المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ٩ من ١٠

129 الوكالة؛ إذ هي أوسع العقود في الشريعة الإسلامية في هذا الباب، إذ لكل من طرفي العقد فسخه ، فإن للأصيل الحق في عزل الوكيل متى شاء، إذ هو صاحب الحق، وقد قال ابن الجوزي ردًّا على من يرى أن الحسين أخطأ في خروجه على يزيد: (لو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ثم لو قدرنا صحة خلافته فقد بدرت منه بوادر وكلها توجب فسخ العقد).(1) فعقد الإمامة كغيره من العقود التي يمكن فسخها، وهذا ما كان واضحا في الخطاب السياسي الراشدي، كما قال أبو بكر في خطبته المشهورة الصحيحة: (أيها الناس إني وُلريت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت: فإن زغت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).(2) وهذا ما دفع أهل الفتنة الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه إلى الإصرار على خلعه ، فرأوا أن لهم الحق في طلب عزله، وقد استشار عثمان رضي الله عنه الصحابة الآخرين فرفضوا ذلك ، وهذا أيضا ما دفع عمر بن الخطاب إلى عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة عندما اشتكى أهلها منه، فعزله نزولاً عند رغبتهم؛ لأنه وكيل عن الأمة، حتى أنه جعله في الستة الذين رشحهم للخلافة، وقال وهو على فراش الموت: (فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم أُمِّر ، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة) (3)،مما يؤكد أنه إنما عزله نزولاً عند رغبة الأصيل، وهم أهل الكوفة الذين هم جزء من الأمة؛ ولهذا كان عمر لا يتردد في عزل كل أمير يشتكي منه أهل بلده حتى لو كان الحق مع أميرهم، لوضوح هذا الأصل، وهو أن الإمام وكيل عن (1) انظر الفروع لمحمد بن مفلح الحنب1/110. (2) رواه محمد بن إسحاق في السيرة كما في المختصر ص303 عن الزهري عن أنس رضي الله عنه. وعبد الرزاق11/331 عن معمر ، وابن سعد في الطبقات 3/131 من طريق هشام بن عروة عن أبيه في قصة البيعة، وأبو عبيد في الأموال ص 12 من طريق هشام عن أبيه عروة بن الزبير، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: 1/301 عن إسناد محمد بن إسحاق: ( وهذا إسناد صحيح )، وهو كما قال. (3) صحيح البخاري ح3100.

عدد الصفحات ١٢٩

131 الأمة، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وكان أهل العراق قد بايعوه خليفة عليهم سنة 40هـ بعد وفاة أبيه، فتنازل عنها لمعاوية باختياره ورضاه، وبايع أهل العراق معاوية تبعا للحسن رضي الله عنه.(1) الأصل الخامس: وأنه لا رضا واختيار بلا شورى واختبار: إذ لا يمكن أن يتحقق الرضا والاختيار، إلا بعد حصول الشورى والاختبار، لمن تريد الأمة عقد البيعة له، وهل توفرت فيه الشروط أم لا ، وهل ترضى به الأمة أم ترفضه ، ولا يتحقق كل ذلك إلا عن طريق الشورى، وبعد المناقشة، وتداول الرأي بين جميع المؤمنين ، أو بين من يمثلهم من أهل الرأي منهم ، وقد تحقق كل ذلك في حادثة السقيفة على أتم وجه وأكمله، عملا من الصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾، ومعلوم أن الشورى حق للجميع لعموم الآية الكريمة، التي وصفت أبرز صفات أهل الإيمان في المجتمع الجديد الذي سيقوم على أنقاض المجتمع الجاهلي، الذي كان يقصر الشورى في (دار الندوة) على الملأ والسادة وأهل الشرف، دون الضعفة والسوقة والعامة! فنزلت آية الشورى في سورة الشورى بمكة، لتبشر بالمجتمع الإنساني الإيماني الذي لا فرق فيه بين عمر القرشي وبلال الحبشي، فالكل في دين الله سواء ، فكما استجابوا لربهم جميعا، وأقاموا صلاتهم جميعا، وأنفقوا أموالهم جميعا ، فأمرهم شورى بينهم جميعا. ولهذا لم يثبت أن أحدا من الصحابة مُنع من حضور السقيفة ، والمشاركة فيما دار فيها من جدل، ولم يثبت أن حضورها كان يقتضي إذنا من أحد، أو موافقة من أحد، أو يشترط له شرط، بل كان كل من بلغه الخبر وأراد الحضور حضر، وقد اجتمع في السقيفة ممثلون عن كل الفئات، فقد حضرها عامة الأنصار خزرجها وأوسها، حتى كادوا يبايعون سعد بن عبادة، وفيهم النقباء الذين بايعوا النبي ﷺ يوم العقبة وغيرهم من كبار الأنصار، كسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، وبشير بن سعد، والحباب بن المنذر، كما حضرها عامة المهاجرين وكبارهم، كأبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح، كما حضرت قبيلة أسلم البيعة في السقيفة. (1) انظر فتح الباري13/11 – 13.

عدد الصفحات ١٣٠

131 ولم يتخلف عن السقيفة من المهاجرين إلا علي وطلحة والزب، فقد انشغلوا عن الناس بشأن النبي ﷺ وتجهيزه، كما أنهم لم يكونوا من كبار المهاجرين وشيوخهم ، بل كانوا كلهم شبابا ، في الثلاثين من أعمارهم آنذاك، وما كان خالفهم ليؤثر في أمر الناس شيئا، حيث حضر عنهم كبار المهاجرين، كأبي بكر وعمر وأبو عبيدة وعامة المهاجرين. فالأمة هي مصدر السلطة ابتداءً وانتهاءً ، كما قال تعالى: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾(1)،وقال: ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ﴾.(2) ولم يطرأ على مفهوم الشورى ما طرأ بعد ذلك من خلاف وجدل في : ما حقيقة الشورى؟ وهل الشورى واجبة أم لا؟! وهل هي ملزمة أم معلمة؟! ليصل الفقه في عصور التأويل والتبديل إلى أن الشورى هي فقط مشاورة الإمام للأمة - وليس حق الأمة في اختيار الإمام نفسه - وإلى أنها ليست واجبة على الصحيح! وأنها على فرض وجوبها ليست ملزمة له! ليصبح الاستبداد في عصور التأويل أمرا مشروعا احتجاجا بآيات الشورى نفسها ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾، ﴿ﭭ ﭮ ﭯ﴾! هذا مع إن جميع تصرفات الصحابة كلها تؤكد أن معنى الشورى هو حق الأمة في اختيار الإمام، وحقها بعد اختياره في أن لا يقطع أمرا دونها ، وأنها واجبة ملزمة، كما رجحه أبو بكر بن الجصاص في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ إذ أكد أن الأمر هنا للوجوب، وأن الغاية من الشورى العمل بما توصل إليه أهل الشورى، ورد على من قالوا بخلاف ذلك ممن حملوا الأمر الوارد في الآية على الاستحباب.(3) (1) الشورى39. (2) آل عمران118. (3) أحكام القرآن2/330.

عدد الصفحات ١٣١

132 وهذا ما رج حه الرازي في تفسيره حيث قال : (ظاهر الأمر للوجوب ، فقوله: ﴿ ﭭ﴾ يقتضي الوجوب).(1) وكذا قال ابن خويز منداد: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق في الحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها).(2) وهذا ما ذهب إليه علماء الأندلس، كما قال ابن عطية: (الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه).(3) فالشورى في الخطاب الراشدي تتضمن الأمرين: الأول: حق الأمة في اختيار الإمام: لقوله تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ﴾ فالآية تتحدث عن حق المؤمنين جميعا في الشورى قبل وجود إمام لهم يشاورهم، وهذه الآية نزلت في مكة قبل أن تقوم لهم دولة وإمامة، فقررت المبدأ والأصل. والثاني: حق الأمة في مشاركة الإمام الرأي: بعد اختيارهم له، وأن لا يقطع أمر من أمورها دون شوراها ورضاها، لقوله تعالى: ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾، وهي آية مدنية، وهنا خطاب موجه للإمام بعد قيام الدولة في المدينة بمشاورتهم في كل أمورهم وشئونهم. وقد أجمع الصحابة على هذا الأصل، وأن الأمة هي التي خاتار الإمام، وهي التي تشاركه الرأي فلا يقطع أمرًا دون الرجوع إليها ، للولاية الثابتة لها عليه بقوله تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾، ومما يؤكد (1) تفسير الرازي8/11. (2) تفسير القرطبي4/248 – 210. (3) تفسير القرطبي4/248.

عدد الصفحات ١٣٢

133 ثبوت هذه الولاية الحديث الصحيح (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في كتاب الله فمن ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو عيالا فإلي وعلي).(1) فثبت أن ولايته ﷺ هي ولاية السلطة، وكذا ولاية المؤمنين تأي بعد ولاية الله ورسوله ، بحكم الله ورسوله، فهم بالولاية العامة التي أثبتها لهم القرآن يختارون الإمام وكيلا عنهم، للقيام بمقتضى الولاية التي لهم، ولا فرق بين الوكالة والنيابة، وليس في نصوص الشريعة، ولا كتب الفقه فرق بينهما، ولا يوجد في كتب الفقه إلا كتاب الوكالة، وقد سبق من أقوال الفقهاء ما يؤكد أن الخليفة وكيل عن الأمة، ينوب عنها في القيام بالأحكام التي خاطبها الله بها. ومما يؤكد معنى الشورى بعد اختيار الأمة للإمام، وأن لا يقطع أمرا دون إذنها، ما ثبت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري في شأن سبي هوازن حيث قال: (أيها الناس إنا لا ندري من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). وقد استشار عثمان الناس في قتل عبيد الله بن عمر، فأجمع المهاجرون على وجوب قتله، وخالفهم أكثر الناس ورأوا عدم قتله، فأخذ عثمان برأي أكثر الناس ودفع الدية من ماله.(2) وقد كتب عثمان إلى أمرائه: (وقد وضع عمر لكم ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا).(3) ولم تكن الشورى محصورة في قوم دون قوم، بل كان كل مسلم يحضر المسجد يشارك في الإدلاء برأيه، رجلا كان أو امرأة، كبيرًا كان أو صغيرًا ، ولم يكن اشتراط الشورى والرضا قاصرًا على المسلمين ، بل أيضً ا يشترط رضا عامة غير المسلمين عند عقد العقود بينهم وبين المسلمين. قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: (وكذلك لو أن أهل مدينة من المشركين عاقد رؤساؤهم المسلمين عقدا، وصالحوهم على صلح، فإن الأخذ بالأحوط وبالثقة ألا يكون ذلك ماضيًا على العوام إلا أن يكونوا (1) سبق خاريجه (2) طبقات ابن سعد3/211 ، بإسناد صحيح على شرط الشيخ (3) ابن جرير2/181 وهذا يؤكد أن كل ما كان يصدرآنذاك إنما هو رأي الملأ أي الأكثرية.

عدد الصفحات ١٣٣

134 راضين به، قال مكحول: إذا نزل المسلمون على حصن فالتمس العدو مصالحة المسلمين على أهل أبيات منهم يعطونهم أمانًا، لم يصلح ذلك حتى يبعث أمير الجيوش رجلا فيدخل الحصن ويجمع أهله ويعلمهم بذلك، فإن رضوا بذلك استنـزلهم، وإلا أقروا في حصنهم ولم يصالحوا ، وقد كان أئمة الجيوش من المسلمين قبل عمر بن عبد العزيز يصالح الإمام رءوس أهل الحصن وقادتهم على ما تراضوا عليه، دون علم بقية من في الحصن من الروم، فنهى عمر بن عبد العزيز عن ذلكم، وأمر أمراء جيوشه ألا يعملوا به ، ولا يقبلوه ممن عرضه عليهم، حتى يكتبوا كتابًا ويوجهوا به رسولاً وشهودًا على جماعة أهل الحصن. قال أبو عبيد: وهذا هو الوجه، إلا أن يكون الأتباع غير مخالفين للرؤساء، وعلى هذا يحمل ما كان من النبي ﷺ لمن عقد وصالح من رؤساء أهل نجران وغيرهم ، أن ذلك كان عن ملأ منهم، وأن الأتباع غير خارجين لهم من رأي ولا مستكرهين عليه).(1) وهذا ما يتوافق مع أصول الخطاب السياسي القرآني الذي جاء لتحرير الإنسانية كلها، ورفع الجور والظلم عنها، وتحقيق العدل والقسط بينها. فإذا كان الأمر كذلك مع غير المسلمين، وأنه لابد من رضا العامة وموافقتهم على العقود التي يعقدها رؤساؤهم مع المسلمين بلا إكراه ولا إجبار، فرضا عامة المسلمين من باب أولى، وأنه لا يستبد الإمام في الرأي من دونهم، وألا يصدر رأي إلا عن موافقة الملأ منهم وهم الأكثرية . وقد قال علي رضي الله عنه بعد أن جاءه المهاجرون والأنصار يريدون بيعته : (لا أفعل إلا عن ملأ وشورى)(2)،وقال بعد أن بايعه الناس : (هذه بيعة عامة ، فمن ردها رغب عن دين المسلمين واتبع غير سبيلهم).(3) (1) الأموال لأبي عبيد ص181 – 182 . (2) ثقات ابن حبان2/211 . (3) ثقات ابن حبان2/219 .

عدد الصفحات ١٣٤

135 قاعدة الترجيح بالأكثرية: فإذا اختلف الناس في الشورى على رأيين فإن الإمام يحتاج إلى الترجيح بالأكثرية، كما فعل عمر عندما اختلف عليه الصحابة في شأن الأرض المغنومة، فقد استدعى عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج. وكذا استخدم هذه الطريقة عندما رشح الستة للخلافة من بعده، بعد أن طلب المسلمون منه أن يرشح لهم من يراه أهلاً ، فقد جعل ابنه عبد الله بن عمر سابعهم على أنه ليس له من الأمر شيء ، وإنما أدخله طلب ا للترجيح في حالة ما إذا تساوت الأصوات كما في صحيح البخاري : (يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء).(1) وفي رواية قال : (إذا اجتمع ثلاثة على رأي وثلاثة على رأي فحكموا عبد الله ابن عمر ، فإن لم ترض وا بحكمه، فقدموا من معه عبد الرحمن بن عوف) .(2) و رواية: (يا عبد الله بن عمر، إن اختلف القوم أي الستة فكن مع الأكثر، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن).(3) وفي رواية أخرى: (قال عمر بن الخطاب لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم، فإن كان اثنان واثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان، فخذوا صنف الأكثر).(4) ورواه ابن شبره(1)بإسناد على شرط البخاري، من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن عمر، قال لصهيب: (أحضر عبد الله ابن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رءوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم، وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، (1) انظر فتح الباري1/11 ، ح3100) وكلام الحافظ1/11 . (2) انظر فتح الباري1/11 . (3) تاريخ ابن جرير الطبري2/110 . (4) طبقات ابن سعد 3/41. (1) تاريخ المدينة3/821.

عدد الصفحات ١٣٥

136 فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم، وثلاثة رجلاً منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس). وفي رواية عنه عند ابن سعد: (ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد ، فأمِّروا أحدك م، فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه).(1) وفي رواية (ويصلي بالناس صهيب ، وأحضروا عبد الله بن عمر ، فإن أجمع خمسة وأبى واحد فاجلدوا عنقه).(2) والأمر بقتل من رفض نتيجة الشورى قد يكون على غير ظاهره بل المقصود التغليظ كما في حديث الأمر بقتال من مر بين يدي المصلي، والقتل يطلق في لغة العرب حتى على الضرب ونحوه، وقد يكون قول عمر على ظاهره ويتوافق مع ما جاء عن النبي ﷺ بقتل من أراد تفريق الأمة وشق عصاها وإثارة الفتنة فيها لشدة خطورته فاستحق التعزير والتغليظ حتى وإن وصل الأمر إلى قتاله ثم قتله إذا لم يرتدع عن غيه إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴾، وليس المقصود هنا قتل من يخالف الأكثر في الرأي، فهذا حق مشروع لا يصادره أحد، وإنما المقصود قتل من لا يرضى بالنزول على رأي الأمة واختيارها، ويريد شق عصاها، وتفريق صفها، فهذا الذي يفهم من العبارة الواردة عن عمر، وإلا فقد خرج سعد بن عبادة إلى الشام ولم يبايع أبا بكر ولم يعترض سبيله أحد، لكونه لم يترتب على عدم رضاه فتنة ولا شق للصف. وقد كان عثمان يلتزم بفعل ما أراده العامة، كما قال في كتابه إلى أهل الكوفة عندما طلبوا أن يخلع أميرها سعيد بن العاص، فقال: (أما بعد، فقد أمررت عليكم من اخترتم ، وأعفيتكم من سعيد، والله لا تدعوا شيئًا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئًا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة).(3) (1) انظر ما سبق (2) السنة للخلال رقم313. (3) ابن جرير2/144.

عدد الصفحات ١٣٦

137 وقد كتب أشراف أهل الكوفة وقادتها يطالبونه بإخراج أهل الفتنة ، فكتب إليهم: (إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية).(1) وعندما طالبوا معاوية بالاعتزال عن إمارة الشام احتج عليهم بقوله : (لو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إلي بذلك، فاعتزلت عمله).(2) وقد احتج القعقاع بن عمرو على يزيد بن قيس الأرحبي – أحد قادة الثوار يوم الدار وحصار عثمان – بأنه كيف يستعفي الخاصة من أمر رضيته العامة(3)؟! فقول عمر : (واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه ال ناس)، وقوله: (كن مع الأكثر)، وقوله: (خذ صنف الأكثر)، وقول عثمان: (إذا اجتمع ملؤكم على ذلك): كل ذلك يؤكد رسوخ هذا الأصل في الخطاب السياسي الراشدي ، كما يؤكد أن الشورى حق للجميع. الأصل السادس: ولا شورى بلا حر ية: فقد تجلت الحرية في أوضح صورها بما دار في السقيفة من جدال، حتى قال الأنصار (منا أمير ومنكم أمير)، وحتى هدد الحباب بن المنذر من يريد اغتصاب هذا الحق من الأنصار، وحتى غضب سعد بن عبادة، فلم يصادر على أحد حقه في إبداء رأيه بكل حرية مهما تجاوز حدود أدب الجدال والمحاورة، ولم يكره أحد على اخااذ موقف لا يراه ولا يرتضيه، بل كانت الشورى تجري في مناقشة هذه القضية الخطيرة بكل حرية تامة. كما تتجلى الحرية السياسية أيضا في حق الأمة في نقد السلطة وتقويمها، وحرية إبداء الرأي ، وحرية قول كلمة الحق ، فكما للأمة الحق في اختيار الإمام ، ومشاركته الرأي ، فكذا لها الحق في نقده و مناصحته والاعتراض على سياسته ، فالحرية السياسية إحدى أهم الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي الراشدي ، وقد تجلت الحرية في أوضح صورها في حياة النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وقد أرسى (1) ابن جرير2/131. (2) ابن جرير2/139. (3) ابن جرير2/110.

عدد الصفحات ١٣٧

138 القرآن مبدأ: ﴿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾(1)،ليؤكد مبدأ الحرية بجميع صورها، فإذا كان الله عز وجل لا يكره عباده على الإيمان به وطاعته، فكيف يتصور أن يكره عباده على الخضوع والطاعة كرها لغيره، وهذا معنى كلمة (لا إله إلا الله)، فإن الله وحده هو الذي له الألوهية، ثم الخلق بعد ذلك بشر لا طاعة لأحد على أحد إلا بما كان طاعة لله عز وجل؛ ولهذا جاءت النصوص عن النبي ﷺ لتحصر الطاعة بطاعة الله عز وجل واتباع رسوله؛ كما قال ﷺ: (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة بالمعروف)(2)،وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)(3)،ليؤكد بذلك أن حق السلطة بالطاعة إنما هو منوط بما كان معروفا أنه طاعة لله، وبهذا سبق الإسلام جميع القوانين في تقييد حق السلطة في الطاعة ، وأنها ليست طاعة مطلقة، ولا طاعة لذات السلطة، وأن السلطة تفقد حق الطاعة عندما تأمر بالمنكر أو الظلم، بل ويجب التصدي لها وتقويمها كما قال ﷺ: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه).(4) الأصل السابع: ولا شورى وحر ية بلا تعددية سياسية: وهذا الأصل شرط ضروري لتحقق الشورى، فلا يتصور أن يجتمع الناس ليتشاوروا في أمر سبق تحديده وتعيينه، وإنما تتحقق الشورى والحرية إذا كان للناس خيار في ترشيح هذا أو ذاك، ممن ترتضيهم الأمة، وقد تجلى ذلك في السقيفة في أوضح صوره، فقد رشح الأنصار لها سعد بن عبادة، وكادوا يبايعونه، كما رشح أبو بكر لها عمر وأبا عبيدة، ثم رشح عمر لها أبا بكر، فكان الخيار للأمة مفتوحا لتختار من تراه أهلا للإمامة وتحمل أعبائها ومسئولياتها، وكان التنافس فيها بين فريقين وطائفتين، الأنصار والمهاجرين، وتم فيها ترشيح أربعة مرشحين كلهم أهل لها، غير إن الأمة اختارت في النهاية من تريده وكيلا عنها، برضا واختيار، بلا إكراه وإجبار ، بناء على ما تحقق في الشورى يوم السقيفة من حرية وتعددية حقيقية، لا حرية وتعددية صورية! لقد ظهرت قابلية المجتمع المسلم للتعددية السياسية منذ وفاة النبي ﷺ واجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة، وتنافس الأنصار والمهاجرين على الإمامة، حتى قال الحباب بن المنذر الأنصاري: (منا أمير ومنكم (1) البقرة211 . (2) رواه البخاري ح رقم1141) ، ومسلم ح رقم1940.) (3) رواه أحمد1/11 – 11 بإسناد صحيح. (4) رواه مسلم ، ح رقم48.)

عدد الصفحات ١٣٨

139 أم، إلا أن حسم هذا الخلاف تم بالتحاور والتراضي، بعد أن أكد أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن العرب لا يرضون إلا بهذا الحي من قريش، والعرب المسلمون هم أصحاب الحق في اختيار من يشاءون، وقد أدرك الأنصار هذه الحقيقة التي لا تحتاج إلى استفتاء؛ إذ هي معلومة لكل عربي مسلم آنذاك، فالعرب لا ينقاد بعضهم لبعض في الجاهلية إلا لقريش لكونهم أهل البيت الحرام. الأصل الثامن: ولا تعددية بلا مشروعية ومرجعية: فلا يتصور وجود تعددية وتداول سلمي للسلطة وحرية سياسية إلا في ظل مرجعية قانونية تنظم هذه العملية، وتحقق المشروعية التي تحتاجها السلطة لتكون أحكامها نافذة على الأمة ، والمرجعية في الدولة الإسلامية الكتاب والسنة فهما مصدرا التشريع، وهما الدستور الذي يجب التحاكم إليه، وقد سبق الإسلام جميع الأنظمة والفلسفات الأرضية في ترسيخ مبدأ المشروعية التي يخضع لها الجميع بلا استثناء ، الحاكم والمحكوم، والسلطة والمعارضة، الجميع على حد سواء. فلم تعرف الأمم الأخرى مبدأ المشروعية إلا بعد الثورة الفر نسية سنة 1198م، أما قبل ذلك فقد كان الملك هو الدولة - كما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر (أنا الدولة) - وله السيادة والطاعة المطلقة، يخضع له الجميع، ولا يخضع هو لأحد، بل مشروعية أي قانون تكمن في إصدار الملك له ليصبح ملزما لكل إنسان في الدولة ، يعاقب كل من يخا لفه، وهو معنى الآية وتحذير الملأ فرعون من موسى ودعوته وأنه ﴿يَذَرَ كَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي طاعته وتألهه على الناس بطغيانه! الأصل التاسع: المحافظة على الحرية الفردية والحقوق الإنسانية: فقد رسخ الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي مبدأ كرامة الإنسان، وأكد ضر ورة حماية الحقوق والحريات الإنسانية، ومن ذلك:

عدد الصفحات ١٣٩

141 أولا : حق الإنسان في الحياة وذلك بحمايته من كافة صور الاعتداء، مسلما كان أو غير مسلم، فقد جاء القرآن ليحرم الاعتداء على النفس الإنسانية تحريما قاطعا إلا في حالة الجزاء ورد الاعتداء، ولهذا قال تعالى: ﴿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾(1 )، وقال أيضا ﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ (2) . فجعل إزهاق النفس الإنسانية الواحدة كقتل الناس جميعا في الحرمة، وإحياءها كإحياء الناس جميعا، ك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من السبع الموبقات كالشرك بالله(3)، وجعل جزاء قتل النفس ظلما وعدوانا القصاص؛ حماية للنفس البشرية من الاعتداء؛ إذ في القصاص حياة للجميع كما قال تعالى: ﴿ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾ (4)، إذ فيه ردع للإنسان عن الإقدام على قتل غيره، فيكون في ذلك حياة للغير، وكذلك حياة لمن أراد قتل غيره بارتداعه وخوفه من القصاص، فتتحقق بذلك الحياة للجميع. ثانيا: حق الإنسان في الحرية: وللحرية معنى في لغة العرب يختلف اختلافا جذريا عن معناها في الثقافة الغربية التي تشيع اليوم، ثالثا: حرية التصرف والتنقل والعمل: وحرية الإنسان تقتضي أن لا قيد على تصرفاته، وليس للسلطة أن تمنع الإنسان من أي فعل إلا إذا كان محظورًا أو يفضي إلى الضرر بالمصلحة العامة أو بالآخرين (1) الأنعام111 . (2) المائدة32 . (3) البخاري ، ح رقم2111) ، ومسلم ، ح رقم98 . ) (4) البقرة118 .

عدد الصفحات ١٤٠

141 رابعا: الحرية الاقتصادية والتجارية فليس للسلطة أن تتدخل في حرية الأسواق، للإباحة المطلقة العامة لكل أشكال البيوع، وكل صور التجارة المشروعة، في قوله تعالى ﴿ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾(1)، وقوله ﴿ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾(2)، وقوله ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾ (3) . ولا يحق للسلطة التدخل في اسعار والتسعير إلا عند الضرورة، لما فيه من الظلم، وقد غلت الأسعار في المدينة، فطلب الناس من النبي صلى الله عليه تحديد الأسعار فأبى ذلك، وقال لهم: بل أدعو الله، وقال(إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني مظلمة بدم ولا مال)(4). فالحرية الاقتصادية وحرية السوق المفتوحة أصل من أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي بشرط أن لا يكون ربا ولا ظلم، فتم مراعاة الأغنياء والفقراء على حد سواء وهذا هو العدل والقسط الذي جاء به الكتاب. خامسا: حر ية الدين والاعتقاد والرأي: فلا يحق للسلطة أن تلزم أحدا بدين، أو برأي أو وجهة نظر، بل للإنسان الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن ، كما قال تعالى ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ (1)،﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾ (1) . (1) البقرة211 . (2) البقرة292 . (3) النساء: 28 . (4) ابو داود في السنن ح3411و3410 ، والترمذي ح1314، وقال(حديث حسن صحيح (1) الكهف28. (1) يونس88.

عدد الصفحات ١٤١

142 وللإنسان الحرية في اتباع دينه الذين يدين به ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ (1) . ولهذا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره أحدا على الدخول في دينه وقد ذكر الله في كتابه جميع أهل الأديان اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين والمؤمنين وأنه يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، إذ المقصود من خلقهم ابتلاؤهم، ولا يتحقق الابتلاء إلا بالحرية والاختيار لا مع الإك راه والإجبار. سادسا: حرية الانضمام للتجمعات السياسية والفكرية: فللإنسان الحق في الانتماء إلى أي حزب أو جماعة شاء، فإذا جاز البقاء على الأديان الأخرى، والتحاكم إلى شرائعها الخاصة ورؤسائها، في ظل الدولة الإسلامية، فالانتماء إلى الجماعات الفكرية والسياسية جائز من باب أولى، ولهذا السبب لم يصادر عثمان ولا علي رضي الله عنهما على من عارضهم الانتماء للجماعات السياسية أو الفكرية، إذ لم ير عثمان وعلي رضي الله عنهما أن لهما حقا في منع من خرجوا عليهم من مثل هذا الانتماء بالقوة والسلطة، مالم يخرجوا على الدولة، لوضوح مبدأ: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾، والمقصود بالجواز والحق هنا الجواز والحق القضائي الذي لا تستطيع السلطة مصادرته، ولا تترتب عليه عقوبة، لا الجواز ديانة وإفتاءً؛ إذ يحرم الانتماء للخوارج لغلوهم وتطرفهم، سابعا: حق مقاومة تعدي السلطة وطغيانها: فللإنسان الحق في رفض الظلم ومقاومته، حتى وإن وقع من السلطة؛ لحديث: (من قُتل دون ماله فهو شهيد)(2) (1) وحرية الاعتقاد لا تعني حق المســــلم في الإعلان عن ردته ورجوعه عن الإســــلام؛ إذ هذا الإعلان طعن صريح في الدين الإســــلامي، واعتداء على عقيدة الأمة، فإذا لم يظهر ردته فليس للســــــلطة عليه ســــــبيل، كما كان حال المنافقين في المدينة، أما حكم من ارتد ففيه خلاف بين الســــــلف، ذكر تفصيله في كتاب تحرير الإنسان.. (2) البخاري مع الفتح1/123 ح2490 ، ومسلم1/124 ح141 .

عدد الصفحات ١٤٢

143 ثامناحماية حقوق الأقلية: وكل هذه الحقوق والحريات ـ التي سبق تفصيل القول فيها ـ كحق إبداء الرأي، ورفض الظلم، والتصدي لطغيان السلطة، لا فرق فيها بين المسلمين وغير المسلمين في الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي ، فأهل الذمة في الدولة الإسلامية مواطنون لهم كامل حقوق المواطنة ، ومصطلح (أهل الذمة) مصطلح تشريفي فيه تكريم وتشريف لرعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين ، فالذمة من الذمام وهي الح رمة والضمانة، فهم لهم ذمة الله وحرمته وذمة رسوله ﷺ، كما هو الشأن في المسلم أيضا كما في الحديث الصحيح (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله ورسوله، فلا خافروا الله في ذمته).(1) فجعل الشارعلمن أسلم ذمة الله ورسوله، وجعل له حرمة وذماما وعهدا وأمانا أن يعتدى عليه في دولة الإسلام وسلطانه، ومثله كتاب النبي إلى همذان وأهل اليمن (إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، أن محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، فإن لكم ذمة الله وذمة رسوله على دمائكم وعلى أموالكم وعلى أرضكم غير مظلومين ولا مضيق عليكم).(2) وجاء في الصحيح في شأن أهل الذمة من غير المسلم (من قتل معاهدا لم يجد رائحة الجنة) (3)،وفي لفظ: (من قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله، فقد أخفر ذمة الله، لا يرح رائحة الجنة)(4)،وفي حديث آخر(ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة، وأشار رسول الله ﷺ بأصبعه إلى صدره، ألا ومن قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله عليه ريح الجنة).(1) (1) صحيح البخاري ط البغا رقم394. (2) ابن أبي شيبة في المصنف1/341، و الطبراني في المعجم الكب11/10 وإسناده حسن (3) صحيح البخاري رقم2881. (4) الترمذي في الجامع الصحيح رقم1403 وقال: (حديث حسن صحيح). (1) أبوداود في السنن رقم3012، و البيهقي في السنن8/201، بإسناد صحيح.

عدد الصفحات ١٤٣

144 فالمسلمون لهم ذمة الله ورسوله بعقد الإيمان، وغير المسلمين لهم ذمة الله ورسوله بعقد الأمان، ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، كما جاء عن علي رضي الله عنه قال: (من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا)، وفي رواية: (إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا).(1) وقد حدد عرفة بن الحارث رضي الله عنه حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية فقال: (إنما أعطيناهم الذمة على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو قاتلناهم من ورائهم، ونخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتوا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم بحكم الله وحكم رسوله، وإن غيبوا عنا لم نعرض لهم فيها، قال عمرو بن العاص صدقت).(2) وقال الإمام الشافعي في وجوب الأدب مع أهل الذمة حين أخذ الجزية منهم (وإذا أخذ منهم الجزية أخذها بإجمال ـ أي بأدب ـ ولم يضرب منهم أحدا، ولم ينله بقول قبيح، والصغار أن يجري عليهم الحكم لا أن يضربوا ولا يؤذوا، إذ كان علينا أن نمنع أهل الذمة ـ أي نحميهم ـ إذا كانوا معنا في الدار وأموالهم التي يحل لهم أن يتمولوها، مما نمنع منه أنفسنا وأموالنا من عدوهم إن أرادهم، أو ظلم ظالم لهم، وأن نستنقذهم من عدوهم لو أصابهم وأموالهم التي تحل لهم لو قدرنا، فإذا قدرنا استنقذناهم وما حل لهم ملكه، ولم نأخذ لهم خمرا ولا خنزيرا.. قال الله عز وجل: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ قال الشافعي: وسمعت عددا من أهل العلم يقولون: الصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام).(3) فالشافعي وهو إمام وحجة في اللغة والفقه لم يفهم من قوله تعالى في شأن أهل الذمة ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ الإيذاء لهم بفعل أو قول، وإنما ﴿ ﮙ﴾ عنده أي طائعون وخاضعون لسلطة الدولة الإسلامية، إذ لا يتصور أن يكون واجبا على المسلمين الدفاع عن أهل الذمة وعن أموالهم، ودفع (1) رواه الشافعي في الأم1/123 ، والدارقطني3/141 وضعف إسناده (2) رواه البخاري في التاريخ الكبير 1/108، و الطبراني في المعجم الكب 19/211 والأوسط9/319 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8/200، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة1/344 (إسناده صحيح (3) الأم للشافعي4/283-284.

عدد الصفحات ١٤٤