة كما كلفَّو بها،(ٕ) ومن ذلك قولو تعالى: ﴿ قَاؿَ رَبِّ إِ نيِّ أَخَاؼُ أَفْ يُكَذِّ بُوفِ ۞ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يػَنْطَلِقُ لِسَانيِ فَأَرْسِلْ إِلىَ ىَارُوفَ﴾ [سورة الشعراء/ ٕٔ-ٖٔ]، وقولو: ﴿وَأَخِي ىَارُوفُ ىُوَ أَفْصَحُ مِنيِّ لِسَانًا فَأَرْسِلْوُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنيِ إِنيِّ أَخَاؼُ أَفْ يُكَذِّبُوفِ﴾ [سورة القصص/ٖٗ]. فأما ماذىب إليو الطبري من رد قراءة ابن عامر فأمر غنً جائز؛ لأنو ليس للطبري ولا لغنًه رد قراءة متواترة ثابتة عن النبي لرمع علىصحتها. وأما ما ذىب إليو غنًه من رجحاف قراءة الْمهور ؛ لكونها الأبلغ والأنسب للسياؽ فأمر جائز، لكنو خلاؼ الأولى؛ لأف الأولى القوؿ بأف القراءتنٌ متساويتا ف في البلاغة، ويدكن حِلهما على مقامنٌ لستلفنٌ، فموسى سأؿ ا﵁ أف يشرؾ أخاه ىاروف في أمر النبوة، وقاؿ في مقاـ آخر: سأحكم قوتي بهاروف وأشاركو في تدب أمور التبليغ والإرشاد إلى الحق؛ إعمالاً لدعنى القراءتنٌ. وذلك من بلاغة الإيجاز في نظم القرآف . ولشا ورد على التبادؿ بنٌ الخبر والأمر من القراءات الدتواترة قولو تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بػَيػْنػَهُمْ وَبػَنٌَْ الْقُرَى الَّتيِ بَارَكْنَا فِيهَا قػُرًى ظَاىِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيػْرَ سِنًُوا فِيهَا لَيَالَِِ وَأَيَّامًا آمِنِنٌَ ۞ فػَقَالُوا رَبػَّ نَا بَاعِدْ بػَنٌَْ أَسْفَارِنَا ﴾ [ سبأٛٔ-ٜٔ] حيث قرأ جمهور القراء (رَبػَّنَا بَاعِدْ )، وقرأ ابن كثنً وأبو عمرو وىشاـ (رَبػَّنَا بػَ عِّ دْ)، بصيغة الأمر، وقرأ يعقوب (رَبػُّ نَ ا بَاعَ دَ ) بصيغة الداضي على الإخبار.(ٖ) فأما قراءتا الْمهور وابن كثنً بأسلوب الأمر ، فهي خبر عمَّا كاف من حالذم من مقابلة النعم بالبطر والْحود، فبعد أف أخبر ا﵁ عن إنعامو عليهم باقتراب الددف والقرى ، وتيسنً الأسفار أخبر عما كاف منهم من بَطَر النعمة وسَ أـِ الراحة ، و ملل العافية، وطلب الكدِّ والتعب كما طلبت اليهود الثوـ والبصل مكاف الدن والسلوى.(ٗ) أو طلبوا الدباعدة بنٌ قراىم الدتصلة ؛ ليمشوا في الدفاوز ويتزودوا للأسفار، ومن ثََُّ يتطاولوا على الفقراء ب قدرتِم على ركوب الرواحل وتزو د الأزواد.(٘) (ٔ) حجة الفارسي ، ٘/ٕٕٕ، وزاد الدسنً، ٘/ٕٕٛ. (ٕ) ا﵀رر الوجيز، ٗ/ٕٗ. (ٖ) السبعة، ص ٜٕ٘، والتيسنً، ص ٛٔٔ، والتلخيص في القراءات، ص ٖٗٚ، والنشر، ٕ/ٜٖٓ، وتحبنً التيسنً، ص ٙٔ٘. (ٗ) البحر ا﵀يط، ٚ/ٕٕٙ، والدر الدصوف، ٜ/٘ٚٔ، واللباب، ٙٔ/ٛٗ، وإرشاد العقل، ٚ/ٜٕٔ، وروح الدعاني، ٕٕ/ٖٓٔ. (٘) أنوار التنزيل، ٗ/ٜٖٛ، والسراج الدننً، ٖ/ٜٖ٘، وإرشاد العقل، ٚ/ٜٕٔ، وحاشية الشهاب على تفسنً البيضاوي، ٚ/ٜٜٔ، وحاشية =
عدد الصفحات ٣٨١- ٖٛ٘ - ويحتمل أف يكوف ذلك خبر اً عن حالذم بِقابلة الدعوة إلى الشكر بالكفر، حيث كانوا كلما ذكرتِم رسلهم وأنبياؤىم بضرورة شكر النعم ، وحِد ا﵁ على ما أولاىم من أسباب الرفاىية - ومنها اقتراب الددف وتيسنً الأسفار – قالوا على وجو الطلب والدعاء : اللهم بػَعِّدْ بنٌ أسفارنا ، فاجعل بيننا وبنٌ القرى فلواتٍ ومَفَاوِزَ لنركبَ فيها الرَّوَاحِل ونتزودَ فيها الأزواد ؛ بطراً بالنعمة وكفراً بالدنعم. وىذا لضو قوؿ كفار قريش فيما حكاه ا﵁ عنهم: ﴿اللَّهُمَّ إِفْ كَافَ ىَذَا ىُوَ الحَْقَّ مِنْ عِنْدِؾَ فَأَمْطِرْ عَلَيػْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [ٕٖ].(ٔ) وأما قراءة يعقوب (رَبػُّنَا بَاعَدَ ) بأسلوب الخبر، فتحمل على ما كاف منهم من شكوى بُعد مسايرىم مع قصرىا ، و دنوىا، وسهولة سلوكها ؛ لفرط تنعمهم ، وغاية ترفههم، وعدـ اعتدادىم بنعم ا﵁ ، كأنهم يتحازنوف على ا﵁ ؛إفراطاً منهم في التكذيب، وعدـ الاعتداد بالنعمة.(ٕ) وتقدير معنى الآية على ىذه القراء ة: كأف ا﵁ يقوؿ: قربنا لذم أسفارىم ، فقالوا أشراً وبطراً : لقد باعدَ ربُّ نا بنٌ أسفارنا، فتذمروا، واستقلو ا ذلك العمراف الكثنً، وطلبوا أف تزداد البلاد قرباً ، وذلك من بطر النعمة بطلب ما يتعذر حينئذ.(ٖ) ويحتمل أف يكوف معنى قراءة يعقوب: أف ا﵁ لدا أخبر عما أنعم بو عليهم من تيسنً الأسفار كفروا وجحدوا، فقابل ا﵁ كفرىم بتخريب القرى الدتوسطة ليجعل البعد في أسفارىم، فلما حلَّ بهم ذلك اشتكى بعضهم إلى بعض لشا حلَّ بهم من بعد الأسفار؛ نتيجة كفرىم وجحودىم، فأخبر ا﵁ في ىذه القراءة عن ذلك الحاؿ الذي حلَّ بهم والشكوى التي كانت منهم.(ٗ) وقد رجَّح الطبري معنى قراءتي الْمهور وابن كثنً على وجو الدعاء؛ لدوافقتها لأقواؿ أىل التأويل التي تحمل معنى الآية على سؤاؿ الدشقة والتعب، والدعاء بزواؿ النعم؛ بطراً بها، وكفراً بالدنعم.(٘) و رجَّح أبو حاتم – فيما نقلو عنو القرطبي - قراءة يعقوب؛ لأنهم ما طلبوا التبعيد، و إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب ؛ بطراً وعُ جْ باً مع كفرىم. ولأف قراءة ابن عباس والحس البصري ربػُّ نَ ا بػَ عَّ دَ بنٌ أسفارنا ) بالداضي القونوي، ٘ٔ/ٜٛٗ، وروح الدعاني، ٕٕ/ٖٓٔ. (ٔ) التحرير والتنوير، ٕٕ/ٖٗ–ٗٗ. (ٕ) معاني النحَّاس، ٘/ٕٔٗ، وأنوار التنزيل، ٗ/ٜٖٛ، والسراج الدننً، ٖ/ٜٖ٘، وإرشاد العقل، ٚ/ٜٕٔ، وحاشية الشهاب على تفسنً البيضاوي، ٚ/ٜٜٔ، وفتح القدير، ٗ/ٚ٘ٗ، وروح الدعاني، ٕٕ/ٖٓٔ. (ٖ) الْامع لأحكاـ القرآف، ٗٔ/ٜٕٔ، والتحرير والتنوير، ٕٕ/ٖٗ–ٗٗ. (ٗ) جامع البياف، ٕٓ/ٖٛٛ، ومعاني النحَّاس، ٘/ٕٔٗ، والبحر ا﵀يط، ٚ/ٕٕٙ، وروح الدعاني، ٕٕ/ٖٓٔ. (٘) جامع البياف، ٕٓ/ٜٖٛ.
عدد الصفحات ٣٨٢- ٜٖ٘ - وتشديد العنٌ، تؤيد معناىا.(ٔ) وأرى أنو لا يوجد دليل قوي يؤيِّد رجحاف إحدى القر اءتنٌ على الأخرى؛ لأف معنى قراءة يعقوب على العكس تداماً من معنى قراءة الْمهور، وىذا يدؿ على أف كل قراءة تحكي حالاً غنً الحاؿ الذي تحكيو القراءة الأخرى؛ ف قراءة الْمهور تحكي حاؿ بطرىم وجحودىم قبل زواؿ النعمة، وقراءة يعقوب تحكي حاؿ شكواىم بعد زوالذا. يقوؿ النحاس: "وىذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أف يقاؿ : إحداىا أجود من الأخرى ، لا يقاؿ ذلك في الأخبار إذا اختلفت معانيها، ولكن خبرَّ عنهم أنهم دعوا أف يبعد بنٌ أسفارىم بطراً وأشراً ، وخبرَّ أنهم لدا فعل بهم ذلك خبرَّ وا بو وشَ كَ وا."(ٕ) ويحتمل أف تكوف قراءة الْ مهور تحكي حاؿ بعضهم لشن ترؼ وبطر النعمة فسأؿ الدباعدة بنٌ الأسفار؛ بطراً وأشراً، وقراءة يعقوب تحكي حاؿ فريق آخر أشد كفراً من الفريق الأوؿ كذَّب بكوف قرب البلاد من النعم، واستقل العمراف من شدة ترفو، ف سأؿ ا﵁ أف تزداد البلاد قرباً والتعبنً عن كل ىذه الد عاني بالألفاظ القليلة أو باللفظ الواحد الدتنوع القراءات يدؿ على إعجاز نظم القرآف بإيجازه، وقدرتو على التعبنً عن الدعاني الدتخالفة والدتناقضة باللفظ الواحد من خلاؿ تنوع قراءاتو. ولشا ورد على التبادؿ بنٌ الخبر والأمر من القراءات الدتواترة قولو تعالى: ﴿ انْطَلِ قُوا إِلىَ مَا كُنْتُمْ بِوِ تُكَذِّبُوفَ ۞ انْطَلِقُوا إِلىَ ظِل ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ [الدرسلات ٜٕ-ٖٓ]حيث قرأ جمهور القراء ( انْطَلِقُوا) الثاني بصيغة الأمر، وقرأ رويس عن يعقوب (انْطَلَ قُوا) بصيغة الداضي على الإخبار.(ٖ) فأما قراءة الْمهور بأسلوب الأ مر في الدوضع الثاني؛ فللتكرير بِوافقة الدوضع الأوؿ في اللفظ والأسلوب؛ لبياف الدنطلَق إليو ووصفو،(ٗ) و لقصد التوبيخ أو الإىانة؛ إذ إف مقتضى الظاىر أف يقاؿ: انطلقوا إلى ما كنتم بو تكذبوف ظل ذي ثلاث شعب، غنً أنو أعاد العامل بالأسلوب ذاتو؛ للتأكيد في مقاـ التقريع. (٘) و أما قراءة رويس بفتح اللاـ على صيغة الفعل الداضي، فللإخبار بأنهم انطلقوا إلى دخانها، بعد أف أُ مِ روا (ٔ) الْامع لأحكاـ القرآف، ٗٔ/ٜٕٔ، وفتح القدير، ٗ/ٚ٘ٗ. (ٕ) إعراب النحَّاس، ٖ/ٖٖٗ. (ٖ) النشر، ٕ/ٖٛٗ، وتحبنً التيسنً، ص ٔٓٙ. (ٗ) ا﵀رر الوجيز، ٘/ٜٔٗ، والبحر ا﵀يط، ٛ/ٜٖٚ. (٘) فتح القدير، ٘/٘ٓ٘، و روح الدعاني، ٜٕ/٘ٚٔ، والتحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٓٗ.
عدد الصفحات ٣٨٣- ٖٓٙ - بالانطلاؽ إلى النار، كأنهم لدا أمروا امتثلوا فانطلقوا؛ إذ لا يدكنهم التأخنً، إذ صاروا مضطرين إلى الانطلاؽ .(ٔ) ولم ي عطف الفعل الثاني على الأوؿ بالفاء؛ لقصد الاستئناؼ؛ ليكوف خبراً آخر عن حالذم.(ٕ) واستبعد ىذا بعض الدفسرين، وقالوا: بل إف قولو: (انطَلقوا) بصيغة الداضي كلاـ مستأنف استئنافاً بيانياً، كأنو قيل: ما كاف منهم بعد أف أمروا بالانطلاؽ إلى النار، فقيل: امتثلوا وانطلقوا. ولشا دعاىم إلى ىذا القوؿ: أنو كاف ينبغي أف يقاؿ: فانطلَ قوا، بالفاء؛ لنًتبط آخر الكلاـ بأولو.(ٖ) والقراءتاف متحدتاف في الدعنى؛ لأف الفا عل على كلتا القراءتنٌ ىو الدشرك و ف الدكذبو ف بعقيدة البعث بعد الدوت، إلا أف قراءة ر ويس تدؿ على تحقق وقوع الفعل، و تصوِّر فظاعة حاؿ الدشركنٌ، وتزيد نكايته م بالإخبار عن انطلاقهم واستقرارىم في ذلك العذاب الأليم؛ لأنه ا جاءت بأسلوب الإخبار، وبصيغة الداضي التي تبنٌِّ أف الأمر لشتَثلٌ قطعاً.(ٗ) فالقراءتاف متكاملتاف في الدعنى، وبلاغة النظم تتحقق باجتماعهما؛ لأنهما معاً تدلاف على إعجاز النظم بإيجازه، وقدرتو على أدا ء الدعنى الواحد بأساليب متعددة، وىذا من بلاغة التفنن في إيراد الدعنى. ولشا ورد على التبادؿ بنٌ الخبر والأمر من القراءات الدتواترة (قاؿ، وقل) في الآيات الآتية: قولو تعالى: ﴿قَاؿَ رَبيِّ يػَعْلَمُ الْقَوْؿَ فيِ السَّمَاءِ وَالأَْرْضِ وَىُوَ السَّمِيعُ الْعَلِ يمُ﴾ [ٗ](٘) وقولو: ﴿قَاؿَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَْقِّ وَرَبػُّنَا الرَّحَِْنُ الْمُسْتػَعَافُ عَلَى مَا تَصِفُوفَ﴾ [ٕٔٔ] (ٙ) وقولو: ﴿قَاؿَ كَمْ لَبِثْتُمْ فيِ الأَْرْضِ عَدَدَ سِنِنٌَ﴾ [ٕٔٔ] وقولو: ﴿قَاؿَ إِفْ لَبِثْ تُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تػَعْلَمُوفَ﴾ [ٗٔٔ](ٚ) (ٔ) الكشاؼ، ٗ/ٔٛٙ، وا﵀رر الوجيز، ٘/ٜٔٗ، والبحر ا﵀يط، ٛ/ٜٖٛ، وفتح القدير، ٘/٘ٓ٘، (ٕ) التحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٓٗ. (ٖ) مفاتيح الغيب، ٖٓ/ٕٔٗ، وروح الدعاني، ٜٕ/٘ٚٔ. (ٗ) الإتحاؼ، ص ٕٙٚ. (٘) قرأ الأخواف وخلف وحفص (قاؿ) بألف على الخبر، والباقوف (قل) بغنً ألف على الأمر. انظر: السبعة، ص ٕٛٗ، والتيسنً، ص ٘ٓٔ، والنشر، ٕ/ٖٖٙ، وتحبنً التيسنً، ص ٘ٙٗ. (ٙ) قرأ حفص: (قاؿ رب احكم) بالألف، والباقوف بغنً ألف. انظر: السبعة، ص ٖٔٗ، والتيسنً، ص ٘ٓٔ، وتحبنً التيسنً، ص ٚٙٗ. (ٚ) قرأ ابن كثنً و الأخواف (قل كم لبثتم) بغنً ألف، وقرأ الأخواف (قل إف لبثتم) بغنً ألف، وقرأ الباقوف بالألف في الد وضعنٌ من سورة الدؤمنوف. الدؤمنوف. انظر: السبعة، ص ٜٗٗ، والتيسنً، ص ٛٓٔ، والنشر، ٕ/ٜٖٙ-ٖٓٚ، وتحبنً التيسنً، ص ٛٚٗ.
عدد الصفحات ٣٨٤- ٖٔٙ - وقولو: ﴿قَاؿَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَىْدَى لشَِّا وَجَدْتمُْ عَلَيْوِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرؼ ٕٗ]. (ٔ) وقولو: ﴿قُلْ إِنمََّا أَدْعُو رَبيِّ وَلاَ أُشْرِؾُ بِوِ أَحَدًا ﴾ [رة الْن ٕٓ] (ٕ) حيث يحمل أسلوب الخبر على الإخبار عما قالو النبي في الأنبياء والْن، وتحمل قراءات الأمر على توجيو النبي وأمره بأف يقوؿ للمشركنٌ ما أمره ا﵁ بقولو، أو توجيهو إلى الإقباؿ بالدعاء في الدوضع الثاني من الأنبياء. وتحمَل القراءة بالداضي على الخبر عما قالو نذير كل أمة في الزخرؼ، وقراءة الأمر على أمر النذير بأف يقوؿ لأمتو: أولو جئتكم بأىدى لشا كاف عليو آباؤكم. أي: إفَّ الآية بقراءتيها تبنٌِّ أف جميع الرّسل قالوا لأقوامهم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَىْدَى لشَِّا وَجَدْتمُْ عَلَيْوِ آبَاءَكُمْ﴾ [رة الزخرؼ ٕٗ]، وكذلك الن أُمِرَ بأف يجيب كفار قومو بهذا الْواب لػمَّا رفضوا دعوتو للتوحيد، وأصرُّوا على دين آبائهم، كما يتبنٌَّ من سياؽ الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قػَبْلِكَ فيِ قػَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَاؿَ مُتػْرَفُوىَا إِنَّا وَجَدْنَ ا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِىِمْ مُقْتَدُوفَ ۞ قَاؿَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَىْدَى لشَِّا وَجَدْتمُْ عَلَيْوِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بَِِا أُرْسِلْتُمْ بِوِ كَافِرُوفَ﴾ [سورة الزخرؼ/ ٕٖ-ٕٗ].(ٖ) وبالقراءتنٌ يتكامل معنى الآية ، ويتبنٌَّ أف النبي قاؿ لكفار قومو ما قالو جميع الرسل لأقوامهم ؛ لأف كفار قريش تعلَّلَوا بالعلَّة نفسها التي تعلَّل بها كفار الأمم السابقة. وكذلك تحمل قراءة الداضي في آيات الدؤمنوف على الخبر عمَّا يقولو ا﵁ أو الدلك الدأمور بسؤالذم ؛ تبكيتاً وتوبيخاً . أي: قاؿ ا﵁ أو خازف جهنم للكفار يوـ البعث: كَمْ لَبِثْتُمْ في الدنيا أو في القبور. وتحمل قراءة الأمر في آيتي (الدؤمنوف) على توجيو الكافرين ، وأمرىم بأف يتساءلوا عن مدة لبثهم، أو على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أىل النار أف يسألوا الكفار عن مدة لبثهم في الأرض.(ٗ) أي: إفَّ الخبر والأمر يحمَل (ٔ) قرأ ابن عامر وحفص (قاؿ أولو) بالألف على الخبر، وقرأ الباقوف (قل) بغنً ألف على الأمر. انظر: السبعة، ص ٘ٛ٘، والتيسنً، ص ٕٙٔ، والنشر، ٕ/ٜٓٗ، وتحبنً التيسنً، ص ٛٗ٘. (ٕ) قرأ عاصم وحِزة وأبو جعفر: (قل إنما أدعو) بغنً ألف على الأمر، وقرأ الباقوف (قاؿ) بالألف. انظر: السبعة، ص ٚ٘ٙ، والتيسنً، ص ٖٙٔ، والنشر، ٕ/ٕٖٗ، وتحبنً التيسنً، ص ٜ٘٘. (ٖ) التحرير والتنوير، ٕ٘/ٖٕٗ-ٖٕ٘. (ٗ) جامع البياف، ٜٔ/ٕٛ، ٖٕ/ٜٙٙ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٜٗ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٛ٘ٔ، ومفاتيح الغيب، ٖٕ/ٓٔٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕٔ/٘ٔٙ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٜٖٔ، واللباب، ٗٔ/ٕٚٙ، والسراج الدننً، ٕ/ٚ٘ٙ، ٗ/ٔ٘ٗ–ٕ٘ٗ، والإتحاؼ، ص ٗ٘ٚ.
عدد الصفحات ٣٨٥- ٕٖٙ - يحمَل على ما يقتضيو سياؽ كل آية من الآيات. (ٔ) ومعنى كل قراءة من القراءتنٌ في الآيات الدذكورة يكمل معنى الأخرى، ولا يتعارض معو، بل يدؿ تعدد القراءات في ىذه الدواضع على أف النبي أو النذير أو ملك جهنم قدامتثل أمر ا﵁ ، فقاؿ ما أمره ا﵁ بقولو. وىذا الدعنى لا يدكن أف نكتشفو من معنى قراءات الأمر، وإنما يدلنا عليو قراءات الخبر. وتنوع القراءات من دلائل الإيجاز والإعجاز والتفنن في نظم القرآف الذي يعبر بقراءاتو الدتنوعة عن الصورة الكاملة للمشهد كما لو كانت قصة متكاملة الأطراؼ ، يحكي لنا بدايتها ونهايتها بتلك الألفاظ القليلة. وحاصل الأمر: أف تنوع القراءات الدتواترة وترددىا بنٌ أسلوبي الخبر والأمر يد ؿ غالباً على بلاغة الإيجاز في نظم القرآف ؛ حيث يدؿ تعدد القراءات على تعدد الأحواؿ والدقامات، أو على امتثاؿ الأمر وتحققو فعلاً . ىذا أبرز ما استنتجتو الدراسة من آثار بلاغية لتبادؿ القراءات بنٌ الخبر والأمر، والدطلب الآتي سيدرس أسلوب النهي، ووجوىو البلاغية ؛ ليستخرج أثر تبادؿ القراءات بنٌ أسلوبي النهي والإخبار في بلاغة النظم. (ٔ) جامع البياف، ٛٔ/ٔٔٗ، و حجة أبي زرعة ، ص ٘ٙٗ، ٛٗٙ، ٜٕٚ، وا﵀رر الوجيز، ٗ/ٚٗ، ٗٓٔ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٙٔ/ٙٚ، ٜٔ/ٕ٘، وأنوار التنزيل، ٗ/ٖٛ، والبحر ا﵀يط، ٙ/ٕٙٚ، ٜٖٔ، ٛ/ٕٔ، ٖٙٗ، واللباب، ٖٔ/ٓ٘ٗ، ٕٚٙ، والسراج الدننً، ٕ/ٜٗ٘، والإتحاؼ، ص ٕ٘٘، ٚ٘٘.
عدد الصفحات ٣٨٦- ٖٖٙ - المطلب الثالث: تنوع القراءات بين الإخبار والنهي ، وأثره في بلاغة النظم. النهي من أنواع الإنشاء الطلبي، وىو طلب الكف عن الفعل استعلاءً، بصيغة المضارع الذي دخلت عليو (لاَ) الناىية، كقولو تعالى: ﴿وَلاَ تػُؤْتُواْ السُّفَهَ اءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِِ جَعَلَ اللَّوُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [٘](ٔ) وىو يدؿ على التكليف الإِلزاميُّ بالترؾ وعدـ الفعل ، وقد يخرج عن ىذا المعنى الأصلي إلى معافٍ أخرى يدؿ عليها القرائن و سياؽ الكلاـ.(ٕ) وقد ورد الت بادؿ بين أسلوبي الخبر والنهي فيما بين القراءات المتواترة في بعض المواضع في القرآف الكريم، منها قولو تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاؾَ بِالَْْقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْ أَؿُ عَنْ أَصْحَابِ الَْْحِيمِ ﴾ [ٜٔٔ]. حيث قرأ جمهور القراء (وَلاَ تُسْأَؿُ)، على الخبر، وقرأ نافع ويعقوب (وَلاَ تَ سْأَؿْ )، على النهي.(ٖ) وجملة ﴿وَلاَ تُسْأَؿُ عَنْ أَصْحَابِ الَْْحِيمِ﴾ في قراءة الْمهور جملة خبرية، و(لا) على ىذه القراءة ىي النافية. والمعنى: لست مسؤولاً عن كفر أصحاب الْحيم، فلا يحزنك كفرىم ؛ لأف ا﵁ لا يسأؿأحداً عن ذنب أحد.(ٗ) والْملة بناء على ىذه القراءة تقرير لمضموف قولو: (إِنَّا أَرْسَلْنَاؾَ بِالَْْقِّ ). وىي إخبار من ا﵁ لنبيو بأنو غ مؤاخذ ببقاء الكافرين ع لى كفرىم بعد أف بلغت لهم الدعوة ؛ لأف السؤاؿ ىنا كناية عن المؤاخذة واللوـ،(٘) مثل قولو : "وكلكم مسؤوؿ عن رعيتو ."(ٙ) (ٔ) الإيضاح في علوـ البلاغة، ص ٖٗٔ، ومختصر المعاني، ص ٕٗٔ، والبلاغة العربية، ٔ/ٕٕٛ-ٖٕٔ. (ٕ) قد يخرج النهي عن معناه الأصليِّ بدلالة السياؽ والقرائن إلى غيره، مرو: الدعاء، كقو لو تعالى: ﴿رَبػَّنَا لاَ تػُؤَاخِذْنَا إِفْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [ٕٙٛ]ىاروف : ﴿ابْنَ أُـَّ إِفَّ الْقَوْـَ اسْتَضْعَفُونيِ وَكَادُواْ يػَقْتػُلُونَنِِ فَلاَ تُشْمِتْ بيَِ الأَعْدَاءَ وَلاَ تََْعَلْنِِ مَعَ الْقَوْـِ الظَّالِمِينَ﴾ ورة الأعراؼ/ ٓ٘ٔ]، كقولو تعالى: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِف تػُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ المائدة/ٔٓٔ]والتيئيس، كقولو تعالى للمنافقين: ﴿لاَ تػَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُُْ بػَعْدَ إِيدَانِكُمْ ﴾ٙٙ] والتوبيخ، كقولو تعالى: ﴿وَلاَ تػَلْبِسُواْ الَْْقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الَْْقَّ وَأَنػْتُمْ تػَعْلَمُوفَ﴾ ٕٗ]ٔ/ٕٖٕ–ٖٕٙ. (ٖ) السبعة، ص ٜٙٔ، والمبسوط، ص ٖ٘ٔ، والتيسير، ص ٕٙ، والنشر، ٕ/ٕٔ٘، وتحبير التيسير، ص ٜٕٗ. (ٗ) جامع البياف، ٕ/ٛ٘٘، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ، ومعالم التنزيل، ٔ/ٖٗٔ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٗٓ، وزاد المسير، ٔ/ٖٛٔ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٕٛ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٕٜ، وأنوار التنزيل، ٔ/ٕٜٖ، والبحر ا﵀يط، ٔ/ٖٛ٘. (٘) التحر ير والتنوير، ٔ/ٗٚٙ. (ٙ) صحيح البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديوف والْجر والتفليس، باب العبد راع في ماؿ سيده ولا يعمل إلا بإذنو، رقم/ ٕٕٛٚ، ٕ/ٛٗٛ.
عدد الصفحات ٣٨٧- ٖٗٙ - و مدا يؤيد قراءة الْمهور ما روي عن ابن مسعود أنوقرأ: (ولن تُ سأؿَ ). وقراءة أبي : (وما تُسأؿُ)، فمعناهما موافق لقراءة الْمهور ، وىو نفي أف يكوف مسؤولاً عنهم.(ٔ) ومدا يحسِّ نها مشابهتها لما قبلها وما بعدىا في الخبرية، فقولو قبلو﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاؾَ بِالَْْقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [ٜٔٔ] خبر، وقولو بعده: ﴿وَلَنْ تػَرْضَى عَنْكَ الْيػَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتََّّ تػَتَّبِعَ مِلَّتػَهُمْ﴾ [سورة البقرة/ ٕٓٔ] خبر أيضاً، ومشابهة ﴿وَلاَ تُسْأَؿُ عَنْ أَصْحَابِ الَْْحِيمِ﴾ لما قبلو وبعده في الخبرية أجمل لفظياً من المخالفة.(ٕ) أما الْملة في قراءة نافع ويعقوب فهي جملة إنشائية، و(لا) فيها ىي الناىية التِ تدخل على الفعل المضارع فتجزمو. و المعنى الْقيقي للنهي غير مراد ىنا، وإنما المراد الدلالة على عظيم عذابهم وفظاعة أحوالهم. ومعنى الآية على ىذه القراءة : نُ يَ النبي عن السؤاؿ عن أحواؿ أىل النار؛ لفظاعة أحواؿ المشركين والكافرين حتَّ إف المتفكر في مصير حالهم ينهى عن الاشتغاؿ بذلك؛ لأنا أحواؿ لا يحيط بها الوصف، ولا يبلغ إلى كنهها العقل في فظاعتها وشناعتها. أي: إفَّ النهي عن السؤاؿ في ىذه القراءة كناية عن تعظيم ما يلقونو من العذاب، كما تقوؿ: فلاف لا تَ سأَ ؿ عنو، تعنِ أنو في ناية تشهره من خير أو شر .(ٖ) ومن ذلك قوؿ عائشة رضي ا﵁ عنها في صفة صلاة النبي في رمضاف : "يصلي أربع ركعات ، فلا تَ سأؿْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تَ سأَ ؿْ عن حسنهن و طولهن."(ٗ) فالسؤاؿ ىنا مستعمل في الاىتماـ والتطلع إلى معرفة الْاؿ مجازاً مرس لاً بعلاقة اللزوـ؛ لأف المعنِ بالشيء المتطلع لمعرفة أحوالو يكثر من السؤاؿ عنو. (٘) وقيل: إف ا﵁ نى النبي في ىذه القراءة عن السؤاؿ عن مصير بعض الكفار؛ لما روي في التفسير أف النبي قاؿ ذات يوـليت شعري ما فعل أبواي ؟" فنزلت (وَلاَ تَسْأَؿْ) . وقصر الطبر ي قراءة النهي على ىذا (ٔ) حجة ابن خالويو، ص ٚٛ، و حجة الفارسي ، ٕ/ٕٙٔ، و حجة أبي زرعة ، ص ٕٔٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ، والكشاؼ، ٔ/ٜٕٓ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٜٕ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٖٜ، واللباب، ٕ/ٖٙٗ، وإرشاد العقل، ٔ/ٕ٘ٔ. (ٕ) حجة الفارسي ، ٕ/ٕٙٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ. (ٖ) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ، ومعالم التنزيل، ٔ/ٖٗٔ، والكشاؼ، ٔ/ٜٕٓ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٗٓ، وزاد المس ير، ٔ/ٖٛٔ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٜٕ، والْامع لأحكاـ القرآف، ٕ/ٖٜ، وأنوار التنزيل، ٔ/ٕٜٖ، والبحر ا﵀يط، ٔ/ٖٛ٘، واللباب، ٕ/ٖٙٗ، وإرشاد العقل، ٔ/ٕ٘ٔ، والتحرير والتنوير، ٔ/ٖٚٙ–ٗٚٙ. (ٗ) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب كاف النبي تناـ عيناهولا يناـ قلبو، رقم/ ٖٖٙٚ، ٖ/ٖٛٓٔ، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرىا، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي في الليل، رقم/ ٖٛٚ، ٔ/ٜٓ٘. (٘) التحرير والتنوير، ٔ/ٖٚٙ–ٗٚٙ.
عدد الصفحات ٣٨٨- ٖ٘ٙ - المعنى فقط.(ٔ) وقد استبعد جمهور المفسرين ىذا المعنى؛ لأف والدي النبي ماتا قبل البعثة، و ىذا مدا لا يتوىم أنو خفي عليو ، فهو عالم بما آؿ إليو أمرهما ،(ٕ) ولأف حمل القراءة على معنى ني النبي عن السؤاؿ عن حاؿ أبويو مدا لا يساعده النظم الكريم؛ لأف سياؽ الكلاـ يدؿ على أف ذلك عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين جحدوا نبوّتو ، وكفروا عناداً، وأصروا على كفرىم، حيث قاؿ بعد ىذه الآية﴿وَلَنْ تػَرْضَى عَنْكَ الْيػَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتََّّ تػَتَّبِعَ مِلَّتػَهُمْ﴾ [سورة البقرة/ ٕٓٔ]، إلا إف كاف ذلك عل ى سبيل الانقطاع من الكلاـ الأوؿ، فيكوف من تلوين الخطاب، وىو بعيد.(ٖ) ولأجل بُعدِ ىذا المعنى وضعفو رجَّح الطبري ومكي بن أبي طالب قراءة الخبرية على قراءة النهي. ومن ثم احتج الطبري لرجحاف قراءة الْمهور ب أف ا﵁ قص قصصبعض اليهود والن صارى، وذكر ضلالتهم، وكفرىم با﵁ وجراءتهم على أنبيائو ، ثم قاؿ لنبيو : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاؾَ بِالَْْقِّ بَشِيرًا ﴾ [ٜٔٔ] لمن آمن بك واتبعك، (وَنَذِيرًا) لمن كفر بك وخالفك ، فبلغ رسالتِ، فليس عليك من أعماؿ من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتِ تبعة ، ولا أنت مسؤ وؿ عما فعل بعد ذلك. فالمػُ لاحظ أنو لم يجر لمسألة رسوؿ ا﵁ ربو عن أصحاب الْحيم ذكر ، فيكوف لقولو: ﴿وَلاَ تَسْأَؿْ عَنْ أَصْحَابِ الَْْحِيمِ﴾ وجو يوجو إليو. وإنما الكلاـ موجو معن اه إلى ما دؿ عليو ظاىره المفهوـ ، حتَّ تأتي دلالة بينة تقوـ بها الْجة، على أف المراد بو غير ما دؿ عليو ظاىره، فيكوف حينئذ مسلَّ ماً للحجة الثابتة بذلك. فلا خبر تقوـ بو الْجة على أف النبي نُيَ عن أف يسأؿ في ىذه الآية عن أصحاب الْحيم، ولا دلالة تدؿ على أف ذلك كذلك في ظاىر التنزيل. والواجب أف يكوف تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل ىذه الآية، وعمن ذكر بعدىا من اليهود والنصارى وغيرىم من أىل الكفر، دوف النهي عن المسألة عنهم. فهذا يدؿ دلالة واضحة على أف الخبر أولى من النهي، والرفع بو أولى من الْزـ .(ٗ) وأعتقد أف سبب ترجيح قراءة الخبر عند الطبري ىو ما ذىب إليو من حمَْلِ قراءة النهي على معنى ني النبي (ٔ) جامع البياف، ٕ/ٛ٘٘، و حجة الفارسي ، ٕ/ٕٙٔ–ٕٚٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ، ومعالم التنزيل، ٔ/ٖٗٔ، والكشاؼ،جٔ/ٕٛٓ–ٜٕٓ، وا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٗٓ، ومفاتيح الغيب، ٗ/ٕٛ. وبحثت عن ىذا القوؿ في كتب الْديث والسنن ولم أجده. (ٕ) ا﵀رر الوجيز، ٔ/ٕٗٓ، والبحر ا﵀يط، ٔ/ٖٛ٘. (ٖ) البحر ا﵀يط، ٔ/ٖٛ٘، و إرشاد العقل، ٔ/ٕ٘ٔ. (ٗ) جامع البياف، ٕ/ٜ٘٘–ٓٙ٘.
عدد الصفحات ٣٨٩- ٖٙٙ - عن السؤاؿ عن حاؿ أبويو، ولو أنو ذىب إلى المعنى الآخر الذي رجَّحو جمهور المفسرين لكنت أظن أنو يقوؿ بتساوي القراءتين في البلاغة والصواب. و استند مكي إلى عدة أسباب تقوي قراءة الرفع لديو، منها: أف قراء تي أبي و ابن مسعود تشهد لها، و أف قراءة الرفع تتناسب مع ما قبلها وما بعدىا في الخبرية ، ويؤيدىا قولو تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ ىُدَاىُمْ﴾ [سورة البقرة/ ٕٕٚ]، وقولو: ﴿مَا عَلَى الرَّسُوؿِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [سورة المائدة/ٜٜ]، ولأف الأَ ولى في قراءة النهي أف تقتر ف بالفاء، كقولك: أعطيتك مالاً، فلا تسألنِ غيره.(ٔ) وأرى أف الأسباب التِ استند إليها مكي في ترجيح قراءة الرفع أسباب وجيهة ، وتدؿ على بلاغة قراءة الرفع، غير أنا لا تقوى – من وجهة نظري – على تضعيف قراءة الْزـ والنهي. ولو أنو حاوؿ التماس وجوه بلاغية تقوي قراءة الْزـ لوجد؛ لأف قراءة النهي لها وجوه بلا غية تشهد لقوتها، منها: ٔ - بلاغتها في التعبير عن فظاعة أحواؿ الكافرين وأىل النار، حتَّ إف المتفكر في مصير حالهم ينهى عن الاشتغاؿ بذلك؛ لأنا أحواؿ لا يحيط بها الوصف، ولا يبلغ إلى كنهها العقل في فظاعتها وشناعتها. ٕ - بلاغة المغايرة الإعرابية والأسلوبية لم ا سبقها ولْقها؛ لأف المغايرة الإعرابية أو الأسلوبية تنبِّو الأذىاف على أهمية المعنى والموضوع الذي تضمنو الكلاـ المغاير لما سبقو ولْقو، ولهذا كاف الالتفات شجاعة العربية. ٖ - أما العطف بالواو دوف الفاء، فلجعل الكلاـ مستقلاً بذاتو، والإتياف بو على جهة النهي المستأنف. وأما ما ذكره مكي من كوف العطف بالفاء أولى من الواو فصحيح إذا كاف ما قبلو علةً لو، أي: لو كانت البشارة والنذارة عِلة لعدـ السؤاؿ عن أحواؿ أىل النار أو مصيرىم كاف العطف بالفاء أَ ولى، كقول ك: أعطيتك فرساً فلا تسألنِ غيره، إلا أف البشارة والنذارة في ىذه الآية ليستا عِلة لعدـ السؤاؿ عن أحواؿ أىل النار حتَّ يقاؿ: إف العطف بالفاء أَ ولى.(ٕ) وخلاصة القوؿ: أف قراءة الخبر قوية بلاغياً ، ويحسِّ نها المشابهة اللفظية والأسلوبية لما جاورىا من الْمل، وقراءة النهي بليغة أيضاً ، ويحسِّ نها مضمونا، والتعبير بها عن معنى كنائ ي لا يعبرَّ عنو بلفظ واحد. و المعنى الذي ذكره جمهور المفسرين لقراءة الرفع مع المعنى الذي ذكروه لقراءة النهي ورجحوه يشهداف لبلاغة نظم القرآف الذي عبرَّ بلفظ واحد عن معافٍ كثيرة لا يُعبرَّ عنها إلا بالكثير من الْمل. (ٔ) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٕٕٙ. (ٕ) حجة الفارسي ، ٕ/ٕٚٔ.
عدد الصفحات ٣٩٠