المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ٤ من ١٠

49 الحديث (لتنقضنر عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة (1)،بل ولم تفهم العرب من كلمة الدين إلا هذا المعنى وهو الطاعة للنبي ﷺ والخضوع لسلطته وحكمه وقضائه كما أمرهم الله بذلك، ولم يفهم العرب بأن الدين يقتصر على الإيمان القلبي أو الاعتقاد، بل هذا المعنى أي الدين بمعنى الاعتقاد فقط بلا خضوع ولا طاعة لا يكاد يوجد في لغتهم! ويؤكد ذلك ما جاء في لسان العرب أيضا في معنى العبادة والعبودية ، ففيه: (أصل العبودية الخض وع والتذلل، والعبادة الطاعة مع الخضوع، ﴿ ﮅ ﮆ ﮇ﴾ أي دائنون، وكل من دان لملك فهو عابد له، ﴿ ﮚ ﮛ﴾ أي أطيعوا ربكم) انتهى. وأما الدين بمعناه الشرعي العام فإنه يشمل ذلك كله وهو الإيمان والإسلام والإحسان، أي كل ما جاء به النبي ﷺ من عند الله من أخبار وأحكام وتشريعات عقائدية وعملية، كما قال تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾(2)،وكذا ما جاء في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان ثم قال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾.(3) أركان الدولة الإسلامية: هذا وقد جاء الخطاب القرآني والنبوي ببيان أركان الدولة التي تقوم عليها وهي الأرض ، والأمة، والسلطة، والنظام الذي تحكم السلطة به الأمة، وتسوس شئونها العامة وفق أحكامه، ومن الأدلة على ذلك: أولا: قوله تعالى : ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾.(4) (1) صحيح ابن حبان ح رقم1101 . (2) المائدة1. (3) آل عمران18. (4) النور11.

عدد الصفحات ٤٩

51 ففي هذه الآية نص على الأركان التي تقوم عليها الدولة وهي: الأمة الموعودة بالاستخلاف، والأرض الموروثة التي تمتد شرقا وغربا، والسلطة والسيادة الممنوحة للأمة على الأرض وهي الاستخلاف والتمكين، والنظام الذي ينظم شئون الدولة وهو الدين الذي ارتضى الله لهم وهو الإسلام. ثانيا: وقوله تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ..﴾.(1) وفي هذه الآية ما في الآية التي قبلها من تحديد أركان الدولةالإسلامية، وهي الأرض الموروثة، والأمة الموعودة التي آمنت بالله ورسوله، والسلطة وهي التمكين، والنظام الذي تمتاز به الدولة الإسلامية عن باقي الدول الأخرى، وهو الإسلام الذي جاء بالعدل والقسط. ثالثا: ما جاء في الصحيح: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها).(2) ففي هذا الحديث بيان لأركان الدولة كما عرفها الفقه الدستوري المعا ، حيث نص على الأرض وحدودها، والأمة التي أضاف الملك لها إضافة استحقاق واختصاص، والملك وهو السلطة والسيادة التي للأمة على أرضها، وفي الحديث أوضح دليل على أن الأرض ليست للخلفاء، ولا للأمراء والرؤساء، بل ولا ملوك في الإسلام، فالأرض للأمة بحكم الله ورسوله، كما أن الملك والسلطة والسيادة والاستخلاف هو للأمة كلها أيضا كما يفيده لفظ الحديث: (ملك أمتي)، وليس لحزب أو أسرة أو طائفة أو قومية، بل للأمة بجميع فئاتها ومكوناتها. رابعا: ما جاء في صحيفة المدينة ودستورها الذي كتبه النبي ﷺ منذ أول دخوله المدينة، حيث حدد فيها مكونات الأمة وحدد مواطنيها وأنهم يتكونون من (المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ـ أي المهاجرين والأنصار ـ ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر، وإن يثرب (1) الحج41. (2) مسلم ح2998 ، وأبو داود ح4212.

عدد الصفحات ٥٠

51 حرام جوفها، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ورسوله). فحدد في هذه الصحيفة الدستورية الإقليم الذي ستشمله السيادة وهي المدينة النبوية وضواحيها التي ينزلها الأنصار من الأوس والخزرج، كما حدد السلطة السياسية وأنه النبي ﷺ، وأن التحاكم والمرجع إلى كتاب الله، كما حدد مواطني الدولة ، وهم كما ورد في الصحيفة نفسها: المهاجرون، على اختلاف قبائلهم، وكل من لحق بهم، وأهل المدينة على اختلاف قبائلهم، وكذا كل مواليهم من اليهود. وكل ما سبق ذكره يؤكد توفر أركان الدولة ـ كما يعرفها الفقه الدستوري المعاصر ـ في الدولة الإسلامية التي أقامها النبي ﷺ في المدينة، ولم يتوفاه الله حتى صارت جزيرة العرب كلها تحت سيادتها وسلطتها، وهي أول مرة في التاريخ يجتمع العرب في الجزيرة تحت راية واحدة، ودين واحد، ودولة واحدة، ولم يمض بعد وفاته ﷺ عشر سنين حتى كانت الدولة الإسلامية تمتد من أقصى حدود فارس شرقا، إلى أقصى حدود ليبيا غربا! وقد عرف المسلمون الدولة بهذا المفهوم، فقد كان الفقه الدستوري حول الدار وأحكامها ، والأرض وثغورها ـ أي حدودها ـ وحول الأمة ومكوناتها، والسلطة وشروطها ومالها وما عليها، هو موضوع كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية. الأصل الثاني: ضرورة قيام السلطة ووجوب والطاعة: وكما لا يتصور قيام الإ سلام دون دولة تقوم فيها أحكامه ، فكذلك لا يتصور قيام الدولة دون سلطة وطاعة، فقد كان عقد البيعة بين النبي ﷺ والأنصار في العقبة وثيقة سياسية تشريعية احتوت على أهم أصول الخطاب السياسي النبوي، ومن ذلك: أولا: السمع والطاعة: كما في نص البيعة: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، وأثرة علينا)، وهو ما تحتاجه أي سلطة وإمامة لسياسة شئون الدولة والأمة، ولم يكن العرب ـ خاصة العدنانية في الحجاز ونجد ـ يعرفون

عدد الصفحات ٥١

52 هذا الأمر، محافظة منهم على حريتهم وكرامتهم، حتى أنهم لا يعرفون ظلم الملوك، ولا يخضعون لسلطتهم، ولم تقم لهم دولة في تاريخهم كله، لشدة أنفتهم من طاعة الملوك، قبل ظهور الإسلام ودخولهم فيه طواعية، بعد أن جاءهم بالشورى، التي كان يعرفها العرب في جاهليتهم، حيث كان أهل مكة يسوسون شئون بلدهم ـ وهي أم القرى، وأشهر مدن العرب قاطبة، دينيا وسياسيا وتجاريا ـ ويصرفون أمورهم في (دار الندوة)، وكان أهل يثرب في الجاهلية يصرفون شئون مدينتهم في(السقيفة)، وكذا أهل الطائف، وغيرها من مدن العرب، التي لم تعرف سلطة الملوك، غير أنه لا يحضر الشورى إلا أشرافهم والملأ منهم ، فلما جاء الإسلام بالشورى جعلها للمؤمنين كافة، لا فرق بين قوي وضعيف، وغني وفقير، وكبير وصغير، وعربي وعجمي. لقد كان النبي ﷺ يدرك هذه الإشكالية حق الإدراك، ولهذا نص على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، كأصل أصيل في الخطاب السياسي الإسلامي، لتقوم عليه الدولة المنشودة، والتي لا يمكن لها أن تقوم بلا طاعة للسلطة، وبلا إنفاق عليها عند الحاجة، لتقوم السلطة بمسئولياتها المنوطة بها، وهو ما لم يكن يعرفه العرب في جاهليتهم، خاصة قريش وعرب الحجاز ونجد، الذين نزلت عليهم الرسالة ـ وقد نص على ذلك الشافعي في الأم كما قال ابن حجر: (كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون عن الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يؤمرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا ، وولاة على البلاد، وهو قول الشافعي في الأم في سبب نزول الآية).(1) ونص كلام الشافعي في الرسالة: (فقال بعض أهل العلم: أولوا الأمر : أمراء سرايا رسول الله ، وهكذا أُخبرنا، وهو يُشْبِه ما قال ، لأن كلَ من كان حوْل مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة ، وكانت تأنَف أن يُعْطِيَ بعضُها بعضا طاعةَ الإمارة ، فلما دانت لرسول الله بالطاعة لم تكن ترى ذلك يَصلح لغير رسول الله، فأُمِروا أن يُطِيعوا أولي الأمر الذين أَمَرَهم رسول الله لا طاعةً مطلقة بل طاعة مُسْتَثْناة فيما لهم وعليهم فقال : ﴿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾، يعني: إن اختلفتم في شيء ، وهذا كما قال في أولي الأمر إلا أنَه يقول: ﴿ ﰀ (1) فتح الباري9/214 ح1131.

عدد الصفحات ٥٢

53 ﰁ﴾، يعني هم وأُمَراؤهم الذين أُمِروا بطاعتهم ﴿ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾، يعني إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه فإن لم تعرفوه سألتم الرسولَ عنه إذا وصلتم أو من وَصَلَ منكم إليه) .(1) ثانيا: عدم منازعة الأمر أهله: والمقصود بالأمر هنا الإمارة والإمامة والخلافة، وقد نص النبي ﷺ في عقد البيعة مع الأنصار على هذا الشرط حيث جاء فيها: (وأن لا ننازع الأمر أهله)، لكونه السبب الذي حال دون قبول غيرهم من العرب لنصرة النبي ﷺ، فأراد النبي تأكيد مبدأ أن شأن الإمارة ليس بالمنازعة، ولا بالمغالبة، ولا بالتوارث ، كما هو شأن الملوك والأمم في جاهليتها، بل الأمر شورى بين المؤمنين يشترك فيه القوي والضعيف، والسوقة والشريف، والغني والفقير، والكبير والصغير، والرجل والمرأة ، كما قال تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾. وقوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله)، المقصود بأهله هنا هم المؤمنون كافة، فلا يفتئت عليهم أحد في هذا الأمر ابتداء، ولا ينازع من اختاروه انتهاء، فكما لا يغصبهم أحد حقهم في اختيار من يرونه أهلا للإمامة، كذلك لا يحل منازعة من اختاروه بعد الشورى عن رضا بلا إكراه، ويحرم الخروج عليه ومنازعته الأمر الذي ولته الأمة إياه، وليس المقصود بأهله كل أمير أو إمام ولو لم خاتره الأمة، بل إن مثل هذا الإمام ظالم جائر ليس من أهلها، بل هو غاصب لها، وليس هو المقصود بقول النبي ﷺ: (وأن لا تنازعوا الأمر أهله)، فليس الغاصب للإمامة أهلا لها، ومما يؤكد ذلك ما جاء في حديث بيعة العقبة نفسه من رواية عبادة بن صامت قال: (بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان)(2)،وكذلك قول عمر في الصحيح: (من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)، وفي رواية صحيحة: (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه)(3)،وفي رواية: (من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه).(4) (1) الرسالة للشافعي ص18. (2) صحيح البخاري ح1011. (3) انظر صحيح البخاري مع فتح الباري12/141 وسيأي خاريجه في موضعه (4) أحمد في العلل ومعرفة الرجال– رواية عبد الله ـ 2/82 رقم1110 بإسناد جيد

عدد الصفحات ٥٣

54 لقد كان النبيﷺ يخشى أن يدعي الأنصار أحقيتهم بالأمر بعد وفاته، بدعوى أنهم أهل الدار، وأهل الشوكة والنصرة ، فأراد النص في عقد البيعة وهو في مكة -في أ شرف اجتماع سري تم عقده تحت جنح الظلام- على مبدأ أن الأمر شورى، فلا منازعة فيه، ولا مغالبة، ولا إكراه عليه، بل شورى واختيار ورضا. ثالثا: حق الأمة فـي الرقابة على السلطة: وهو أصل من أصول الخطاب السياسي النبوي، فقد تضمن عقد البيعة (وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، فكما أن على الأمة للإمام وللسلطة حق السمع والاستجابة، والنصرة والطاعة، فلها أيضا حق إبداء الرأي بكل حرية ، وحق التصدي للسلطة عند انحرافها أو استبدادها ، فهي الرقيب والحسيب على السلطة، تقومها، وتنقدها، وتقيم أودها ، وتعدل عوجها ، فالطاعة للسلطة ليست مطلقة ، وليست ل ذات السلطة، بل الغاية من إقامة السلطة تحقيق العدل والقسط، فلا يتصور تجويز طاعة السلطة فيما يناقض الغاية التي وجب إقامة السلطة من أجل تحقيقها وهي العدل والقسط، كما جاء في الحديث الصحيح: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، وحديث: (إنما الطاعة بالمعروف) ، بل جعل الشارع التصدي للإمام الجائر أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله ، فقال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ، وقال أيضا : (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله)، وقال أيضا كما في صحيح مسلم عن أمراء الجور: (ثم إنها خالف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهده بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).(1) وهذه الأحاديث تتوافق وتتطابق تمام المطابقة مع أصول الخطاب السياسي القرآني الذي جعل غايته أن يقوم الناس بالقسط، ولم يقر الخطاب القرآني الظلم ولا أوجب الصبر عليه، بل قال تعالى مادحا المؤمنين في مكة ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾... ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾(2 )،وقال تعالى في صفات المؤمنين : ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ (1) رقم119. (2) سورة الشورى38 ـ41.

عدد الصفحات ٥٤

55 ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾(1)،وقال تعالى في بيان حق المظلوم في رفض الظلم: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾(2)،وعلل السبب في تشريع جهاد الدفع عن النفس لرفع الظلم الواقع على المؤمنين فقال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾.(3) فلا يتصور بعد ذلك أن يأمر النبيﷺ بخلاف ما أمر به الله تعالى، ولا يتصور أن يأمر أمته بالصبر على الجور والظلم وهو الذي جاء بالعدل والقسط، فهذا يتنافى مع أصول الخطاب القرآني الذي جاء لرفع الظلم وتحرير الخلق وإقامة الحق، كما يتنافى مع قوله تعالى: ﴿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾، بل جاءت سنته مطابقة لهدايات القرآن في تقرير حق الإنسان بالدفاع عن نفسه والتصدي لمن ظلمه؛ كما سيأي بيانه! إن هذه الشروط التي تضمنها عقد البيعة، نصت على أهم المبادئ الدستورية في النظم المعاصرة، بل وأرقى مما وصل إليه الفكر الإنساني، في تنظيم العلاقة بين السلطة والأمة، فقررت أن موضوع السلطة والإمامة حق للأمة، وأن الوصول إليها لا يتم بالمنازعة بل عن طريق الشورى بين المسلمين كافة لاختيار إمامهم بلا إكراه، كما قررت حق السلطة في الطاعة والاستجابة لما يصدر عنها من أوامر مشروعة في دائرة المعروف، وتحريم الخروج عليها حتى عند وقوع الأثرة، إذ لا خالو ممارسات السلطة من شيء من ذلك مهما كانت عادلة، ولا يمكن ألا يقع منها أي تجاوز، فلا يسقط حقها بالطاعة ما دامت الأثرة لم تصل إلى الظلم، إذ الإمام قد يختار للمسئولية بعض من يراهم أهلا لها، ويكونون من خاصته، ويؤثرهم على غيرهم، لثقته بهم، فلا يسورغ ذلك الخروج عليه ، لوقوع مثل هذه الممارسات ، إذ استقرار السلطة ، واحترام صلاحياتها من ضروراتها، لتقوم بمسئوليتها المنوطة بها. كما نص عقد البيعة على حق الأمة في إبداء الرأي ، وحرية الكلمة، والرقابة على السلطة، فصلاحيات الأمة لا تنتهي عند اختيارها للسلطة ، أو عند عقد البيعة لها ، بل يثبت حقها حتى بعد ذلك في الرقابة عليها ، (1) سورة الشعراء221. (2) سورة النساء149. (3) سورة الحج28.

عدد الصفحات ٥٥

56 ومحاسبتها، بل وخلعها عند الضرورة، وهو ما دل عليه قوله: (وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، وفي رواية صحيحة: (وأن نقوم بالحق حيثما كنا)، ففي هذا النص ضمان حق الأمة في الرقابة على السلطة، مقابل ما يجب عليها من الطاعة لها، ليتحقق التوازن بين السلطة الوكيل، والأمة الأصيل، فطاعة السلطة لا تصادر أبدا حرية الكلمة، ولا حق الأمة في الرقابة والمحاسبة والتقويم. لقد سبق الإسلام بذلك كل النظم السياسية الوضعية المعاصرة في تقرير هذه الحقوق والضمانات، في أول عقد سياسي دستوري اجتماعي حدث في التاريخ الإنساني، قامت على أساسه أول دولة إسلامية في المدينة المنورة وجزيرة العرب، حيث هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، بناء على هذا العقد الذي تم برضا أهلها واختيارهم، ليمارس النبي ﷺ كل صلاحيات السلطة السياسية ، من عقد المعاهدات، وإقامة الحقوق ، وتنفيذ الحدود، وإعلان الحرب، وعقد الصلح، وجباية الأموال وصرفها.. . إلخ. وبالنظر إلى هذا العقد وما تضمنه من شروط نجد أنه تضمن ما يلي: 1. حق السلطة بالسمع أي بالاستجابة لها ، والطاعة أي النصرة لها ، وتنفيذ أوامرها المشروعة في قوله : (بايعنا على السمع والطاعة..). 2. وحق الأمة في المقابل بالرقابة على السلطة وتقويمها ومحاسبتها (وأن نقوم أو نقول الحق حيثما كنا نخاف في الله لومة لائم). 3. وحق مشترك للأمة والسلطة معا بقوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله)، فالأمة هي أهله قبل اختيار السلطة فلا يصادر أحد منها هذا الحق ولا ينازعها فيه، والسلطة هي أهله بعد اختيار الأمة لها برضا وشورى، لا ينازعها أحد هذا الحق، ما لم تعزلها الأمة عنها. رابعا: تقر ير مبدأ المواطنة وتحديد الحقوق الدستورية والسياسية: لقد كانت بيعة العقبة وثيقة سياسية، وعقدا اجتماعيا، حدد أصول النظام السياسي العامة للدولة الجديدة، دون التعرض لتفصيل الحقوق والواجبات ، ولخطورة مثل هذا التحديد للحقوق والواجبات الدستورية والسياسية العامة نجد النبي ﷺ بعد الهجرة مباشرة يضع (صحيفة المدينة)، (الدستور المدني)، ليحدد فيها الحدود لهذه الدولة الجديدة، ويقرر الحقوق لكل من كان فيها سواء من المسلمين من أهلها ، أو من المهاجرين

عدد الصفحات ٥٦

57 إليها من خارجها، أومن غير المسلمين من اليهود ومواليهم، حيث جاء في الصحيفة ما يلي مختصرا : (هذا كتاب بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وإن المؤمنين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال إلا على سواء وعدل، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإنهم أمة مع -أو من- المؤمنين (1)،لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، وإن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإن النصر للمظلوم، وإن من قعد بالمدينة آمن، ومن خرج آمن، وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ورسوله) ا.هـ باختصار. ففي هذه الصحيفة الدستورية تجلى مبدأ المواطنة لكل من يعيش على أرض المدينة الجديدة، بتقرير حق الجميع، سواء المسلمين من الأنصار أو المهاجرين، وغير المسلمين من يهود المدينة ومواليهم، في كافة الحقوق دون تمييز أو ظلم، وبلا فرق بين أهل المدينة ومن هاجر إليهم، وفتح الباب للحصول على حق المواطنة لكل من لحق بهم ، فالكل أمة واحدة ، وذمتهم واحدة ، يسعى بها أدناهم ، وللمؤمنين دينهم ، ولليهود دينهم ، يتعاونون على البر بلا ظلم أو إثم أو عدوان، ويشتركون جميعا في حماية المدينة والدفاع عنها، كما يحتكمون إلى سلطة واحدة عليا ارتضتها الأغلبية المؤمنة، وتتمثل بالنبي ﷺ، وإلى مرجعية تشريعية تتمثل بالكتاب والسنة. لقد سبق الإسلام إلى تحديد علاقة الإنسان بالأرض، وتقرير مبدأ المواطنة، وربط الإنسان بوطنه، كما قررته صحيفة المدينة، وجاء الإسلام بأحكام تفصيلية تقرر حق الإنسان في الأرض إذا أحياها، فقد قال (1) رواية ابن إسحاق في السيرة (مع المؤمنين)، ورواية أبي عبيد في الأموال بإسناد صحيح إلى الزهري (من المؤمن

عدد الصفحات ٥٧

58 عروة بن الزب: (أشهد أن رسول الله ﷺ قضى: أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا موات ا فهو أحق بها)، قال عروة: جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلوات عنه.(1) كما أباح الأرض كلها، وحرم حمى شيء منها، إلا للمصالح العامة للأمة، كما في الحديث الصحيح: (لا حمى إلا لله ولرسوله).(2) وبذلك نجح الإسلام في تأسيس أول مجتمع إنساني تعددي، وأول دولة دستورية قانونية، تم في دستورها تحديد حدود الإقليم، والسلطة، والأمة، وتم فيه تنظيم العلاقة بين جميع مكونات المجتمع، وترسيخ مبدأ الحرية الدينية، وتقرير مبدأ المواطنة، بناء على حق الإنسان في الارتباط بالأرض التي ولد عليها، ويعيش فيها، كما تم في هذا الدستور أيضا تحديد ما للجميع من حقوق، وما عليهم من واجبات، حيث يتعايش فيها الجميع على اختلاف فئاتهم الاجتماعية وطوائفهم الدينية بلا إكراه ، ويتعاونون فيما بينهم على الع دل والإحسان، بلا ظلم أو عدوان. لقد كان وضع الدستور المدني أول عمل سياسي قام به النبي ﷺ بعد وصوله المدينة المنورة مباشرة، حيث وجد فيها طوائف من غير المسلم ين من اليهود، وهؤلاء لم يؤمنوا به ، ولم يبايعوه في بيعة العقبة بمكة، فكان لا بد من وضع وثيقة ودستور ينظم العلاقة بينهم وبين الدولة الجديدة، تحدد فيها الحقوق والواجبات العامة لكل فئات المجتمع، وقد قال ابن اسحاق في السيرة عن هذه الصحيفة (وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم...إلخ)، ثم ساق نص الصحيفة مطولا، وقد عد علماء القانون الدستوري هذه الصحيفة وما ورد فيها من مبادئ دستورية أول دستور مدون عرفه العالم، وقد تضمن كافة المبادئ الدستورية التي نصت عليها الدساتير المعاصرة، كتحديد حدود الدولة الجديدة، وتحديد هوية مواطنيها، ونصت على المرجعية القانونية، وعلى السلطة التي يحتكم إليها، كما نصت على شخصية العقوبة، وعلى مبدأ العدل والمساواة بين الجميع، (1 )أبو داود في السنن ح 3011 بإسناد صحيح (2) أبو داود في السنن ح3093 بإسناد صحيح

عدد الصفحات ٥٨

59 وعلى مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، كما قررت التعددية والحرية الدينية، وحق التنقل من وإلى المدينة.. إلخ. إن صحيفة المدينة هي أرقى أنواع الوثائق الدستورية، فلم تكن دستورا ممنوحا من السلطة للشعب، ولا دستورا موضوعا من هيئة شعبية توافقية، بل كان عقدا عن رضا واختيار كاملين، بين أهل المدينة والنبي ﷺ، فهم الذين منحوه فيها السلطة عليهم، مع أنهم هم أهل الدار، وأصحاب الشوكة والقوة. لقد كان النبي ﷺ منذ أول يوم دخل فيه المدينة، إنما كان يسير على هدى القرآن وهداياته السياسية، كما سبق ذكرها ، وقد قرر القرآن في خطابه المكي بأن النبي ﷺ ليس عليهم بمسيط ر، بل هو داعية لل حق والعدل والقسط، وليس ملكا ولا جبارا يسعى للسيطرة على الخلق، فكما دخل ﷺ المدينة برضا أهلها، وبناء على عقد سياسي، كان لا بد من تحديد العلاقة مع كل مكونات المجتمع فيها الأخرى، بناء على معاهدة واتفاق يكون برضا الجميع واختيارهم، خاصة أن غير المسلمين فيها من اليهود لم يؤمنوا به ، ولم يسبق لهم أن بايعوه، ولم تكن بيعة الأنصار في العقبة تمثلهم أو تلزمهم، فكانت (صحيفة المدينة) هي الدستور المدني الذي ارتضاه الجميع، وأقروا فيه بأن السلطة التي يتم التحاكم لها هي النبي ﷺ، وبهذا تحقق له ﷺ أن يكون قائدا للدولة الجديدة، وإماما للجماعة الوليدة، دون أن يفرض عليهم سيطرته بالقوة، فاستصحب ﷺ أصول الخ طاب السياسي المكي ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﴾، ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾، ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾، فكان قيام الدولة النبوية على أساس عقد بيعة العقبة مع المؤمنين من أهل المدينة خاصة، ثم صحيفة المدينة مع كافة الموا طنين فيها عامة، تعبيرا عن مبادئ الخطاب السياسي القرآني وأصوله، ولم تكن البيعة والصحيفة حدثا عارضا، ولا أمرا صادفا، بل هو تطبيق عملي لخطاب سماوي، طالما دعا إليه النبي ﷺ مدة ثلاثة عشر سنة بمكة، وطالما بشر بهذه المبادئ السياسية الإنسانية، والهدايات الربانية القرآنية منذ بعثته الشريفة. خامسا: ضرورة الشورى ووجوب الخلافة: وهو الأصل الرابع من أصول الخطاب النبوي ، فكما ثبت في هذا الخطاب ضرورة الدولة ووجوب الجماعة، وضرورة السلطة ووجوب الطاعة ، فقد أكد ضرورة الشورى ووجوب الخلافة ، كنظام يعبر عن طبيعة

عدد الصفحات ٥٩

61 الخطاب السياسي اسلامي، ونظرته لطريقة اختيار السلطة في الدولة، وكيفية تشكيلها بما يتفق مع أصوله ومبادئه التي سبق ذكرها في الخطاب القرآني، وبما أن تلك الأصول قد قررت في أصل التوحيد أن الملك لله، وهو الملك الحق وحده لا شريك له، وقررت في أصل تكريم الإنسان واستخلافه أن الإنسان خليفة لله في الأرض، وأن الله وعد المؤمنين جميعا بالاستخلاف في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وكذا قررت في أصل التحرير ضرورة تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، خاصة من العبودية للملوك والجبابرة ورجال الدين، وقررت في أصل الأخوة أن الجميع في الحقوق والواجبات سواء لا فضل لبعضهم على بعض، فقد جاء الخطاب النبوي بتفصيل القول في أصل الخلافة والشورى، كنظام سياسي يعبر عن كل تلك الأصول العقائدية، وتتجلى فيه معانيها، وتتحقق به مراميها، فلا يمكن أن يقر الخطاب القرآني النظام الملكي، لتعارضه مع كل أصوله العقائدية، إذ لا ملك للأرض إلا الله، ولا ملك للناس إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾، قال عروة بن الزبير: (أشهد أن رسول الله ﷺ قضى: أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله)، قال عروة: جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلوات عنه.(1) فلا استحقاق ولا أحقية في الإسلام لأحد في أن يكون ملكا على المسلم، أو على أرضهم، كما لا يمكن أن يقر توارث الحكم والسلطة ، لكون التوارث لا يكون إلا فيما كان ملكا خاصا يورثه الإنسان لذريته وأهل بيته، وهو ما تقوم عليه الأنظمة الملكية وقد ثبت بطلانها، وثبت رفض الإسلام لها، ولكون التوارث فيها قائما على الاستحقاق والأحقية، وقد ثبت أنه لا حق لأحد فيها على أحد، بل الأمة جميعا سواء في الحقوق والواجبات، وفي الملك والاستخلاف ، فالأرض أرضهم ، والأمر أمرهم ، ولأن التوارث يقتضي القهر والجبر، والمغالبة والمنازع ة، وهو ما يعارض أصول الخطاب القرآني والنبوي ، فجاء الخطاب السياسي الإسلامي بنظام الخلافة والإمامة والشورى، بما لا عهد للعالم وأنظمته بها، فهي هدية السماء وهدايتها، وكما (1 )أبو داود في السنن ح 3011 بإسناد صحيح إلى عروة بن الزبير، ومن طريقه البيهقي ح رقم11113، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ح رقم 112 بإسناد صحيح إلى عروة، ورواه الطبراني في المعجم الكب1/124 من حديث الزبير بن العوام مرفوعا بنحوه، وله شاهد حسن من حديث فضالة بن عبيد عند الطبراني في المعجم الكبير 19 /319، ومسند الشاميين ح رقم299، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (رجاله رجال الصحيح)، ولفظه قال رسول الله ﷺ: (الأرض أرض الله والعباد عباد الله من أحيا مواتا فهي له).

عدد الصفحات ٦٠

61 قال تعالى في شأن كتابه: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ (1)،أي الأقوم والأكثر استقامة في كل شئون الحياة الإنسانية، وفي كل ما يحقق سعادتها وخيرها، والعدل فيها ولها، وكما قال تعالى: ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾.(2) لقد كان نجاح النبيﷺ في إقامة الدولة النبوية في المدينة المنورة، واخااذه إياها عاصمة له، بعد ثلاثة عشرة سنة من الدعوة في م كة، ثم نجاحه خلال عشر سنوات في توحيد جزيرة العرب ، دينيا وسياسيا واجتماعيا، وإحداث تحول جذري في حياة العرب بما لا مثيل له في تاريخ الأمم، ليتحولوا من عصر الجاهلية والتخلف والبداوة إلى عصر المدينة المنورة والمدنية والحضارة، وما نتج عنه بعد عشر سنوات أخرى من ضم أقاليم الإمبراطورية الفارسية كلها، وكل أقاليم الإمبراطورية الرومانية في آسيا العربية وأفريقيا، لهو أوضح دليل على طبيعة الدعوة والخطاب السياسي في مكة، ووضوح أصوله وهداياته وأهدافه، التي ما كان لها أن تتحقق على هذا النحو لولا وضوحها للنبي ﷺ وأصحابه وهم في مكة، قبل أن يهاجروا ليفتحوا الأرض، ويقيموا فيها العدل، ويحرروا الخلق، ولا يتصور أن يكون الخطاب في مكة قاصرا فقط على الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان، ثم فجأة يخرج النبي وأصحابه ليقيموا الدولة الإسلامية الجديدة في المدينة ثم في جزيرة العرب كل ها، ثم في دولة ورثت أرض فارس والروم - بما كانتا عليه من حضارة ونظم - ويؤسسوا سلطة جديدة ، ويديروا شئون أمة وليدة، قبل أن يكون اتضح لهم كل الوضوح الخطاب السياسي الذي يحدد لهم المبادئ والأهداف والغايات التي يطمحون إليها، والأصول والقواعد والنظم والأحكام التي يديرون وفقها شئون هذه الدولة الجديدة! طبيعة الخلافة وأحكامها: لقد حدد الخطاب النبوي بكل تفصيل معالم الخلافة، وأسسها، وشروطها، وأحكامها، وكيفية اختيار الخليفة، وصلاحياته، ورقابة الأمة عليه، في أحاديث كثيرة متواترة في موضوعها تواترا معنويا ، جعلت (1) الإسراء 8. (2) إبراهيم1-2.

عدد الصفحات ٦١

62 الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ يحسمون موضوع الاختيار لخليفته في أول يوم توفي فيه ﷺ على نحو غير مسبوق، مما يؤك د مدى وضوح موضوع الخلافة عندهم ، وقد وردت أحاديث كثيرة ورد فيها مصطلح الخليفة، والإمام، ومن ذلك: الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعا: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبي اء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا : فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم).(1) وفي رواية: (وإنه ليس كائن بعدي نبي. قالوا : وما يكون يا رسول الله؟ قال: يكون خلفاء فيكثروا. قالوا كيف نصنع؟ قال: أوفوا بيعة الأول فالأول، أدوا الذي عليكم، فسيسألهم الله عن الذي عليهم).(2) وفي هذا الحديث الصحيح بيان لطبيعة الحكم بعد وفاة النبي ﷺ، وأن الحكم سيكون خلافة ، يليه الخلفاء، وأن مهمتهم هي سياسة الأمة والدولة بعد النبي ﷺ. ومصطلح الخلافة من المصطلحات الإسلامية التي لم يعرفها العرب في جاهليتهم، وإنما كانوا يعرفون لفظ الملك، والأمير، أما الخلافة والخليفة، فهي ألفاظ شرعية قرآنية ونبوية، كما قال تعالى: ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾.(3) وهذا استخلاف عام للجنس والنوع الإنسا، في استعمار الأرض. وقال سبحانه: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾.(4) (1) مسلم في صحيحه ح1942. (2) ابن ماجه ح 2911. (3) البقرة30. (4) النور11.

عدد الصفحات ٦٢

63 وهذا استخلاف خاص للمجتمع الإيماني ليقيم حكم الله والقسط الذي أنزله في كتابه، ونزله على رسوله، وقال تعالى عن داود: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾.(1) فالغاية من الخلافة كنظام سياسي هو إقامة الحق والحكم بالعدل، قال الإمام السرخسي في المبسوط: (اعلم بأن القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى ، وهو من أشرف العبادات لأجله أثبت الله تعالى لآدم عليه السلام اسم الخلافة فقال جل جلاله: ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾، وأثبت ذلك لداود عليه السلام فقال عز وجل: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾، وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى : ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾، وقال الله تعالى: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾، وهذا لأن في القضاء بالحق إظهار العدل ، وبالعدل قامت السموات والأرض، ورفع الظلم، وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإيصال الحق إلى المستحق، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ولأجله بعث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، وبه اشتغل الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم) ا ه. فقد حدد السرخسي مقصود الاستخلاف في الأرض، وغايتها العمل فيها بحكم الله، والقضاء بين العباد بشريعته بالعدل. والمقصود من استخلاف المؤمنين أن تبقى حجة الله قائمة على الخلق أجمعين، فقد كان النبي ﷺ الرسول الخاتم للرسالة السماوية، فاقتضى استخلاف أمته من بعده لتدعو إلى رسالة السماء وهداياتها إلى قيام الساعة، لئلا يكون للناس على الله حجة، كما قال تعالى: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾. (2) وقال ابن خلدون في مقدمته: (1) سورة ص21. (2) سورة البقرة143.

عدد الصفحات ٦٣

64 (الفصل الخامس والعشرون: في معنى الخلافة والإمامة: لما كانت حقيقة الملك أنه للاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية ، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته، ويختلف في ذلك باختلاف المقاصد من الخلف والسلف منهم، فيتعسر طاعته لذلك، وتجيء العصبية المفضية إلى الهرج والقتل ، فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروض ة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها، كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولم يتم استيلاؤها ﴿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾، فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة و بصرائها كانت سياسة عقلية ، وإذا كان ت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء والله يقول: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾، فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾، فجاءت الشرائع بح ملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة، حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين، ليكون الكل محوطا بنظر الشارع فما كان منه بمقتضى القهر والتغلب والقوة العصبية فجور وعدوان ومذموم عنده، كما هو مقتضى الحكمة السياسية، وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضا لأنه نظر بغير نور الله ﴿ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾، لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم ، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره، قال صلى الله عليه و سلم: (إنما هي أعمالكم ترد عليكم)، وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم ، وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء، فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع

عدد الصفحات ٦٤