- 172 - المطلب الثالث: تبادلالقراءات بين الجرِّ والنصب ، وأثره في بلاغة النظم. الجر والنصب نوعان من أنواع الإعراب وردت على التبادل بينهما بعض القراءات الدتواترة، فأد ت في بعض الأحيان إلى تعدد الدلالات والدعاني، وأنتجت بعض الآثار البلاغية. وقد ورد على التبادل بتُ النصب والجر من الأسماء الدختلف في قراءتها: كلمة ﴿الأَْرْحَامَ ﴾ من قولو تعالى: ﴿وَات قُوا الل وَ ال ذِي تَسَاءَلُونَ بِوِ وَالأَْرْحَامَ ﴾ [سورة النساء /ٔ]،حيث قرأ حمزة ﴿وَالأَْرْحَامِ ﴾ بالجر، وقرأ الباقون ﴿وَالأَْرْحَامَ ﴾ بالنصب.(ٔ) وفي إعراب قراءة النصب وجوه: الأول: عطف ﴿الأَْرْحَامَ ﴾ على لفظ الجلالة ( الل وَ ). والدعتٌ: اتقوا ا﵁ و اتقوا الأرحام أن تقطعوىا، فإن قطيعتها لشا يجب أن يُ تقى، وعلى ىذا أكثر الدفسرين. (ٕ) أو اتقوا ا﵁ واتقوا حقوق الأرحام، فالكلمة على حذف مضاف.(ٖ) وىذا في الحقيقة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الدعتٌ: اتقوا ا﵁ أي: اتقوا لسالفة ا﵁، وقطع الأرحام لشا نهى ا﵁ عنو. وفي عطف الأرحام على اسم ا﵁ دلالة على عظم ذنب قطع الرحم .(ٗ) وكلمة ( ات قُوا) بناء على ذلك لفظ مشتًك بتُ معنيتُ؛ لأن تقوى ا﵁ بالتزام طاعتو واجتناب معاصيو، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تُ قطَ ع عن البر والإحسان. فالجامع بينهما ىذا القدر الدشتًك، وإن اختلف معتٌ التقويتُ. (٘) الثاني: أن يكون ﴿الأَْرْحَامَ ﴾ منصوبٌ بالإغراء، أي: والأرحامَ احفظوىا وصلوىا، كقولك: الأسدَ الأسدَ، وىذا يَدُل على برريم قطعيةِ الرحم ووجوب صلتو.(ٙ) (ٔ) السبعة، ص ٕٕٙ، والدبسوط، ص ٘ٚٔ، والتيستَ، ٔٚ، والنشر، ٕ/ٕٕٛ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٖٗ. (ٕ) جامع البيان، ٚ/ٕٕ٘–ٖٕ٘، ومعالم التنزيل، ٕ/ٜ٘ٔ، والكشاف، ٔ/ٕٜٗ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٗ-٘، ومفاتيح الغيب، ٜ/ٖٗٔ، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، وأنوار التنزيل ، ٕ/ٜٖٔ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، وإرشاد العقل، ٕ/ٜٖٔ، والبحر الدديد، ٕ/ٖ، وروح الدعاني، ٗ/ٗٛٔ. (ٖ) التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، وانظر: الدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، واللباب، ٙ/ٖٗٔ، والتحرير والتنوير، ٗ/ٔٔ. (ٗ) البحر ا﵀يط، ٖ/٘ٙٔ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘. (٘) البحر ا﵀يط، ٖ/٘ٙٔ، والتحرير والتنوير، ٗ/ٔٔ. (ٙ) نقل بعض الدفسرين أن ىذا الوجو ىو اختيار الواحدي. انظر: مفاتيح الغيب، ٜ/ٖٗٔ، واللباب، ٙ/ٗٔٗ، و إرشاد العقل ، ٕ/ٜٖٔ. وقد بحثت في تفستَي الوسيط والوجيز للواحدي ولم أجده.
عدد الصفحات ٢٩٥- 171 - الثالث: أن لفظ ﴿الأَْرْحَامَ ﴾ معطوف على لزل المجرور في (بو)، نحو: مررت بزيد وعمراً، ولدا لم يشركو في الإتباع على اللفظ تبعو على الدوضع،(ٔ) و يؤيده قراءة عبد ا﵁ بن مسعود: (تساءلون بو وبالأرحام ).(ٕ) والدعتٌ: اتقوا ا﵁ الذي ت ُعَظِّمُونو والأرحامَ ؛ لأن الحَلْفَ بو ت َعْظِيم لو.(ٖ) وىذا الوجو ىو اختيار الفارسي وأبي البقاء.(ٗ) وفي إعراب قراءة الجر وجهان: الأول: عطف ﴿الأَْرْحَامِ ﴾ على الضمتَ المجرور في (بو)،(٘) من غتَ إعادة الجار. والدعتٌ: اتقوا ا﵁ الذي يسأل بعضكم بعضاً بو وبالأرحام. وفي ىذا تعظيم لشأن الر حم، حيث جعلها ا﵁ لشا يُسأَل ويتوسل بو؛ لأن معتٌ الآية: اتقوا ا﵁ الذي تتوسلون بو وبالأرحام، حيث يسأل بعضكم بعضاً بها،(ٙ) وذلك نحو قول العرب : "ناشدتك ا﵁ والرحم ."(ٚ) وفي ىذه القراءة تعريضٌ بعوائد الجاىلية، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ، ثم يهملون حقوقها ولا يصلونها، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم، وأيضاً ىم آذوا النبي وظلموه، مع كونو من ذوي رحمهم ، وأحق الناس بصلتهم، فناقضت أفعالذم أقوالذم؛ من حيث إنهم حللفون بالرحم ويسأل بعضهم بعضاً بها، ثم يهملون حقوقها.(ٛ) والوجو الثاني : أن الواو للقسم و ﴿الأَْرْحَامِ ﴾ لررور بحرف القسم، وجوابُ القسمِ قولو: ﴿إِن الل وَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾[سورة النساء /ٔ].(ٜ) ويبدو أن من قال بهذا الوجو الإعرابي قد ذىب إليو؛ فراراً من العطف على الضمتَ المجرور (ٔ) الكشاف، ٔ/ٕٜٗ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٗ، و أنوار التنزيل ، ٕ/ٜٖٔ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، و اللباب، ٙ/ٗٗٔ. (ٕ) البحر ا﵀يط، ٖ/٘ٙٔ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، واللباب، ٙ/ٗٔٗ، و إرشاد العقل ، ٕ/ٜٖٔ، وروح الدعاني، ٗ/ٗٛٔ. (ٖ) التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، واللباب، ٙ/ٗٗٔ. (ٗ) حجة الفارسي، ٖ/ٕٔٔ، و مفاتيح الغيب، ٜ/ٖٗٔ، و التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ. (٘) جامع البيان، ٘/ٜٔ٘، و معالم التنزيل، ٕ/ٜ٘ٔ، والكشاف، ٔ/ٕٜٗ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٗ، و التبيان في إعراب القرآن ، ٔ/ٕٖٚ، و البحر ا﵀يط، ٖ/٘ٙٔ، والدر الدصون، ٖ/ٗ٘٘، و اللباب، ٙ/ٗٗٔ، و إرشاد العقل ، ٕ/ٜٖٔ، والتحرير والتنوير، ٗ/ٔٔ. (ٙ) ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٗ، والتحرير والتنوير، ٗ/ٔٔ. (ٚ) ورد في صحيح البخاري أن قريش لدا رأت أن من آمن منهم يلحق بأبي بصتَ حتى اجتمعت منهم عصابة، فصاروا إذا سمعوا بعتَ خرجت لقريش إلى الشام اعتًضوا لذا، فقتلوىم وأخذوا أموالذم، "فَأَرْسَلَتْ ق ُرَيْشُ إِلىَ الن بيِِّ ت ُنَاشِدُهُ بِ الل وِ وَالر حِمِ ." انظر: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والدصالحة مع أىل الحرب وكتابة الشروط، رقم/ ٕٔٛ٘، ٕ/ٜٗٚ. (ٛ) التحرير والتنوير، ٗ/ٔٔ. (ٜ) التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، والدر الدصون، ٖ/٘٘٘، واللباب، ٙ/ٗٔ٘.
عدد الصفحات ٢٩٦- 172 - من غ إعادة الجار، وذىاباً إلى أن في القسم بها تنبيهاً على وجوب صلتها وتعظيماً لشأنها، وأنها من ا﵁ بدكان.(ٔ) وىذا الوجو بعيد، وقد ذىب إلى ضعفو الكثتَ من الدفسرين ومعربي القرآن. (ٕ) وقال ابن عطية فيو: "وىذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده ، وإن كان الدعتٌ يخرجو ."(ٖ) وقد وقع – وللأسف - من بعض الدفسرين والنحويتُ تضعيف وتوىتُ وطعنٌ في قراءة الجر، وكان من أبرز من تكل م بها: الطبري، ومكي، والزجاج، والزلسشري، والعكبري، والنحاس، وابن عطية، والبيضاوي. (ٗ) وقد احتجوا لدا ذىبوا إليو بعدم جواز العطف على الضمتَ المجرور، دون إعادة الجار عند البصريتُ، (٘) (ٔ) البحر ا﵀يط، ٖ/ٙٔٚ. (ٕ) إعراب النح اس، ٔ/ٖٔٗ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/٘، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٘/ٖ، والدر الدصون، ٖ/٘٘٘، والبحر الدديد، ٕ/ٖ. (ٖ) ا﵀رر الوجيز، ٕ/٘، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٚٙٔ. (ٗ) جامع البيان ، ٚ/ٖٕ٘، ومعاني الزج اج، ٕ/ٙ، وإعراب النح اس، ٔ/ٖٔٗ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٖ٘ٚ–ٖٙٚ، و الكشاف، ٔ/ٕٜٗ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/٘، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٕٖٚ، وأنوار التنزيل ، ٕ/ٜٖٔ. (٘) للنحويتُ في العطف على الضمتَ المجرور دون إعادة الجار ثلاثة مذاىب: الأول: عدم جواز العطف على الضمتَ المجرور دون إعادة حرف الجر، إلا في الضرورة، وىو مذىب جمهور البصريتُ. والثاني: جواز ذلك، ولو دون إعادة الجار. وىو مذىب الكوفيتُ وبعض البصريتُ . الثالث: يجوز ذلك إن أُ كِّ د الضمتَ، وإلا لم يجز في الكلام، نحو: مررت بك نفسك وزيد ، وىذا مذىب الجرمي والزيادي ، وأجازه الفراء. واستدل كل فريق بحجج تؤيد مذىبو. ومن أبرز حجج البصريتُ: أولاً: أن الدضمر المجرور بدنزلة الحرف ، والحرف لا ينفصل ألبتة، فهو بدنزلة التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف الدظهر عليو؛ لأن من شرط العطف حصول الدشابهة بتُ الدعطوف والدعطوف عليو، فإذا لم برصل الدشابهة وجب أن لا يجوز العطف. ثانياً: لم يستحسنوا عطف الدظهر على الدضمر الدرفوع ، فلا يجوز أن يقال: اذىب وزيد ، بل يقولون: اذىب أنت وزيد ، مع أن الدضمر الدرفوع قد ينفصل فإذا لم يجز عطف الدظهر على الدضمر الدر فوع مع أنو أقوى من الدضمر المجرور؛ لأنو قد ينفصل، فلأن لا يعطف الدظهر على الدضمر المجرور أَولى ؛ لأنو لا ينفصل ألبتة. ثالثاً: إنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وىذا الدعتٌ ىنا غتَ حاصل؛ لأنك لا تقول: مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد . ويمكن تلخيص حجج الكوفيتُ بالآتي: أولاً: جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب قال ا﵁ تعالى: ﴿وَيَسْت َفْتُونَكَ فيِ النِّسَاءِ قُلِ الل وُ ي ُفْتِيكُمْ فِيهِن وَمَا ي ُت ْلَى عَلَيْكُمْ فيِ الْكِتَابِ ﴾ [سورة النساء /ٕٚٔ]. ف (ما في موضع خفض؛ لأنو عطف على الضمتَ الدخفوض في (فيهن)، وقال أيضاً: ﴿وَصَد عَنْ سَبِيلِ الل وِ وَكُفْرٌ بِوِ وَالْمَسْجِدِ الحَْرَامِ ﴾سورة البقرة /ٕٚٔ]، حيث عطف (الْمَسْجِدِ الحَْرَامِ) على الذاء الضمتَ المجرور في (بو). ثانياً: ورد مثل ذلك في الشعر كثتَاً، ومنو: قول الشاعر: أَكُر عَلَى الْكِتيبَةِ لاَ أُبَالِِ ... أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سَوَاىَا. ف (سواىا) في موضع خفض بالعطف على الضمتَ الدخفوض في (فيها) والتقدير: أم في سواىا. فالقرآن والشواىد الشعرية والنثرية تؤيد مذىب الكوفيتُ، وىو الراجح. ويمكن التوسع في معرفة أدلة كل فريق ومناقشتها من خلال الرجوع إلى كتب النحو. =
عدد الصفحات ٢٩٧- 173 - واحتج الزجاج وابن عطية بضعف معناىا.(ٔ) وقد أحسن الرازي وأبو حيان الأندلسي بالردِّ عليهم ودحض حججهم، ويمكن تلخيص ردهما بالآتي: ٔ- أن حمزة أحد القراء السبعة، وىو بالرتبة الس ني ة الدانعةِ لو من نقلِ قراءة ضعيفة، فالظاىر أنو لم يأت بهذه القراءة من عند نفسو بل رواىا عن رسول ا﵁ وذلك يوجب القطع بصحة ىذه القراءة. و العجب من النحاة الذين يستحسنون إثبات اللغة بأبيات شعرية لرهولة، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة مع أنو من أكابر علماء السلف في علم القرآن .(ٕ) ٕ - يمكن بزريج ىذه القراءة على تقدير تكرير الجار، كأنو قيل: تساءلون بو وبالأرحام . ٖ - ورد في الشعر العطف على الضمتَ دون إعادة الجار، و قد أنشد سيبويو في ذلك:(ٖ) فالي َوْمَ قر بتَ ت َهْجُونَا وتَشْتُمُ نَا فَاذْىَبْ فَمَا بِكَ والأي امِ مِنْ عَجَب.(ٗ) (البحر البسيط) راجع: الإنصاف في مسائل الخلاف، ٕ/ٖٙٗ–ٗٚٗ، وشرح الرضي على الكافية، ح ٕ/ٖٖٗ–ٖٖٚ، وتوضيح الدقاصد، ٕ/ٕٙٓٔ– ٕٚٓٔ، وحاشية الصبان، ٔ/ٚٙٔ-ٜٙٔ. وانظر: البحر ا﵀يط، ٕ/ٙ٘ٔ–ٚ٘ٔ، واللباب، ٗ/ٔٔ–ٕٔ، ٙ/ٗٗٔ–ٙٗٔ. (ٔ) جاء في تفستَ الطبري: "والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غتَىا في ذلك: النصب ... ؛ لدا قد بينا أن العرب لا تعطف بظاىرٍ من الأسماء على مكتٍّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر." انظر: جامع البيان، ٚ/ٖٕ٘، وجاء في معاني الزجاج: "القراءة الجيدة نصب الأرحام، ... فأما الجر في الأرحام فخطأ في العربية، لا يجوز إلا في اضطرار شعر، وخطأٌ أيضاً في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي قال "لابرلفوا بآبائكم، فكيف يكون تساءلون بو وبالرحم على ذا؟" انظر: معاني الزج اج، ٕ/ٙ، وجاء في الكشاف: "والجر على عطف الظاىر على الدضمر، وليس بسديد؛ لأن الضمتَ الدتصل متصل كاسمو، والجار والمجرور كشيء واحد." انظر: الكشاف، ٔ/ٕٜٗ. وجاء في ا﵀رر الوجيز : "ويرد عندي ىذه القراءة من الدعتٌ وجهان : أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل بو لا معتٌ لو في الحض على تقوى ا﵁، ولا فائدة فيو أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وىذا تفرق في معتٌ الكلام وغض من فصاحتو، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجو الثاني: أن في ذكرىا على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قولو : (من كان حالفاً فليحلف با﵁ أو ليصمت)." انظر: ا﵀رر الوجيز، ٕ/٘. وجاء في أنوار التنزيل : "وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمتَ المجرور، وىو ضعيف؛ لأنو كبعض الكلمة." انظر: أنوار التنزيل، ٕ/ٜٖٔ. وقد رد القونوي ىذه الحجة في حاشيتو على تفستَ البيضاوي، بأن مراد البيضاوي من قولو: ضعيف، أي فصيح غتَ أفصح، وقراءة الجمهور أفصح، إلا أن ما ذكره من وجو الضعف من أنو بدنزلة بعض الكل مة - فكما لا يجوز العطف على بعض الكلمة كذلك لا يجوز العطف عليو - مردود ؛ لأن كون الشيء بدنزلة شيء آخر لا يقتضي كونو كذلك في كل الأحكام، وىذه قراءة متواترة يجب على الكل قبولذا، وعدم لزاكمتها إلى الأفصح من لغات العرب. انظر: حاشية القونوي على تفستَ البيضاوي، ٚ/ٜ. (ٕ) مفاتيح الغيب، ٜ/ٖٖٔ-ٖٔٗ، و البحر ا﵀يط، ٖ/ٚٙٔ، والدر الدصون، ٖ/٘٘٘، واللباب، ٙ/ٚٗٔ. (ٖ) مفاتيح الغيب، ٜ/ٖٖٔ، و اللباب، ٙ/ٗٔٙ. (ٗ) ىذا البيت من شواىد سيبويو، ولم أعثر على قائلو. انظر: كتاب سيبويو، ٕ/ٖٖٛ.
عدد الصفحات ٢٩٨- 174 - ٗ – لا يمكن استناداً لدذىب البصريتُ رد قراءة ث ابتة صحيحة؛ لأننا لسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غتَىم لشن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيتُ من كلام العرب لم ينقلو البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريتُ لم ينقلو الكوفيون، والقرآن وقراءاتو حجة على قواعد الكوفيتُ والبصريتُ جميعها. (ٔ) ٘ – يُرد على ما ذىب إليو الزجاج من كون قراءة الجر خطأ عظيم اً في أمر الدين؛ لأن النبي نهى عن الحلف بالآباء بأن ىذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونو في الجاىلية؛ لأنهم كانوا يقولون أسألك با﵁ والرحم ، وحكاية ىذا الفعل عنهم في الداضي لا تنافي ورود النهي عنو في الدستقبل، وأيضاً الحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط، وىنا ليس كذلك بل ىو حلف با﵁ أولاً ، ثم يقرن بو بعده ذكر الرحم . و ىذا لا ينافي مدلول الحديث.(ٕ) يُ لحَ ظ من كل ما سبق أن قراءة النصب قراءة بليغة وقوية الدعتٌ وعلى ىذا اتفق الدفسرون، وقد ذكر بعض الدفسرين وجوىاً من البلاغة في قراءة الجر، من ذلك اشتمالذا على تعظيم حقوق الأرحام؛ لأن ا﵁ قرنها باسمو في التوسل والسؤال بها. وأما ما قيل في الطعن فيها، فلم يخفَ ما فيو، ولا يخفى أن الحجج التي استندوا إليها حجج واىية لا تثبت أمام النقل الصحيح الثابت عن النبي . والقراءتان تتعاضدان في ا ث والحض على حفظ حقوق الأرحام ووجوب احتًامها، وترك إهمالذا. ومن الأسماء الدختلف في قراءتها والتي جرت على التبادل بتُ النصب والجر كلمة ﴿وَالْكُف ارَ ﴾ من قولو تعالى: ﴿يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا لاَ ت َت خِذُوا ال ذِينَ ابز َذُوا دِينَكُمْ ىُزُوًا وَلَعِ بًا مِنَ ال ذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ ق َبْلِكُمْ وَالْكُف ارَ أَوْلِيَاءَ ﴾ [سورة الدائدة /ٚ٘]، حيث قرأ البصريان والكسائي ﴿وَالْكُف ارِ ﴾ بالجر، وقرأ الباقون ﴿وَالْكُف ارَ ﴾ بالنصب.(ٖ) ووجو قراءة الجر العطف على قولو: ( مِنَ ال ذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ )، فعطف ( الْكُف ارِ ) على الاسم الدوصول (ال ذِينَ ) الثاني المجرور ب (من).(ٗ) ومعتٌ الآية على ىذه القراءة : يا أيها الدؤمنون لا تتخذوا الدستهزئتُ من أىل الكتاب ومن الكفار أولياء. فبتُ في ىذه الآية أن الدستهزئتُ الذين ابزذوا دين الدؤمنتُ ىزواً ولعباً صنفان: أىل (ٔ) البحر ا﵀يط، ٖ/ٚٙٔ. (ٕ) مفاتيح الغيب، ٜ/ٖٔٗ. (ٖ) السبعة، ص ٕ٘ٗ، والتيستَ، ص ٘ٚ، والعنوان، ص ٛٛ، والنشر، ٕ/ٕٛٛ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٛٗ. (ٗ) مشكل إعراب القرآن، ٔ/ٖٕٓ، و التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٙٗٗ.
عدد الصفحات ٢٩٩- 175 - كتاب: وىم اليهود والنصارى، وكفار عبدة الأوثان.(ٔ) ويؤيد معتٌ ىذه القراءة قراءة أبي بن كعب : (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء)، بالإتيان ب (من).(ٕ) و اسم الكفر وإن كان يطلق على الفريقتُ، إلا أنو غلب على عبدة الأوثان اسم (الكفار)، وعلى اليهود والنصارى اسم (أىل الكتاب)، وقد فرقت الآية بتُ الكفار وبتُ الذين أوتوا الكتاب، من حيث غلبة أن يقع اسم الكفار على الدشركتُ با﵁ عبادة أوثان؛ لتضاعف كفرىم ، فإنهم أبعد شأواً في الكفر.(ٖ) ووجو قراءة النصب العطف على قولو: (ال ذِينَ ابز َذُواْ ). فعطف (الْ كُف ارَ ) على الاسم الدوصول الأول.(ٗ) ومعتٌ الآية على ىذه القراءة : لا تتخذوا الدستهزئتُ، ولا الكفار أولياء. فالدوصوف بالذزؤ واللعب في ىذه القراءة اليهود لا غتَ، و ليس في ىذه القراءة إخبار عن استهزاء الدشركتُ .(٘) وقد رجّح مكي بن أبي طالب قراءة الجر؛ لقوتها في الإعراب و في الدعتٌ والتفستَ، ولقرب الدعطوف من الدعطوف عليو، فقال: "ولولا اتفاق الجماعة على النصب، لاختًت الخفض؛ لقوت و في الإعراب و في الدعتٌ والتفستَ، و القرب من الدعطوف عليو."(ٙ) و رجّح النحاس قراءة النصب؛ لكونها أفصح وأبتُ، ونقل القرطبي مثل ذلك عن الكسائي.(ٚ) و يمكن الجمع بتُ الحجج التي ذكرىا الدرجِّحون لتقوية اختياراتهم، دون اللجوء إلى مسلك التًجيح؛ لأن الآية بقراءتيها تنهى الدؤمنتُ عن ابزاذ اليهود والدشركتُ أولياء، وكل منهما في قراءة الجر موصوف بالذزؤ واللعب، خلافاً لقراءة النصب، وىذا يوضح القيمة البلاغية لتنوع إعراب القراءات ، حيث أضافت قراءة الجر إلى الآية معتٌ جديداً كم لت بو معتٌ قراءة النصب، وىذا من وجوه الإعجاز البلاغي في نظم القرآن . ولشا ورد على التبادل بتُ النصب والجر في القراءات من الأسماء: كلمة ﴿الط اغُوتَ ﴾ من قولو تعالى: ﴿قُلْ ىَلْ أُن َبِّئُكُ مْ بِشَر مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ الل وِ مَنْ لَعَنَوُ الل وُ وَغَضِبَ عَلَيْوِ وَجَعَلَ مِن ْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالخَْنَازِيرَ وَعَبَدَ الط اغُوتَ (ٔ) جامع البيان، ٓٔ/ٖٔٗ، وحجة ابن خالويو، ص ٕٖٔ، وحجة أبي زرعة، ص ٖٕٓ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٖٔٗ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٜٕٓ، و مفاتيح الغيب، ٕٔ/ٕٛ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٖٕٕ، وفتح القدير، ٕ/ٜٚ. (ٕ) جامع البيان، ٓٔ/ٖٔٗ، و الكشاف، ٔ/ٖٛٙ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٜٓ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٖٕٕ، وفتح القدير، ٕ/ٜٚ. (ٖ) الكشاف، ٔ/ٖٛٙ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٜٓ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٕٕٗ، وأنوار التنزيل، ٕ/ٖٔٗ. (ٗ) جامع البيان، ٓٔ/ٖٔٗ، ومشكل إعراب القرآن، ٔ/ٖٕٓ، و التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٙٗٗ. (٘) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٗٔٗ، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٜٓ، ومفاتيح الغيب، ٕٔ/ٕٛ، والجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٖٕٕ. (ٙ) الكشف عن وجوه ا لقراءات، ٔ/ٖٔٗ–ٗٔٗ. (ٚ) إعراب النح اس، ٕ/ٜٕ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٖٕٕ.
عدد الصفحات ٣٠٠- 177 - أُولَئِكَ شَر مَكَانًا وَأَضَل عَنْ سَوَاءِ الس بِيلِ ﴾ [سورة الدائدة /ٓٙ]، حيث قرأ حمزة ﴿وَعَبُ دَ الط اغُوتِ ﴾ بضم الباء وجر (الط اغُوتِ) ، وقرأ الباقون ﴿وَعَبَدَ الط اغُوتَ ﴾ بفتح الباء ونصب (الط اغُوتَ ).(ٔ) ووجو قراءة الجمهور أنو جعل ( عَبَدَ ) فعلاً ماضياً، و(الط اغُوتَ ) مفعولاً للفعل (عَبَدَ ). و الجملة على ىذه القراءة معطوفة على الصلة في قولو: ﴿مَنْ لَعَنَوُ الل وُ ﴾،(ٕ) أو أنو ليس داخلاً في حيز الصلة، وإنما ىو على تقدير (مَ ن)، أي: ومَ ن عبد.(ٖ) أو معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ وَالخَْنَازِيرَ ﴾ أي: جعل منهم القردة والخنازير وجعل منهم عَ بدَ الطاغوت حملاً على لفظ (مَ نْ ).(ٗ) ومعتٌ الآية على ىذه القراءة: قل ىل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ا﵁، من لعنو ا﵁ و من غضب عليو، و من جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.(٘) ويؤيد ىذه القراءةَ قراءةُ عبد ا﵁ بن مسعُودٍ : (وَمَنْ عَبَدُوا الط اغُوتَ ).(ٙ) ووجو قراءة حمزة: أن (عَبُ دَ ) جمع (عَ بْ د)، وىو جمع سماعي قليل، و(الط اغُوتِ) لررور بإضافة (عَبُ دَ ) إليو.(ٚ) أو أن (عَبُ دَ ) واحد أُريد بو الكثرة، وليس بجمع (عَ بْ د)؛ لأنو ليس في أبنية الجمع مثلو، فهو كلفظ ( نِعْمَةَ ) في قولو تعالى: ﴿وَإِنْ ت َعُد وا نِعْمَةَ الل وِ لاَ برُْصُوىَا﴾ [سورة النحل /ٛٔ]، لكن ضُ م ت الباء للمبالغة، كقولذم: رجل حذُ ر وفطُ ن للبليغ في الحذر والفطنة. وعلى ىذا أكثر الدفسرين. وبذلك يكون تأويل قراءة الجر: جعل منهم من ىو خادمٌ للطاغوت، بالغٌ الغاية في عبادة الطاغوت و طاعة الشيطان.(ٛ) (ٔ) السبعة، ص ٕٙٗ، والتيستَ، ص ٘ٚ، والعنوان، ص ٛٛ، والنشر، ٕ/ٕٛٛ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٛٗ. (ٕ) حجة ابن خالويو، ص ٖٖٔ، وحجة الفارسي، ٖ/ٖٕٛ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٕٔ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٔٔ، والتبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٛٗٗ، و أنوار التنزيل ، ٕ/ٖٖٗ، والتحرير والتنوير، ٘/ٖٗٔ. (ٖ) جامع البيان، ٓٔ/ٜٖٗ، و معاني النح اس، ٕ/ٖٖٓ، و الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٗٔٗ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٙ/ٖٕ٘، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٜٕ٘، والدر الدصون، ٗ/ٕٖٚ، و اللباب، ٚ/ٜٔٗ، وفتح القدير، ٕ/ٓٛ. (ٗ) فتح القدير، ٕ/ٓٛ. (٘) جامع البيان، ٓٔ/ٖٗٗ، وزاد الدستَ، ٕ/ٖٛٛ، والدر الدصون، ٗ/ٕٖٚ، و اللباب، ٚ/ٕٔٗ، والتحرير والتنوير، ٘/ٖٗٔ. (ٙ) معالم التنزيل، ٖ/٘ٚ، و الكشاف، ٔ/٘ٛٙ، و اللباب، ٚ/ٕٔٗ. (ٚ) التبيان في إعراب القرآن، ٔ/ٛٗٗ، و أنوار التنزيل، ٕ/ٖٖٗ، و اللباب، ٚ/ٜٔٗ، والتحرير والتنوير، ٘/ٖٗٔ. (ٛ) معاني النح اس، ٕ/ٖٖٔ، و حجة ابن خالويو، ص ٖٖٔ، و حجة أبي زرعة، ص ٖٕٔ، والكشف عن وجوه القراءات، ٔ/ٗٔٗ، وا﵀رر الوجيز، ٕ/ٕٔٔ، والدوضِّح، ٔ/ٙٗٗ، وزاد الدستَ، ٕ/ٖٛٛ، ومفاتيح الغيب، ٕٔ/ٕٖ، و الجامع لأحكام القر آن، ٙ/ٖٕ٘، وفتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب للطيبي ( ٖٗٚى )، دراسة وبرقيق لسورتي النساء والدائدة، رسالة معدة لنيل درجة الدكتوراه، إعداد: صالح بن ناصر الناصر، بإشراف: د.حكمت بشتَ ياستُ، الجامعة الإسلامية في الددينة الدنورة، كلية القرآن الكريم، قسم =
عدد الصفحات ٣٠١- 172 - قال أبو علي الفارسي : "و جاء على ف َ عُ ل؛ لأنو بناء يراد بو الكثرة والدبالغة، في نحو: ي َ قُ ظ ونَ دُ س، ... فكأن تقديره أنو قد ذىب في عبادة الطاغوت والتذلل لو كل مذىب وبرقق بو."(ٔ) وقال الزلسشري: "معناه الغلو في العبودية؛ كقولذم: رجل حذُ ر وفطُ ن، للبليغ في الحذر والفطنة."(ٕ) والإضافة إلى الطاغوت تقتضي الدلازمة، فهو كقولو: خدم الطاغو ت ولازم خدمتو، وىذه الدلازمة، كملازمة الدلائكة عبادة الرحمن في قولو تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ ال ذِينَ ىُمْ عِبَادُ الر حمَْنِ ﴾ [سورة الزخرف /ٜٔ]. أي: إن ا﵁ قدحكم عليهم بذلك ووصفهم بو.(ٖ) وقد ذىب بعض الدفسرين – ومنهم الفراء والطبري والنحا س ومكي بن أبي طالب – إلى تضعيف قراءة حمزة وترجيح قراءة الجمهور عليها، (ٗ) بدعتٌ: و من جعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت؛ لزتجتُ بأن (عَبُدَ) لم يجر على القياس، وىو غتَ مستفيض ولا معروف في كلام العرب ، وبأن مثلو لا يجوز إلا في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا.(٘) وبأن قراءة عبد ا﵁ بن مسعود بدعتٌ: والذين عبدوا الطاغوت تؤيد معتٌ قراءة النصب. (ٙ) وذىب الطبري ومكي إلى أن وجو قراءة النصب بعيد، لكنو جائز على بعده؛ ف أىل العربية "يستنكرون إعمال شيء في (مَ نْ ) و(الذي) الدضمرين ويستقبحونو، حتى كان بعضهم حليل ذلك ولا يجيزه . ... كان آخرون يجيزونو على قبح، لذا كان الواجب على قولذم أن تكون القراءة بذلك قبيحة، لكن مع استقباحهم ذلك في الكلام اختاروا القراءة ﴿وَعَبَدَ الط اغُوتَ ﴾، ... ولو كنا نستجيز لسالفة الجماعة في شيء لشا جاءت بو لرمعة عليو، لاختًنا القراءة بغتَ ىاتتُ القراءتتُ، غتَ أن ما جاء بو الدسلمون مستفيضاً فيهم لا يتناكرونو، فلا نستجيز الخروج منو إلى غتَه، فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتتُ ."(ٚ) التفستَ، عام ٘ٔٗٔى ، المجلد الثاني، ص ٖٓٛ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٖٓ٘، والدر الدصون، ٗ/ٕٖٛ، وفتح القدير، ٕ/ٓٛ، وروح الدعاني، ٙ/ٙٚٔ. (ٔ) حجة الفارسي، ٖ/ٖٕٚ. (ٕ) الكشاف، ٔ/٘ٛٙ. (ٖ) جامع البيان، ٓٔ/ٜٖٗ، و الكشاف، ٔ/ٙٛٙ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٖٔ٘. وانظر: القراءات العشر الدختلفة في العلامة الإعرابية وأثر ذلك في الدعتٌ، ص ٖٛٔ–ٜٖٔ. (ٗ) معاني الفَر اء، ٔ/ٖٗٔ–ٖ٘ٔ، و جامع البيان، ٓٔ/ٓٗٗ، و معاني النح اس، ٕ/ٖٖٔ، وروح الدعاني، ٙ/ٙٚٔ. (٘) معاني الفَر اء، ٔ/ٖ٘ٔ، و جامع البيان، ٓٔ/ٓٗٗ. (ٙ) جامع البيان، ٓٔ/ٕٗٗ. (ٚ) جامع البيان، ٓٔ/ٕٗٗ.
عدد الصفحات ٣٠٢- 172 - وإلى ذلك يذىب مكي أيضاً، فيقول: "حملاً على لفظ (مَ نْ )، وىو الاختيار؛ لأن عليو الجماعة، وىو أبتُ في الدعتٌ؛ لأن التقدير: من لعنو ا﵁، ومن غضب عليو، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، فهو أبتُ في المجانسة والدطابقة، وحمل آخر الكلام على مثال أولو."(ٔ) أي: إن مَ كي اً يرجِّح قراءة الجمهور؛ لكونها قراءة الجماعة، ول قوة معناىا ووضوحو، وكونها أن سب لسياق الآية ونسقها ونظمها. والقراءتان تتساويا ن في البلاغة فيما أرى؛ فقراءة الجمهور أوضح في الدعتٌ، وأوفق للسياق، وقراءة حمزة بليغة من جهة التعبتَ ب (عَبُد) عن الكثرة؛ للمبالغة، كما أن الإضافة فيها تدل على ملازمة العابد للطاغوت ملازمة الخادم لسيده. ولشا ورد على التبادل بتُ النصب والجر في القراءات من الأسماء: كلمة ﴿برَْت َهَا﴾ من قولو تعالى: ﴿وَالس ابِقُونَ الأَْو لُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ وَال ذِينَ ات ب َعُوىُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الل وُ عَن ْهُمْ وَرَضُوا عَنْوُ وَأَعَد لذَُمْ جَن اتٍ بذَْرِي برَْت َهَا الأَْن ْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة /ٓٓٔ]، حيث قرأ ابن كثتَ ﴿مِن برَْتِ هَا﴾ بزيادة (مِنْ) وجر (برَْتِهَا)، وقرأ الباقون ﴿برَْت َهَا﴾ بدون (من) وبالنصب.(ٕ) وقد اتفق القراء على إثبات (من) قبل (برتها) في سائر القرآن ، إلا ىذا الدوضع فقد اختلفوا على النحو الدبتُ آنفاً، و الفرق بتُ القراءتتُ ىو أن قراءة إثبات (من) تبتُِّ أن مبتدأ جري الأنهار من برت الجنّات؛ لأن (مِن) لابتداء الغاية، أي: إن الداء ينبع من برت أشجارىا، لا يأتي من موضع ويجري من برت ىذه الأشجار، أما في سائر القرآن فالدعتٌ: أن الأنهار تأتي من موضع وبذري برت ىذه الأشجار.(ٖ) ولذلك يرى ابن الجزري أن الجنات الدذكورة في آية التوبة معدة لدن ذُ كِ ر؛ تعظيماً لأمرىم ، وتنويهاً بفضلهم، وإظهاراً لدنزلتهم ؛ لدبادرتهم إلى تصديق النبي .(ٗ) والدعتٌ الذي ذكره ابن الجزري وجيو ، ولا يتعارض مع الآيات الدتفق على قراءتها بإثبات (مِ نْ )، بل ربدا يدل على بلاغة نظم القرآن عامة الذي يعبر في بعض الدواضع عن معانٍ تشتمل على مزايا لطائفة لسصوصة كما ىنا؛ حيث خص ا﵁ بالجنات الدذكور ة السابقتُ الأولتُ من الدهاجرين و الأنصار، ومن تبعهم بإحسان. (ٔ) الكشف عن وجوه القراءات، ٔ/٘ٔٗ. (ٕ) السبعة، ص ٖٚٔ، والدبسوط، ص ٕٕٛ، وتذكرة ابن غلبون، ص ٜٖ٘، والتيستَ، ص ٘ٛ، والنشر، ٕ/ٖ٘ٔ، وبربتَ التيستَ، ص ٖٜٖ. (ٖ) الدوضِّح، ٕ/ٖٓٙ، و النشر، ٕ/ٖٙٔ. (ٗ) النشر، ٕ/ٖٙٔ.
عدد الصفحات ٣٠٣- 122 - ولشا ورد على التبادل بتُ النصب والجر في القراءات من الأسماء:كلمتا ﴿وَنِصْفَوُ وَث ُلُثَوُ ﴾ من قولو تعالى: ﴿إِن رَب كَ ي َعْلَمُ أَن كَ ت َقُومُ أَدْنَ مِنْ ث ُلُثَيِ الل يْلِ وَنِصْفَوُ وَث ُلُثَوُ ﴾ [سورة الدزمل /ٕٓ]، حيث قرأ ابن كثتَ والكوفيون ﴿وَنِصْفَوُ وَث ُلُثَوُ ﴾، وقرأ الباقون ﴿وَنِصْفِ وِ وَث ُلُثِ وِ ﴾ بالجر.(ٔ) ووجو قراءة الجر العطف على (ث ُلُثَي الل يْلِ )، والدعتٌ على ىذه القراءة: إن ا﵁ يعلم أنك تقوم أقل من نصف الليل وأقل من ثلثو.(ٕ) ووجو قراءة النصب العطف على (أَدْنَ ). و الدعتٌ: إن ا﵁ يعلم أنك تقوم أدن من ثلثي الليل، و يعلم أنك تقوم نصف الليل، وتقوم ثلث الليل، بحيث لا تنقص عن النصف وعن الثلث شيئاً .(ٖ) و قراءة النصب مناسبة للتقسيم الذي في أول السورة ؛ وتطابق التخيتَ فيما مر بتُ قيام النصف بتمامو، وبتُ قيام الناقص منو وىو الثلث، وبتُ قيام الزائد عليو وىو الأدن من الثلثتُ؛(ٗ) لأنو إذا قام الليل إلا قليلاً صدق عليو قولو: ﴿أَدْنَ مِنْ ث ُلُثَيِ الل يْلِ ﴾؛ لأن الزمان الذي لم يقم فيو ىو الثلث وشيئٌ من الثلثتُ، فيصدق عليو قولو: ﴿إِلا قَلِيلاً ﴾. وأما قولو: (وَنِصْفَوُ )، فهو مطابق لقولو أولاً : (نِصْفَوُ ) [سورة الدزمل /ٖ]وقولووَث ُلُثَوُ ) تطابق قولو: ﴿أَوِ انقُصْ مِنْوُ قَلِيلاً ﴾ [سورة الدزمل /ٖ]فقد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلث الليل. وأما قولو: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْوِ ﴾ [سورة الدزمل /ٗ]، فإنو إذا زاد على النصف قليلاً، كان الوقت أقل من الثلثتُ، فيكون قد طابق قولو: ﴿إِن رَب كَ ي َعْلَمُ أَن كَ ت َقُومُ أَدْنَ مِنْ ث ُلُثَيِ الل يْلِ ﴾، ويكون قولو تعالى: ﴿نِ صْفَوُ أَوِ انقُصْ مِنْوُ قَلِيلاً ﴾ [سورة الدزمل /ٖ] شرحاً لدبهم ما دل عليو قولو: ﴿قُمِ ال ليْلَ إِلا قَلِيلاً ﴾ [سورة الدزمل /ٕ].(٘) (ٔ) السبعة، ص ٛ٘ٙ، والتيستَ، ص ٖٚٔ، والكفاية، ص ٖٓٔ، والنشر، ٕ/ٖٖٗ، وبربتَ التيستَ، ص ٜٙ٘. (ٕ) جامع البيان، ٖٕ/ٜٚٙ، و إعراب النح اس، ٘/ٕٙ، و حجة ابن خالويو، ٖ٘٘، وحجة الفارسي، ٙ/ٖٖٚ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٔٚ، و مشكل إعراب القرآن، ٕ/ٜٙٚ، ومفاتيح الغيب، ٖٓ/ٖ٘ٔ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٗٛٔ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٜٔ/ٕ٘، و إرشاد العقل ، ٜ/ٖ٘، وروح الدعاني، ٜٕ/ٓٔٔ، والتحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٕٙ. (ٖ) جامع البيان، ٖٕ/ٜٚٙ، و إعراب النح اس، ٘/ٕٙ، و حجة ابن خالويو، ٖ٘٘، و حجة الفارسي ، ٙ/ٖٖٙ-ٖٖٚ، و مشكل إعراب القرآن، ٕ/ٜٙٚ، والتبيان في إعراب القرآن، ٕ/ٕٗٛٔ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٜٔ/ٕ٘، والبحر ا﵀يط، ٛ/ٖٛ٘، والدر الدصون، ٓٔ/ٕٛ٘، و إرشاد العقل ، ٜ/ٖ٘، وروح الدعاني، ٜٕ/ٓٔٔ، و التحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٕٙ. (ٗ) روح الدعاني، ٜٕ/ٓٔٔ. (٘) البحر ا﵀يط، ٛ/ٖٛ٘، والدر الدصون، ٓٔ/ٕٛ٘-ٜٕ٘، و اللباب، ٜٔ/ٔٛٗ.
عدد الصفحات ٣٠٤- 122 - وقد رج ح أبو عبيد قراءة الجر؛ لدناسبتها لقولو تعالى بعده﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ برُْصُوهُ ﴾ [سورة الدزمل /ٕٓ] .أي: إن ا﵁ علم أنهم لن حلصوه، فكيف يقدرون على أن يعرفوا نصفو وثلثو. وكيف يكون الدعتٌ أنهم يقومون نصف الليل على قراءة النص ب ثم يخبر بعد ذلك أنهم لن حلصوه، أي: يطيقوه.(ٔ) كما فس ره الحسن.(ٕ) ورجّح الفراء ومكي قراءة النصب؛ لأن الدعتٌ عندهما عليها أولى؛ لأن ا﵁ قال لنبيو : ﴿قُمِ ال ليْلَ إِلا قَلِيلاً ﴾، أي: صل الليل إلا شيئاً يستَاً منو تنام فيو، وىو الثلث، والثلث يستَ عند الثلثتُ، ثم قال: ﴿نِ صْفَوُ أَوِ انقُصْ مِنْوُ قَلِيلاً ﴾ أي: نصفو أو أنقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثتُ. ولو قُرِئ بالجر لكان معناه أنهم كانوا يقومون أقل من الثلث، وفي ىذا لسالفة لدا أمروا بو؛ لأن ا﵁ قال: قم الليل إلا قليلاً : نصفو أو أنقص منو قليلاً إلى الثلث، أو زد على الثلث، ولم يأمرىم بأن ينقصوا من الثلث شيئاً .(ٖ) وأما قولو: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ برُْصُوهُ ﴾، فهو كقولو : "استقيموا ولن برصوا."(ٗ) أي: ولن تطيقوا.(٘) جاء في معاني القرآن، للفراء: " فمن خفض أراد : تقوم أقل من الثلثتُ، وأقل من النصف، ومن الثلث. ومن نصب أراد : تقوم أدن من الثلثتُ، فيقوم النصف أو الثلث. وىو أشبو بالصواب؛ لأنو قال: أقل من الثلثتُ، ثم ذكر تفستَ القلة لا تفستَ أقل من القلة. ألا ترى أنك تقول للرجل : لِ عليك أقل من ألف درىم ثمانمائة أو تسعمائة، كأنو أوجو في الدعتٌ من أن تفسر قلة أخرى . وكل صواب."(ٙ) أي: إن الفراء يضعِّف معتٌ: وأقل من نصفو الذي تبيِّنو قراءة الجر؛ لأنو إنما يبتُ القليل عنده، لا أقل من القليل، ويستحسن معتٌ قراءة النصب؛ لأنها تبتُِّ قيام النبي بدا افتًضو ا﵁ عليو دون إنقاص شيء منو(ٚ) (ٔ) إعراب النح اس، ٘/ٕٙ، و حجة أبي زرعة ، ص ٖٕٚ. (ٕ) ا﵀رر الوجيز، ٘/ٖٚٛ، والدر الدصون، ٓٔ/ٕٜ٘، و اللباب، ٜٔ/ٔٛٗ. (ٖ) معاني الفَر اء، ٖ/ٜٜٔ، و الكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٖ٘ٗ–ٖٙٗ. (ٗ) سنن البيهقي الكبرى، كتاب الطهارة، باب فضيلة الوضوء، رقم/ ٜٖٛ، ٔ/ٕٛ، وسنن ابن ماجو، للحافظ لزمد بن يزيد أبي عبد ا﵁ القزو يتٍ (ٕ٘ٚى )، تح: لزمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بتَوت، د.ط.، د.ت.، كتاب الطهارة وسننها، باب ا﵀افظة على الوضوء، رقم/ ٕٚٚ، ٔ/ٔٓٔ. (٘) حجة أبي زرعة ، ص ٕٖٚ. (ٙ) معاني الفَر اء، ٖ/ٜٜٔ. (ٚ) إعراب النح اس، ٘/ٕٙ.
عدد الصفحات ٣٠٥- 121 - وجاء الكشف لدكي بن أبي طالب: "وكلا القراءتتُ حسن غتَ أن النصب أقوى؛ لأن الفرض كان على النبي قيام ثلث الليل، فإذا نصبت (ث ُلُثَ وُ) أخبرت أنو كان يقوم بدا فرض ا﵁ عليو وأكثر، فإذا خفضت (ث ُلُثِو) أخبرت أنو كان يقوم أقل من الفرض." (ٔ) وقد رد الإمام أبو جعفر النح اس على الفراء وأبي عبيد قائلاً: "والسلامة من ىذا عند أىل الدين إذا صحت القراءتان عن الجماعة أن لا يقال: إحداهما أجود من الأخرى ؛ لأنهما جميعاً عن النبي ،فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة رحمهم ا﵁ ينكرون مثل ىذا."(ٕ) و العبارات التي ذكرىا الأئمة في الانتصار لإحدى القراءتتُ لا تسقط القراءة الدرجوحة لديهم، وإنما تبتُِّ الحجج التي استندوا إليها في استحسان معاني بعض القراءات، وأرى أن الحجج التي خل فها موجهو القراءات عامة، والدرجِّحون خاصة تفتح آفاقاً للجمع بتُ القراءتتُ، وتفستَ التفاوت الظاىر بينهما، وتلهم الدتأخرين إلى طرق الجمع بتُ القراءات. والجمع بتُ الحجج، والتماس الحسن في جميع القراءات ىو الأولى بكلام ا﵁ ، والأليق بتعدد قراءاتو و يمكن تفستَ القراءتتُ ىنا والجمع بينهما على أساس اختلاف الأوقات، وبيان أن معتٌ كل قراءة وقع في وقت دون آخر، وبذلك يكون تقدير الدعتٌ: أنو كان يقوم نصف الليل تارة، وثلثو تارة، وأقل من النصف، و من الثلث أحياناً أخرى، وكلها أحوال معلومة ﵁ .(ٖ) و علمو بذلك يكون على حسب الوقوع ؛ لأنو قام تلك الدقادير في أوقات لستلفة، فقام أدن من الثلثتُ، ونصفاً ، وثلثاً، وقام أدن من النصف، وأدن من الثلث.(ٗ) و كل ىذه الأحوال الدختلفة عن قيام النبي بالليل تابعة لاختلاف أحوال الليالِ والأيام في طول بعضها وقصر بعض، وكلها داخلة برت التخيتَ الذي ختَه ا﵁ في قولو: ﴿قُمْ الل يْلَ إِلا قَلِيلاً ﴾ [سورة الدزمل /ٕ]إ قولو: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْوِ ﴾ [سورة الدزمل ٗ].(٘) وبذلك يتبتُ أن لا تنافي بتُ القراءتتُ . (ٔ) الكشف عن وجوه القراءات، ٕ/ٖ٘ٗ. (ٕ) إعراب النح اس، ٘/ٕٙ، و الجامع لأحكام القرآن ، ٜٔ/ٕ٘. (ٖ) روح الدعاني، ٜٕ/ٓٔٔ، والتحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٕٙ. بتصرف. (ٗ) اللباب، ٜٔ/ٔٛٗ. (٘) البحر ا﵀يط، ٛ/ٖٛ٘، و إرشاد العقل ، ٜ/ٖ٘، و التحرير والتنوير، ٜٕ/ٕٕٙ.
عدد الصفحات ٣٠٦- 122 - وىذا الدثال وما سبقو من الأمثلة يبتُِّ أن الإيجاز - الذي ىو لزور البلاغة وعمودىا - ىو الأثر الأبرز الذي أنتجو تعدد إعراب القراءات؛ حيث يعبرِّ القرآن من خلال نظمو بالكلمة الواحدة عن الدعاني الكثتَة من خلال تنوع القراءات ، و ينتج إلى جانب ىذا الأثر البلاغي آثار أخرى تتضح من سياق كل مثال من الأمثلة الآنفة الذكر، كالدبالغة في الذم، أو الدبالغة في الددح، أو الدبالغة في الحث على التزام الدأمور بو. ولا بد من الإشارة أختَاً إلى أن العلامة الإعرابية وما يتً تب على معانيها الوظيفية الأولى من معان بلاغية إنما ىو أمر راجعٌ إلى السياق وحده، مع اعتبار قرائن الأحوال الأخرى. أما الصناعة النحوية فهي من باب: "إنما يصلحو ويفسده معناه، فكل ما صلح بو الدعتٌ فهو جيد، وكل ما فسد بو الدعتٌ فمردود ."(ٔ) وىذا أمر مشتًك بتُ جميع القراءات الدتغايرة إعرابياً، كما تبتُ من الأمثلة الدذكورة في ىذا الدبحث بدطالبو الثلاثة، والدبحث الآتي سيتناول بالدراسة الوجوه البلاغية النابذة عن التغاير النحوي في الأفعال الدختلَف في قراءتها، وأثر ذلك في بلاغة نظم القرآن . (ٔ) الدقتضب، ٗ/ٖٔٔ، وشرح الدفصل، لابن يعيش، ٕ/٘ٙ. وانظر: التوجيو البلاغي، ص ٚٓٔ.
عدد الصفحات ٣٠٧- 482 - المبحث الثانيتنوع إعراب الأفعال المختلف في قراءتها ، وأثره في بلاغة النظم. المطلب الأول: التبادل بين الرفع والنصب، وأثره في بلاغة النظم. المطلب الثاني: التبادل بين الرفع والجزم، وأثره في بلاغة النظم.
عدد الصفحات ٣٠٨- 482 - يقسمالفعل إلى ثلبثة أقساـ، ىي: الداضي: الذم يدؿ على زمنو مضى كانقضى، كالدضارع: الذم يدؿ على الزمن الحاضر، كالأمر الذم يدؿ على طلب الفعل في الدستقبل. كالأصل في الأفعاؿ البناء، حيث يبتٌ الداضي على الفتحة، كعلى السكوف إف اتصلت بو تاء الفاعل الدتحركة، كعلى الضم إف اتصلت بو كاك الجماعة، كيبتٌ فعل الأمر على السكوف، كعلى حذؼ حرؼ العلة إف كاف معتلبن، كعلى حذؼ النوف إف كاف مضارعو من الأفعاؿ الخمسة. أما الفعل الدضارع فاتفق النحويوف على إعرابو ؛(ُ) لشبهو بالأسماء، من حيث جواز دخوؿ لاـ الابتداء عليو كما تدخل على الاسم، خلبفان لفعلي الداضي كالأمر. كلكونو يجرل على اسم الفاعل في حركتو كسكونو، كيجوز استبداؿ اسم الفاعل بو دكف أف يتأثر الدعتٌ، كذلك لضو قولك: زيد يضرب ، كزيد ضارب ، فلما أشبو الفعل الدضارع الاسم في ذلك أعرب كما أعرب الاسم.(ِ) ككاف يجدر ّٔذا الدبحث أف يتناكؿ بالدراسة التغاير النحوم (الإعرابي كالبنايي) في القراءات بالنسبة إلى الأفعاؿ، غتَ أنو اقتصر على دراسة التغاير الإعرابي فقط في قراءات الفعل الدضار ع؛ لدلحظ بلبغي آخر، كىو أف تبادؿ القراءات إذا جرل بتُ فعلي الداضي كالأمر لم يكتسب قيمتو البلبغية من التغاير النحوم كالتبادؿ بتُ الأزمنة، بل من كوف الفعل الداضي دالان على زمن غابر قد انقضى، ككوف فعل الأمر دالان على طلب الفعل في الدستقبل، كىذا يجعل الجملة الفعلية التي اشتملت على الفعل الداضي جملة خبرية، كالجملة الدشتملة على فعل الأمر جملة إنشايية طلبية، كلذذا السبب أرجأت دراستو إلى الباب الثاني. كىذا الدبحث سيتناك ؿ بالدراسة صور تغاير الإعراب في الفعل الدضارع، كقد رصدت بالاستقراء ثلبث صور لتبادؿ إعراب الفعل الدضارع الدختلف في قراءتو ، ك ىي: التبادؿ بتُ الرفع كالنصب، كىو ما سأتناكؿ دراستو في الدطلب الأكؿ، ك التبادؿ بتُ الرفع كالجزـ، كىو ما سأدرسو في الدطلب الثاني، ك التبادؿ بتُ النصب كالجزـ. (ّ) (ُ) الأصوؿ في النحو، ُ/َٓ، ك اللباب في علل البناء كالإعراب، ِ/ْٕ، كشرح الرضي، ُ/ٓٔ، كشرح ابن عقيل، ُ/ّٕ. (ِ) الإنصاؼ في مسايل الخلبؼ، ُ/ْٗٓ–َٓٓ، ك الدفصل في صنعة الإعراب، ص ِّّ. (ّ) لم أعثر لو إلا على مثالتُ في القراءات العشر، كىو الفعل (أىكينٍ ) من قولو تعالى: ﴿كىأىنٍفًقيوا مًنٍ مىا رىزىقػٍنىاكيمٍ مًنٍ قػىبٍلً أىفٍ يىأٍتًى أىحىدىكيمي الٍمىوٍتي فػىيػىقيوؿى رىبّْ لىوٍلاى أىخَّرٍتىتًٍ إًلىى أىجىلو قىرًيبو فىأىصَّدَّؽى كىأىكينٍ مًنى الصَّالحًًتُى ﴾ [سورة الدنافقوف/َُ]كالفعلكىلٍيىحٍكيمٍ ) من قولو تعالى: ﴿كىلٍيىحٍكيمٍ أىىٍلي الإًٍلصًٍيلً بًِىا أىنػٍزىؿى اللَّوي فًيوً ﴾ [سورة الدايدة /ْٕ] فأما الدثاؿ الأكؿ فلم يكن لذذا التبادؿ فيو بتُ النصب كالجزـ كبتَ أثر في الدعتٌ، كأما الثاني فإنو تبادؿ بتُ الدضارع الدنصوب بلبـ التعليل، كالدضارع آّزكـ بلبـ الأمر، فهو تبادؿ بتُ الخبرية كالإنشايية الطلبية ك ستأت دراستو في الباب الثاني؛ كلذلك لم أخصص للتبادؿ بتُ النصب كالجزـ مطلبان مستقلبن.
عدد الصفحات ٣٠٩- 482 - المطلب الأولالتبادل بين الرفع والنصب، وأثره في بلاغة النظم. الرفع كالنصب من أنواع الإعراب الدشتًكة بتُ الأسماء كالفعل الدضارع. كالأصل في الفعل الدضارع أف يكوف مرفوعان ؛ لشبهو بالأسماء -من حيث جواز دخوؿ لاـ الابتداء عليو كما تدخل على الاسم، ك غتَ ذلك من الأمور التي سبق ذكرىا - إلا إذا سيبًق بحركؼ نصب أدت إلى نصبو، أك بحركؼ جزـ أدت إلى جزمو .(ُ) كيينصٌب الفعل بالدضارع بأف، كلن، ككي، كإذف إذا اعتمد الفعل عليها، لضو: أرجو أف يغفرى ا﵁ لي، كلن أبرحى الأرض، كجئت كي تعلمىتٍ، ك قولك: إذف أكرمى ك، جوابان لدن قاؿ لك: أنا أزكريؾ، حيث تنصب الفعل (أكرمى ك)؛ لاعتماده على إذف.(ِ) ك يينصب بأف مضمرة بعد حتى، ك لاـ التعليل، ك أك بِعتٌ إلى أف، ككاك الدعيّْة، لضو: سرت حتى أدخلى ها، كجئتك لتكرمى تٍ، كلألزمنك أك تعطيىتٍ حقي، كلا تأكل السمك كتشربى اللبن، أم: لا تجمع بينهما.(ّ) كما يينصىب بأف الدضمرة بعد فاء السببيَّة في جواب الأمر، كالنهي، كالنفي، كالاستفهاـ، كالتمتٍ، كالحضٌ ، لضو: ايتتٍ فأكرمىك، كقولو تعالى: ﴿كىلاى تىطٍغىوٍا فًيوً فػىيىحًلَّ عىلىيٍكيمٍ غىضىبً ﴾ [سورة طو /ُٖ]، كما تأتينا فتحدثىنا، كأتأتينا فتحدثىنا؟ كقولو تعالى: ﴿يىا لىيٍتىتًٍ كينٍتي مىعىهيمٍ فىأىفيوزى فػىوٍزنا عىظًيمنا﴾ [سورة النساء /ّٕ]، كألا تنزؿي فتصيبى ختَان.(ْ) كقد كرد في القراءات العشر أمثلة كثتَة لتبادؿ الفعل الدضارع بتُ الرفع كالنصب، كمنها : اختلبؼ القراء في قراء الفعل ﴿يػىقيوؿى ﴾ من قولو تعالى: ﴿أىـٍ حىسًبٍتيمٍ أىفٍ تىدٍخيليوا الجٍىنَّةى كىلىمَّا يىأٍتًكيمٍ مىثىلي الَّذًينى خىلىوٍا مًنٍ قػىبٍلًكيمٍ مىسَّتػٍهيمي الٍبىأٍسىاءي كىالضَّرَّاءي كىزيلٍزًليوا حىتىَّ يػىقيوؿى الرَّسيوؿي كىالَّذًينى آمىنيوا مىعىوي مىتىى نىصٍري اللَّوً ﴾ [سورة البقرة /ُِْ]. فقرأ نافع ﴿يػىقيوؿي ﴾ بالرفع، كقرأ الباقوف ﴿يػىقيوؿى ﴾ بالنصب.(ٓ) كأستحسن - قبل الدخوؿ في توجيو القراءتتُ - التحدُّث عن حكم الدضارع بعد حتى: إذا دخلت حتى على فعلو مضارع، فإما أف تكوف ابتدايية، أك جارة. (ُ) الإنصاؼ في مسايل الخلبؼ، ِ/ُٓٓ، كالدفصل في صنعة الإعراب، ص ِّّ–ّّّ، كاللباب في علل البناء كالإعراب، ِ/ِٓ، كشرح قطر الندل، ص ٕٓ. (ِ) الدقتضب، ِ/ٔ، ِ/َُ–ُُ، كاللمع في العربية، ص ُِٕ، كالدفصل في صنعة الإعراب، ص ِّٓ. (ّ) الدقتضب، ِ/ِٓ–ِٖ، كاللمع في العربية، ص ُِٗ–ُُّ، كالدفصل في صنعة الإعراب، ص ِّٓ. (ْ) الدقتضب، ِ/ُّ–ُْ، كاللمع في العربية، ص ُِٕ–ُِٗ، كالدفصل في صنعة الإعراب، ص ِّٓ. (ٓ) السبعة، ص ُُٖ، كالتيستَ، ص ْٔ، كالنشر، ِ/ِٗٓ، كتحبتَ التيستَ، ص َّْ.
عدد الصفحات ٣١٠