المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ٨ من ١٠

113 والطاعة في العسر والي، والمنشط والمكره، وهي بيعة الحرب التي تقتضيها إقامة الدولة والسلطة، ففي حديث جابر بن عبد الله (قلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم). وقد أدرك هذا الأنصار فقال سيدهم أسعد بن زرارة : (إن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة ، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف).(1) الأصل الثاني: أنه لا دولة ولا جماعة بلا إمامة وطاعة: فقد كان واضحا مدى إيمان الصحابة رضي الله عنهم بضرورة قيام سلطة واحدة تسوس أمورهم، ولهذا كان اجتماعهم في السقيفة لتحديد واختيار الإمام الذي يتحمل مسئولية إدارة وسياسة شئون الدولة والأمة، ورأوا ذلك من أوجب الواجبات الشرعية ، حتى قدموه على دفن النبي ﷺ. قال الماوردي: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع).(2) والمقصود هنا بالإجماع إجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو أقوى الإجماعات وأصحها وقال القرطبي: (لا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار، فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة بينهم ، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان ا لدين الذي به قوام المسلمين).(3) (1) رواه أحمد3/322 ، وابن حبان في صحيحه14/112، ح1214)، وإسناده صحيح (2) الأحكام السلطانية ص1. (3) الجامع لأحكام القرآن1/214.

عدد الصفحات ١١٣

114 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر من أوجبه ما الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة).(1) وقال ابن حزم: (علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات، والدماء، والنكاح، والطلاق، ومنع الظلم، وإنصاف المظلوم، وأخذ القصاص ممتنع غير ممكن – أي دون إمام – وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها، فإنه لا يقام هناك حكم حق، ولا حد، حتى ذهب الدين في أكثرها، فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو أكثر).(2) وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمامة).(3) وفي قول ابن حزم عن الإمامة: (لا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد)، وقول ابن تيمية: (لا قيام للدين إلا بها)، وقول القرطبي عن الإمامة إنها(ركن من أركان الدين لا قوام للأمة إلا بها) ، وقول الشيخ عبد اللطيف(لا إسلام إلا بجماعة وإمامة)، كل ذلك يؤكد صحة القول بأنه لا يقوم دين الإسلام ولا يستقيم إلا بقيام الدولة والإمامة، وأن تدير ن الناس وصلاحهم في أنفسهم، لا يقتضي قيام الإسلام وأحكامه، كما كان حال النبي ﷺ وأصحابه في مكة، فقد كانوا خير أهل الأرض دينا وإيمانا ، ولم يقم الإسلام ولم تظهر أحكامه إلا في المدينة، فثبت بذلك أن الإسلام في حقيقته دين ودولة. فإذا كان المسلمون في غير دار الإسلام فلا يجب عليهم إلا القيام بما أوجب الله على المؤمنين القيام به فرديا أو جماعيا، من أداء الفرائض ، والحقوق، والدعوة إلى الله، والاستقامة على أمره، مما لا يحتاج إلى إمامة ودولة، (1) السياسة الشرعية ص111 – 111. (2) الفصل في الملل والنحل4/91. (3) الرسائل النجدية 3/110.

عدد الصفحات ١١٤

115 ويعملون بقوله تعالى لنبيه ﷺ في مكة ﴿ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾(1)،وقوله ﴿ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾.(2) أما في دار الإسلام وبعد نزول الشرائع والأحكام ، فلا يحل للأمة إلا القيام بما أوجب الله عليها القيام به من إقامة الدولة ، ونصب الإمامة ، وإقامة الحق ، وتحرير الخلق ، والجهاد في سبيل الله ، كما قال تعالى : ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾.(3) ولا يسقط عنهم هذا الحكم في دار الإسلام بأي حال من الأحوال، ولا يحُتج بأحكام العهد المكي بعد نزول قوله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾(4)،ولا يعمل بأحكام العهد المكي إلا في غير دار الإسلام، فإنها غير منسوخة على القول الصحيح، في حق من كان في مثل حال المسلمين بمكة، أي في حق المسلمين في دار الحرب أو دار العهد، فلا يقاس عليهم حال المسلمين في دار الإسلام، كما لا يجب عليهم كل ما يجب على أهل دار الإسلام من أحكام. الأصل الثالث: أنه لا إمامة بلا عقد البيعة: فالبيعة عقد بين طرفين، الأمة فيه الأصيل، والإمام فيه الوكيل عنها، وقد تجلى هذا المبدأ في مبادرة الصحابة بعد الشورى لمبايعة أبي بكر، في البيعة الخاصة في السقيفة، والبيعة العامة في المسجد، لتأكيد طبيعة العلاقة بينهم وبين إمامهم، وأنها عقد يتم التعبير عنه بوضع اليد باليد، للدلالة على الموافقة والرضا ، كما هي عادة العرب في عقود بيعها وصفقاتها ، فليست الإمامة والسلطة بالوراثة ، ولا بالقوة والمغالبة والمنازعة ، ولا بالتفويض الإلهي، بل هي عقد واتفاق بين طرفين على شروط محددة، وهي السمع والطاعة من الأمة للإمام، مقابل قيام الإمام بالعمل وإدارة شئون الدولة وسياسة أمور الأمة بالقسط والعدل على ما جاء في الكتاب والسنة، والالتزام بهما ، وعدم الخروج على أحكامهما ، والالتزام بالشورى ورأي الأمة ، وهذا العقد تجري (1) الغاشية22. (2) الشورى11. (3) الأنفال38. (4) المائدة3.

عدد الصفحات ١١٥

116 عليه أحكامنظرية العقود وما يطرأ عليها، فيشترط له من الطرفين الرضا والاختيار بلا إكراه ولا إجبار، كما يسوغ فسخه من كلا الطرفين وفق ضوابط مقررة، فهو أشبه بعقد الوكالة التي هي أوسع العقود تصرفا، فللإمام طلب الفسخ والعزل، وللأمة متى أرادت عزله فسخ العقد، كما أن العقد ينفسخ بموت الإمام، وبخروجه عن حد الأهلية بجنون ونحوه ، وبعجزه التام عن القيام بالمسئولية المنوطة به لمرض أو أسر ونحوه، وبردته عن الإسلام وخروجه على قطعياته. وهذا هو الأصل الثالث من أصول الخطاب السياسي الراشدي ، فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين، تكون الأمة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شئونها، فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي، وليسا بالحق الموروث، ولا بالمنازعة والمغالبة، بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام، وبهذا سبق الإسلام الغرب في تحديد الأساس الفلسفي الذي يتم بموجبه مم ارسة السل طة لصلاحياتها وفق نظرية العقد الاجتماعي، حيث تنازل أفراد المجتمع بموجبه عن بعض حرياتهم للسلطة مقابل تنظيم شئونهم وإدارتها بما يحقق المصلحة للمجموع، كما يرى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (ت 1104م في كتبه، والفيلسوف الفرنسي جان جاك رسو (ت 1119م، في كتابه (العقد الاجتماعي)، مع عجز أصحاب هذه النظرية عن إثبات هذا الأساس الفلسفي، ومتى حدث هذا العقد الاجتماعي. لقد سبق الإسلام إلى ترسيخ مبدأ العقد لا على أساس فلسفي نظري، بل على أساس واقعي عملي، حيث كان أول عقد في الدولة الإسلامية هو عقد بيعة العقبة الذي على أساسه قامت الدولة النبوية، حيث هاجر النبي ﷺ بعده إلى المدينة؛ ليمارس صلاحياته بموجب هذا العقد والاتفاق الذي تم برضا أهل المدينة، على أن يكون النبي ﷺ إماما له عليهم حق السمع والطاعة في المنشط والمكره، كما تم كتابة (صحيفة المدينة)، كوثيقة سياسية مع جميع مكونات المجتمع في المدينة بمن فيهم غير المؤمنين، وكدستور ينظم علاقة الجميع بالسلطة، وحقوقهم وواجباتهم. لقد كان (العقد الاجتماعي) للدولة الإسلامية حقيقة تاريخية تجلت في عقد (بيعة العقبة)، وعقد (صحيفة المدينة)، وتم كل منهما برضا الطرفين، الأول بين النبي ﷺ والأنصار، والثاني بينه وبين أهل المدينة كلهم من آمن به ومن لم يؤمن، وكان الأنصار قد قالوا للنبي ﷺ في أول اجتماع لهم معه في مكة: (إنا قد تركنا

عدد الصفحات ١١٦

117 قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك).(1) فقد اشترطوا موافقة قومهم وإجابتهم للدعوة ليتحقق الرضا من الجميع وقد عقد النبي ﷺ مع الأنصار بيعتين مختلفتين: أما البيعة الأولى فهي على الإيمان بالله وعدم الإشراك به وطاعته، وأما البيعة ال ثانية فهي على إقامة الدولة الإسلامية والدفاع عنها ، وهي بيعة الحرب، وعلى هذا الأساس المتمثل في عقد البيعة قامت الدولة الإسلامية في المدينة، فلم يدخلها النبي ﷺ بانقلاب عسكري، ولا بثورة شعبية، وإنما بعقد وتراض ، وقد أكد ذلك القرآن كما في قوله تعالى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾.(2) لقد أثبت القرآن أن المسلمين في المدينة هم الذين يحكِّمون النبي ﷺ بتحاكمهم إليه وإيمانهم به، وأن هذا بمقتضى عقد الشهادة له بالنبوة، وأنهم يملكون القدرة على التحاكم إلى غيره والإعراض عنه، كما أعرض أهل مكة، وقد قال الله تعالى في شأنهم: ﴿ ﯤ ﯥ ﯦ﴾، إلا إن هذا الإعراض يخرجهم عن دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك بالله، وقد بايع النبي ﷺ الصحابة عدة مرات ، ليؤكد هذا الأصل، وهو مبدأ السمع والطاعة بناء على عقد البيعة. وقد كان النبي ﷺ بعد ذلك يبايع وفود القبائل والمدن التي تدخل الإسلام طوعا وتلتزم بالطاعة للدولة الإسلامية؛ ليؤكد أن العلاقة قائمة على أساس الاتفاق بين الطرفين، كما فعل عام الوفود، ومع وفد كنانة، ووفد عامر بن صعصعة، ووفد عقيل بن كعب، ووفد مزينة الخ.(3) (1) ابن إسحاق في المغازي كما في تهذيب ابن هشام2/211، وحسن إسناده الشيخ الألباني في حاشية فقه السيرة ص141، والصحيح أن إسناده صحيح؛ فقد رواه محمد بن إسحاق، وهو إمام حجة في السير والمغازي؛ عن شيخه عاصم بن عمر الأنصاري، وهو ثقة عالم بالسير، عن جماعة من الأنصار ممن شهدوا البيعة؛ فهو صحيح الإسناد. (2) النساء11. (3) انظر طبقات ابن سعد1/22.

عدد الصفحات ١١٧

118 ولوضوح هذا الأصل ، وأنه لا إمامة إلا بعد عقد البيعة ، بادر الصحابة رضي الله عنهم لعقدها عند استخلاف الخليفة الأول، فلم يصبح أبو بكر خليفة إلا بعد عقد البيعة له، ولم يكن لديه من السلطة أو القوة ما يستطيع به أن يمارس صلاحيته كخليفة للمسلمين إلا بموجب هذا العقد الذي تم برضا الصحابة جميعا، أهل الحل والعقد منهم في سقيفة بني ساعدة، وعامة الصحابة في البيعة العامة في المسجد.(1) وقد قال ابن مسعود: (ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون سيئا، فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر).(2) فاختيار المسلمين للخليفة عن رضا وشورى هو من الدين الذي ارتضاه الله لهم، ولولا أهمية هذا الاختيار، وهذا العقد وضرورته لما أشغل الصحابة أنفسهم به عن دفن رسول الله ﷺ، ولما كان هناك داع أن يعقدها كل من حضر في السقيفة والمسجد لولا ضرورتها. وكذلك لم يصبح عمر خليفة على المسلمين ـ بعد ذلك ـ بمجرد ترشيح أبي بكر له وهو على فراش الموت، بعد أن استشار الصحابة فرضوا به ، فقد خرج على الناس في مرضه بعد أن استشارهم، فقال لهم (أترضون بمن أستخلف عليكم، فوالله ما ألوت، ولا تلوت، ولا ألوت عن جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة).(3) وفي رواية أنه أطلع على أصحابه في مرضه فقال: (أليس ترضون بما أصنع؟ قالوا : بلى يا خليفة رسول الله).(4) فلم يرشح أبو بكر عمر إلا بعد الشورى وبعد رضا الصحابة بهذا الترشح، وصار عمر خليفة للمسلمين بعد عقد البيعة له بعد وفاة أبي بكر برضا من الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن خلافة أبي بكر وأنه لم يصبح خليفة إلا بعد البيعة: (ولو قُدِّ ر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع الصحابة (1) انظر صحيح البخاري– مع الفتح – 13/201 ح1218. (2) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ح4411، وقال إسناده صحيح، ووافقه الذهبي. (3) السنة للخلال رقم339 ، وطبقات ابن سعد3/149، وابن جرير الطبري2/312، بإسناد صحيح (4) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيح3/91 ح4418، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي

عدد الصفحات ١١٨

119 عن البيعة لم يصر بذلك إماما ، وإنما صار أبو بكر إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة).(1) وقال عن خلافة عمر أيضًا : (وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أ نهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما).(2) وهذا يؤكد أن العهد مجرد ترشيح يحق للأمة قبوله وإقراره أو رده ورفضه، وأن الجمهور، وهم الأكثرية، هم الذين يرجحون كفة الاختيار عند اختلاف الأمة وعدم اتفاقها على رأي في موضوع اختيار الإمام. وكذلك عثمان لم يصبح إماما وخليفة بمجرد ترشيح عمر له في الستة، ولا برضا الخمسة الآخرين به، وإنما صار خليفة للمسلمين بعد أن عقدها الصحابة له في المسجد بالبيعة العامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم ي تخلف عن بيعته أحد، قال الإمام أحمد: ما كان في القوم أوكد من بيعة عثمان، كانت بإجماعهم).(3) قال عبدالله بن إدريس (ما كان في القوم أثبت عقدا في الخلافة من عثمان، كانت خلافته بمشورة ستة من أهل بدر).(4) وكذلك الخليفة الراشد علي رضي الله عنه لم يصبح خليفة إلا بعد عقد البيعة له. (1) منهاج السنة1/130. (2) المصدر السابق (3) المصدر السابق1/132. (4) السنة للخلال رقم408. اختيار عثمان تم بمشاورة الصحابة كلهم من خلال الاستفتاء العام الذي أجراه عبد الرحمن بن عوف، وإن قصد ابن إدريس هنا أن بيعة عثمان تمت بموافقة الستة الذين تنافسوا فيها حيث بايعوه كلهم لم يتخلف عنه أحد.

عدد الصفحات ١١٩

121 وقد ثبت عن عبد الله بن عمر أنه قال حين حصر عثمان: (إن رسول الله ﷺ قبض، فنظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه، وهو أبو بكر، فلما قبض أبو بكر، نظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه وهو عمر، فلما قبض عمر، نظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه وهو عثمان، فإن قتلتموه فهاتوا خيرا منه).(1) وهذا يؤكد أن الأمة هي التي اختارت هؤلاء الخلفاء جميعا، بناء على أنهم كانوا هم الأكفأ والأفضل، وإن اختلفت الوسائل التي استخدمها الصحابة في طريقة اختيارهم، فقد استخلف الصحابة أبا بكر في السقيفة مباشرة، واستخلفوا عمر بتشاورهم مع أبي بكر قبل وفاته ورضاهم بترشيحه عمر، وعقدهم البيعة له بعد وفاة أبي بكر بلا إكراه، كما استخلفوا عثمان عن طريق ترشيح ستة اقترحوا هم أسماءهم على عمر ، فجعل الأمر بينهم، وتم الاستفتاء بينهم، واختارت الأمة عثمان، فكانت الأمة هي التي استخلفت الجميع، كما في هذه الرواية عن ابن عمر. وكذا المعهود إليه من قبل الإمام ـ حتى في الخطاب المؤول نفسه ـ لا يكون إماما بمجرد العهد إليه بعد وفاة الأول، بل لا يكون إماما إلا بعقد البيعة له من الأمة، قال أبو يعلى الحنبلي: (الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعقد المسلمين)(2)،وقال أيضا: (عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة)(3)،فهو ترشيح يتوقف على عقد الأمة له بعد ذلك. ولخطورة هذه البيعة وأهميتها ظل جميع الخلفاء بعد ذلك يحرصون على إضفاء الشرعية على سلطتهم بأخذ البيعة من الأمة ولو كرها؟! وعقد البيعة كسائر العقود، يشترط فيه ما يشترط فيها من حيث الجملة، وهو أشبه العقود بعقد الوكالة، حيث الأمة هي الأصيل، ومن خاتاره إماما لها هو الوكيل عنها في القيام بما أوجب الله على المسلمين القيام به من إقامة العدل والحقوق والحدود والمصالح التي يقوم بها الإمام نيابة عن الأمة بموجب عقد البيعة، (1) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على فضائل الصحابة رقم 382 بإسناد حسن، فقد رواه عن أبي هاشم محمد بن يزيد، وهو من رجال مسلم، عن عبد الرحمن بن مهدي عن قرة بن خالد، وهما من الأئمة الحفاظ، عن أبي نهيك محمد بن القاسم الأسدي، وقد ثقه يحي بن معين وأبو زرعة وابن حبان، عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب. (2) الأحكام السلطانية ص21. (3) المصدر السابق

عدد الصفحات ١٢٠

121 والوكالة نيابة من الوكيل عن الأصيل في القيام بما يجب أو يحق للثاني القيام به، ولا يوجد في كتب الفقه فرق بين الوكالة والنيابة، ولم يبوب الفقهاء بابا خاصا للنيابة، إذ الوكالة أصلا هي النيابة! ومما يؤكد أن الحق في عقد البيعة هو للأمة تعقده لمن تشاء وتصرفه عمن تشاء، لا ينازعها في ذلك أحد ـ حتى في الخطاب المؤول ـ قول الماوردي: (فإن تنازعاها – أي الإمامة – وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق، لم تُسمع دعواه، ولم يحلف عليها، لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعا، فلا حكم ليمينه ولا نكوله عنه ، ولو أقر أحدهما للآخر بالتقدم خرج منها المقر ولم تستقر للآخر ؛ لأنه مقر في حق المسلمين).(1) فههنا بينر الماوردي حكم عقد البيعة لرجلين دون معرفة السابق منه ، وأنه لا تسمع دعوى أي منهما أنه الأسبق، ولا تقبل يمينه بذلك؛ لأنه ليس له أن يحلف على ما ليس من حقه؛ إذ عقد الإمامة حق للمسلمين جميعا، وكذا لو أقر أحدهما للآخر بأنه هو الأسبق لا يقبل إقراره ، بل يخرج هو من الإمامة باعترافه أنه ليس الأسبق، ولا تثبت الإمامة للآخر لأنه ليس لهذا الإقرار من أحدهما للآخر أي أثر؛ إذ صاحب الحق ههنا هي الأمة. وكذا لو توافرت صفات الإمامة وشروطها في رجل واحد فقط، فإنه لا يكون إماما بمجرد ذلك، كما قال الماوردي: (لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد، كالقضاء إذا لم يكن يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيا حتى يُولاه).(2) وكذا قال أبو يعلى الحنبلي حيث قال: (كذلك عقد الإمامة لأنه عقد لا يتم إلا بعاقد كالقضاء، لا يصير قاضيا حتى يُولىر ، ولا يصير قاضيا وإن وجدت صفته؛ كذلك الإمامة).(3) (1) الأحكام السلطانية ص10. (2) الأحكام السلطانية ص8. (3) الأحكام السلطانية ص24.

عدد الصفحات ١٢١

122 وقال القلقشندي: (لا تنعقد الإمامة إلا بعقد أهل الحل والعقد؛ لأن الإمامة عقد فلا يصح إلا بعاقد، وهو ما عليه جمهور الفقهاء وعليه اقتصر الرافعي والنووي، والمعتمد عليهما).(1) وكل ذلك يؤكد أن عقد الإمامة كغيره من العقود، وهو أشبه بعقد الوكالة، ينوب فيه الإمام عن الأمة، فهي التي خاتاره كما أنها هي التي لها الحق في عزله، وهذا الأصل من أصول الخطاب السياسي الراشدي كان واضحا جليا في عهد الخلفاء الراشدين، بل هو مما أجمع عليه الصحابة إجماعا قطعيا، وحتى معاوية بن أبي سفيان لم يصبح خليفة للأمة إلا في عام الجماعة، بعد أن اجتمعت الأمة عليه، وبايعه الجميع بعد أن بايعه الحسن بن علي رضي الله عنهما وقد دخل عليه أبو مسلم الخولاني فسلم عليه فقال : (السلام عليك أيها الأجير! فقيل له: قل الأمير، فقال: بل أنت أجير).(2) وهذا يؤكد أن عقد الإمامة في نظر الصحابة والتابعين هو عقد أشبه بالوكالة، والإمام كالوكيل أو الأجير؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر عندما أراد معاوية أن يعهد إلى ابنه يزيد من بعده، وطلب من عبد الله بن عمر أن يبايع على ذلك قال له: (إنما أنا رجل من المسلمين، أدخل فيما دخل فيه المسلمون)، وقال: (والله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة).(3) فجعل ابن عمر الأمر للأمة، يدخل معها فيما خاتاره وترضاه، مما يؤكد أن حق اختيار الإمام هو حق للأمة وحدها، كما يدل حرص معاوية رضي الله عنه على أخذ البيعة ليزيد على ضرورة عقد البيعة وأهميته، وأن شرعية أي إمام لا تتم إلا به، وأن كونه خليفة للمسلمين لا يخوله حق فرض ابنه على الأمة، وأن عهده إلى ابنه دون عقد البيعة له لا قيمة له، ولهذا حرص على عقدها لابنه لضرورتها. وقد نص الفقهاء على كون الإمام وكيلا عن الأمة، فقد جاء في (كشاف القناع عن متن الإقناع)، في فقه الحنابلة: (وتصرفه – أي الإمام – على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه، ولهم (1) مآثر الإنافة في معالم الخلافة1،41 – 49. (2) رواه أبو نعيمحلية الأولياء 2/121، وانظر تهذيب تاريخ دمشق1/323 ، وسير الأعلام4/13. (3) ابن جرير الطبري3/249.

عدد الصفحات ١٢٢

123 –أي: أهل الحل والعقد- عزله إن سأل العزل؛ لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقيلوني أقيلوني ! قالوا : لا نقيلك).(1) وقد قال علي رضي الله عنه: قام أبو بكر بعدما استخلف بثلاث، فقال: من يستقيلني بيعتي فأقيله، فأقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول الله ﷺ.(2) وقد عللوا كون الإمام لا ينعزل بموت أهل الحل والعقد الذين بايعوه ، لأنه وكيل عن الأمة كلها لا عن أهل الحل والعقد فقط، فقد جاء في كشاف القناع: (ولا ينعزل بموت من بايعه لأنه ليس وكيلا عنه بل عن المسلمين).(3) وكذا عللوا جواز طلب الإمام من الأمة عزله دون سبب يقتضي عزله بأنه وكيل عن الأمة ، وللوكيل طلب العزل من موكله، كما قال أبو يعلى الحنبلي: (لأنه وكيل للمسلمين وللوكيل عزل نفسه).(4) وكذا عللوا عدم انعزال الأمير الذي يختاره الخليفة بموت الخليفة ، وكذا عدم انعزال القاضي بموت الخليفة؛ لأن تقليده إياهما الإمارة على البلدان والقضاء فيها إنما هو نيابة عن المسلمين وهم أحياء، بخلاف الوزير فإنه ينعزل بموت الخليفة لأنه نائب عنه.(1) أي أن موت الخليفة يترتب عليه انعزال وزيره، لكون الوزير نائبا عن الخليفة، فينعزل بوفاته، وهذا بخلاف القضاة وأمراء البلدان والأقاليم، لا ينعزلون بوفاة الخليفة، لأن توليهما القضاء والإمارة نيابة عن المسلمين، لا عن الخليفة، والمسلمون أحياء، فلا ينعزل من ينوب عنهم حتى يعزلوه، أو يعزله الخليفة الجديد لسبب يقتضي ذلك، لا بمجرد وفاة الخليفة السابق. (1) كشاف القناع1/110 ، وانظر أيضًا مطالب أولي النهى في فقه الحنابلة 1/211. (2) أحمد في فضائل الصحابة1/132، والخلال في السنة رقم312 بإسناد فيه ضعف (3) المصدرين السابقين. (4) المعتمد في أصول الدين ص240. (1) الأحكام السلطانية للماوردي ص31.

عدد الصفحات ١٢٣

124 الأصل الرابع: ولا عقد بلا رضا واختيار ولا مع إكراه وإجبار: وهذا هو الأصل الرابع من أصول الخطاب السياسي الراشدي ، فإذا كانت الإمامة لا تتم إلا بعقد البيعة بين الأمة والإمام، وإذا كانت البيعة عقدًا من العقود ، فإنه لابد فيها من الرضا والاختيار من طرفي العقد؛ إذ لا يصح عقد من العقود إلا بالرضا دون إكراه أو إجبار، وإذا كان الرضا في عقود البيع والمعاملات ركنا من أركان العقد أو شرطا من شروط صحته، كما قال تعالى: ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ (1) فكيف بعقد الإمامة؟! لقد أبطلت الشريعة جميع أنواع الإكراه وصوره، ومن ذلك: 1- نفى الله الإكراه في الدين والطاعة: وأبطل كل طاعة وعبادة تكون بالإكراه، ونهى عن إكراه عباده على طاعته، فقال سبحانه ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾(2)،وقال سبحانه لنبيه ﷺ ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾(3)،وقال نوح لقومه على سبيل الإنكار: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾.(4) 2- ورفع الشارع كل فعل يصدر عن الإنسان مع الإكراه: وأبطل آثاره، ولم يرتب عليه أي أثر، كما في الحديث (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه).(1) 3- وأبطل الإكراه في المعاملات التجارية: واشترط لصحتها الرضا من الطرفين، فقال سبحانه: ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾(1 )،وجاء في الحديث : (إنما البيع عن تراض) (1 )،وجاء فيه أيضا: (لا يحل أخذ مال امرئ إلا بطيب نفس منه). (1) النساء28. (2) البقرة211. (3) يونس88. (4) هود29. (1) ابن ما جه ح2043و2041 ، وابن حبان في صحيحه ح1218 ، والحاكم2 /189وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1) النساء 28. (1) رواه أحمد1 /421، وابن ماجه ح2191، وابن حبان في صحيحه ح4811.

عدد الصفحات ١٢٤

125 4- ونهى عن إكراه الزوجة على مفارقة زوجها إذا رضيت بمراجعته، كما قال تعالى: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾.(1) 1- وأبطل عقد النكاح مع إكراه المرأة: وجاء في الحديث: (أن خنساء الأنصارية زوجها أبوها وهي كارهة، وكانت ثيبا ، فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها) (2 )،وسئل النبي ﷺ: أيستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم! فقيل: فإن البكر تستأمر فتستحي فتسكت؟ فقال: (سكاتها إذنها)(3)،وفي رواية: (رضاها صمتها)(4)،وقال أيضا: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن).(1) 1- وأجاز فطام الطفل قبل السنت بالرضا: بعد الرضا والشورى من الوالدين، فقال تعالى: ﴿ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾.(1) 1- وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من إكراههم للمرأة الصغيرة، أو من توفي زوجها أن تتزوج أحدا من غيرهم ، حتى يؤول مالها لهم ، كما قال تعالى : ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾.(1) فإذا كان كل ذلك كذلك في اشتراط الرضا من الطرفين لصحة العقود ، وصحة المعاملات، بل وأجاز استئمار المرأة في عقد نكاحها، وجعل لها الحق في فسخ العقد إذا وقع دون رضاها وإذنها، فكيف يقع عقد البيعة ـ الذي يتصرف الإمام بموجبه بشئون الأمة كلها ـ مع الإكراه؟! وكيف لا يحل للأمة رده وفسخه إذا وقع كذلك؟! (1) البقرة232. (2) صحيح البخاري ح1841. (3) صحيح البخاري ح1841. (4) صحيح البخاري ح1131. (1) صحيح البخاري ح1131. (1) البقرة233. (1) النساء18.

عدد الصفحات ١٢٥

126 وكيف يأبى الله جل جلاله أن يكره عباده على طاعته لأنه خلقهمأحرارا ليبتليهم، ثم يرضى ـ تعالى عن ذلك ـ أن يبذلوا طاعتهم لبشر مثلهم كرها وقهرا؟! لقد قرر الشارع كما في الحديث أنه (ليس لعرق ظالم حق)(1)،وأمر بإبطال الغصب، ورد المظالم إلى أهلها، وقال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)(2)، وجاء في الصحيح: (أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية).(3) فكيف لا يرد عمل من غصب الأمة كلها أحق حقوقها، وهو حقها في الشورى والاختيار، وحقها في حريتها والتصرف بأمرها، وابتغى في الإسلام سنن الجاهلية وسنة كسرى وقيصر؟! ولا شك بأن أحق المحدثات بالرد هي المحدثات في باب الأمر والإمامة، كما في حديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ..وإياكم ومحدثات الأمور)، وهي سنن الفرس والروم التي خاالف هدي الأنبياء وسنن الخلفاء. بل إن قهر الناس بالسيف، والتصرف في شئونهم كرها، هو استعباد لهم يناقض حريتهم وتوحيدهم، وهو أوضح صور الغصب الذي أبطلته الشريعة، فلا يتصور أن يبطل تصرف الغاصب في المتاع المغصوب، بينما يصح تصرف الجبابرة حين يغتصبون الأمة كلها بشعوبها وأرضها وثرواتها وحاضرها ومستقبلها؟! وإذا بطل بالإجماع استعباد الحر، أو اغتصابه وبيعه، فمن باب أولى اغتصاب الأمة واستعبادها ومصادرة حريتها، والعرب تطلق على من دان لملك بأنه عبده، كما قال تعالى في شأن بني إسرائيل وقول الملأ : ﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾، فسمى خضوع بني إسرائيل لسلطان فرعون وملئه قهرا وكرها بأنه عبادة لهم. (1) أبو داود ح3013 ، والترمذي ح1319، وقال(حديث حسن غريب (2) صحيح مسلم ح1119. (3) صحيح البخاري ح رقم1499.

عدد الصفحات ١٢٦

127 فكيف يتصور في دين التوحيد أن تكون العبودية لغير الله ، وأن تكون الطاعة كرها لغيره ، وأن يصح تصرف من استعبد المؤمنين في أنفسهم وأرضهم؟! هذا ولا خلاف بين الصحابة في أنه لابد لصحة البيعة من رضا الأمة واختيارها، دون إكراهها أو إجبارها؛ ولهذا قال أبو بكر للصحابة: (أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، ولا ولريت ذا قرابة ، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا). قالوا : (سمعنا وأطعنا).(1) وفي رواية أنه استشار المهاجرين والأنصار ثم قال : (أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا : نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به. فأقروا بذلك جميعا، ورضوا به، وبايعوا).(2) وفي رواية (أليس ترضون بما أصنع؟ قالوا بلى يا خليفة رسول الله).(3) وقد ذكر الماوردي الخلاف بين الفقهاء في أنه: هل يشترط رضا أهل الحل والعقد عند استخلاف الإمام لغيره من بعده؟ فقال: (ذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة، لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم).(4) وهذا هو الصحيح الذي لا يسوغ غيره، وهو ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم . فقد عقد الصحابة رضي الله عنهم البيعة لأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، دون إكراه ولا إجبار، وهذا من المعلوم من تاريخ الأمة بالضرورة القطعية التي لا يجحدها إلا مكابر ، فلم يصبح أحد منهم خليفة بالسيف أو القوة أو القهر للأمة على ذلك. (1) ابن جرير الطبري2/312 بإسناد رجاله ثقات (2) ابن سعد في الطبقات3/148 من طرق عدة ، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق30/411. (3) رواه الحاكم في المستدرك3/91 وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (4) الأحكام السلطانية للماوردي ص11.

عدد الصفحات ١٢٧

128 ولا يتصور بطلان عقد البيع في ربع دينار عند انعدام رضا أحد الطرف، وصحة عقد الإمامة مع الإكراه! فهذا يصطدم بنظرية العقود في الشريعة الإسلامية التي تشترط لصحة كل عقد رضا الطرفين ؛ إذ لا عقد لمكره، وإذا كان الله عز وجل الذي أوجب طاعته على العباد لم يرض إجبارهم ولا إكراههم على طاعته حتى قال تعالى: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾(1)،فكيف يتصور جواز عقد الإمامة – التي تقتضي الطاعة للإمام – دون رضا الأمة، وإكراهها على عقده ثم التزامها بمقتضاه تحت الإكراه؟ ! ولهذا نص الماوردي على ذلك فقال: (فإذا تعين لهم ـ أي أهل الحل والعقد ـ من أداهم الاجتهاد إلى اختياره، عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار ، لا يدخله إكراه ولا إجبار)(2). ولوضوح هذا الأصل أفتى مالك رحمه الله تعالى فتواه بأنه لا بيعة لمكره، وذلك عندما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن ذو النفس الزكية سنة 141هـ،على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج في المدينة، فاستفتى أهلها مالك بن أنس في الخروج معه، مع أنهم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور ، فقال مالك: (إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته).(3) مشروعية فسخ عقد البيعة: فإذا ثبت كل ذلك، وأنه لا إمامة بلا عقد البيعة، ولا عقد إلا برضا الطرفين، وأنه عقد وكالة: الأمة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في القيام بمهام محددة وفق صيغة محددة نصها: (بايعناك على بيعة رضا، على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة)(4)،أو(بايعناك على الكتاب والسنة)،كما كان الصحابة يفعلون: إذا ثبت ذلك كله، فإنه لا يوجد عقد في الشريعة يقتضي الاستدامة ولا يمكن فسخه، بل جميع العقود التي تقبل الاستدامة وطول المدة كالإجارة والوكالة والنكاح يمكن فسخها ورفعها، خصوصا عقود (1) البقرة211. (2) الأحكام السلطانية للماوردي ص9. (3) ابن جرير الطبري4/421 ، حوادث سنة141هـ ، وسير أعلام النبلاء9/90. (4) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص21، وكشاف القناع1/110، ومطالب أولي النهى1/211.

عدد الصفحات ١٢٨