المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ٥ من ١٠

65 كلها عند الشارع إلى اعتبارهابمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به).(1) ولفظ الخلافة لفظ قرآني ونبوي شائع في الخطاب النبوي شيوعا متواترا، كما جاء في أحاديث، منها حديث: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (2)،وحديث: (الخلافة بعدي ثلاثون)، وفي رواية: (خلافة النبوة ثلاثون سنة).(3) وسمي الخليفة خليفة، لكونه يخلف النبي ﷺ في سياسة الأمة، وإقامة الملة، والخلافة هي إمارة المؤمنين، والقيام بسياسة شئون الدولة، وإقامة أحكام الدين، وقد عرف الماوردي الخلافة، والإمامة في الإسلام، فقال: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع).(4) كما عرف ابن عقيل الحنبلي السياسة الشرعية بأنها (كل فعل يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وإن لم ينزل به الكتاب ولا جاء به الرسول). والخليفة والخلافة ألفاظ لا دلالة فيها على ملك أو استحقاق أو قهر، ولا تفيد أي من هذه المعاني التي جاء الخطاب السياسي الإسلامي لتعطيلها، وإبطالها، ولهذا جاء بأسماء شرعية جديدة موافقة في دلالاتها لمضمون الخطاب القرآني وأصوله وهداياته، ولم يستخدم الشارع لفظ الملك، الذي يفيد معنى التملك وحق التصرف في الدولة والأمة، ولا لفظ السلطان الذي يفيد معنى القوة والقهر والجبر، وإنما استخدم ألفاظا لا دلالة فيها على شيء من ذلك وهي: أولا: لفظ الخلافة والخليفة وهو الذي يخلف من سبقه. (1) مقدمة ابن خلدون1/231. (2) رواه أحمد في المسند4/213، وهو صحيح الإسناد. وانظر السلسلة الصحيحة ح (1.) (3) رواه أحمدالمسند، والترمذي ح، وأبو ادود في السنن ح4141. (4) الأحكامالسلطانية ص 1.

عدد الصفحات ٦٥

66 ثانيا: لفظ الإمامة والإمام، وهو الذي يتقدم للقيادة، كإمامة الإمام للمصلين. قال ابن خلدون عن نظام الخلافة: (إنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به، وتسمى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماما، فأما تسميته إماما فتشبيها بإمام الصلاة في أتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى، وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته، فيقال خليفة بإطلاق وخليفة رسول الله).(1) ثالثا: لفظ الإمارة، والأمير الذي هو ذو الأمر والشأن، وفيه معنى المشاورة، قال في لسان العرب: (الأمير: ذو الأمر... والإئتمار والاستئمار: المشاورة، والتآمر التشاور، وآمره في أمره ووامره واستأمره شاوره، وآمرته في الأمر مؤامرة إذا شاورته، وكل من فزعت إلى مشاورته ومؤامرته فهو أميرك، ومنه الحديث (آمروا النساء في أنفسهن)، أي شاوروهن، ومنه الحديث: (البكر تستأذن، والثيب تستأمر)...والأمير القائد، وأولوا الأمر الرؤساء وأهل العلم...وقوله تعالى : ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾، أي يتشاورون في أمرك ، وتآمروا على الأمر وائتمروا: تماروا وأجمعوا آراءهم)ا هـ. فأمير المؤمنين هو قائدهم الذي يشاورهم في أمورهم ، ويشير عليهم ، ويشيرون عليه ، ويستشيرونه ويستشيرهم في كل أمورهم وشئونهم، كما قال تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ﴾، وهو الذي يختارونه بعد تشاور وإجماع رأي، وكما قال عمر: (الإمارة شورى بين المسلمين). وكل هذه الألفاظ ليس فيها معنى الملك ، أو الاستبداد ، أو الاستحقاق ، أو القهر والجبر ، فعبرت ع ن أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي أحسن تعبير، وجاءت أوضح بيان لمضامينه وغاياته ومقاصده. كما قرر الخطاب النبوي أنه لا يكون للمؤمنين إلا خليفة واحد، إذ وجود خليفتين وإمامين في وقت واحد، يناقض أصول الخطاب التي أوجبت الجماعة والائتلاف، وحرمت تحريما قاطعا الافتراق والاختلاف، الذي هو من حال أهل الجاهلية، ومن سننهم، بينما جاء الإسلام بالوحدة والتوحيد والاجتماع، كما قال تعالى: (1) مقدمة ابن خلدون1/238.

عدد الصفحات ٦٦

67 ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾(1): (نصب إمامين في الأرض أو أكثر لا يجوز، لقوله ﷺ(من جاءكم وأمركم جميع ، يريد أن يفرق بينكم، فاقتلوه كائنا من كان)، وهذا قول الجمهور، وحكى الإجماع عليه غير واحد منهم إمام الحرمين...)أ.هـ وقال النووي في شرح حديث: (سيكون خلفاء فيكثرون): (اتفق العلماء أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين، في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا ، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدها لشخصين ، وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد ، وهذا مجمع عليه ، فإن بعد ما بين الإمامين، وخاللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، وهو خارج من القواطع). واستدرك عليه النووي هذه العبارة الأخيرة وحكم ببطلان تعدد الخلفاء حتى وإن تباعدت الديار، بقوله: (وهو قول فاسد، مخالف لما عليه السلف والخلف، وظواهر الأحاديث). وقال ابن حزم في بيان بطلان تعدد الأئمة: (اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم ، ولا يجوز إلا إمام واحد ، إلا محمد بن كرام السجستاني وأبا الصباح السمرقندي وأصحابهما فإنهم أجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد، واحتج هؤلاء بقول الأنصار ومن قال منهم يوم السقيفة للمهاجرين: (منا أمير ومنكم أمير) واحتجوا أيضا بأمر علي والحسن مع معاوية رضي الله عنهم. قال أبو محمد بن حزم: وكل هذا لا حجة لهم فيه، فواجب رد ما تنازعوا فيه إلى ما افترض الله عز وجل الرد إليه عند التنازع إذ يقول ا لله تعالى ﴿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ﴾، فنظرنا في ذلك فوجدنا رسول الله ﷺ قد قال: (إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما) ، وقال تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾، وقال تعالى: ﴿ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾، فحرم الله عز (1) البقرة30.

عدد الصفحات ٦٧

68 وجل التفرق والتنازع، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم، فوجد التنازع ووقعت المعصية لله تعالى، وقلنا ما لا يحل لنا، وأما من طريق النظر والمصلحة، فلو جاز أن يكون فيه إمامان لجاز أن يكون فيه ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكما بلا برهان ومدعيا بلا دليل وهذا الباطل الذي لا يعجز عنه أحد، وإن جاز ذلك زاد الأمر حتى يكون في كل مدينة إمام أو في كل قرية إمام أو يكون كل أحد خليفة في منزله، وهذا هو الفساد المحض وهلاك الدين والدنيا، فصح أن قول الأنصار رضي الله عنهم - (منا أمير ومنكم أمير) - وهلة وخطأ رجعوا عنه إلى الحق وعصمهم الله تعالى من التمادي عليه، وأما أمر علي والحسن ومعاوية فقد صح عن النبي ﷺ أنه أنذر بخارجة خارج من طائفتين من أمته يقتلها أولى الطائفتين بالحق، فكان قاتل تلك الطائفة علي رضي الله عنهم فهو صاحب الحق بلا شك، وكذلك أنذر عليه السلام بأن عمارا تقتله الفئة الباغية فصح أن عليا هو صاحب الحق، وكان علي السابق إلى الإمامة، فصح بعد أنه صاحبها، وإن من نازعه فيها فمخطئ، فمعاوية رحمه الله مخطئ مأجور مرة لأنه مجتهد ولا حجة في خطأ المخطئ، فبطل قول هذه الطائفة، وأيضا فإن قول الأنصار رضي الله عنهم: (منا أمير ومنكم أمير) يخرج على أنهم إنما أرادوا أن يلي وال منهم، فإذا مات ولي من المهاجرين آخر، وهكذا أبدا، لا على أن يكون إمامان في وقت، وهذا هو الأظهر من كلامهم، وأما علي ومعاوية رضي الله عنهما فما سلم قط أحدهما للآخر بل كل واحد منهما يزعم أنه المحق، وكذلك كان الحسن رضي الله عنه إلى أن أسلم الأمر إلى معاوية فإذا هذا كذلك فقد صح الإجماع على بطلان قول ابن كرام وأبي الصباح وبطل أن يكون لهم تعلق في شيء أصلا).(1) الحديث الثا: عن أبي سعيد الخدري مرفوعا (إذا بويع للخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما).(2) وفي هذا الحديث الصحيح إثبات حق الأمة في اختيار الخليفة، وأن ذلك يتم بالبيعة، وأن الذي يبايعه هم الأمة، وقد جاء بالفعل المبني للمجهول (بويع)، وحذف الفاعل المعلوم وهو الأمة، للعلم به فأغنى عن ذكره، ورتب الحكم على البيعة ليؤكد أن الخليفة لا يكون كذلك إلا بعد البيعة لا قبلها، كما قرر حق الأمة في (1) الفصل في الملل والنحل4/14. (2) مسلم في صحيحه ح1913.

عدد الصفحات ٦٨

69 قتل الخليفة الثا، وخاطب الأمة لكون الثاني افتأت عليها في أمرها الذي جعله الله لها، وهي المخاطبة ابتداء بالأحكام الشرعية العامة. الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمرو مرفوعا (من بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر). (1) وفي هذا الحديث ما في اديث الذي قبله، وفيه إطلاق اسم الإمام على الخليفة، وفيه ترتيب حكم وجوب الطاعة، على عقد البيعة، وأنه صفقة بين طرفين، وليست الإمامة والخلافة بالاستحقاق، وفيه إثبات حق الأمة وأفرادها في أن يبايعوا من يرونه مناسبا وأهلا لها، ولهم أن لا يفعلوا ، كما تقتضيه صيغة الشرط في أول الحديث، وهذا كله في شأن من هو أهل للاستخلاف والإمامة ممن توفرت فيه شروطهما لا مطلقا، لقوله تعالى مخاطبا إبراهيم ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾، قال القرطبي في تفسير هذه الآية (استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يجب أن يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي ﷺ ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى : ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾، ولهذا خرج ابن الزبير والحسن بن علي رضي الله عنهم، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج ، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة). الأصل الثالث: الصبر على تصرف السلطة وأداء حقوقها لها: كما جاء عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ: (إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها)، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله! قال: (أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم). (2) وفي رواية أخرى في البخاري أيضا: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم).(3) (1) مسلم في صحيحه ح1944. (2) صحيح البخاري ح1012. (3) صحيح البخاري ح3103 ، ومسلم ح1943.

عدد الصفحات ٦٩

71 ففي هذا الحديث يخاطب النبي ﷺ الصحابة ويخبرهم بأنهم سيرون أثرة ، والأثرة الاستئثار ب الشيء، والاختصاص، وقد بايعهم في العقبة على (السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأثرة علينا). ومعلوم أن تصرفات السلطة لا تنفك عن الأثرة، فقد يختار الإمام وزراءه، وأمراءه ، وقادة جيوشه، ويخص قوما بهذا الاختيار، ويؤثرهم على آخرين غيرهم، وقلما يرضى بذلك من لم يتم اختيارهم، وقد يشعرون بالغبن، وهضم الحق، إلا أن الواجب هو الصبر في هذه الحال، ويحرم على الإمام أن يؤثر أحدا لقرابته، بل الواجب اختيار أكفأ المسلمين بلا تمييز ، إلا إنه في جميع الأحوال حتى وإن اختار أكفأهم فقد آثره بهذا الاختيار على من هم مثله، لأنه خصه بالمنصب دونهم، وهذا يطلق عليه أثرة، فمعنى الأثرة في لغة العرب: التفضيل والتقديم والاختصاص ، ومنه قوله تعالى في قصة أخوة يوسف ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾، أي خصك وفضلك، وهذا معنى مبايعة النبي ﷺ للأنصار يوم العقبة على السمع والطاعة وأثرة عليهم، ولا يتصور أن يقع من النبي ﷺ شيئا مذموما حتى يبايعهم على الصبر عليه، فدل ذلك على أن السلطة تحتاج إلى السمع والطاعة، وأيضا الصبر على ما تقوم به من تكليف بعض الناس بالوظائف العامة، وتفضيلهم على غيرهم ، وتقديمهم عليهم ، وما يقع بسبب ذلك من تحاسد وتباغض بين الأكفاء ، فأمر بالصبر على مثل هذه الأثرة، إذ لا تنفك تصرفات السلطة منها، ولهذا بايعهم النبي ﷺ على الصبر على الأثرة التي ستكون منه، حين يخص بعضهم ويستعمله في أمورهم دون بعض. الأصل الرابع: صون الإمامة وتحر يم الخروج عليها: كما جاء عن ابن عمر مرفوعا: (من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).(1) وفي هذا الحديث أصل عظيم من أصول الخطاب النبوي، وهو تحريم الخروج على السلطة، بعد عقد البيعة لها، ولزوم طاعتها، ولا حجة ولا عذر لمن خرج عليها، إذ كما أن الأمر شورى بين المسلمين عند اختيار (1) مسلم في صحيحه ح1911.

عدد الصفحات ٧٠

71 السلطة، فكذلك الأمر شورى عند تغييرها أو خلعها ، وليس لأحد أن ينزع يده من البيعة الشرعية الصحيحة، دون شورى الأمة، كما هو حال أهل الجاهلية. كما في الحديث أصل ثان وهو ضرورة لزوم الجماعة، واعتقاد السمع والطاعة، وأنه لا يحل للمسلم أن يخرج عن الجماعة، كما هو حال أهل الجاهلية. والمقصود في ذلك كله في حال ما إذا كانت الأمة جماعة على إمام واحد، وما لم تكن فتنة وفرقة واختلاف، فإن كان زمن فتنة، كما هو حال الأمة اليوم، فلا بيعة تلزم الأمة لواحد من المختلفين، فقد سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: (من مات وليس في عنقه بيعة)، فقال: (أتدري من ذاك، ذاك الذي يقول المسلمون كلهم هذا هو الإمام)، وفي رواية أخرى قال أحمد (تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه)(1)،واحتج بفعل ابن عمر نفسه، راوي هذا الحديث، فإنه كان يقول: (لا أبذل بيعتي في فرقة، ولا أمنعها في جماعة)، فعن سعيد بن حرب العبدي قال: (كنت جليسا لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام، زمن ابن الزبير، وفي طاعة ابن الزبير رؤوس الخوارج نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود، ونجدة، فبعثوا أو بعضهم شابا إلى عبد الله بن عمر يسأله: ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين؟ فرأيته حين مد يده وهي ترجف من الضعف فقال: والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة).(2) وسأله عبد الله بن صفوان (يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تبايع أمير المؤمنين يعني ابن الزبير؟ فقد بايع له أهل العروض، وأهل العراق، وعامة أهل الشام؟ فقال: والله لا أبايعكم وأنتم واضعو سيوفكم على عواتقكم تصبب أيديكم من دماء المسلمين).(3) (1) رواه الخلال في السنة أثر رقم 10، بإسناد صحيح عن الإمام أحمد، وانظر أيضا الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص23، ومنهاج السنة 1/112. (2) رواه البخاري في التاريخ الصغير رقم184، والبيهقي في السنن الكبرى9/183 ـ ط عطا ـ بإسناد حسن، ومن طريقه ابن عساكر تاريخ دمشق 31/180. (3) رواه البيهقي في السنن الكبرى9/182 ـ ط عطا ـ بإسناد صحيح على شرط البخاري، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق31/180.

عدد الصفحات ٧١

72 ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية لزم عبد الله بن عمر داره، ولم يبايع حتى كان عام الجماعة، وكذا لم يبايع ابن الزبير حين خالفه عبد الملك، حتى اجتمع الناس على عبد الملك. وهذا مذهب محمد بن علي رضي الله عنه المشهور بابن الحنفية، فقد أراد منه ابن الزبير البيعة فأبى، وأراد منه عبد الملك البيعة فرد عليه برسالة (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد عرفت رأيي في هذا الأمر قديما، وإني لست أسفهه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمة علي إلا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدا، ولاعتزلتهم حتى يجتمعوا ، نزلت مكة فرارا مما كان بالمدينة فجاورت ابن الزبير فأساء جواري وأراد مني أن أبايعه فأبيت ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه ثم أدخل فيما دخل فيه الناس فأكون كرجل منهم).(1) وعن عرفجة مرفوعا: (إنها ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاقتلوه، كائنا من كان)، وفي رواية: (من أتاكم، وأمركم جميع، على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه).(2 ) وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا: (إذا بويع للخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما). (3) وعن عبد الله بن عمرو مرفوعا: (من بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر). (4) وفي هذه الأحاديث الثلاثة بيان ضرورة توحيد الأمة والدولة، ووجوب تصدي الأمة نفسها لمن أراد تفريق كلمتها، وتشتيت جماعتها، وتمزيق وحدتها، فقوله (اضربوا) ، و(اقتلوا) يؤكد أن حق اختيار الخليفة للأمة، وأنها هي المسئولة عن صيانة وحفظ مقام الخلافة والإمامة، فقد خاطب الشارع الأمة بذلك، وقوله (فإن جاء آخر ينازعه)، دليل على أن الإمامة ليست بالمنازعة ولا بالمغالبة، كما في بيعة العقبة (وأن لا ننازع الأمر (1) طبقات ابن سعد1 /109. (2) مسلم في صحيحه ح1912. (3) مسلم في صحيحه ح1913. (4) مسلم في صحيحه ح1944.

عدد الصفحات ٧٢

73 أهله، فمن نازع فيها حل قتاله وقتله، لكونه افتأت على حق الأمة، وهدد كيانها، بمنازعته إمامها الذي بايعته برضاها واختيارها، إذ الأمر شورى بينها. وقوله ﷺ: (فاقتلوه)أي: (اضربوه) وامنعوه، كما بينته الرواية الثانية، فالقتل قد يطلق ويراد به الضرب، كحديث (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه)(1)،أي إذا حصلت فتنة وضارب أحدكم أخاه فليجتنب ضرب الوجه تكريما لوجه الإنسان. الأصل الخامس: حق الأمة بالقيام على الأئمة: وقد جاء عن أم سلمة مرفوعا (ستكون أمراء ، فتعرفون، وتنكرون، فمن عرف برئ ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع) قالوا : ألا ننابذهم السيف؟ قال: (لا! ما صلوا). وفي رواية أخرى، أصح سندا، قال: (يستعمل عليكم أمراء ، فتعرفون، وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع)، قالوا : ألا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: (لا! ما صلوا). (2) وفي هذا الحديث بيان حرمة متابعة السلطة عند انحرافها، وحرمة الرضا بذلك الانحراف ظلما كان أو فسقا، وفيه مشروعية الأخذ بالعزيمة بالتصدي لها، وإنكار ما وقع منها، وبيان حكم الله في ذلك، وتغييره لمن قدر على ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم مرفوعا: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)، وقد احتج به أبو سعيد حين قام رجل وأنكر على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، فقال أبو سعيد: أما هذا الرجل فقد قضى الذي عليه، سمعت النبي ﷺ فذكر الحديث.(3) وفي الحديث أيضا تقرير أصل من أصول الخطاب السياسي النبوي وهو حق الأمة في القيام على الأئمة حتى بالقوة. (1) مسلم ح رقم2112. (2) مسلمفي صحيحه ح رقم 1914. (3) مسلم في صحيحه ح رقم48.

عدد الصفحات ٧٣

74 فقولهم: (ألا نقاتلهم؟)، وقوله (لا ما صلوا)، يدلان على مشروعية حق الأمة في التصدي للسلطة إلى حد مقاتلتها في بعض الأحوال ، ولم يأذن الن بي ﷺ بالقتال إلا في حدود ضيقة ، وعند الضرورة ، ولو كان الخروج ممنوعا كلية لما أذن به النبي ﷺ عند ترك الصلاة، فهذا الحديث وما شاكله أصل في مشروعية قيام الأمة بمحاسبة الإمام وتقويمه. قال النووي في شرحه لهذا الحديث في مسلم: (فيه أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق، ما لم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام). وفي الحديث نكت بيانية في قوله (فمن أنكر فقد سلم)، (ومن كره برئ)، فقد جعل الأول سالما لم يصبه شيء من شؤم الظلم الذي وقع فيه الأمراء ، بينما جعل الثاني بارئا، والبرء لا يكون إلا بعد علة ومرض لتعدي شؤم ظلمهم وتأثيره على من لم ينكره وإن كرهه! ومثله حديث ابن عباس مرفوعا (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك).(1) والمنابذة في اللغة تحيز كل واحد من الفريقين في الحرب، فجعل من نابذهم واستعد لقتالهم ناجيا، ومن اعتزلهم سالما، ومن خالطهم هالكا. ويؤكد حق الأمة في القيام على الأئمة، إذا انحرفوا وجاروا عن الحق حديث ابن مسعود الصحيح مرفوعا: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا له في أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم خالف من بعدهم خلوف - وفي رواية خوالف أمراء - يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)(2)،فدل على مشروعية جهادهم باليد وهو أعلى مراتب الإيمان! (1) صحيح الجامع للألباني ح3111. (2) مسلم في صحيحه ح10واللفظ له، وأحمد في المسند1/412 بإسناد صحيح مختصرا

عدد الصفحات ٧٤

75 وفيه بيان السنة التي يجب الاقتداء بهاوالاهتداء بهديها وهي سننه في باب الإمامة وسياسة شئون الأمة، ولهذا أخبر بأن الأمراء الخوالف هم الذين سيخالفون هديه وسنته، ومعلوم أن الأمراء إنما وقع منهم الجور والظلم. الأصل السادس من أصول الخطاب السياسي النبوي: حفظ الموارد المالية وقسمتها بالسوية: فكما ج اء الخطاب السياسي القرآني والنبوي بمعالجة قضية السلطة ، وكيفية اختيارها ، وحدود طاعتها ، كذلك جاء بمعالجة قضية الثروة، وبمبدأ توزيعها، ومنع سيطرة الطبقة الرأسمالية عليها ، كما قال تعالى ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)(1)،فموضوع المال والثروة في الدولة والمجتمع هو أحد القضايا الثلاث الرئيسية وهي (الدين ـ والسلطة ـ والثروة) التي حاولت كل الفلسفات الوضعية ، والنظم السياس ية، مواجهتها ووضع الحلول لها ، التي تعالج إشكالياتها، لكونها أحد أسباب الصراع الرئيسية بين البشر ، وسبب الحروب بين الأمم والدول، بل وحتى بين فئات المجتمع الواحد ، فتاريخ الشعوب والأمم وأحداثه الكبرى تدور كلها حول واحدة أو أكثر من هذه القضايا. وكما جاء الخطاب السياسي القرآني بالتعددية الدينية وبمبدأ ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾، ليحل مشكلة الاضطهاد الديني والحروب الدينية ، والتظالم الذي يمارسه أهل كل دين وفكر وعقيدة على من خالف دينهم واعتقادهم، سواء كان دينا سماويا ، أو دينا وضعيا بشريا ، وكما جاء بمبدأ الشورى ، ليمنع من أن تكون السلطة دولة بين طبقة أو أسرة أو حزب معين، وليفتح المجال أمام التعددية والتداول السلمي للسلطة، كما في قوله تعالى: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾، ليتم تداول السلطة بين الأمة وفق رضاها واختيارها، دون سيطرة من أحد على أحد، ودن اغتصاب أحد لحق الأمة فيها؛ وليمنع من قيام سلطة استبدادية تسيطر على الأمة سياسيا. فكذلك قرر في الثروة المالية مبدأ: ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾، ليتم تداول الأموال بين جميع أفراد المجتمع، وليمنع من سيطرة رجال المال على مقدرات الأمة الاقتصادية. (1) ا1.

عدد الصفحات ٧٥

76 وبهذا لجم الخطاب السياسي القرآني والنبوي طغيان رجال السلطة، وطغيان رجال الدين، وطغيان رجال المال، إذ هذه أشد صور الطغيان خطرا على الأفراد والمجتمعات ، وقد جعل القرآن فرعون مثلا للطغيان السياسي، وهامان للطغيان الديني، وقارون للطغيان المالي! وقد جاءت كل أحكام الشريعة في القضايا المالية، كالزكاة، والمواريث، والفيء، والخراج، والمعاملات المالية والتجارية كلها، فيما يحل منها وما يحرم، لتحقيق هذه الغاية، وهي حفظ الأموال والثروات، وتنميتها واستثمارها، وتقسيمها بين أفراد المجتمع بحسب حاجاتهم، واستحقاقاتهم، بالعدل والقسط، والمنع من أكل أموال الناس بالباطل والظلم، ومهمة السلطة هو العمل على تحقيق هذه الغاية، وذلك وفق قواعد شرعية، وأصول مرعية تتمثل في: القاعدة الأولى: حرمة أموال الأمة على الأئمة إلا قدر حاجتهم: فليس للسلطة ولا للإمام في أموال الأمة حق ، لا في الأرض، ولا في الثروة، ولا في بيت المال، إلا قدر حاجته، وما يعادل أجرة مثله في عمله، وقد أكد النبي ﷺ هذا الأصل فقال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت)، وفي رواية (إنما أنا قاسم وخازن، والله المعطي)(1)،وفي حديث آخر (بُعثت قاسما أقسم بينكم).(2) فليس للنبيﷺ نفسه حق في الأموال إلا ما فرضه الله له في كتابه ، فهو فقط قاسم بين المؤمنين، والله جل جلاله هو الذي أعطى كل ذي حق حقه ، وهو الذي قرر الحقوق وحددها ، سواء في الزكاة ، أو في المواريث، أو في الفيء، والغنائم، وفي كل خراج يرد على بيت المال من الأرض ومعادنها، والزروع وحبوبها، والأشجار وثمارها، والتجارة ومكاسبها، والأنعام وناتجها. وقد قال ﷺ ـ وقد أخذ وبرة من سنام بعير فرفعها بين أصبعيه ـ: (أيها الناس! إنه ليس لي من هذا المال شيء ولا هذا ـ وأشار بالوبرة بين أصبعيه ـ إلا الخمس، والخمس مردود عليكم).(3) (1) صحيح البخاري ح رقم3111)، ومسلم ح1031.) (2) صحيح البخاري ح3114، ومسلم ح2133 ،وانظر فتح الباري 1/219. (3) رواه أبو داود ح رقم2184) ، ومالك في الموطأ2/419.

عدد الصفحات ٧٦

77 والخمس هو المذكور في قوله تعا: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ﴾.(1) وقد سأل رجل النبيﷺ عن الغنيمة، فقال: (لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش)، فقال الرجل: فما أحد أولى به من أحد؟ فقال: (لا ! ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم).(2) فصارت الأموال كلها مردودة على الأمة بحكم الله ورسوله، ليس لأحد فيها حق، إلا ما فرض الله في كتابه. القاعدة الثانية: مسئولية السلطة عن رعاية الأفراد في الدولة: فقد حدد الشارع مسئولية السلطة عن رعاية كل فرد في الدولة وتأمين احتياجاته، فقال: (من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ وعيالاً فإلي وعلي).(3) فإذا مات إنسان وترك مالا فهو لورثته، بحسب نصيب كل إنسان كما فرضه الله له في كتابه، ومن ترك عيالا، فعلى السلطة مسئولية تحمل نفقات عياله، وتأمين حياتهم واحتياجاتهم، حتى يبلغوا ويستطيعوا كسب عيشهم. القاعدة الثالثة: مسئولية السلطة عن موظفيها ومحاسبتهم: فقد كان النبي ﷺ يوفر لكل موظف وعامل في الدولة كل ما يحتاجه من ضروريات الحياة ، ليستطيع القيام بأعباء العمل المنوط به على الوجه المطلوب ، حتى لا يشتغل بحاجاته الضرورية وتوفيرها ، عن حاجات الأمة التي يعمل في خدمتها، حيث جعل النبي ﷺ لمن عمل عملا في مصالح المسلمين (أن يتخذ زوجة إن كان عزبا، وأن يتخذ مسكنا إن لم يكن له سكن، وأن يتخذ دابة وظهرا إن لم يكن له مركب) (4)، (1) الأنفال41. (2) رواه البيهقي في السنن، وأورده ابن كثير في تفسير هذه الآية وقال(إسناد صحيح (3) البخاري9/111، رقم4191) ، ورواه مسلم2/182، ح رقم911)، وأبو داود3/310 – 311 ح2184) و2811) (4) أبو داود في السنن ح2841 ، والأموال لأبي عبيد ص218 واللفظ له وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال على شرط البخاري

عدد الصفحات ٧٧

78 وفي رواية: (من ولي عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليس له زوجة فليتزوج، أوليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال أو سارق).(1) وجعل ذلك من حقوقهم في بيت المال لقيامهم بمصالح الأمة وكان يحاسب عماله وموظفيه على ما كسبوا من مال أثناء الوظيفة كما في الحديث (استعمل النبي ﷺ رجلا على صدقات بني سليم فلما جاء حاسبه).(2) وقال: (من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول).(3) كما حرم على عمال الدولة وموظفيها أخذ شيء من الهدايا أثناء توليهم أعمالهم، وألزمهم برد ما جاءهم إلى بيت المال، كما في الحديث (استعمل النبي ﷺ رجلا على صدقة، فلما قدم قال: هذه لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي ﷺ وخطب فقال: ما بال العامل نبعثه ـ وفي رواية: إني استعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله ـ فيأي فيقول: هذا لكم، وهذه هدية أهديت لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأي بشيء ـ وفي رواية: لا يأخذ أحدكم منها شيئا بغير حقه ـ إلا جاء به يحمله على رقبته، اللهم هل بلغت اللهم فاشهد).(4) وقولهﷺ (أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله) أوضح دليل على طبيعة مهمته السياسية، وأنه ولي أمر وإمام للأمة، يولي الولاة، ويرسل الجباة، ويحكم بين الناس بالعدل والقسط والمساواة، فهذا هو الإسلام الذي بعثه الله به إلى الناس كافة. القاعدة الرابعة: حرمة الأرض وإباحة إحيائها وإصلاحها واستثمارها: فقد حكم ﷺ أنه لا حمى في الأرض إلا لله ولرسوله أي فقط للمصالح العامة، فيحرم حمى شيء منها لغير ذلك، فمنع بذلك السلطة أن تحمي شيئا من الأرض إلا في مصالح الأمة العامة، وليس للإمام حق في (1) أحمد في المسند4/228 بإسناد حسن (2) عبد الرزاق في المصنف4/14، وابن خزيمة في صحيحه ح2340، وابن حبان في صحيحه4111،وأصل القصة في الصحيحين. (3) أبو داود ح2843 بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال على شرط الصحيح (4) صحيح البخاري ح1114و1181 ، ومسلم ح1932.

عدد الصفحات ٧٨

79 شبر واحد من الأرض ، ولا يحمي لنفسه شيئا من أرض المسلمين ، كما جاء في الحديث (لا حمى إلا لله ولرسوله).(1) قال البيهقي (هذا الأثر يدل على أن غير النبي ﷺ ليس له أن يحمي لنفسه، وفيه دلالة على أن قول النبي ﷺ لا حمى إلا لله ورسوله، أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسوله في صلاح المسلمين).(2) كما حكمﷺ أن (من أحيا أرضا مواتا فهي له، وليس لعرق ظالم حق).(3) وجاء في الحديث عن عروة بن الزب (أشهد أن رسول الله ﷺ قضى: أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتا فهو أحق بها، جاءنا بهذا عن النبي الذين جاءوا بالصلوات عنه).(4) فقﷺ أن الأرض للأمة، وأن من أحيا أرضا مواتا، ليست ملكا لأحد، فهي له، وأنه لا حق لعرق ظالم، بل يجب رد الأرض المغصوبة لأصحابها، وإبطال المظالم والغصب. أصول المعاملات المالية في الفقه: وكل ما جاء من أ حكام تشريعية في كل أبواب العبادات والمعاملات المالية في الفقه ، كالزكاة، والبيوع، والشركات، والإجارات، والحجر، والإفلاس، والهبات، والأوقاف، والوصايا، والمواريث ، والفيء، والخراج ، وغيرها من الأبواب ، إنما تدور الأحكام فيها على أربعة أصول هي: الأصل الأول: ضرورة حفظ الأموال: إذ بها قوام حياة المجتمعات الإنسانية، كما قال تعالى: ﴿ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾(1 )،فجعل الله المال للأمة ، لكونه به قوامها وقيامها ، وقال أيضا : ﴿ ﮔ ﮕ ﮖ (1) صحيح البخاري ح2310. (2) البيهقي في السنن الكبرى ـ ط عطا ـ1/141. (3) أبو داود ح3013-3011 من طرق كثيرةصحيحة. (4) أبو داود ح3011 بإسناد صحيح على شرط الشيخين إلى عروة بن الزب (1) النساء1.

عدد الصفحات ٧٩

81 ﮗ ﮘ﴾(1)،فكما أنهم خلفاء في الأرض، وشركاء في السلطة كما في قوله تعالى: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾، فكذلك هم مستخلفون في المال وشركاء فيه ، وجاءت الشريعة لتفصيل أحكام هذا الاستخلاف في السلطة والثروة، ولهذا حُجر على السفيه أن يعبث في أمو اله، وأمر بالإنفاق عليه منها، دون أن يحق له التصرف فيها، صغيرا كان أو كبيرا ، حتى يرشد، ويحسن إدارتها، لخطورة موضوع المال، ولكون ماله ليس حقا محضا له، بل للفقراء نصيب مفروض في هذا المال، وللأمة حقوق عامة فيه. وكذلك حرم الشارع الإسراف والتبذير ، لما فيه من إضاعة المال ، كما قال تعالى : ﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾(2)،وجاء في الحديث: (إن الله ينهاكم عن كثرة السؤال وإضاعة المال)(3)،لكون المال في الأصل مال الله، وقد جعله الله للأمة بحكم ولايتها العامة وذلك بقوله: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴾، وإنما يملك الأفراد أموالهم ملكا مقيدا بإحسان التصرف في المال ، وأداء الحقوق التي فيه لأصحابها المنصوص عليهم في آية الزكاة في قوله تعالى : ﴿ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾. (4 )،وقد جاء في الحديث (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك). (1) الأصل الثاني: تقسيم الأموال وتوزيعها بالعدل: كما قال تعالى: ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾، ولهذا وجب للفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل حق في الفيء والغنيمة، وهو ما كسبه الأقوياء، كما وجب لهم حق الزكاة في أموال وكسب الأغنياء، لكون (1) الحديد1 . (2) الأعراف31. (3) البخاري في صحيحه ح1282. (4) التوبة10. (1) أبو داود ح1130 بإسناد مقبول

عدد الصفحات ٨٠