33 لقد كان العرب الأقوياء يتناصفون إذا تظالموا بشن الغارات، وأخذ الثارات، غير أن الأمم الأخرى كانت تحت عسف الطغاة، وجبروتهم، وظلمهم، فبعث الله للخلق كافة نبي الإنسانية والرحـمة، كما قال تعالى ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾ (1)،وجعل إقامة العدل هو الغاية من إرساله ﷺ، وإرسال الرسل من قبله، والغاية من إنزال الكتب معهم ، كما قال تعالى : ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾.(2) فأرسل الله عز وجل رسولهﷺ بالكتاب والميزان ، رحمة للعالمين، ليقوم الناس بالعدل والقسط، بل لقد جعل الله الغاية من خلق الخلق تحقيق العدل، كما قال تعالى: ﴿ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾...﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾(3)،فهذه سورة مكية، افتتحها الله باسمه (الرحمن)، وذكر الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، ومن أجلها رفع السماء، وهي أن يتحقق العدل والقسط، ثم دعا عباده إلى إقامة العدل والقسط فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده، وإقامة القسط فيما بينهم بالتناصف وعدم التظالم، وقد جاء القرآ ن المكي بالدعوة إلى توحيد الله وعدم الإشراك به وهو من الظلم بل أشد أنواعه ، كما دعا إلى إقامة العدل، وإنصاف المظلوم، ونصر الضعيف، والرحمة بالخلق، بل لقد قدم القرآن المكي الدعوة إلى القسط على توحيد الله كما في قوله تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ﴾.(4) ومما يؤكد أن القسط والعدل مقدمان على ما سواهما هو إقرار الإسلام وقبوله في دولته وسلطانه بقاء أهل الأديان الأخرى على أديانهم وعدم إكراههم على تركها، إذ المقصود إقامة العدل والقسط فيهم، كما قال تعالى على لسان رسوله ﷺ ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ﴾(1)،لكونه مبعوثا رحمة للعالمين كلهم مؤمنهم وكافرهم، والرحمة بالكافر تتمثل في عدم إكراهه على الإيمان، وفي العدل والقسط معه، وعدم ظلمه، والرأفة والرفق (1) الأنبياء101 . (2) الحديد21 . (3 )الرحمن1-8 . (4) الأعراف28 . (1) الشورى11 .
عدد الصفحات ٣٣34 به، والإحسان إليه، للأخوة الإنسانية التي تجمع بين الإنسانية كلها، ولهذا جاء في الحديث أنه قيل له: ادع على المشركين يا رسول الله! فقال: (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة)(1)،وقال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل) (2 )،وقال أيضا : (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).(3) بل لقد تجاوزت دعوته رحمة الإنسان إلى رحمة الحيوان ، كما في الحديث: (دخلت امرأة النار في هرة، حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض).(4) وقالﷺ: (وجد رجل كلبا يلهث من شدة العطش، فنزل بئرا وملأ خفه ماء ، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له)، فقالوا : يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: (في كل كبد رطبة أجر).(1) وكان في سفر ومعه أصحابه فوجدوا حمرة معها فرخان، فأخذوهما، فجعلت الحمرة ترفرف بجناحيها فقال لأصحابه (من فجع هذه بوليدها ردوا ولدها إليها).(1) فكانﷺ رحمة مهداة إلى العالمين من إنسان وحيوان. نهي الإسلام عن الظلم بكل أشكاله: ولقد نعى القرآن على المشركين ما هم فيه من ظلم وتظالم ، حيث كان الظلم فاشيا فيهم بكل صوره وأشكاله، فمن ذلك: (1) صحيح مسلم ح2188 . (2) صحيح مسلم ح2318 . (3) أبو داود ح4841 بإسناد صحيح. (4) صحيح البخاري ح141 ، ومسلم ح2242 واللفظ له (1) صحيح البخاري ح2313. (1) رواه أبو داود ح1219 .
عدد الصفحات ٣٤35 1ـ الظلم الاقتصادي: الذي كان يمارسه الأغنياء في معاملاتهم التجارية في البيع والشراء ، وأكثر ضحاياه الفقراء والضعفاء، كما في قوله تعالى: ﴿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾.(1) لقد كانت هذه الدعوة أصل عظيم في خطاب شعيب لقومه ، بل القضية الرئيسة فيه بعد الدعوة إلى التوحيد، كما في قوله تعالى عنه: ﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾.(2) وقال أيضا : ﴿ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾.(3) وقد رد قومه عليه بسخرية : ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾. (4) أي هل دينك وعبادتك لربك يفرضان علينا أن نك عبادة الأوثان، وألا نفعل في أموالنا من نشاء، من بيع وشراء ، وتطفيف للميزان، وظلم للضعفاء والفقراء؟ لقد أدرك قوم شعيب أن دين شعيب لا يقبل الفصل بين الشرك والظلم، فكلاهما اعتداء، ذاك على حق الله، وهذا على حق العباد، وإنما جاء الرسل بالعدل والقسط، والرحمة بالخلق، ومازال هذا الظلم - الذي حاربه رسل الله جميعا موسى، وشعيب، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم جميعا - هو أحد أسباب شقاء المجتمعات الإنسانية إلى اليوم، حيث يموت الملايين جوعا ومرضا وفقرا ، بسبب الظلم الاقتصادي، والربا، والغش، وأكل الأقوياء والأغنياء أقوات الضعفاء والفقراء، ويشترك في هذه الجريمة بحق الإنسانية حتى (1) المطفف1-1 . (2) هود94-91 . (3) الشعراء191-193 . (4) هود91 .
عدد الصفحات ٣٥36 رجال الدين ، كما قال تعالى : ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾.(1) وقال تعالى في شأن اليهود وأنه عاقبهم بسبب ظلمهم: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾.(2) 2ـ الظلم الاجتماعي: بكل صوره وأشكاله، كظلم اليتيم، وظلم المرأة، وظلم الفقير، وظلم الضعيف، كما في قوله تعالى: ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾.(3) وقال تعا : ﴿ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾(4)، وقال تعالى: ﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾.(1) وحث على الصدقة على الفقراء والمساكين، وجعل ذلك سبيلا إلى دخول الجنة، كما جعل حرمانهم وعدم مد يد العون لهم سبيلا وسببا لدخول النار، فقال سبحانه: ﴿ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾... ﴿ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ﴾.(1) (1) التوبة34 . (2) النساء111 . (3) الفجر11-20 . (4) الماعون1-1 . (1) الضحى8-10 . (1) الليل1-19 .
عدد الصفحات ٣٦37 وقال ت عالى: ﴿ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ﴾.(1) فوعد من آمنوا به ، وتواصوا بالرحمة بالخلق ، وبالصدقة على المحتاجين، بأنهم سيجتازون عقبة ج هنم، وسيدخلون الجنة. وقال تعالى عن دخول المشركين النار وتحاججهم فيها بأن سببه تركهم للصلاة، التي هي حق الله على عباده، وتركهم الصدقة على الفقراء، التي هي حق الإنسان على أخيه الإنسان، وإن لم يكن على دينه، إذ الرحمة تشمل الجميع، قال: ﴿ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ﴾.(2) فجعل جريمة عدم إطعام الفق ، كجريمة ترك عبادة الله عز وجل ، وجعل ال قتال في سبيل الضعفاء والمظلومين، كالقتال في سبيل الله ونصرة الدين، كما قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾.(3) لقد دعا القرآن إلى كل ما سبق ذكره في العهد المكي ، وفي الخطاب المكي ، فالرحمة باليتيم، والضعيف، والعطف على المساكين، والمحتاجين، والإنفاق عليهم، من القضايا الرئيسة في مكة، مع أن الخطاب موجه للمشركين، ومع أن تلك الفئات المحرومة أيضا من المشركين ، إلا أن الدعوة إلى توحيد الله عز وجل ، تزامنت وارتبطت بالدعوة إلى الرحمة بالخلق، وإقامة العدل والقسط بينهم، وهو الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. كما قال تعالى في شأن ظلم المرأة ووأد بعض أهل الجاهلية بناتهم ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾.(4) (1) البلد11-11 . (2) المدثر42-44 . (3) النساء11 . (4) التكوير9-8 .
عدد الصفحات ٣٧38 وقد كان العرب في جاهليتهم يحتقرون المرأة، كما قال عمر بن الخطاب: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا ، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم).(1) وقال تعالى في شأن الأسير، وأن الرحمة به، وإطعامه، سبب لدخول الجنة ﴿ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾.(2) ففي هذه السور- وعامتها سور مكية إلا سورة الإنسان فهي مدنية - نعي شديد على المشركين من أهل مكة ما هم فيه من ظلم اجتماعي، صار ضحيته الأيتام، والمساكين، والضعفاء، والنساء، بسبب الرأسمالية الجشعة، وعبادة المال ، التي لا يهمها إلا جمعه ، وعبادته، وحبه حبا جما ، وإن كان على حساب المساكين والمستضعفين. 3ـ الظلم الطبقي: فقد جاء القرآن ليحطم القيم الجاهلية الظالمة التي تفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس طبقي، فحذر الله النبي ﷺ من الانصراف عن الضعفاء ، والمستضعفين، لأجل كسب رضا الملأ المستكبرين، فقال: ﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ﴾.(3) ودعاه إلى الصبر معهم فقال : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾. (4) وقد كان سبب نزول هذه الآية ـ كما في صحيح مسلم ـ أن أشراف قريش طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم مجلسا خاصا بهم، وأن لا يحضر معهم الضعفاء، كبلال الحبشي، وخباب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، (1) رواه البخاري في صحيحه ح4813 . (2) الإنسان 9-8 . (3) الأنعام12-13 . (4) الكهف29 .
عدد الصفحات ٣٨39 وصهيب الرومي، حتى لا يجترأ هؤلاء الضعفاء على الملأ ، وحتى يتسنى للأشراف والسادة أن يستم عوا لدعوته، إذا أقصى الضعفاء عنه، فحذره سبحانه من قبول طلبهم، وأمره أن يلزم الجلوس معهم، وأن لا يمد عينيه إلى مجالس أهل الشرف والثروة، ما داموا على جاهليتهم ، واستكبارهم، وطغيانهم، ليهدم بذلك كل قيم الجاهلية الزائفة الخاطئة، كما حذره الله من أن الانصراف عن دعوة ابن أم مكتوم الأعمى الضعيف ، ولو من أجل دعوة الوليد بن المغيرة السيد الشريف، فقال في شأنهما ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾.(1) وقد قال قوم نوح له كما قال الملأ من قريش للنبيﷺ: ﴿ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾(2 )،﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾(3 )،فرد نوح عليهم : ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ .... ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾.(4) وقد ضرب الله المثل في فرعون وطغيانه الطبقي، كما في قوله تعالى في شأن فرعون وظلمه لبني إسرائيل ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾.(1) (1) عبس1-1 . (2) الشعراء111-114 . (3) هود21. (4) هود28-31 . (1) القصص4-1 .
عدد الصفحات ٣٩41 لقد كانت هذه الدعوة إلى إقامة القسط وتحقيق العدل والمساواة والرحمة بالخلق، قضية رئيسة في الخطاب القرآني في العهد المكي ثم المدني. لقد دعا القرآن إلى العدل والقسط حتى مع الأعداء ، وجعل العدل معهم واجبا ودينا وإيمانا، وحرم الظلم مطلقا، كما قال على لسان النبي ﷺ وهو في مكة ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾(1)،وقال أيضا في وجوب العدل مع العدو ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾(2)،وقال تعالى: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾.(3) وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل وهي هذه الآية. ولم يقتصر القرآن على الدعوة إلى العدل والقسط مع غير المسلمين وإنما دعا إلى البر بهم والإحسان إليهم ، كحق للإنسان على أخيه الإنسان، وإن اختلفت الأديان، كما قال تعالى: ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾.(4) وأمر بالحكم بالعدل بينهم فقال: ﴿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾.(1) لقد كان تحقيق العدل والقسط هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكما قال ابن القيم: (فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين).(1) (1) الشورى11 . (2) المائدة1 . (3) النحل80 . (4) الممتحنة9 . (1) المائدة42 . (1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص14.
عدد الصفحات ٤٠41 لقد كان الإسلام بهذه المبادئ السماوية ثورة على كل الأوضاع الاجتماعية ، والسياسية، والاقتصادية، والدينية، التي كان عليها العرب، والأمم الأخرى في الجاهلية، والتي كانت ظلما وجورا، فجاء النبي ﷺ بهداية السماء، ليقيم لهم على أنقاضها مجتمع الرحمة والإنسانية، والعدل والحرية، ويحقق المساواة بينهم في كل شئون الحياة، إذ هذه هي الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾(1)، وقال: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾.(2) الأصل الخامس: الأخوة الإيمانية والسلطة الشورية: لقد بشر القرآن في العهد المكي بقرب قيام المجتمع الإنساني الإيماني ، كما في قوله تعالى في سورة الشورى وهي مكية : ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾.(3) لقد نزلت هذه ايات في مكة قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة النبوية، وهي تتحدث عن أبرز صفات المجتمع الإسلامي الجديد الذي سيقوم على أنقاض المجتمع المكي الجاهلي الذي يقوم على ظلم الناس، والبغي في الأرض بغير الحق بالعدوان على الضعفاء ، والفقراء ، والعبيد، والنساء، ويقوم على الطبقية البغيضة حيث كانت الشورى في مكة مقصورة على الملأ والأشراف من قريش ، فكانوا يتشاورون في (دار الندوة)، ولم يكن للضعفاء، والموالي، والنساء، حق في تلك الشورى الجاهلية، فجاء قوله تعالى: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾؛ لتبشر الآية، بل وسورة الشورى كلها، بقرب (1) الأعراف28 . (2) الحديد21 . (3) الشورى31- 43 .
عدد الصفحات ٤١42 قيام المجتمع الإنساني الإيماني الذي لا طبقية فيه، ولا جاهلية، بل يقوم على الأخوة، فأمر المؤمنين شورى بينهم لا فرق في ذلك بين حر وعبد، ورجل وامرأة، ولا وضيع وشريف، أو قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، أو كبير وصغير، بل كل من استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة فأمرهم ش ورى بينهم، فهي من أبرز خصائص المجتمع الإسلامي الذي كان يتشكل في مكة قبل أن تقوم له دولة في المدينة. لقد جاءت آية الشورى بصيغة الجملة الاسمية فـ ﴿ ﮅ﴾ مبتدأ، و﴿ﮟ ﮠ﴾ خبره، لتفيد الثبوت والاستقرار، وكأن هذه الصفة لا تنفك، ولا يتصور أن تنفك عن ممارسة المجتمع الإيماني لشئون حياته، فلا استبداد بالرأي، ولا استئثار بالسلطة، ولا أثرة بالثروة، ولا طبقية في المجتمع الجديد، وقد أضاف القرآن الأمر للمؤمنين إضافة اختصاص واستحقاق فقال: ﴿ ﮅ﴾، ليؤكد أن الأمر للمؤمنين جميعا لا لغيرهم، من الملوك والطغاة، ولا لفئة خاصة منهم، بل هم فيه جميعا شركاء على حد سواء، فلا خاتص به فئة، ولا طائفة، ولا قبيلة، ولا أسرة، ولا حزب، ولا قومية. كما أن هذه الإضافة أفادت العموم كما هو معلوم في علم البيان وأصول الفقه فقوله: ﴿ ﮞ ﴾، يشمل كل أمورهم، ويدخل في الأمر دخولا أوليا الإمارة والخلافة، فهي رأس الأمر كله، والعرب تطلق كلمة (أمر) وتقصد السلطة والرئاسة ، فيقولون(تقلد أمرهم) ، أي رئاستهم ، وزعامتهم، وإمارتهم، ومنه قو ل الشاعر الجاهلي لقيط الإيادي في قصيدته لقومه حيث يقول: وقلدوا أمـركم لله دركـمُ *** رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا وكما في قوله تعالى: ﴿ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ﴾، فالمقصود بأولي الأمر هنا الأمراء الذين تجب طاعتهم في طاعة الله ورسوله، وسيأي تفصيل القول فيه في الأصول العملية. والمقصود هو أن الأخوة الإيمانية أخص من الأخوة الإنسانية، فالعلاقة في المجتمع الإسلامي تقوم بين أفراده على أساس الأخوة، التي تقتضي المساواة التامة بين كل أفراده، بالإضافة إلى ما تقتضيه الأخوة من تعاطف، وتراحم ، وتعاضد، كما قال تعالى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ﴾(1)،وكما في الحديث الصحيح: (المسلم (1) الحجرات10 .
عدد الصفحات ٤٢43 أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)(1)،وكما في الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (2 )،وكما في قوله : (المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم)(3)،وكما قال في شأن النساء المؤمنات: ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾(4)،وفي الحديث (إنما النساء شقائق الرجال).(1) وهذه الأخوة التي تقتضي المساواة تقتضي أيضا ألا يستبد أحد بأمر أحد، ولا يستأثر أحد بشيء دون أحد، إلا بالحق والعدل والقسط، إذ لا فرق بين آحاد المؤمنين، ولا تمايز بينهم، ولا تفاضل إلا بالعمل الصالح. وكل هذه المعاني والقيم لم تسمع بها الأمم من قبل حتى جاء بها الإسلام، وظهر على كل الأديان بهذه القيم الإنسانية السماوية. لقد كان أول عمل قام به النبي ﷺ حين دخل المدينة بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ليؤكد طبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع الجديد، وأنها قائمة على مبدأ الأخوة، فلا أشراف وسوقة ، ولا أحرار وعبيد ، ولا أقوياء وضعفاء، ولا طبقية، ولا فئوية، ولا طائفية، ولا عصبية، بل الجميع في الأخوة والدين سواء، يصلون جميعا، ويتشاورون جميعا، ويجاهدون في سبيل الله جميعا، وبهذا الأصل العظيم، الذي تحقق بين المؤمنين في مكة قبل هجرتهم للمدينة وإقامة الدولة فيها ، حيث تساوى حمزة الهاشمي ، وعمر القرشي، مع صهيب الرومي، وبلال الحبشي، واستطاع المسلمون أن يقيموا أول دولة ، وأول مجتمع إنساني عرفهما العالم، تحققت فيهما الأخوة الإنسانية، والأخوة الإيمانية بين جميع أفراده ، وما ترتب على ذلك من أحكام وتشريعات ألغت كل الفوارق التي كانت ترسخها النظم الجاهلية للتميز بين الناس بالعرق ، أو الجنس، أو اللون، أو الطبقة، حتى قال النبي ﷺ لأبي بكر في شأن سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال (1) رواه مسلم في صحيحه ح2114. (2) رواه البخاري ح13، ومسلم ح41 . (3) رواه أبوداود ح4130، والنسائي ح4139 . (4) التوبة11 . (1) رواه أبوداود ح231، والترمذي ح113، بإسناد حسن
عدد الصفحات ٤٣44 الحبشي حين أغلظوا القول لأبي سفيان بعد فتح مكة، فنهاهم أبو بكر، فقال له النبي ﷺ: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك!).(1) وحتى قالﷺ عن سلمان الفارسي: (سلمان منا آل البيت)(2)،وحتى قال عمر: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالا).(3) فصار بلال الحبشي الذي كان عبدا يضرب بالسياط في الجاهلية بمكة، سيدا للمؤمنين في دولة الإسلام والإنسانية، ومجتمع المساواة والحرية. وفي الحديث: (كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر).(4) وكل ذلك يعد ثورة وانقلابا في قيم المجتمع العربي وتحولا جذريا لا مثيل له في التاريخ الإنساني في مجتمع كان من أكثر المجتمعات طبقية وعنجهية وتمايزا بين فئاته وأفراده بحسب الشرف والنسب والأصل والمكانة! (1) رواه مسلم في صحيحه ح 2104 . (2) رواه الطبراني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد1/130(فيه كثير بن عبدالله المزني ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه (3) رواه البخاري ح3114 . (4) رواه البخاري ح1111.
عدد الصفحات ٤٤45 الفصل الثاني: أصول الخطاب السياسي النبوي: إذا كانت الأصول التي سبق ذكرها في الفصل الأول - وهي توحيد الله، وتكريم الإنسان، وتحرير الخلق من كل صور العبود ية لغير الله ، وإيجاب العدل والقسط، وتحقيق الأخوة الإيمانية التي تقتضي الم ساواة، وتقرير الشورى التي تنافي الطغيان - هي أبرز أصول الخطاب السياسي القرآني ، التي عالجت مشكلات الإنسان، والمجتمع، والدولة، حيث عالجت المشكلات الرئيسة التي يواجهها أي خطاب سياسي وهي : 1- طبيعة السلطة في المجتمع، ومن له الحق في الملك، والسيادة، والحكم، والطاعة. 2- وحقيقة الإنسان وهويته ، وأصله، والعلاقة التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان ، في حال الاجتماع السياسي. 3- وحقوق الإنسان التي تثبت له في المجتمع، وتتجلى فيها حريته الإنسانية. 4- والقيم الإنسانية التي يجب أن تسود المجتمع، ومفاهيم العدل، والمساواة، وكيفية تحقيقها على أرض الواقع في الدولة العادلة الراشدة. وإذا كان الخطاب القرآني قد أكد كل تلك الأصول، فإن الخطاب النبوي قد تضمن أصولا لا تقل أهمية في بيان طبيعة النظام السياسي الإسلامي، وهي بيان لأصول الخطاب القرآني، وتفصيل لها بشكل عملي تطبيقي، ومن تلك الأصول:
عدد الصفحات ٤٥46 الأصل الأول: ضرورة الدولة ووجوب لجماعة: وقد تجلى هذا الأصل بقوله ﷺ لعمه وهو في مكة (أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم الجزية العجم)، فقالوا : وما هي؟ قال (قولوا لا إله إلا الله).(1) أي لا معبود ولا مطاع ولا حاكم يحكم بينكم إلا الله وحده! لقد كان النبي ﷺ يريد منهم أكثر من ترك عبادة الأوثان ، فقد كان يطلب أيضا الطاعة المطلقة لله ولرسوله، وهو المقصود من كلمة لا إله إلا الله، وهي حقيقة الرسالة، كما قال تعالى: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾.(2) وهذا ما أدركه عتبة بن ربيعة حين أرسلته قريش ليعرض على النبيﷺ المال والسيادة مقابل الكف عن دعوته، فقرأ عليه سورة فصلت فرجع عتبة لقريش بغير الوجه الذي ذهب به وقال لهم : (يا معشر قريش خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به).(3) لقد علم عتبة بن ربيعة مضمون الرسالة وأنها ستؤول إلى سلطة وطاعة وملك ودولة تحكم العرب كلهم! وهذا معنى الدين الذي أمرهم القرآن بإقامته وعدم التفرق فيه، كما قال تعالى في سورة الشورى ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾. التلازم بين الدين والسلطة والسياسة: ودلالة لفظ الدين على ضرورة الدولة والسلطة هي دلالة لفظية لغوية قبل أن تكون ضرورة شرعية وعقلية، فالدين في لغة العرب له معان عدة لا خارج عما يلي: (1) أحمد في المسند ح2011، والترمذي ح3232 وقال: (حسن صحيح). (2 )النساء14 . (3) المغازي والسير لمحمد بن إسحاق بتهذيب ابن هشام2/131.
عدد الصفحات ٤٦47 أو: الدين بمعنى السلطة: كما في قوله تعالى في قصة يوسف ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾(1)،أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في سلطان الملك ودولته، فقد روى ابن جرير في تفسر هذه الآية عن ابن عباس والضحاك قالا (دين الملك: سلطان الملك)، وقال قتادة وابن زيد والسدي (دين الملك: حكمه وقضاؤه)، قال ابن جرير (وهذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها في معنى﴿ ﮩ ﮪ﴾، فمتقاربة المعاني، لأن من أخذه في سلطان الملك، عامله بعمله، فبرضاه أخذه إذا لا بغيره، وذلك منه حكم عليه، وحكمه عليه قضاؤه، وأصل الدين الطاعة). ثانيا: الدين بمعنى الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾(2)،أي لا إكراه في الطاعة، كما قال ابن جرير آنفا (وأصل الدين الطاعة). ثالثا: الدين بمعنى الحساب والجزاء : ومنه قوله تعالى : ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾، أي مالك يوم الجزاء والحساب. وقد جاء في لسان العرب في معنى الدين: (الديان اسم من أسماء الله معناه الحكم والقاضي من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، ومنه حديث (أريد من قريش كلمة تدين بها لهم العرب)، أي تطيعهم وخاضع لهم. ويوم الدين: يوم الجزاء، ودانه دينا أي جازاه، والدين الحساب. والدين: الطاعة، وقد دنته ودنت له أطعته، قال عمرو بن كلثوم: وأيام لنا غــر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا والدين لله: إنما هو الطاعة والتعبد له. ودانه دينا أي أذله واستعبده. (1) يوسف11. (2) البقرة211.
عدد الصفحات ٤٧48 ودنته أدينه دينا: سسته وملكته. ودينته القوم: وليته سياستهم. والدين: السلطان والطاعة، وفي حديث الخوارج (يمرقون من الدين) قال الخطابي: أراد بالدين الطاعة، أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض طاعته وينسلخون منها) انتهى من لسان العرب. وفي لسان العرب أيضا: (وحَيٌّ لَقاحٌ لم يدِينُوا للملوك ، ولم يُمْلَكُوا ، ولم يُصِبهم في الجاهلية سِباءٌ ، أَنشد ابن الأَعرابي: لَعَمْرُ أَبيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي لَنِعْمَ الحَيُّ في الجُلىَ رِيــاحُ أَبَوْا دِينَ المُلُوكِ فهم لَقاحٌ إِ ذا هِيجُوا إِلى حَرْب أَشاحوا ). فقول الشاعر هنا (أبوا دين الملوك)، أي رفضوا طاعتهم والدخول تحت سلطتهم وسلطانهم. وقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾: (ولا يطيعون الله طاعة الحق، يعني أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام، وكل مطيع ملكا وذا سلطان فهو دائن له يقال منه: (دان فلان لفلان فهو يدين له دينا)، وقال زهير: لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك)انتهى. فهذه المعاني لكلمة الدين في لغة العرب وفي استعمال القرآن تدور حول الطاع ة والسلطة والملك والحكم والقضاء والسياسة والجزاء ! وكل هذا المعاني متلازمة فيما بينها ، فإن الملك يقتضي السلطة ، والسلطة تقتضي السياسة وإدارة شئون الملك، وتقتضي الحكم والقضاء بين الناس في شئونهم وقضاياهم ، وهذه تقتضي الطاعة وتنفيذ أح كام السلطة، والطاعة تقتضي الحساب عند ترك الطاعة، والحساب يقتضي الجزاء والعقوبة ، فكلها تدور حول معان واحدة مما يؤكد طبيعة هذا الدين وهو الإسلام والاستسلام لطاعة الله وحكمه وقضائه، لا للملوك والرؤساء والطغاة، وأنه لا يمكن فصل الدين لغة وشرعا عن السلطة والحكم والسياسة والقضاء، وكما في
عدد الصفحات ٤٨