97 ومدة خلافة صغار الصحابة وهم الحسن، ومعاوية، وابن الزبير، ثلاثون سنة أيضا، فيكون مدة الجميع ستون سنة، ومع عهد النبوة عشر سنين، فهذه سبعون سنة، كما جاء في حديث ابن مسعود، استقام لهم أمرهم فيها على بعض الخلل في آخرها، وهنا يظهر الفرق بين عهد الخلفاء الراشدين الذي يمتد إلى سنة 40هـ،وفترة تراجع الخطاب الراشدي التي تمتد إلى سنة 10هـ تقريبا على ما فيها من دخن واضطراب يمثل بداية نهاية هذه الفترة، إذ بعد السبعين انتهت فترة الخطاب السياسي الراشدي الذي يمثل تعاليم الخطاب المنزل مع آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير، كما أخبر النبي ﷺ في حديث الافتراق وأن الحق هو (ما أنا عليه وأصحابي)، وتجلى بعده بشكل واضح خطاب سياسي مؤول لم تعهده الأمة من قبل على يد عبد الملك بن مروان وهو أخذ الأمر بالسيف والقوة لا بالشورى والرضا. كما إن الخلافة الراشدة التي على نهج النبوة تنقسم هي أيضا إلى فترتين وهما: العصر الأول: خلافة الشيخين أبي بكر وعمر: ولها من الخصوصية ما ليس لغيرها، ومن ذلك ورود الأحاديث الخاصة باتباع الشيخين، والاقتداء بهما، والتمسك بسننهما في هذا الباب، ومن ذلك حديث: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)(1)،وحديث: (إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).(2) كما إن عصرهما كان عصر اجتماع وألفة، فكان كبار الصحابة متوافرين في المدينة، ولم تحدث آنذاك فرقة ولا اختلاف ولا فتنة، ولهذا صار عصرهما يمثل النموذج الكامل، حتى أن الصحابة لم يبايعوا عثمان إلا على شرط الالتزام والعمل بسنة الشيخين، فكانت سننهما في باب الإمامة واجبة الاتباع بالنص والاجماع، فإذا كانت هناك سنة في باب الإمامة تقررت في عهدهما، وخالفتها سنة في عهد من بعدهما، كانت سنتهما أولى بالاتباع من سنة غيرهما، كما قال عبيدة السلماني القاضي الفقيه في عهد علي رضي الله عنه، فقد أراد علي أن يخالف في القضاء في سنة تقررت في عهد عمر، فاعترض عليه عبيدة وقال (رأيك مع عمر في الجماعة أحب (1) رواه مسلم ح191، وأحمد في المسند1/289. (2) الترمذي ح3112 ، وقال(حديث حسن)، وصحيح ابن حبان ح1199، والحاكم وصححه ح4411 ـ4411.
عدد الصفحات ٩٧98 إلينا من رأيك وحدكفي الفرقة)، فقال علي له (اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي).(1) وبهذا تكون السوابق التشريعية الاجتهادية في عهد الشيخين خاصة في باب الإمامة السياسية أقوى حجية من غيرها ، لكونها تقررت حال الجماعة والشورى ، قبل ا لفتنة والخلاف ، ولهذا اشترط الصحابة ـ كما في الصحيح ـ على عثمان وبايعوه(على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس، المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون).(2) وإنما شرطوا عليه ذلك لأن سنن الشيخين كانت عن شورى الصحابة وإجماعهم. العصر الثاني: خلافة الصهرين عثمان وعلي: وهو أيضا عهد خلافة راشدة، وسننهما في باب الإمامة سنن هدى، يجب اتباعها، إلا ما خالفا فيه سنة الشيخين، فقد وقع في عهديهما تأويل، أدى إلى حدوث فتنة، فقد تأول عثمان في الأموال، كما تأول علي في الدماء ـ كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ثم سنا للأمة سننا هي من هدي الخلفاء الراشدين، في كيفية مواجهة الفتن التي تقع بين المسلمين في الدولة الإسلامية، يجب الاقتداء بها. وقد قال أحمد بن حنبل: (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، هؤلاء أئمة العدل، ما أعطوا فعطيتهم جائزة، ولقد بلغ من عدل علي رحمه الله أنه قسم الرمان والأبزار).(3) أصولالخطاب الراشدي وتجلياته السياسية: لقد تجلت أصول الخطاب الراشدي في أحداث رئيسة من تاريخ الإسلام ، مما أدى إلى رسوخ تلك الأصول نظريا، بحيث لا يمكن نفيها ، أو تأويلها ، وإنما غاية ما هنالك تسويغ غيرها ق ياسا عليها ، كما حدث في الخطاب المؤول، وقد تمثلت تلك الحوادث الرئيسة التي تجلى فيها الخطاب الراشدي في الحوادث الآتية : (1) البخاري ح3101 ، وانظر فتح الباري1/11. (2) صحيح البخاري ح1201. (3) السنة للخلال أثر121 بإسناد صحيح عنه
عدد الصفحات ٩٨99 أو: وفاة النبي ﷺ دون استخلاف ولا وصية: فقد تجلت سنن الخلفاء الراشدين، وأصول الخطاب السياسي الراشدي، منذ وفاة النبي ﷺ مباشرة، بل قبيل وفاته، فحين حضرته الوفاة تحدث أصحابه في شأن الخليفة بعده، فأراد أن يحسم الموضوع بينهم فقال: (لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون).(1) وفي رواية أن النبي قال لعائشة (ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك، حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر).(2) وأمرﷺ أبا بكر أن يصلي في الناس، فصلى بهم أيام وجع النبي عشر ليال، ثم أراد أن يخرج إلى الناس ليوصيهم، ويعهد إليهم، ويودعهم، وفي رواية عن عائشة أنه لما اشتد به وجعه ﷺ قال (أهريقوا علي من سبع قرب ـ أي من الماء لشدة الحرارة التي يجدها ﷺ ـ لعلي أعهد إلى الناس)، ثم خرج إلى الناس، فصلى بهم، وخطبهم(3)،فقال لهم: (أيها الناس! سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم! وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن).(4) وهو ما رواه مختصرا ابن أبي أوفى أن رسول ا ﷺ أوصى بكتاب الله.(1) فأرادﷺ أن يردهم للشورى التي جاء بها القرآن. وعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال (اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس فقال: (هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)، فقال بعضهم إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول (1) صحيح البخاري ح1111 و1211. (2) رواه مسلم في صحيحه ح2391/1191 . (3) صحيح البخاري ح4442. (4) ابن إسحاق في المغازي والسيرة كما في مختصر ابن هشام (1) صحيح البخاري ح4410.
عدد الصفحات ٩٩111 غير ذلك، فلما أكثروا اللغط، قال لهم رسول الله ﷺ (قوموا) ، قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، لاختلافهم ولغطهم).(1 ) وفي رواية أخرى عن ابن عباس نحوها، وفيها (قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا ، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع).(2) وإنما قال عمر ذلك لأن النبي ﷺ كان قد خرج عليهم قبلها بليال ، وخطبهم وأوصاهم بكتاب الله والعمل به، وقال لهم (والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن).(3) فكره عمر أن يكلفوا النبي ﷺ عناء الكتابة ويشقوا عليه وهو في حال وجع شديدة ، ولم يظن عمر بأن النبي ﷺ سينتقل إلى الرفيق الأعلى في مرضه ذاك، بل إنه هدد من قال بأن النبي ﷺ قد توفي كما سيأي بيانه. وفي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو ما سبق، وفيها (فتنازعوا ، فقالوا هجر رسول الله ﷺ، فقال: (دعوني فالذي أنا فيه خير من الذي تدعوني إليه)، فأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشرك ين من جزيرة العرب..).(4) وفي لفظ آخر لرواية ابن جب : (فقالوا : ما له أَهَجَرَ؟ استفهموه ! فقال: (ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) ، فأمرهم بثلاث ، أخرجوا المشركين من جزيرة ا لعرب، وأجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم ، والثالثة ـ قال الراوي ـ إما سكت عنها، أو أنسيتها).(1) (1) صحيح البخاري ح 4431و4432. (2) صحيح البخاري ح114. (3) ابن إسحاق في المغازي والسيرة كما في مختصر ابن هشام (4) صحيح البخاري ح3013. (1) صحيح البخاري ح3119.
عدد الصفحات ١٠٠111 والصحيح أنها الخلافة، فقد سكت عنها بعد أن كاد يعهد بالأمر إلى أبي بكر، ويكتب بذلك كتابا، فصرفه الله عن ذلك فقال : (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ، وأحالهم على القرآن في شأنها ، حيث أوجب الله الشورى. وقولهم: أهجر؟ استفهام قد يكون استخباريا أو استنكاريا، بمعنى: أغاب عن الوعي لشدة الحمى حتى صار يتكلم بما لا يُفهم؟! وفي لسان العرب : (في الحديث : (قالوا : ما شأنه أهجر؟) أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغير كلامه واختلط). وذلك كان اعتقادا منهم رضي الله عنهم أنه بشر يعتريه ﷺ في حال مرض الموت ما يعتري سائر البشر من فقد الوعي والاختلاط عند النزع. وقد تأي هجر بمعنى بعُد ونأى حتى غاب، فكأنهم تساءلوا بينهم حين صمت النبي ﷺ، وأخذ يردد في نفسه فرحه بلقاء ربه، حيث خُ يرر فاختار الرفيق الأعلى ، فلما رأوه على هذه الحال وهو يتمتم ﷺ، قالوا : أغاب عن الوعي؟ فرد عليهم ﷺ فقال (ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه). قال ابن عباس: (وخرج علي بن أبي طالب من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: إني والله أرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، فاذهب بنا إليه، فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده، إني والله لا أسألها رسول الله ﷺ).(1) فتوفي رسول اﷺ رسولا صفيا، وعبدا نبيا، فلم يورث آله وأزواجه شيئا، ولا ترك لهم مالا، ولا ورثهم ملكا ولا خلافة، كما في الحديث الصحيح: (إنا لا نورث ما تركناه صدقة).(2) (1) صحيح البخاري ح4441، وأحمد في المسند 1/213 بإسناد على شرط الصحيحين، والبيهقي ترقيم عطا9/148. (2) صحيح البخاري ح 4240.
عدد الصفحات ١٠١112 وعن عمرو بن الحارث: (ما ترك رسول الله ﷺ دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة).(1) وعن عائشة أن رسول اﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير.(2) وتوﷺ ولم يستخلف أحدا بعده، ولا عهد بالأمر إلى أحد، بل ترك الأمر شورى بينهم، كما أمرهم ربهم. وقد قالت عائشة -وقد توفي النبي ﷺ في بيتها ورأسه على صدرها-: (قبض النبي ﷺ ولم يستخلف أحدا، ولو كان مستخلفا أحدا لكان مستخلفا أبا بكر أو عمر).(3) وقال عمر على المن: ثلاث لأن يكون رسول الله بينهن لنا، أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.(4) وقوله: (الخلافة) أي: (الخليفة من بعده)، كما فسرتها بعض الروايات، أي لم يبين لهم ﷺ من الخليفة من بعده، وإنما ترك الأمر شورى بينهم. وقوله (الربا) المقصود هنا: لو بين لهم كل أبواب وصور الربا، كما فسرته الروايات الصحيحة، إذ من الربا ما هو مجمع عليه، كربا الفضل، ومنه ما وقع فيه اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم. وصح عن عمر أنه قال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك رسول الله ﷺ).(1) (1) صحيح البخاري ح4411. (2) صحيح البخاري ح4411. (3) صحيح مسلم4 /1911 ، وأحمد في المسند واللفظ له1/13. (4) ابن ماجه ح رقم2121، والخلال في السنة رقم331، بإسناد رجاله ثقات وفيه انقطاع، والروايات الصحيحة عن عمر كما في الصحيح وغيرهما قال: (ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا). (1) صحيح البخاري ترقيم البغا ح1182، وصحيح مسلم ح1923.
عدد الصفحات ١٠٢113 وقد قيل لعلي رضي ا: ألا تستخلف؟ فقال: لا بل أترككم إلى ما ترككم رسول الله ﷺ، قالوا : فما تقول لربك إذا لقيته؟! فقال: أقول (اللهم تركتني فيهم ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم).(1) وفي رواية أخرى : (قيل لعلي رضي الله عنه : استخلف علينا ! فقال ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا جمعهم على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم ﷺ على خيرهم). (2) وقد جاء قيسبن عباد وابن الكواء إلى علي رضي الله عنه فسألاه: هل عندك عهد؟ فقال: (معاذ الله، والله لإن كنت أول من صدقه، لا أكون أول من كذب عليه، والله ما عندي من رسول الله ﷺ في هذا الأمر من عهد، ولو كان عندي منه عهد لقاتلت عليه بيدي هاتين).(3) وفي قول العباس لع: (نسأله لمن الأمر من بعده) دليل على أن هذه القضية ـ وهي قضية الأمر ولمن الحق في الإمامة ـ كانت إحدى القضايا التي ثار حولها الجدل قبل الهجرة في مكة، وبعد الهجرة في المدينة، في حياة النبي صلى اله عليه وسلم وبعد وفاته، حتى قال الشهرستاني أنه لم تسل السيوف على قضية دينية كما سلت في موضوع الإمامة! فالأمر يطلق ويراد به الإمارة والخلافة والإمامة وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾، وهو ما أوصى به النبي ﷺ قبيل وفاته حين أوصاهم بكتاب الله والعمل بهداياته. وفي المحاورة بين العباس وعلي دليل جلي على خطورة هذا الموضوع، حتى لم يكن لهما همر سواه عند و فاة النبي ﷺ، فلم يقدح ذلك بمكانتهما، وما ذاك إلا لخطورة الإمامة في سياسة الدنيا، ومكانتها في الدين، وأنها أصل من أصوله. (1) ابن سعد في الطبقات3/34 ، والخلال في السنة رقم332 وإسناده حسن (2) رواه الحاكم في استدرك 3/94 وقال صحيح الإسناد، والبيهقي في السنن9/148. (3) السنة للخلال رقم348.
عدد الصفحات ١٠٣114 وفي قوله: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) أوضح دليل على أن الأمر للمؤمنين والخيار لهم في اختيار خليفتهم، ولفظ الإباء صريح في إثبات حقهم في الاختيار، فإن من له الحق في الرفض والإباء له الحق في البذل والعطاء، فكأن النبي ﷺ علم فيما كشفه الله له من أمر الغيب أن الأمة بعده ستختار أبا بكر، وأن هذا هو ما أراده الله قضاء وقدرا، وما سيقرره المؤمنون اختيارا ونظرا ، وهو ما تحقق فعلا، وقد توهم قوم أنه استخلف أبا بكر، كما رواه ابن إسحاق في المغازي عن القاسم بن محمد بن بكر قال: (لولا مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله ﷺ قد استخلف أبا بكر ـ لكنه أي عمر ـ قال عند وفاته: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني، فعرف الناس أن رسول الله ﷺ لم يستخلف أحدا، وكان عمر غير متهم على أبي بكر).(1) وقد ادعت طائفة بأنهﷺ قد استخلف أبا بكر، حيث قدمه إماما للمسلمين في صلاتهم عند وفاته، ولم يكن أقرأ الصحابة للقرآن ، بل كان فيهم من هو أحفظ منه، فقد كان ابن مسعود أحفظهم، وقد قال ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فلما قدم أبا بكر ليصلي بهم إماما دل ذلك على أنه أراد تقديمه للإمامة العامة وهي الخلافة.(2) كما جعله أميرا عليهم في حجهم في السنة التاسعة ، ولا معنى لتقديمه أبا بكر إماما يصلي في الناس مكانه طوال فترة مرضه مدة عشرة أيام إلا الإشارة إلى فضله ومكانته، وترشيحه لهم بعده. وزعمت طائفة أخرى أنه أوصى بالأمر لعلي رضي الله عنه! وكلا القولين لا دليل عليهما إلا الظن وما تهوى الأنفس، لا لكونه يتعارض مع ما تواتر عنهما بأنهما لم يعهد إليهما بشيء، ولا لأن الأحداث والوقائع تنفي ذلك نفيا قاطعا، مهما تكلف أنصار كل قول في تأويلها لدفع (1) ابن إسحاق في المغازي والسير كما في مختصر ابن هشام1/10. (2) السنة للخلال رقم311 ـ311 ، نقلا عن أحمد بن حنبل حيث يرى أن تقديم أبي بكر ليصلي بالناس مع وجود من هو أقرأ منه ليس المقصود منه الإمامة الخاصة بل المقصود تقديمه للإمامة العامة وهي الخلافة، هذا مع كون أحمد يرى بأن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا بعده، ويرى أن الأمر كان شورى، إلا أن في تقديمه أبا بكر إشارة منه ﷺ بأفضليته وأهليته لذلك، وذهب فريق من أهل العلم أن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص لا بالاختيار، وهو خلاف قول عامة الفقهاء وأهل الحديث والمتكلمين من المعتزلة والأشعرية والخوارج والأباضية الذين يرون أنها كانت بالاختيار لا بالنص، انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 31/41 .
عدد الصفحات ١٠٤115 النقض عن حجتهم ودعواهم، بل لكون الاستخلاف والعهد بالأمر إلى أحد بعده ﷺ يتعارض مع كل أصول الخطابين القرآني والنبوي، اللذين جاءا بالشورى، وإثبات حق الأمة في اختيار من ترضاه عن شورى واختيار، بلا إكراه ولا إجبار، بل إنه هو ﷺ لم يدخل المدينة كإمام إلا بعد بيعة العقبة وبعد رضا أهلها، ولم يكن جبارا ولا ملكا، فكيف يتصور أن يجبر الأمة بعده على أحد من أهل بيته أو من أصحابه! لقد أراد النبي ﷺ في أول الأمر كتابة كتاب يوصي الناس فيه، ويعهد بالأمر إلى من يرتضيه، ثم تركهم كما شرعه الله لهم، وأراده منهم، أن يكون الأمر شورى بينهم، فتوافقت سنته العملية ، مع ما جاء به القرآن توافقا تاما. وما كان رسول الله ﷺ ليدع شيئا من الرسالة والدين لم يبلغه أمته حتى أشهدهم على ذلك في حجة الوداع. ثانيا: حادثة السقيفة وما جرى فيها: وهي إحدى الوقائع الرئيسة التي تجلى فيها الخطاب السياسي الإسلامي الراشدي وأصوله ومبادئه ، فما إن توفي ﷺ حتى بادر الأنصار إلى السقيفة وهي التي كانوا يجتمعون فيها لمناقشة أمورهم العامة قبل الإسلام ، فعلم المهاجرون وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فبادروا إلى السقيفة، وتباحث الجميع في موضوع الخلافة، وكان ذلك منهم تطبيقا لمبدأ ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾، وبلغ الجدل بينهم حد ارتفاع الأصوات ، حتى قام سعد بن عبادة، وكان سيد الخزرج، فخطب فيهم فقال(أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم ـ أي المهاجرين ـ قد دفت ـ أي وفدت ـ إلينا دافة منكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنوننا من الأمر ، ثم قال كلاما شديدا ، وأخذته الحمية الجاهلية ، فقال الحباب بن المنذر : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر المهاجرين.(1) (1) صحيح البخاري ح3111 و3119 من حديث عائشة، و1930 من حديث ابن عباس، ومسلم في صحيحه ح رقم 1181، ورواه ابن إسحاق في المغازي والسير مطولا كما في تهذيب ابن هشام 1/11، وعبدالرزاق في المصنف1/438، بإسناد على شرط الصحيحين، وابن أ شيبة في المصنف 1/431، وأحمد في المسند1/11 بإسناد صحيح على شرط مسلم، وابن حبان في صحيحه ح رقم 413 و414، بإسنادين=
عدد الصفحات ١٠٥116 وقد ساق البخاري في صحيحه حادثة السقيفة بطولها وفيها قال ابن عباس : (كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت! فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم! قال عبد الرحمن فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل! فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: والله إن شاء الله لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله؟! فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، ثم إنه بلغني قائل منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا! فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت! ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر: (من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا)، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء =صحيحين على شرط الشيخين، والبزار في مسنده ح 181 بإسناد على شرط الشيخين، والبيهقي في السنن الكبرى9/142 بإسناد صحيح ع شرط البخاري.
عدد الصفحات ١٠٦117 من الأنصار، فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت ، والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل م زمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا؟ فقالوا هذا سعد بن عبادة ف قلت ما له؟ قالوا يوعك ، فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر! فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك! فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ! فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش)، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر! فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة! فقلت قتل الله سعد بن عبادة! قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد: (فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا).
عدد الصفحات ١٠٧118 وفي رواية عبد الرزاق: (فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين إني سمعت فلانا يقول لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلانا! فقال عمر: إني لقائم عشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم). وفي رواية ابن أبي شيبة أن عبد الرحمن بن عوف قال لعبد الله بن عباس: (قد غضب ـ أي أمير المؤمنين ـ هذا اليوم غضبا ما رأيته غضب مثله منذ كان! قال قلت لم ذاك؟ قال بلغه أن رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر فقالا والله ما كانت إلا فلتة، فما يمنع امرأ إن هلك هذا أن يقوم إلى من يحب فيضرب على يده فتكون كما كانت؟ قال فهم عمر أن يكلم الناس، قال فقلت: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنك ببلد قد اجتمعت إليه أفناء العرب كلها، وإنك إن قلت مقالة حملت عنك وانتشرت في الأرض كلها فلم تدر ما يكون في ذلك). وفي روايته أيضا قال أبو بكر للأنصار: (قال يا معشر الأنصار إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علين ا، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم، وإن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام ، ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين لي ولأبي عبيدة بن الجراح). وفي رواية أحمد قال عمر: (فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة ان يقتلا). وفي رواية ابن حبان الثانية، فقال عمر: (إني لقائم إن شاء الله العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يغتصبون الأمة أمرهم). وفي رواية البزار : (فقال عمر : لأقومن العشية في الناس فلأحذرنهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمورهم). وروى ابن أبي شيبة من طريق آخر: (فقال أبو بكر يا معشر الأنصار إنا لا ننكر حقكم، ولا ينكر حقكم مؤمن، وإنا والله ما أصبنا خيرا إلا ما شاركتمونا فيه ، ولكن لا ترضى العرب، ولا تقر إلا على رجل من
عدد الصفحات ١٠٨119 قريش، لأنهم أفصح الناس ألسنة ، وأحسن الناس وجوها، وأوسط العرب دارا ، وأكثر الناس سجية في العرب).(1) ثالثا: خطبة أبي بكر الصديق بعد البيعة: وهي الحادثة الثالثة الرئيسة في تاريخ الخطاب السياسي الراشدي التي تجلت فيها أصول هذا الخطاب ، فبعد البيعة العامة مباشرة قام أبو بكر وخطب في الناس خطبته المشهورة الصحيحة في محضر الصحابة جميعا حيث جاء فيها (أيها الناس إني وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وما ترك قوم الجهاد قط إلا ذلوا ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).(2 ) ففي هذه الخطبة الموجزة تأكيد على كل مبادئ الخطاب السياسي القرآني والنبوي كما فهما الصحابة رضي ا عنهم، ومن ذلك: 1ـ قوله: (وليت عليكم ولست بخيركم) فهو تأكيد لمبدأ أن الإمامة والسلطة تكليف لا تشريف، وأنه لا استحقاق فيها، ولا أحد أحق فيها من أحد، ولا أفضلية له عليهم فيها، بل هم الذين ولوه أمرهم، ولهذا جاء بصيغة الفعل المضارع المبني للمجهول (وليت عليكم)، أي أنتم من وليتموني، وفي هذا إبطال لكل النظريات السابقة التي حاولت تفسير ظاهرة قيام السلطة، والأساس الذي بناء عليه تستحق الطاعة من الأمة، سواء نظرية القوة والملك التي قامت عليها الأنظمة الاستبدادية، كما حكى القرآن عن فرعون ودعواه استحقاق الطاعة بحجة الملك والقوة ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ (1) ابن أبي شيبة في المصنف1/433 بإسناد صحيح على شرط الصحيحين إلى إمام التابعين محمد بن سيرين عنرجل من الأنصار. (2) رواه محمد بن إسحاق في السيرة كما عند ابن هشام1/92 عن الزهري عن أنس رضي الله عنه وعبد الرزاق في المصنف 11/331 عن معمر ، وابن سعد في الطبقات3/131 من طريق هشام بن عروة عن أبيه في قصة البيعة وأبو عبيد في الأموال ص 12 من طريق هشام عن أبيه عروة بن الزبير، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: 1/301 عن إسناد محمد بن إسحاق: (وهذا إسناد صحيح).وهو كما قال.
عدد الصفحات ١٠٩111 ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾، ولهذا قال لموسى كما حكى القرآن عنه: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾. فأراد فرعون من موسى الطاعة وعدم الخروج عن سلطانه، لكونه يملك القدرة على السجن والقتل، وأن ذلك كاف في استحقاقه للملك والخضوع والطاعة! كما أن السلطة ليست بالتفويض الإلهي، كما ذهبت إليه الثيوقراطية في أوربا، حيث نصب رجال الدين أنفسهم أربابا من دون الله، يباركون لمن شاءوا من الملوك، ويطردون من شاءوا، بدعوى أن ما يعقدونه في الأرض، يعقد في السماء! وهي النظرية التي هدمها القرآن كما في قوله تعالى : ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾، قال عدي بن حاتم وكان نصرانيا : يا رسول الله لم نتخذهم أربابا! فقال له النبي ﷺ: (ألم يكن يحلون لكم الحرام ، ويحرمون عليكم الحلال ، فتطيعونهم؟)، قال عدي : بلى! فقال النبي ﷺ (فتلك عبادتهم). لقد عد القرآن طاعة الأحبار والرهبان عبادة لهم، ومن اخااذهم أربابا وأندادا من دون الله الذي له الطاعة وحده لا شريك له، وإنما طاعة من سواه تبع لطاعته. كما هدم الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي نظرية الأشرف نسبا ، والأعرق جنسا في دعوى استحقاق السلطة وحكم الآخرين، فالناس لآدم، وآدم من تراب ، وأكرم الناس عند الله أتقاهم! وما زالت بعض الأمم تدين لملوكها بالخضوع والطاعة اعتقادا بأنهم أبناء الآلهة أو أصفياؤها! 2ـ وفي قوله: (فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني) تأكيد مبدأ رقابة الأمة على الإمام، وتقويمها له عند اعوجاجه ، ومحاسبتها إياه عند انحرافه ، فليس للسلطة طاعة مطلقة ، بل تجب طاعتها إذا أحسنت ، وعدلت، ويجب تقويمها إذا أساءت، أو ظلمت.
عدد الصفحات ١١٠111 3ـ وقوله: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)، فيه تأكيد لمبدأ المشروعية فيما يصدر عن السلطة من أوامر، وألا خاالف المرجعية القانونية للدولة، وهو المبدأ الذي لم تعرفه النظم السياسية إلا متأخرا ، فقد كان الملوك يرون أن مشروعية أوامرهم مستمدة من كونها صادرة عنهم، فهذا وحده كاف في إضفاء المشروعية عليها، وضرورة تنفيذها دون النظر إلى مدى عدالتها وصلاحيتها وقبول الأمة بها، كما عبر عن ذلك ملك فرنسا لويس الرابع عشر بعبارته الشهيرة (أنا ال دولة)، فاختزل الأرض ، والشعب، والسلطة كلها في شخصه ، فكان ذلك سببا لقيام الثورة الفرنسية الدموية للخلاص من تلك العبودية البغيضة التي كان يعيشها الشعب الفرنسي قبل الثورة، ويعيشها العرب اليوم! 4ـ وفي قوله: (القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي حتى أريح الحق إليه) تأكيد لمبدأ العدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع ، فالجميع أمام الحق والعدل سواء ، الأقوياء والضعفاء ، والأغنياء والفقراء، على حد سواء، إذ هو الغاية من إقامة الإمامة والسلطة، فلا أحد فوق سلطة القانون والقضاء، ولا حتى الخليفة نفسه. 1ـ وفي قوله: (وما ترك قوم الجهاد قط إلا ذلوا ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء) بيان لأهم وظائف السلطة بعد ترسيخ النظام ، وتحقيق العدل ، وذلك بحماية الأمة والدولة من الأخطار الخارجية ، والتأكيد على ضرورة الجهاد ، وكذلك صيانة قيم المجتمع الأخلاقية التي تحفظ هويت ه وخصوص يته وإنسانيته. لقد تجلت في حادثة السقيفة وما بعدها من أحداث رئيسة في تاريخ الخلفاء الراشدين أهم الأصول التي يقوم عليها الخطاب السياسي الراشدي ، والتي تتمثل في: الأصل الأول: أنه لا دين بلا دولة: فلا قيام للإسلام بلا أمة واحدة ، ودولة واحدة تقوم به وت نصره، وتحوطه وتحميه ، وتذود عنه ، وتقيم أحكامه، كما في الحديث الصحيح (إن هذا الدين لا يصلح إلا من أحاطه من جميع جوانبه) ، وهو ما يستفاد من مبادرة الصحابة قبل دفن النبي ﷺ للسقيفة، إيمانا منهم بأن الإسلام دين ودولة ، وقد أكد ال قرآن ضرورة الدولة في آيات كثيرة كغاية وهدف؛ كما في قوله تعالى: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ
عدد الصفحات ١١١112 ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾. (1) وكذلك أكد ضرورة الدولة كوسيلة لغاية أخرى أسمى ؛ كما قال تعالى : ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾.(2) ومعلوم أن أكثر الواجبات لا يمكن أداؤها على الوجه الأكمل، بل لا يمكن أداؤها أصلا، إلا في ظل دولة تحكم بالإسلام وتحوطه، وتقيم شريعته وأحكامه، كالزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والحدود.. الخ. وقد تقرر شرعا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ضرورة، وقد عمل النبي ﷺ على تحقيق هذه الغاية وهو في مكة، فكان يخرج إلى القبائل في المواسم يبحث عمن ينصره لتحقيق هذا الهدف الذي هو أيضا وسيلة لأهداف أسمى، تتمثل في إقامة الحق والقسط والعدل الذي جاء به القرآن، فقد عرض النبي ﷺ دعوته على بني شيبان فقال سيدهم المثنى بن حارثة: (إنما نزلنا على عهد أخذه كسرى علينا؛ ألا نحدث حدثًا، ولا نؤي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤيدك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: (ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه) .(3) وهذا صريح بأنه لا قيام للدين بلا دولة وأمة تحوطه من جميع جوانبه، ولا تقبل تجزئة أحكامه، فتؤمن ببعضها، وتترك بعضها! فقد كان واضحا أن النبي ﷺ إنما يدعو لدين ودولة؛ ولهذا أدرك بنو شيبان أن الملوك لا ترضى بمثل هذا الأمر الذي جاءهم به النبي ﷺ، ويؤكد ذلك أن النبي ﷺ بايع الأنصار البيعة الثانية بمكة على السمع (1) النور11. (2) الحج41. (3) رواه ابن حبان في الثقات1/90 ، وأبو نعيم في دئل النبوة ص292 ، ح214) ، والبيهقي في دلائل النبوة2/422، والسمعا الأنساب 1/31 ، من طرق عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه، وقال القسط في المواهب اللدنية: (أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد حسن)، وكذا قال الحافظ في الفتح 1/218، ح398.)
عدد الصفحات ١١٢