المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ٦ من ١٠

81 أموال التجار والأغنياء إنما صارت إليهم بالمبايعة والمضاربة التي تقوم على الغبن ، وعلى حسن اغتنام الفرص، ولولا وجود من يشتري منهم، لما أصبحوا تجارا ، فصار للفقراء وللأصناف الثمانية نصيب في هذه الأموال، حتى لا تتعطل دورة المال ولا تتوقف حركته وتداوله، بتكدسه بيد فئة محددة، فيعود الضرر عليها، وعلى الفقراء والمساكين، فصارت الفئات الضعيفة الفقيرة في المجتمع تشارك الأقوياء في كسبهم في الفيء والغنيمة، كما تشارك الأغنياء في كسبهم من التجارة، والزراعة، والماشية، ولهذا جاء في الحديث: (إنه لا حظ فيها ـ أي الزكاة ـ لغني ولا لقوي)، وفي رواية: (ولا ذي مِررة سوي). (1) وقد جاء في الحديث الصحيح: (إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).(2) فالأقوياء ينون في الحروب بدعاء الضعفاء خلفهم فيشاركونهم في النصر والغنيمة، كما يرزق الأغنياء بدعاء الضعفاء ، واستغاثتهم ب الله لإنزال المطر الذي عليه قوام الزراعة والرعي والتجارة ، كما جاء في الحديث، فصاروا شركاء لهم في كسبهم وتجارتهم. الأصل الثالث: حرمة الاعتداء على الأموال: وقد جاءت أكثر الأحكام المالية في الشريعة بناء على هذا الأصل، ولتحقيق هذه الغاية، ولهذا حرم الاعتداء على مال اليتيم فقال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾(3)،وقال سبحانه: ﴿ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾(4 )،وقال أيضا : ﴿ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ (1)،وقال سبحانه: ﴿ ﯥ ﯦ (1) أبو داود ح1133 و1134، والترمذي ح112 اللفظ الثاني فقط، وقال(حديث حسن). (2) البخاري ح2981. (3) الأنعام112، والإسراء 34. (4) النساء10. (1) النساء2.

عدد الصفحات ٨١

82 ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ﴾.(1) كما حرم الاعتداء على أموال النساء فقال سبحانه شأن مهورهن وصداقهن: ﴿ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾(2)،وقال: ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ (3 )،وقال: ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾(4)،وقال: ﴿ ﭮ ﭯ ﭰ﴾(1)،﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾. (1) وإنما أكد القرآن حرمة أموال الأيتام والنساء لكونهما الأضعف في المجتمع، ولهذا كان النبي ﷺ يوصي قبل وفاته بالضعيفين المرأة والضعيف ، كما جاء في الحديث : (اللهم إني أحرج حق الضعيفين ا لمرأة واليتيم)(1). وحرم كذلك الاعتداء على الأموال عامة، وحرم أكلها بالباطل دون وجه حق، فقال سبحانه ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾.(9) وقال أيضا : ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾.(8) (1) النساء1. (2) النساء4. (3) النساء18. (4) النساء20. (1) النساء24. (1) النساء21. (1) رواه أحمد2 /438، وابن ماجة ح 3119 وقال البوصيري (إسناد صحيح)، وهوعلى شرط مسلم. (9) البقرة199. (8) النساء28-30.

عدد الصفحات ٨٢

83 فجعل الاعتداء على أموال الغير كقتل النفس التي حرم الله قتلها، وجعل جزاء العدوان على الأموال يوم القيامة كجزاء العدوان على الأنفس، وكل ذلك التحريم هو في العدوان الخفي الذي يتم بالتحايل ودفع الرشا، أو بالتعاقد والرضا، كعقود القمار، وبيوع الربا. وحرم كذلك الاعتداء على الأموال ب اسم الدين وسلطانه المعنوي، كما قال تعالى: ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾. (1) قال ابن كثير في تفسير الآية: (وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين، وبمناصبهم ورياستهم في الناس، فيأكلون أموالهم بذلك ، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله صلوات الله عليه، استمروا في ضلالتهم وكفرهم وعنادهم، طمعا منهم أن تبقى لهم رئاستهم). الأصل الرابع: ضرورة استثمار الأموال وتنميتها: فقد جاءت النصوص القرآنية والنبوية، بأحكام شرعية تفصيلية كثيرة، الغاية منها تحقيق هذه القاعدة المالية والاقتصادية، ومنها: 1- أوجب الزكاة في الأموال النامية: كزكاة الذهب والفضة والنقد، وزكاة الأنعام، وزكاة الزروع، وزكاة الثمار، وزكاة التجارة، وزكاة المعادن والركاز، فشملت الضريبة كل أنواع الأموال النامية أو القابلة للنماء، وجعل الشارع لكل نوع منها قدرا ونصابا محددا للزكاة بحسب النماء فيها، فجعل في زكاة النقد والتجارة ربع العشر وهو اثنان ونصف بالمئة، وجعل زكاة الزروع نصف العشر أي خمسة بالمئة، فيما كان فيه مؤونة في الري والسقاية، والعشر أي عشرة بالمئة، فيما سقت السماء بلا مؤنة وجهد، وجعل في الأنعام والماشية ما يتناسب مع نمائها، مع تقدير الكلفة...الخ (1) التوبة34.

عدد الصفحات ٨٣

84 وكل ذلك لتحريك دورة المال، كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ولاستصلاح الأموال واستثمارها على الوجه المطلوب. 2- وأمر الشارع باستصلاح الأرض وزراعتها: فقال (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) (1)،وقال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).(2) 3- وأمر من عنده أرض أن يزرعها: أو يمنحها لمن يزرعها.(3) 4- وقضى بإحياء الأرض: وأن (من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها)(4)،وأن من أحيا أرضا مواتا فهي له. 1- وحرم حجر الماء: فقال (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ)، وفي لفظ (لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ).(1) 1- وحث على الشركة والمشاركة في التجارة والعمل: كما في الحديث(قال الله تعالى أنا ثالث الشريكين، مالم يخن أحدهما صاحبه)(1). 1- وكره مؤاجرة الأرض للزراعة على أجرة معلومة: وشرع المزارعة، قال ابن القيم: (المزارعة أحل من المؤاجرة، وأقرب إلى العدل، فإنهما ـ أي صاحب الأرض والمستأجر ـ يشتركان في المغرم والمغنم، بخلاف المؤاجرة، فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة، والمستأجر قد يحصل له الزرع وقد لا يحصل).(1) (1) صحيح البخاري ح2320، ومسلم ح 1113. (2) رواه أحمد3 /194. (3) صحيح البخاري ح2328 و2340، ومسلم ح 1131/3811. (4) صحيح البخاري ح2331. (1) صحيح لبخاري ح2314، ومسلم ح 1111. (1) أبو داود ح3393. (1) الطرق الحكمية231.

عدد الصفحات ٨٤

85 فهذه بعض الأصول والقواعد الاقتصادية والمالية الرئيسة التي جاء بها الخطاب السياسي القرآني والنبوي لمعالجة موضوع الأموال والثروة في المجتمع تقوم على المحافظة عليها، والاقتصاد فيها، وعدم الإسراف والتبذير، وعلى إصلاحها وتنميتها واستثمارها، وعلى تحريم الاعتداء عليها بأي صورة من صور العدوان، وتحت أي ذريعة أو سلطان، اجتماعي، أو ديني، أو مالي، أو سياسي، أو قضائي، أو قانوني، أو هوى نفسي. وكذلك يقوم على توزيع الأموال والثروات وتقسيمها بالعدل والسوية ، كل حسب حاجته ، وحسب حاجة الأمة إليه، وكما جاء في الحديث الصحيح (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)، قال الراوي وهو أبو سعيد الخدري (فذكر ـ أي النبي ﷺ ـ من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل).(1) وقد جاءت آيات وأحاديث المعاملات المالية والاقتصادية في القرآن والسنة بتفصيل أحكامها على نحو جعل من الموسوعة الفقهية الإسلامية في هذا الباب الأوسع والأدق والأعدل على الإطلاق، فراعت حقوق الأفراد وممتلكاتهم من جهة، وحق الأمة ووظيفة المال الاجتماعية من جهة أخرى. الأصل السادس: ضرورة الجهاد لنصر الحق وتحرير الخلق: فقد شرع الله الجهاد وفرضه على المؤمنين، لغايات إنسانية عظيمة، وأهداف سامية نبيلة تتمثل في: المقصد الأول: رد العدوان عن النفس والأرض والعرض: كما قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾.(2) (1) صحيح مسلم ح1120 /4111. (2) الحج38-41.

عدد الصفحات ٨٥

86 فهذه الآية هي أول آية أذنت بالقتال والجهاد في سبيل ا، ونزلت بعد أو أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة، وقد ذكرت الآية السبب والحكمة من تشريع هذا القتال، وهو وقوع العدوان على المؤمنين بإخراجهم من أرضهم ـ وهو كقتل النفس أو أشد ـ ظلما بغير حق، فجاز لهم الدفع عن أنفسهم ورد الظلم والعدوان، وهذا مقتضى العدل الإلهي، وأما الحكمة فهي منع الفتنة والاضطهادي الديني، والحيلولة دون وقوعه، وذلك بسبب بغي أهل الأديان ، وظلم بعضهم بعضا ، وما يقع منهم ومن غيرهم من ع دوان بسبب الدين والاعتقاد، فشرع الله القتال والجهاد، حتى لا تهدم صوامع المجوس، ولا كنائس النصارى، ولا صلوات اليهود، ولا مساجد المسلمين ، لكونها كلها معابد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، كما رجحه ابن جرير في تفسيره(1)،فالله إنما بعث رسوله رحمة للعالمين كافة، ليقيم للإنسانية كلها سنن العدل والرحمة، ويحقق لهم الأمن والسلم، فلا إكراه في الدين، ثم الله يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، وإنما المقصود من النصر والتمكين في الأرض للمؤمنين ، هو إقامة العدل والحق والقسط ، ورفع الظلم ، ورد البغي ، وكله يشمله قوله تعالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾، ولهذا أمر الله عز وجل المؤمنين بالكف عن قتال من لم يعتد عليهم ، كما في قوله تعالى : ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾(2)،بل وأمر بالبر والإحسان إليهم حتى وإن خالفوهم في الدين، فقال سبحانه: ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ﴾.(3) فنهى الله المؤمنين عن قتال الصنف الأول وهم الذين لم يخرجوا المؤمنين من ديارهم ، ولم يفتنوهم في أديانهم وإيمانهم، وأمر بالقسط والعدل معهم، بل والبر والإحسان إليهم، ونهى عن تولي الصنف الثاني وهم الذين فتنوا المؤمنين في دينهم، أو أخرجوهم من أرضهم، لكون توليهم وهم على هذا الحال ظلما وبغيا والله إنما أمر بالعدل والقسط، وحتى هذا الصنف الثاني الذين أذن الله بقتالهم، حرم الله على المؤمنين الاعتداء عليهم وظلمهم، إذا المقصود من القتال رد الظلم ودفع العدوان وإقامة الحق، لا الإفساد في الأرض، كما (1) الجامع19/141. (2) البقرة180. (3) الممتحنة9-8.

عدد الصفحات ٨٦

87 قال تعالى في شأن الظا: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ (1)،ولهذا كان النبي ﷺ إذا جهز جيشا أوصاهم؛ فقال: (اغزوا في سبيل الله، ولا تغلوا ، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الولدان ، ولا أصحاب الصوامع) (2)،وفي حديث آخر(لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا ، ولا امرأة).(3) المقصد الثاني: القتال لنصر المستضعفين في الأرض: فقد أوجب الله على المؤمنين نصر المستضعفين ، ورفع الظلم عنهم ، وجعل القتال لتحقيق هذه الغ اية جهادا مشروعا، كما قال سبحانه: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾.(4) فجعل الله القتال في سبيل تحرير المستضعفين ورفع الظلم والاضطهاد عنهم، من القتال في سبيل الله، كما جعل مواساتهم بالمال ودفع الزكاة إليهم من الإنفاق في سبيل الله ، كقوله تعالى : ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾.(1) فسبيل الله يشمل القتال دفاعا عن المستضعف، ويشمل أيضا الإنفاق على الفقراء والمساكين، كما قال تعالى: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾.(1) وقد فسره بعض السلف بأن الإنفاق في سبيل الله في هذه الآية هو الإنفاق على الفقراء والمحتاجين. (1) البقرة201. (2) صحيح مسلم ح1131، وأحمد في المسند واللفظ له. (3) أبو داود ح2114. (4) النساء11-11. (1) التوبة34. (1) البقرة181.

عدد الصفحات ٨٧

88 المقصد الثالث: القتال حتى يكون الدين كله لله: أي من أجل أن تكون الطاعة لله، لا للطواغيت، ولا للجبابرة، ليقوم الناس كلهم بالقسط والعدل، كما قال تعالى: ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾(1)،وقال: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾(2 )،وقال سبحانه : ﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ (3 )،وقال أيضا ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾.(4) فجعل الله الفتنة، والاضطهاد الديني، وتعذيب الإنسان بسبب دينه، كما كان يفعل المشركون بالمؤمنين في مكة ـ أو تعذيبه لكونه يدعو إلى الحق أو يدعو إلى العدل والحرية كما يجري اليوم في سجون الطغاة ـ أشد خطرا من القتل، ولهذا فرض الله الجهاد في سبيله حتى يكون الدين ـ أي الطاعة ـ كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الطغاة والمتكبرين هي السفلى، وكما جاء في الصحيح (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).(1) وليس المقصود بأن يكون الدين كله لله أن يدخل كل الناس في الإسلام، إذ لو كان ذلك مقصودا لعارض قوله تعالى: ﴿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾، ولما أقر الإسلام التعددية الدينية، ولا ما أجاز وجود أهل الأديان الأخرى تحت ظل عدله وشريعته، بل المقصود هو أن تكون كلمة الله التي أمرت بالعدل والقسط هي الحاكمة بين العباد مؤمنهم ومشركهم، والطاعة له وحده، لا للآلهة البشرية الظالمة، ولا للطواغيت الجائرة، سواء كانوا من الأكاسرة والقياصرة والجبابرة، أو رجال الدين من الأحبار والرهبان وعلماء السلطان. (1) الأنفال38. (2) البقرة183. (3) البقرة181. (4) البقرة211. (1) صحيح البخاري ح2910، ومسلم ح1804.

عدد الصفحات ٨٨

89 وقد سئل ابن عمر في الفتنة التي حدثت بين المسلم: لما لا تقاتل وقد قال الله: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾؟ فقال: أتدري ما الفتنة؟ كان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه ـ أي يسجنه كفار قريش في مكة ـ فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى ت كون فتنة، ويكون الدين لغير الله! وفي رواية: كان النبي ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك.(1) فجعل ابن عمر القتال مع الملوك للسيطرة على الملك هو من القتال لتكون فتنة، وليكون الدين لغير الله، لا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا ليكون الدين كله لله! وفي قول ابن عمر أوضح دليل على معنى الدين المراد هنا وأنه الطاعة، وأن القتال من أجل الملك هو قتال ليكون الدين والطاعة للملوك لا لله! وأن من يقاتلون مع الملوك أو يقفون وراءهم لبسط سلطانهم على شعوبهم قهرا وكرها إنما يقاتلون ليكون الدين للملوك. فهذه هي الأسباب التي فرض الله الجهاد لها، والقتال في سبيلها، إما لدفع الظلم والعدوان عن المؤمنين، أو لرفع الاضطهاد عن المظلومين، من الرجال والنساء والولدان والمستضعفين، أو لتكون كلمة الله هي العليا، وله وحده الطاعة والدين، لا لغيره من الطواغيت والجبابرة المستبدين. لقد شرع الله الجهاد لا لقتل النفوس، وإزهاق الأرواح، بل لموا جهة الطغيان والطغاة والطواغيت، وإقامة دولة الحق والحرية والقسط ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾. (2) فالغاية من الإعداد والاستعداد هو تحقيق الردع النف، وإرهاب الأعداء، حتى لا يعتدوا على المسلمين، وقد جاء في الحديث: (لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم فاصبروا).(3) (1) صحيح البخاري ح4113 و4114 و4111. (2) الأنفال10. (3) صحيح البخاري ح3024 و3021 ، ومسلم ح1141 و1142.

عدد الصفحات ٨٩

91 فدل ذلك على أن القتال ليس مقصودا لذاته ، بل لما يتحقق به من نصر للمظلومين، وصد للمعتدين، وظهور لأحكام الدين، الذي جاء ليقوم الناس بالقسط لرب العالمين، فلا يظلم أحد أحدا، ولا يفتن أحد أحدا، ولا يقتل أحد أحدا، وليبقى اليهودي تحت ظل عدل الإسلام ودولته على يهوديته، والنصراني على نصرانيته ، والمجوسي على مجوسيته ، والصابئي على صابئيته ، ويبقى حكمهم إلى الله يوم القي امة، كما قال تعالى: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾.(1) كما في عهد النبيﷺ مع أساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: (أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله ، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين).(2) وقد قال تعا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾.(3) فالجهاد مع ما فيه من مشقة على النفس، وما فيه من جهد وبذل، مما تكرهه النفوس بطبيعتها البشرية، إلا أنه خير كله لما فيه من المصالح الكلية، والأسباب الضرورية لحياة المجتمعات الإنسانية، التي لا خالو في أي عصر من أئمة للطغيان يسومون الشعوب سوء العذاب ، ويفتنون المؤمنين ، ويتربصون بهم الدوائر ، ويحيكون لهم المؤامرات، ليعود الطغيان من جديد، فكان الجهاد ماض إلى يوم القيامة، للتصدي لهم، وإبطال خططهم وغاياتهم، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (من لم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية)، وفي رواية (مات على شعبة من نفاق) (4)،ليظل المؤمنون دائما على أهبة الاستعداد لمواجهة الطغاة والطغيان. (1) الحج11. (2) طبقات ابن سعد1/211. (3) البقرة 211. (4) صحيح مسلم ح1810.

عدد الصفحات ٩٠

91 ومما يوضح ذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بقتال كسرى وقيصر فقال تعا : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾.(1) فقوله: ﴿ﭕ ﭖ﴾ فيه معنى التخصيص، والتحريض على جهاد هاتين الدولتين خاصة، وما ذاك إلا لما كانت عليه الأكاسرة في فارس، والقياصرة في القسطنطينية والشام، من ظلم وجبروت وطغيان، وما كانت تعانيه شعوب تلك الإمبراطوريتين من عسف واضطهاد لا نظير له، ولهذا كان تحرير شعوبهما هدفا رئيسيا للمسلمين، وكان ذلك الهدف واضحا للصحابة كما في قصة ربعي بن عامر مع رستم الفرس، حين سأله ما جاء بكم فقال (إن الله بعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) ، ولهذا كانت المواجهة بين المسلمين والإمبراطوريتين الفارسية والرومانية هي الأهم والأشد في تاريخ المسلمين ، بل وفي تاريخ العالم كله ، بينما لم يحصل بينهم وبين الحبشة ، والترك، والأمم الأخرى، من الصدام كما حصل مع الأوليين، وقد وطرأ النبي ﷺ لتلك المواجهة ومهد لها في حياته ، وقد دعا على كسرى أن يمزق الله ملكه، وقال للصحابة يبشرهم بقرب زوالهما (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)(2)،وكأنه ليس هناك من هو أشد من كسرى وقيصر في طغيانهما وظلمهما، فإذا هلكا فقد انتهى عصر الطغيان بظهور الإسلام، ولن تقوم لهما قائمة، وهو ما حصل فعلا، فمنذ أن هلك كسرى لم تقم له قائمة إلى هذا اليوم، ومنذ أن هلك قيصر لم تقم له قائمة إلى هذا اليوم وإن ورث طغيانهما طغاة آخرون، وملوك جبارون! (1) التوبة123. (2) البخاري ح رقم3120 ، ومسلم ح رقم2818.

عدد الصفحات ٩١

92 الفصل الثالث: أصول الخطاب السياسي الراشدي: وإذا كان الخطاب السياسي القرآني خطابا إلهيا سماويا ، والخطاب النبوي وحيا إلهيا وتطبيقا بشريا، فإن الخطاب الراشدي وسنن الخلفاء الراشدين في باب الإمامة وسياسة الأمة هي النموذج البشري المحض للخطاب السياسي الإسلامي، وقد أمر النبي ﷺ بالتمسك بسنن الخلفاء الراشدين المهديين م ن بعده فقال (تركتكم على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).(1) وقد جاء في حديث آخر مرفوعا (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)(2)،وفي رواية (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤي الله الملك من يشاء)، قال سفينة راوي الحديث: امسك عليك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثني عشر سنة، وخلافة علي ست سنين.(3) وقال أهل التحقيق إن كل بيعة عقدت في المدينة النبوية هي خلافة نبوة، وقد كانت آخر بيعة عقدت في المدينة بيعة علي رضي الله عنه، وقيل إن الثلاثين سنة لا تكمل إلا بخلافة الحسن وهي نصف سنة تقريبا. (1) رواه أبو داود ح رقم4101)، والترمذي ح رقم2119)، وابن ماجه ح رقم42)، وقال الترمذي: (حسن صحيح (2) أبو داود ح4141 ، والترمذي ح2221 وحسنه، وأحمد في المسند1/220 وصححه كما في السنة للخلال رقم121. (3) أبو داود ح4141.وقد اختلف أهل الحديث فيه تصحيحا وتضعيفا

عدد الصفحات ٩٢

93 وقوله (ثم يؤي الله الملك من يشاء) أي الخلافة والسلطة، فإنه يطلق عليها اسم الملك لغة وعرفا، لا حقيقة وشرعا، كما في قول مصعب بن سعد بن أبي وقاص حين جاء لسعد أبيه وقال له (تركت الناس يتنازعون على الملك بينهم)(1)،أي على الخلافة والسلطة. كما إن في هذا الحديث إشارة إلى أن الخلافة سيطرأ عليها انحراف وستتحول من خلافة نبوة راشدة لا جبر فيها إطلاقا إلى خلافة فيها ملك عضوض. وقد ثبت أيضا في الصحيح أنه يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، مع أن الثلاثين سنة لم يكن فيها سوى أربعة خلفاء، والحسين خامسهم، فدل ذلك على أن قوله (ثم يؤي الله الملك من يشاء) أي الخلافة إلا أنها ليست خلافة النبوة، بل خلافة عامة، قد تشبه خلافة الخلفاء الراشدين في التزامها بأصولهم السياسية ، وخطابهم الراشدي ، فتكون راشدة كخلافة ابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وقد ت شبه سلطان المل وك فتكون خلافة ملك لتشبهها بسنن الملوك! وقد جاء في حديث ابن مسعود في صحيح ابن حبان: (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين، فإن هلكوا فبسبيل من هلك، وإن بقوا بقي لهم دينهم سبعين سنة).(2) قال ابن حبان بعد هذه الرواية: (كان أمر الحكمين سنة ست وثلاثين). وفي رواية عند أحمد وأبي داود: (لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين)(3)،وفيها (وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما مما مضى). والدين يطلق ويراد به الملك والسلطان، كما في قوله تعالى في قصة يوسف: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك)(4)،أي في سلطان الملك ودولته، وهو المقصود هنا في هذا الحديث. (1) رواه مسلم ح2818. (2) صحيح ابن حبان ح1110. (3) رواه أبو داود ح4214 بإسناد صحيح (4) يوسف11.

عدد الصفحات ٩٣

94 ففي هذه الأحاديث ما ي: أولا: بيان أن الخلافة منها ما هو خلافة راشدة على نهج النبوة ، وهي خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين، ومدتها ثلاثون سنة بعد عهد النبوة، وخامسهم الحسين بن علي على التحقيق، ومنها ما هو خلافة شبيهة بالخلافة الراشدة غير أن فيها دخنا إلى السبعين، كما في حديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين ... وإن بقوا بقي لهم دينهم إلى السبعين) ، وذلك إنما كان في وقوع الخلاف على علي رضي الله عنه، فقد كانت الفتنة والتحكيم في سنة خمس وثلاثين، وست وثلاثين، وسبع وثلاثين، كما فسره ابن حبان. ثم قام الأمر على عوج سنة أربعين، واستدام إلى السبعين، فهذه هي مدة خلافة الصحابة بعد النبي ﷺ، وهم المخاطبون في هذا الحديث، فكان آخر صحابي استخلف هو عبد الله بن الزبير، حيث بعدها ظهر أمر عبد الملك بن مروان، وملك العراق، وقتل مصعب بن الزبير سنة إحدى وسبعين، ثم قتل الحجاج عبد الله بن الزبير في مكة سنة ثلاث وسبعين، وبقتله تحولت الخلافة بشكل نهائي - بعد أن تحولت بشكل جزئي بتنازل الحسن لمعاوية سنة 41هـ،وبقيت على دخن وخلل إلى استشهاد آخر خليفة من الصحابة وهو عبد الله بن الزبير سنة 13 هـ- وأصبحت خلافة ملك عضوض على يد عبد الملك بن مروان، فهو أول من قهر الأمة بالسيف، وأخذ البيعة بالقوة، بخلاف معاوية الذي اجتمع الناس عليه عام الجماعة ، بعد أن تن ازل الحسن بن علي له عن الخلافة، وبايعه، وبايعه أهل العراق لبيعة الحسن له، ودامت خلافته مدة عشرين سنة، ثم بويع ابنه يزيد بيعة فيها دخن، فاضطرب الأمر عليه، ولم تجتمع له الكلمة، ولم تطل مدته، ولا يدخل في عداد الخلفاء على التحقيق. ثم بايعت الأمة عبد الله بن الزبير بيعة رضا واختيار، لا إكراه فيها ولا إجبار، وجاءته البيعة وهو في مكة من كافة الأمصار، وظل خليفة نحو عشر سنين، حتى قتل شهيدا على يد الحجاج، وبموته خرجت الخلافة من جيل الصحابة إلى جيل التابعين. ثانيا: كما في هذه الأحاديث بيان لطبيعة نظام الحكم في الإسلام، وأنه خلافة وخلفاء، وقد أورد ابن حبان في صحيحة هذه الأحاديث وحاول حل الإشكال الظاهري بين ألفاظها حيث قال عن حديث (الخلافة

عدد الصفحات ٩٤

95 بعدي ثلاثين وسائرهم ملوك: (معنى الخبر أن من بعد الثلاثين سنة يجوز أن يقال لهم خلفاء أيضا على سبيل الاضطرار ، وإن كانوا ملوكا على الحقيقة ، وآخر الاثني عشر من الخلفاء كان عمر بن عبد العزيز، فلما ذكر المصطفى الخلافة ثلاثين سنة، وكان آخر الاثني عشر عمر بن عبد العزيز، وكان من الخلفاء الراشدين، أطلق على من بينه وبين الأربعة الأول اسم الخلفاء).(1) كما بوب ابن حبان في صحيحه بابا بعنوان (البيان بأن الملوك يطلق عليهم اسم الخلفاء في الضرورة) ، وأخرج حديث (سيكون خلفاء يعملون ما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون...)(2). والصحيح أن زيادة (وسائرهم ملوك) لا تكاد تثبت ولا تصح، فأكثر رواة هذا الحديث لم يذكروها، وقد تكون تفسيرا من أحد الرواة أدرجها آخر الحديث، فظنها ابن حبان منه وليست كذلك. وقال في حديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين): (إن المصطفى ما خاطب أمته قط بشيء لم يعقل عنه، ولا في سنته شيء لا يعلم معناه، ومن زعم أن السنن إذا صحت يجب أن تروى ويؤمن بها من غير أن تفسر ويعقل معناها فقد قدح في الرسالة، اللهم إلا أن تكون السنن من الأخبار التي فيها صفات الله جل وعلا التي لا يقع فيها التكييف بل على الناس الإيمان بها).(3) ثم ذكر بأن المقصود في هذا الحديث ما جرى من فتن بقتل عثمان، وحرب الجمل وصفين، ثم التحكيم سنة ست وثلاثين. وقد فسر أحمد بن حنبل هذا الحديث على أنه خمس وثلاثين سنة بعد وفاة النبي ﷺ، لا من هجرته كما رأى ابن حبان، وأن أمرهم يثبت على الحق بعد النبي ﷺ مدة خمس وثلاثين سنة، وأن معاوية ظل خمس سنين لا ينكر الناس عليه شيئا.(4) (1) صحيح ابن حبان ح1143. (2) صحيح ابن حبان ح1144. (3 )صحيح ابن حبان ح1110. (4) السنة للخلال رقم148.

عدد الصفحات ٩٥

96 أي أن رحى الإسلام تدوم على الاستقامة إلى سنة خمس وأربعين من الهجرة، ثم يطرأ الانحراف. وعلى كل حال لا خلاف بين الأئمة وسلف الأمة، أن خلافة النبوة ثلاثون سنة، وأن الخلفاء الأربعة الذين بايعهم الصحابة في المدينة النبوية أئمة هدى يجب الاقتداء بهم فيما سنوه من سنن توافقوا عليها ولم يخت لفوا فيها، فقد كان الخلفاء الأربعة المهديون ، أبو بكر ، وعمر، وعثمان، وعلي، من جيل كبار الصحابة ، ومدة خلافتهم ثلاثون سنة، وهي خلافة النبوة، والخلافة الراشدة، التي ورد فيها النص، وكل من تشبه بهم وسار على سننهم في باب الإمامة، وكان اختياره عن رضا الأمة وشوراها، فهو خليفة راشد، قياسا عليهم، بل هو خليفة راشد بنص الشارع كما في حديث (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم تكون ملكا عضوضا ثم جبريا ثم تعود خلافة على منهاج النبوة). ثم صارت الخلافة بعد الخلفاء الأربعة في جيل الصغار من الصحابة وهم: 1- الحسن بن ع، ومدة خلافته ستة أشهر، وقد عده أهل التحقيق من الخلفاء الراشدين المنصوص عليهم في حديث (خلافة النبوة ثلاثون سنة). 2- ومعاوية بن أبي سفيان، وقد بايعه الحسن سنة 41هـ وبايعته الأمة لبيعة الحسن له، وسمي عام الجماعة، حيث اجتمع المسلمون مرة أخرى بعد ثلاث سنين من الفتنة والحروب الداخلية، ودام عهد معاوية عشرين سنة، وقد كان في أول سنوات خلافته يتشبه بعمر بن الخطاب في شأنه كله، قال الزهري (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا).(1) وفي آخر عهده طلب البيعة لولده يزيد، ولم يكن من الصحابة، وبدأ الدخن، فلما توفي معاوية سنة 10 هـ اضطرب أمر الأمة من جديد في خلافة يزيد، ولم يتم له الأمر، بل كان عصره زمن فتنة واختلاف، وتوفي يزيد بعد أربع سنين وذلك سنة 14 هـ،ولم تنعقد له خلافة على الصحيح. 3- ثم بويع عبد الله بن الزبير، عن رضا وشورى، واستمر خليفة نحو تسع سنين إلى سنة 13هـ،وكان يتشبه بالخلفاء الرا شدين، حتى عد الخليفة الراشد الخامس. (1) السنة للخلال أثر193 بإسناد صحيح

عدد الصفحات ٩٦