17 صيانة النﷺ جناب التوحيد وهدمه سنن ملوك الأرض: ولقد بلغ من شدة رعاية النبي ﷺ وصيانته جناب التوحيد لله في الملك، وشدة حفظه لهذا الأصل، أن هدم كل سنن ملوك الأرض وأبطلها، وخالف عادات الأكاسرة والقياصرة وعطلها، ومن ذلك: أولا: نهى ﷺ عن القيام على رأس من كان جالسا، فقد صلى بأصحابه وهو جالس بعد أن سقط عن فرسه ﷺ، فالتفت إليهم فرآهم قياما وراءه، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فصلوا خلفه جلوسا ، ثم قال: (إن كدتم آنفا لتفعلن فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا).(1) ثانيا: حرم الأكل والشرب بآنية الذهب والفضة، ولبس الحرير والذهب للرجال، والجلوس على جلود النمور والسباع ، وكل ما كان من عادات ملوك فارس والروم ، ففي صحيح مسلم أن حذيفة بن اليمان استسقى وهو في المدائن بعد فتحها، فجاءه دهقان مجوسي بشراب في إناء من فضة ، فقال حذيفة (إني أخبركم إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فإن رسول الله ﷺ قال: لا تشربوا في إناء الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافها، ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة يوم القيامة).(2) وفي حديث أم سلمة أن النبيﷺ، قال: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم).(3) (1) رواه البخاري ح199و198، ومسلم ح829 واللفظ له (2) رواه البخاري ح1421 ، ومسلم ح2011 . (3) رواه البخاري ح1134، ومسلم ح2011 .
عدد الصفحات ١٧18 ثالثا: كما نهى عن جر الثوب خيلاء كما يفعل الملوك والرؤساء في الجاهلية، فقال ﷺ: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء) (1)،وقال أيضا (بينما رجل يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به في الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).(2) رابعا: ونهى عن المبالغة في المدح والإطراء، كما يفعل الناس مع الملوك والرؤساء، وقد جاءه وفد بني عامر، فقالوا ل ه: أنت سيدنا ، فقال: (السيد الله) ، فقالوا : وأفضلنا فضلا ، وأعظمنا طولا ، فقال: (قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان).(3) خامسا: وكان يكره أن يقوم له أصحابه، وينهاهم عن ذلك، وينهى الرجل أن يقوم للرجل من مكانه تعظيما له، كما هو شأن الناس مع الرؤساء والكبراء في الجاهلية، ففي الحديث عن أنس قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا ، لما يعلمون من كراهيته لذلك). (4) ودخل معاوية على ابن الزبير وابن صفوان، فقاما له، فقال اجلسا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار).(1) وخرج على أصحابه يوما متوكئا على عصاه فقاموا له فنهاهم وقال لهم (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا).(1) سادسا: وأمر بالتواضع ونهى عن التفاخر والتعاظم، كما كان عليه حال أهل الجاهلية، فقال ﷺ: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد).(1) (1) رواه البخاري ح1199، ومسلم ح 2091. (2) رواه البخاري ح1198، ومسلم ح2099 . (3) أبو داود في السنن ح4901، وإسناده صحيح (4) الترمذي ح2114، وقال: (حديث حسن صحيح). (1) رواه أبو داود ح1228، والترمذي ح2111، وقال: (حديث حسن ). (1) رواه أبو داود ح1230 . (1) رواه أبو داود في السنن ح4981 .
عدد الصفحات ١٨19 سابعا: وحرم السعي بالناس لذي السلطان ونقل الأخبار إليه، والوشاية بهم لديه، فقد سمع حذيفة بن اليمان أن رجلا يرفع الحديث عن الناس إلى عثمان، فقال حذيفة سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة قتات)(1)،وفي رواية (كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير، فكنا جلوسا في المسجد، فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير ، فقال حذيفة : (لا يدخل الجنة قتات) ، والقتات الذي ينقل أخبار الناس للسلطان ويتجسس عليهم. ونهى عن التجسس على الناس، كما هي عادة الملوك، فقال: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)، وفي رواية: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم).(2) ثامنا: وكان ﷺ يأكل جالسا، ويقول: (آكل كما يأكل العبد)، ودعا أصحابه على طعام، فكثروا، والتفوا عل القصعة، فجثا معهم على ركبتيه، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال ﷺ: (إن الله تعالى جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا)(3)،والجبار العنيد هو الملك الطاغية. تاسعا: وكان النبي ﷺ إذا مشى لم يطأ عقبه اثنان(4)،ولا يرضى أن يمشي خلفه أحد، كما يفعل الملوك. عاشرا : كما كان ﷺ ينفي عن نفسه صفة الملك، فقد أتى رجل النبي ﷺ، فكلمه الرجل، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: (هون عليك! فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد).(1) فأبطل النبي ﷺ بذلك كله سنن الأكاسرة ، وعادات القياصرة ، في لباسهم ، وأكلهم، وشربهم، ومجالسهم، ومخالطة الناس لهم ، ووقوفهم على رؤوسهم، ورغبة الناس إليهم ، ورهبتهم منهم ، وألقابهم وأسماءهم، وسياطهم وسجونهم، وجواسيسهم وعيونهم، وتفاخرهم وتكاثرهم، وكل سننهم وطرائقهم، (1) صحيح البخاري ح1011، ومسلم ح 101. (2) رواه أبو داود في السنن ح4999 . (3) رواه أبو داود في السنن ح3113 . (4) رواه أبو داود ح3111 . (1) رواه ابن ماجه ح رقم3312 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع
عدد الصفحات ١٩21 إذ إنما بعثه الله ليحرر الخلق من عبودية كل ما سوى ا، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد. حقيقة توحيد الله في الحكم واجتناب الطاغوت: وقرر القرآن هذا الأصل الع ظيم من أصول الدين من خلال ما يلي: 1- إثبات أن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم ، كما في الحديث الصحيح قال النبي ﷺ لرجل كنيته أبو الحكم: (إن الله هو الحَكم وإليه الحُكم)(1)،فنفى عمن تكنى بأبي الحكم هذا الاسم وأثبته لله وحده، وأن الحكم لله وحده كما قال تعالى: ﴿ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾(2)،وقال سبحانه: ﴿ ﮃ ﮄ ﮅ﴾(3)،وقال أيضا: ﴿ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ (4)،وقال كذلك: ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ﴾. (1) وهذا أوضح بيان أن توحيد الله في الحاكمية أصل لتوحيده في العبادة، فمن لم يثبته فلا توحيد له، لقوله ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾، وإن هنا أداة نفي، أي ما الحكم إلا لله، والنفي ﴿ ﮮ﴾، مع الاستثناء ﴿ ﮰ﴾، من أقوى أدوات الحصر والقصر في اللغة، المفيدة لمعنى التوحيد والإفراد، وقد جاءت هذه الجملة اسمية لتفيد الثبوت والاستقرار على أنها حقيقة بدهية، ومقدمة ضرورية لما سيتبعها وهو ﴿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾، فجاءت هذه الجملة الثانية فعلية لما ت فيده من التجدد والحدوث ، بعد الاسمية التي تفيد الثبوت ولاستقرار ، لكون التشريع والتحليل والتحريم قد يختلف بين شريعة وأخرى، ولنبي عن آخر، كما يأي التشريع تباعا بحسب النوازل، وقد يدخله النسخ ، والتخصيص، وهو يقتضي التجدد ، بخلاف صفة الحاكمية لله ، واعتقاد أن الحكم له وحده، فهذا وصف مطلق، وحق له وحده، والأمر الوارد في الآية فرع من فروع الحكم، ونوع من (1) البخاري في الأدب المفرد ح911 ، وصحيح ابن حبان ح104. (2) الأنعام11. (3) الأنعام12. (4) يوسف 40. (1) الرعد41.
عدد الصفحات ٢٠21 أنواعه، إذ الحكم منه أمر ونهي وخايير وإباحة، ولا يُعرف توحيد الله في العبادة، إلا بأحكامه وتشريعاته، وأوامره ونواهيه، وهو ما يقتضي أن يكون توحيده في الحكم قبل توحيده في العبادة، إذ لا يُعرف الشرك من التوحيد إلا بالحكم، ولا تعرف العبادة من العادة إلا بالحكم، ولهذا جاز سجود إخوة يوسف له ولم يكن ذلك شركا آنذاك في شريعتهم، ثم أصبح السجود لغير الله شركا في شريعة محمد ﷺ، والأمر كله راجع إلى توحيد الله في الحكم والطاعة، والتسليم المطلق لحكمه، فما حكم بأنه شرك وجب اجتنابه، وما حكم بأنه من توحيده وجب التزامه، وما نسخه من الشرائع وجب اتباعه ، وهذا معنى الإسلام لله. وهذا الأصل من أوضح الواضحات، والأصول البينات في الإسلام، ولم يقع فيه خلاف بين الأصوليين، كما قال الغزالي في (المستصفى في علم الأصول): (وفي البحث عن الحاكم يتبين أنه لا حكم إلا لله، وأنه لا حكم للرسول، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله ووضعه). وقال الآمدي في (الأحكام): (الأصل الأول في الحاكم: اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به). وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام): (وتفرد الإله بالطاعة، وكذلك لا حكم إلا له). وحتى المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين ، إنما قصدوا قدرة العقل على معرفة حكم الله من حيث العموم، وقبل نزول الشرائع ، أما بعد نزول الشرع فلا يخالفون في هذا الأصل، وهو أن الله هو الحاكم لا شريك له، وأن العقل فقط كاشف عن حكم الله، ولا حكم له البتة. 2- كما قرر سبحانه وأخبر أنه لا شريك له في الحكم، وحذر من الإشراك به في الحكم ، فقال جل جلاله ﴿ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾(1 )،فهذا على سبيل الإخبار ، وفي قراءة سبعية ﴿ ﯴ ﭽ ﯶ ﯷ ﯸ﴾، وهذا على سبيل الأمر. (1) الكهف21.
عدد الصفحات ٢١22 3- كما عد سبحانه وتعالى طاعة غيره في التشريع والتحليل والتحريم شركا به ، فقال سبحانه في سورة الشورى وهي مكية ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾(1)،وهو استفهام استنكاري أن يكون هؤلاء الذين يشرعون لعباده من دونه دينا وطاعة لم يأذن الله بها شركاء له في ملكه وسلطانه وطاعته، وقال أيضا: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾.(2) وذلك أن قريشا قالت للنبيﷺ وأصحابه كيف تأكلون ما ذبحتم بأيديكم، ولا تأكلون ما ذبحه الله لكم وهي الميتة؟ فنزلت الآية لتقرر أن حق التشريع المطلق، والتحليل والتحريم، هو لله وحده، وأن طاعة غيره في هذا الباب شرك به ، وفاعله مشرك بالله ، وهذا كله في مكة قبل الهجرة ، مما يؤكد طبيعة الدعوة والخطاب في العهد المكي. 4- وحرم سبحانه التحاكم إلى غيره وعده طاغوتا، فقال: ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾(3)،وقال أيضا: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾(4 )،وقال سبحانه : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾(1 )،وقال أيضا : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ (1) الأنعام121. (2) الشورى21. (3) النساء10. (4) البقرة211. (1) النساء11 .
عدد الصفحات ٢٢23 ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾(1)،وقال جل جلاله: ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾.(2) فثبت بهذه الآيات أن غاية الرسل كلهم أن يعبد الخلق الله وحده، وأن يجتنبوا الطاغوت، ودل القرآن بأن الطاغوت في الآية يشمل كلا الطاغوتين: طاغوت العبادة كالأوثان، وطاغوت الحكم كالملوك، وأن لكل طاغوت أولياؤه ومن يقاتلون دونه! والطاغوت أصلها من طغى يطغى طغيا وطغيانا، فهو طاغ وطاغية وطاغوت، قال في لسان العرب: (طغى جاوز القدر وغلا في الكفر، وكل من تجاوز حده في العصيان فهو طاغ، ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ أي: بطغيانها، وقوله: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ﴾.. الطاغوت كل معبود من دون الله جبت وطاغوت ، والطاغوت الشيطان، والكاهن، وكل رأس في الضلال، ويكون للأصنام، ويكون من الجن والإنس، وقال ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف اليهوديان، قال الأزهري: وهذا ليس خارجا عما قال أهل اللغة، فإذا اتبعوا أمرهما ، فقد أطاعوهما من دون الله، والطواغي من طغى في الكفر وجاوز الحد وهم عظماؤهم وكبراؤهم ، والطاغية ملك الروم ، والجبار العنيد ، والظالم الذي لا يبالي ما أتى ، يأكل الناس ، ويقهرهم، لا يثنيه تحرج ولا فرق) انتهى. وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (الطاغوت كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء)أ هـ. وفي النظر في معنى الطاغوت في اللغة يظهر جليا أنه يطلق على ثلاثة معان رئيسة هي: 1- كل معبود من دون ا: من صنم، ووثن، وحجر، وشجر، وقبر، كما تدل عليه أية سورة الزمر ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾. (1) النحل31. (2) الزمر11.
عدد الصفحات ٢٣24 2- كل من يطاع من دون الله : من ك اهن، وعالم، وراهب، وملك، ورئيس، كما تدل عليه آية النساء ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾، فقد نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما نتحاكم إلى النبي ﷺ، وقال الآخر بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فنزلت الآية، وهي عامة كما قال ابن كثير في تفسيره، فكل من جعل من نفسه حكما، يحكم بين الناس بغير حكم الله، فهو طاغوت، وقد جعل الله مجرد إرادة التحاكم إلى غيره كفرا ، دع عنك التحاكم ذاته ، وفي قوله تعالى : ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ دلالة على أن من لا يريد التحاكم لغير الله ولا يرضاه، لا يدخل في الوعيد الوارد في الآية، حتى لو حوكم قهرا لغير حكم الله كما هو حال الأمة اليوم. 3- كل جبار ظا: يقهر الناس ويسيطر عليهم بالقوة، كقيصر الروم، وكسرى الفرس، ومن على شاكلتهما، فهو طاغية وطاغوت، كما تدل عليه آية النساء الثانية ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾، فقد دعا الله في هذه الآية المؤمنين إلى الجهاد في سبيله، والجهاد في سبيل المستضعفين من الرجال، والنساء، والولدان، الذين يتعرضون للظلم، والاضطهاد في مكة، على يد طواغيتها، كأبي جهل فرعون هذه الأمة، ومن هو على شاكلته. وقد دلت آية النحل على وروده في الأمرين جميعا في العبادة وفي التشريع، فقد احتج المشركون في مكة على النبي ﷺ بالجبر، وبالقدر الكوني، فقالوا لو شاء الله ما عبدنا نحن وآباؤنا هذه الأصنام والأوثان ، ولا أطعنا في التحريم والتحليل الرؤساء والكهان، فرد عليهم القرآن وكذبهم في دعواهم هذه، بأن كل الرسل إنما بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده ، وطاعته وحده، واجتناب الطاغوت كله، سواء طاغوت الدعاء والعبادة، أو طاغوت الحكم والطاعة، وهم قادرون على فعل هذا وهذا، فلم يأمرهم الله بالشرك به، ولا أجبرهم عليه، بل جعل لهم القدرة والإرادة والحرية في الاختيار، وأرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لبيان صراطه المستقيم ، وسبيله القويم، فلا حجة لهم بعد ذلك على الله. وقد أحال ابن جرير في تفسير: ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ على ما سبق في تفسير آية البقرة: ﴿ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ﴾(1)،حيث قال في تفسير الطاغوت (والصواب (1) البقرة211.
عدد الصفحات ٢٤25 من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منهن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء). فكل من بذل الطاعة مختارا -في غير طاعة الله- لملك أو رئيس أو عالم، أو تحاكم إليه دون حكم الله مختارا، فقد عبده واخاذه ندا وإلها من دون الله، وكل من أكره غيره على طاعته في غير طاعة الله فقد استعبده، وصار هو طاغوتا. إنه لا يتصور أن يقرر القرآن كل هذه الحقائق، ثم يقرر مشروعية وجود الملوك، ويسوغ سلطتهم على العباد، كيف وقد ثبت أن قيام الملك العضوض، والملك الجبري، ما هو إلا انحراف عن هدي النبوة والخلافة الراشدة - كما في الحديث: (ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون ملكا جبريا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) - ومخالفة لما جاء به الإسلام من أصول عقائدية وعملية، واتباع لسنن القياصرة والأكاسرة؟ لقد جاء الإسلام بالخلافة، والشورى، ليهدم الملك والاستبداد، والظلم والاستعباد، وليبطل سنن كسرى وقيصر، وليحرر الخلق كافة من عبوديتهم ، وعبادتهم، وطاعتهم، وجورهم وظلمهم ، وليقيم لهم دولة العدل والقسط، والعلم والحق، والمساواة والحرية، والرحمة والإنسانية. الأصل الثاني: توحيد الإنسانية وتكريم البشرية واستخلافهم في الأرض: وهذا هو الأصل الثاني من أصول الخطاب السياسي القرآني ، فبعد الدعوة لتوحيد الله وحده لا شريك له في كل ما يجب له، ثنى بالإنسان، وبينر حقيقة وجوده ، والغاية منها، ومكانته في الوجود، ومهمته، وعلاقته بالله، وبالأرض، وبمجتمعه، وبأخيه الإنسان، وقد جاء تقرير هذا الأصل، وتكرير تأكيده في آيات كثيرة، على أنحاء مختلفة، ومن ذلك:
عدد الصفحات ٢٥26 1- تأكيد القرآن أن جنس الإنسان خليفة لله في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾(1)، وفي هذا اختصاص للنوع الإنساني باستعمار الأرض وإصلاحها ، كما قال تعالى : ﴿ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾.(2) 2- وأثبت أن الإنسانية كلها من أصل واحد، ومن أب واحد وأم واحدة، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى، فقال تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾.(3) 3- وأكد أن المقصود من جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتآلفوا ، ويتعاونوا على البر والت قوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان ، فقال سبحانه: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾.(4) 4- كما أكد تكريم الله للإنسان ، فقال: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾.(1) 1- وأكد أنه لا فرق بين أمة وأمة، وجنس وجنس، ولون ولون، فلا فرق بين أبيض وأسود، ولا عربي وعجمي، ولا ذكر وأنثى ، إلا بالتقوى ، وأن الناس سواسية كأسنان المشط ، كما ثبت ذلك كله أيضا في الخطاب النبوي. 1- وقرر حرمة النفس البشرية وحرمة الاعتداء عليها، وأن من قتل نفسا واحدة كمن قتل الناس جميعا، ومن أحياها كمن أحيا الناس جميعا، فقال تعالى: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾.(1) (1) البقرة30. (2) هود11. (3) الأعراف198. (4) الحجرات13. (1) الإسراء 10. (1) المائدة32.
عدد الصفحات ٢٦27 1- ووعد الله عباده المؤمنين المصلحين باستخلاف الخاص في الأرض فقال سبحانه: ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾.(1) فأخبرت هذه الآية، وأكد هذا القول الصدق والوعد الحق، أن الاستخلاف الخاص هو للمؤمنين كافة، كما جاء الوعد بأن الأرض ستكون لهم، فقال سبحانه: ﴿ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾(2)،وجاء في الحديث الصحيح: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)(3)،فجعل الأرض التي دخلت الإسلام ملكا لأمته كلها. وكل هذه الحقائق القرآنية التي تؤكد استخلاف الله للإنسان في الأرض ، وتؤكد تكريم الله له، وأن الإنسانية كلها من أصل واحد، وأن الغاية من خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ، ويتعاونوا ويتآلفوا ، ويعمروا الأرض، كل ذلك جاء به الخطاب القرآني ليهدم القيم الجاهلية التي كانت وما زالت تقوم عليها المجتمعات البشرية، كالطبقية، والعصبية، والقومية، والعنصرية، واستعباد الأقوياء للضعفاء ، واستغلال الأغنياء للفقراء، واحتقار الرجال للنساء، إلى غير ذلك من المفاهيم الجاهلية التي يستعبد فيها الإنسان أخاه الإنسان، ظلما وعدوانا، بسبب الانحراف عما جاء به الأنبياء الذين دعوا الأمم إلى الأخوة الإنسانية والمساواة ، وإلى الرحمة والعدل والمواساة. الأصل الثالث: تحر ير الإنسانية من كل أشكال العبودية لغير الله: فلم يقتصر الخطاب القرآني على الدعوة إلى توحيد الله وحده لا شريك له ، واعتقاد وحدانيته فيما يجب له - كما بيناه في الأصل الأول الذي هو خاص فيما يجب لله - بل دعا أيضا إلى تحقيق الحرية الإنسانية، وتحرير الإنسان من كل صور العبودية لغير الله، وجعل ذلك غاية شرعية في حد ذاتها، بل جعل الحرية من أشرف مقاصد كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، فالعبودية إنما هي لله وحده، ثم الخلق بعد ذلك أحرار مع من سواه ، (1) النور 11. (2) الأنبياء101. (3) مسلم ح2998 ، وأبو داود ح4212.
عدد الصفحات ٢٧28 فالخضوع، والطاعة، والرغبة، والرهبة، والتذلل، كل ذلك لله وحده الذي له الخلق ، والملك، والأمر، والحكم، كما قال: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾(1)،وقد فسر النبي ﷺ معنى الربوبية هنا بطاعة الرؤساء والأحبار والرهبان والخضوع لهم، وجاء في الحديث (إنما السيد الله) ، فهو الذي له وحده السيادة المطلقة. فإذا كان السيد هو الله، وهو الملك، والرب، والحاكم ـ كما سبق بيانه في الأصل الأول ـ فليس للخلق على بعضهم سيادة، ولا طاعة، ولا حكم، ولا خضوع، ولا سلطة، إلا بإذن الله، بل حتى الرسل ليس لهم طاعة إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾، وهذا هو معنى الحرية الإنسانية، وقد تقرر في الشريعة قاعدة (الأصل في الإنسان الحرية)(2)،وأما الرق فهو طارئ يجب العمل على التخلص منه، إذ أكثر الأحكام الشرعية وأجلها وأشرفها منوطة بالحرية ، كالإمامة العامة ، والجهاد، والجمعة، والجماعة، والحج، والزكاة، فكلها يشترط في وجوبها الحرية، وتسقط في حال العبودية والاسترقاق، ولهذا أمر النبي ﷺ بتحرير رقيق العرب ، فقام عمر في خلافته سنة 11هـ بتحرير كل عربي تم استرقاقه الجاهلية، ودفع ثمن ذلك من بيت المال(3)،فكان العرب أول أمة في التاريخ الإنساني تتخلص من الرق بشكل نهائي، ومن جميع أشكاله وصوره، وتحققت فيهم الحرية بنوعيها: 1- الحرية المعنوية بالعبودية لله وحده لا شريك له، التي يشترك فيها الجميع الأحرار والرقيق. 2- والحرية الصورية بالتخلص من الرق كله بالنسبة للعرب، فلم يبق فيهم عبد ولا رقيق منذ عهد عمر. لقد جعل القرآن هذا التحرير المعنوي غاية التوحيد وأصل الدين كما في قوله تعالى: ﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ (1) آل عمران14 . (2) انظر قول ابن قدامة الحنبلي في الكا4/49 (الأصل الحرية والظاهر في الدار ـ أي دار الإسلام ـ الحرية)، وفي الشرح الكبير للمقد 8/490 (الأصل الحرية والرق طارئ (3) انظر ما سيأي .
عدد الصفحات ٢٨29 ﮂ﴾(1 )،وهذه الربوبية فسرها القرآن بالطاعة والخضوع لغير الله كما في قوله : ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾(2 )،ومعلوم أنهم لم يعبدوا أحبارهم ورهبانهم بالمعنى الع رفي للعبادة، وإنما أطاعوهم وخضعوا لسلطانهم الديني برضاهم واختيارهم دون إكراه ، فكان ذلك الخضوع الطوعي هو عبادتهم واخااذهم أربابا، وهكذا فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم عندما قال (يا رسول الله إننا لم نعبدهم)، فقال النبي ﷺ: (ألم يكن يحرمون عليكم الحلال ويحلون لكم الحرام فتطيعوهم؟)، قال بلى! فقال النبي ﷺ (فتلك عبادتهم).(3) قال ابن كثير في تفسير الآية: (قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير الآية: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا... ولهذا قال تعالى: ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ﴾، أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما أحله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ)ا.هـ. وإذا كانت العبودية تناقض الحرية، فالقرآن إذن إنما جاء لتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية للإنسان ، ومن كل صور العبودية لغير الله ، سواء العبودية للملوك والرؤساء ، أو السادة والعلماء ، أو الشهوات والأهوا ء، وذلك بإخلاص التوحيد -الذي يقتضي الحرية- لله وحده. وقد قالت أم مريم: ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾(4)،أي موحدا، ومخلصا لك في طاعته، وعبوديته، وتوحيده، وإنما أرادت أن تجعل المولود خادما لله وحده في المعبد، لا يخدم أحدا، ولا يشتغل بطاعة أحد، ولا يخضع لجلال أحد من البشر، بل يقصر طاعته لله وحده، فقالت: ﴿ ﮬ﴾، فجعلت التحرير نظير التوحيد، فالحرية هنا تعني التوحيد الخالص لله. (1) آل عمران14. (2) التوبة31 . (3) رواه الترمذي ح3081 وأحمد في المسند وابن جرير الطبري في تفسير الآية من طرق (4) آل عمران31 .
عدد الصفحات ٢٩31 ومما يرسخ مفهوم الحرية الإنسانية الذي جاء به القرآن قوله تعا: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ (1)،والدين هنا بمعنى الطاعة والخضوع، فلا إكراه في طاعة الله وعبادته في الإسلام، بل الطاعة قائمة على أساس الحرية لا الإكراه، وإذا كان الله جل جلاله لم يرض من عباده أن يطيعوه أو يعبدوه أو يوحدوه كرها، فكيف يسوغ للملوك والرؤساء أن يجبروا الناس على طاعتهم والخضوع لسلطانهم بالإكراه دون رضاهم؟ وكيف تأي الشريعة العملية بما يتناقض مع الأصول العقائدية؟! والعرب تطلق الدين وتريد به الطاعة كما في قول عمرو بن كلثوم: وأيـام لنـا غـر طــوال عصينا الملك فيها أن (ندينا) إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا وقال سعد بن ناشب المازني: فلا تـوعـدنا يا بـلال فـإننـا وإن نحن لم نشقق عصى (الدين) أحرار وعصى الدين هنا أي عصى الطاعة. فقوله تعالى: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ أي لا إكراه في الطاعة - كما قال ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ﴾ قال الدين هنا الطاعة (2) - وعدم الإكراه هو الحرية، ولهذا كانت حرية الاختيار وعدم الإجبار شرطا (1) البقرة211 . (2)مجموع الفتاوى- (29 /144)
عدد الصفحات ٣٠31 في التكليف كعند الأصوليين والفقهاء بلا خلاف، ولا اعتبار بما صدر عن الإنسان حال الإكراه، كما في الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). بل إن مفهوم التوحيد الذي جاء به القرآن ليتسع ليشمل تحرير الإنسان حتى من الشعور النفسي، كالخوف من غير الله، والخشية، والرهبة، كما قال تعالى: ﴿ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾، فشرط لتحقيق الإيمان به عدم الخوف من غيره ، ومن كل ما سوى الله ، كما قال : ﴿ ﭻ ﭼ ﴾، وهو كقوله : ﴿ ﭺ ﭻ﴾، فكما لا تكون العبادة إلا لله وحده، فكذلك لا يكون الخوف والرهبة والخشية إلا منه وحده، لأنه هو الذي يخلق الخلق، ويهب الرزق، ويحيي ويميت، فاستحق وحده الخضوع والخشية، والرهبة والرغبة، والعبادة والطاعة، فالتوحيد الكامل يساوي التحرير الكامل للنفس البشرية من كل أشكال العبودية لغير الله. وقد بالغ النبي ﷺ في ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله حتى نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم كما يفعل العبيد مع أسيادهم، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس حتى وهو يصلي، تجنبا لسنن الرؤساء والملوك، ونهاهم عن الانحناء له، بل نهاهم أن يقول أحدهم لرقيقه ومملوكه (عبدي وأمتي)، بل يقول: (فتاي وفتاي )، وعلل ذلك بقوله: (فكلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله).(1) الأصل الرابع: دعوة الخلق إلى العدل والحق: لقد جاء الإسلام وقد ملئت الأرض جورا وظلما، على أيدي الطغاة في كل مكان، والإنسانية تعج بكل أشكال الظلم والطغيان، والمجتمعات البشرية تضج بأسوأ صور البؤس والشقاء، وسيادة شريعة الغاب، وقد كان للعرب في جاهليتهم نصيب وافر من ذلك الظلم والتظالم ، فكان القوي يأكل الضعيف ، ويرابي الغني الفقير، ويفتك بعضهم ببعض، وقد شاع فيهم الظلم حتى صار ممدوحا عندهم، وحتى قال شاعرهم: قُبيرلة لا يخـفرون بذمـة ولا يظلمون الناس حبة خردل! (1) رواه مسلم في صحيحه ح2248 .
عدد الصفحات ٣١32 يذمهم لعدم ظلمهم للناس، إذ عدم وقوعه منهم دليل على ضعفهم وخورهم، في ثقافة العرب الجاهليين! وحتى قال آخر يذم قبيلته لعدم وقوع الشر منهم: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهـل بن شيبانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافـات ووحـدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا! إني وإن كنت من قوم ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ! يجزون بالظلم أهل الظلم مغفرة وبالإسـاءة غفـرانا وإحسانا ففي هذه الأبيات تصوير بليغ لحال المجتمع الجاهلي، ولشيوع التظالم فيه، حتى صار الممدوح فيهم من لا يسأل أخاه عن البينة فيما ادعاه من وقوع الظلم عليه، لشيوعه فيهم، وحتى صار الكريم من لا يستفسر عن السبب، بل يبادر إلى رد الظلم عند سماع الصريخ، وكأن الصريخ لا يقع، إلا من ظلم قد وقع! بل صاروا يتفاخرون بالتظالم، والاعتداء، والعدوان، حتى على أبناء العمومة، كما قال شاعرهم: وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا!
عدد الصفحات ٣٢