المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ١٠ من ١٠

145 الظلم عنهم وحمايتهم حتى من الإمام المسلم الظا، ولو ذهبت من أجل ذلك أرواح المسلمين وأموالهم، لكون أهل الذمة لهم ذمة الله ورسوله، ثم يسوغ إهانتهم أو إيذاؤهم بقول أو فعل! وكذا لا فرق بين البغاة الذين خرجوا على السلطة وقاتلوها، ومن أعانهم من أهل الذمة وقاتل معهم، قال الإمام السرخسي: (وإن كان أهل البغي قد استعانوا بقوم من أهل الذمة على حربهم فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضا للعهد، ألا ترى أن هذا الفعل من أهل البغي ليس ينقض للإيمان، فكذلك لا يكون من أهل الذمة نقضا للعهد، وهذا لأن أهل البغي مسلمون فإن الله تعالى سمى الطائفتين باسم الإيمان بقوله تعالى: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾، وقال علي رضي الله عنه: (إخواننا بغوا علينا ) فالذين انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات ، وأن يكونوا من أهل دار الإسلام، فلهذا لا ينتقض عهدهم بذلك، ولكنهم بمنزلة أهل البغي فيما أصابوا في الحرب ، لأنهم قاتلوا تحت راية البغاة، فحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة، وينبغي لأهل العدل إذا لقوا أهل البغي أن يدعوهم إلى العدل).(1) وكذا إذا خرج أهل الذمة على سلطة أئمة الجور، فحكمهم حكم المسلمين الذين يخرجون على الظلمة من حيث حرمة قتالهم، إذا كانوا خرجوا لدفع الظلم عنهم ، قال ابن تيمية (ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون ـ أي الخوا رج ـ مع أئمة العدل مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور؟ فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون، وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور).(2) تاسعا: توفير الضمانات العدلية والقضائية للأفراد: فقد جاء الخطاب القرآني والنبوي بأعدل الضمانات لحقوق الأفراد والجماعات ، ومن ذلك: (1) المبسوط1/139. (2) الفتاوى1/111.

عدد الصفحات ١٤٥

146 أو: حق التقاضي ورفع الأمر للقضاء: فلا يمنع أحد من التظلم، ولا يحال بينه وبين اللجوء للقضاء لرفع الظلم عنه، حتى ولو كان التقاضي ضد الإمام ورجال السلطة، وهذا محل إجماع، للأدلة القطعية من القرآن والسنة الموجبة للحكم بالعدل بين الناس كافة، كما قال تعالى: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ﴾(1)،وقوله: ﴿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴾(2)،وقوله: ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾.(3) ثانيا: حق توفير الضمانات للمتهم: ومن ذلك تحريم التعذيب كما في خطبة حجة الوداع المتواترة عن النبي ﷺ وفيها (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) (4 )،وبوب عليه البخاري كتاب (ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق).(1) وفي الحديث الآخر الصحيح (صنفان من أهل النار: ورجال معهم سياط يضربون بها الناس).(1) وكذلك قال عمر (ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه بما لم يفعل).(1) وفي رواية قال: (ليس الرجل بأمين على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته).(9) (1) المائدة48. (2) المائدة42. (3) المائدة49. (4) رواه البخاري ح1019 ، وانظر كتاب الحج باب132 الخطبة أيام منى، ومسلم ح1118. (1) البخاري ح1191 الحدود باب8. (1) مسلم ح1184. (1) الخراج للقاضي أبي يوسف111 بإسناد صحيح عن عمر (9) ابن أبي شيبة في المصنف1/483، والبخاري في التاريخ الكبير رقم 2311، بإسناد صحيح عن عمر

عدد الصفحات ١٤٦

147 ثالثا: اعتبار رجوع المقر عن إقراره شبهة تدرأ عنه العقوبة: فقد كان النبي ﷺ يلقن المقر على نفسه الرجوع عن إقراره ليدرأ عنه العقوبة ، ولا يسقط ذلك ح ق أصحاب الحقوق إذا أقر لهم بها، فمن أقر على نفسه بسرقة ورجع عن إقراره ، سقطت عنه العقوبة ولزمه دفع المال لمن أقر لهم به.(1) رابعا: لا جر يمة ولا حد إلا بنص ولا قضاء إلا ببينة: فقد كانت الشريعة الإسلامية أول من قرر مبدأ أنه لا جريمة ولا حد ولا عقوبة إلا بنص، ولا قضاء إلا ببينة، كما جاء في الحديث الصحيح (لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث)، وفي الحديث: (ظهر المؤمن حمى إلا في حد)(2)،وفي الصحيحين (لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله) (3)،وعن عمر قال (ظهور المسلمين حمى لا تحل لأحد إلا أن يخرجها ـ أو يجرها ـ حد).(4) والحدود عقوبات مقدرة نصا لجرائم محددة وصفا، لا سبيل للزيادة عليها، كما قال ابن عبد البر (ومن حجة من لم يبلغ بالتعزير الحد في العدد ولا في الإيجاع عدم النص فيه، وإن عرض المسلم ودمه محظوران محرمان لا يحلان إلا بيقين لا شك فيه، مع ما روى عن النبي ﷺ أنه قال لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله).(1) قال الإمام الشافعي: (أحكام الله عز وجل ورسوله ﷺ تدل أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بالظن، وإن كانت له عليه دلائل قريبة، فلا يحكم إلا من حيث أمره الله بالبينة تقوم على المدعى عليه، أو إقرار منه بالأمر البين، وكما حكم الله أن ما أظهر فله حكمه، كذلك حكم أن ما أظهر فعليه حكمه).(1) (1) وانظر الخراج111. (2) أخرجه الطبراني من حديث عصمة بن مالك، وأبو الشيخ من حديث عائشة، وكلا الحديثين ضعيف، ولهما شاهد من حديث أبي أمامة، كما في فتح الباري 12/91. (3) صحيح البخاري رقم1411 ، ومسلم رقم1109. (4) رواه عبدالرزاق في المصنف 1/413 بإسناد حسن صحيح (1) التمهيد1/328. (1) الأم للشافعي1/482.

عدد الصفحات ١٤٧

148 خامسا: رعاية السجناء وتوفير احتياجاتهم: فيجب لهم من بيت المال ما يقوتهم، ويجب لهم توفير اللباس وكل ما يحتاجونه مما لا يستغني عنه الإنسان المسجون كالعلاج ونحوه.(1) سادسا: تحديد مدة الحبس للتهمة: فلم يحبس النبي ﷺ أحدا بالتهمة إلا مرة واحدة يوما وليلة، ولم يكن له سجن، ولا للخلفاء الراشدين، ونقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (قال أحمد قد حبس النبي ﷺ في تهمة، قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره .. وفي جامع الخلال أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة، والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك... والحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، أو بتوكيل من يلازمه ويحضره، هذا هو الحبس على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر .. ولهذا تنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا، قال لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفتيه بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة و يقام عليه حافظ ـ أي كفيل يحضره ـ واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة فقال الزبيري هو مقدر بشهر، وقال الماوردي غير مقدر).(2) وقد اختار الأكثر وهو المعمول به في مذهب مالك أنه يحبس ثلاثة أو أربعة أيام لا يزاد على ذلك. وقد نص الفقهاء على أن والي الجرائم ـ وهو ما يعادل النيابة العامة والتحقيقات في العصر الحديث ـ له من الصلاحيات ما ليس للقاضي ومن ذلك كما في التبصرة (تعجيل حبس المتهوم ـ وهو المشبوه والمشهور بالتهمة وليس كل من اتهم ممن ليس من أهلها ـ للاستبراء والكشف ـ أي الحبس على ذمة التحقيق ـ ومدته شهر أو بحسب ما يراه بخلاف القاضي).(3) (1) الخراج111 وانظر الحرية أو الطوفان ص231. (2) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية101- 102. (3) تبصرة الحكام2 /148 – 110.

عدد الصفحات ١٤٨

149 وقال في دعوى الدماء (إن كان المدعى عليه متهما أطال حبسه خمسة عشر يوما إلى الثلاث، وإن كان غير متهم فاليومين ونحوهما).(1) ولا يحبس أحد بالدين ولا بالحقوق المالية إذا كان معسرا ، بنص القرآن في قوله تعالى : ﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾.(2) قال ابن القيم: (والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع أنه لا يحبس في شيء من ذلك، إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل، فإن الحبس عقوبة، وإنما تسوغ بعد تحقق سببها، وهي من جنس الحدود، فلا يجوز إيقاعها بالشبهة، وقد قال النبي ﷺ لغريم المفلس الذي لم يكن لديه ما يوفي دينه (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)، وهذا صريح في أنه ليس لهم حبسه ولا ملازمته، ولم يحبس رسول الله ﷺ طول مدته أحدا في دين قط، ولا أبو بكر بعده، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، وكان علي يقول: لا يحبس في الدين إنه ظلم، وهذا الحكم عليه جمهور الأمة).(3) الأصل العاشر: ضرورة الجهاد لحماية الأمة وصيانة الدولة: وهو من أهم أصول الخطاب السياسي الإسلامي القرآني والنبوي والراشدي، بل هو من أوجب الواجبات الشرعية على السلطة، كما جاء في خطبة أبي بكر بعد البيعة وفيها (وما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل)، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على وجوب الجهاد بنوعيه: (1) تبصرة الحكام2 /111. (2) البقرة290. (3) الطرق الحكمية 21 – 13 بتصرف واختصار

عدد الصفحات ١٤٩

151 النوع الأول: جهاد الدفع: وهو دفع العدو الغازي، ومنه قتال أهل الردة الذين هددوا في الداخل وحدة الأمة ووحدة الدولة السياسية والتشريعية والعقائدية على اختلاف أصنافهم واختلاف أسباب ردتهم كلية كانت أو جزئية، حتى قال أبو بكر (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه فإن الزكاة حق المال) (1) . وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن جهاد الدفع: (أما قتال الدفع عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الذي يفسد الدنيا والدين لا شيء أوجب بعد الإيمان بالله من دفعه، ولا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان)(2) . الثاني: جهاد الفتح: كما أجمع الصحابة أيضا على مشروعية جهاد الفتح لتحرير الشعوب من ظلم القياصرة والأكاسرة وطغيانهم، وقال ابن عطية عن الجهاد بنوعيه: (استقر الإجماع على أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين)(3) . لقد تجلت كلأصول الخطاب الراشدي التي سبق تفصيل القول فيها، منذ أول يوم توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة السقيفة في أوضح صورها، إذ كان في مبادرة الصحابة للسقيفة لحسم موضوع الإمامة تجلِّ للأصل الأول وهو ضرورة الدولة للدين وأنه لا دين بلا دولة، كما إن في اجتماعهم على إمام واحد دليل على إنه لا دولة بلا إمامة وسلطة واحدة، كما إن في عقدها لأبي بكر في السقيفة ثم في المسجد دليلاً على إنه لا إمامة بلا عقد البيعة من الأمة، كما تجلى في تفاوضهم وتحاورهم وتشاورهم ثم تراضيهم أصل أنه لا عقد إلا برضا، ولا رضا بلا شورى، كما تجلى في إبداء كل فريق لرأيه دون خوف مبدأ أنه لا شورى بلا حرية، وفي ترشيح أبي بكر لعمر وأبي عبيدة، وترشيح الأنصار لسعد بن عبادة، ثم ترشيحهم أبا (1) رواه البخاري ح 1411 ، ومسلم ح 20 . (2) الفتاوى المصرية4/108 . (3) تفسير القرطبي3 /39 .

عدد الصفحات ١٥٠

151 بكر تأكيد لأصل أنه لا حرية بلا تعددية، كما تجلى في بيعتهم أبا بكر على الكتاب والسنة(1)،مبدأ المشروعية وأن الشريعة هي المرجعية، كما أكد أبو بكر أهم هذه الأصول في خطبته بعد البيعة مباشرة، كما تأكدت كل تلك الأصول بعد ذلك في كل ممارسات الخلفاء الراشدين، التي امتدت فترة خلافتهم من سنة إحدى عشرة للهجرة إلى سنة الأربعين للهجرة.. (1) انظر السنة للخلال ص103 ، ومصنف عبد الرزاق11/331 ، في بيعة أبي بكر الناس على الكتاب والسنة

عدد الصفحات ١٥١