المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر أصول الخطاب السياسي الإسلامي

غير معروف

صفحة ١ من ١٠

1 مختصر أصول الخطـــاب السياسي الإسلامي القرآني والنبوي والراشدي أ.د. حاكم المطيري

عدد الصفحات ١

2 الفصل الأول: تعريف الخطاب السياسي الإسلامي: هو منظومة الأصول والأحكام والقواعد التي يقوم عليها نظام الحكم فـي الإسلام، وتنظم شئون العلاقة بين السلطة والأمة، وتحدد المسئوليات والحقوق والواجبات، كما جاءت في القرآن والسنة وسنن الخلفاء الراشدين.. أصول الخطاب السياسي القرآني: تعريف أصول الخطاب السياسي: والمقصود هنا بأصول الخطاب القرآني على وجه الخصوص : الأصول العقائدية الإيمانية، التي يقوم عليها النظام السياسي للدولة الإسلامية، والتي لا يمكن فهم الأصول العملية التشريعية، دون فهم هذه الأصول الإيمانية العقائدية، التي دعا إليها الخطاب القرآني المكي ، قبل قيام الدولة النبوية في العهد المدني. وبالاستقراء والتتبع نجد أن أهم أصول الخطاب القرآني في هذا الباب ، قد عالجت الإشكاليات الكبيرة، وأجابت عن الأسئلة الخطيرة، التي طالما حاول الإنسان معرفة الحق فيها، والوصول إلى كنهها، وهي: ما أصل هذا الوجود؟ وما أصل الإنسان؟ وما طبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع الإنساني؟ وما لهم من حقوق؟ وما عليهم من واجبات؟ ومن يحق له تحديد ذلك بينهم؟ وبأي حق يحكمهم؟ وعلى أي أساس يخضعون له ويطيعونه؟ وما الموقف من اختلاف عقائد الناس ومللهم ونحلهم، الذي طالما كان الاختلاف فيها سبب حروبهم وبؤسهم وشقائهم؟ وما الموقف من السلطة التي طالما دار الصراع في المجتمعات حول الوصول إليها ، والسيطرة عليها؟ وما الموقف من الثروة والمال؟ ومن يحق له تقسيمهما؟ وكيف يتم توزيعهما؟ وما الحقوق الاجتماعية فيهما؟ إنها القضايا الرئيسة (الإنسان . الدين ـ السلطة ـ الثروة)، التي طالما دارت الحروب حولها، وحدث الصراع في المجتمعات الإنسانية بسببها، وبسبب الموقف منها، وما زال الصراع حولها قائما، فالشيوعية، والرأسمالية ،

عدد الصفحات ٢

3 والاشتراكية، والليبرالية، والقومية، والفاشية، والنازية، وكل الفلسفات الوضعية السياسية، ما هي إلا نتاج تلك الأسئلة الخطيرة، والمشكلات الإنسانية الكبيرة، حيث حاولت معالجة قضية الإنسان والسلطة والثروة والدين، ولا يتصور ألا يكون للقرآن هداياته السماوية في هذه القضايا الرئيسة، ولا يتصور أن يكون القرآن كتاب هداية للخلق كافة، وكتاب رحمة وهدى ونور، كما وصفه الله عز وجل ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾(1)،وكما قال تعالى: ﴿ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾(2 )،وقال سبحانه : ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾(3 )،ثم لا يكون له نظام حياة، يحقق للإنسانية ما تتطلع إليه من عدل وحرية ومساواة، ويهديها إلى الحق في هذه المشكلات التي تعاني منها البشرية أشد العناء! وقد تجلت هدايات الخطاب القرآني في هذا الباب في الأصول التالية: الأصل الأول: توحيد الله جل جلاله: وهذا هو أصل الأصول في الخطاب القرآني ، وقد جعل شعاره كلمة التوحيد(لا إله إلا الله)، وذلك باعتقاد وحدانيته، سبحانه وتعالى، لا شريك له، في الخلق، والملك، والسيادة، والحكم، والطاعة، والعبادة، كما قال تعالى ﴿ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾.(4) فتوحيد الله وحده لا شريك له في كل ما أوجب إفراده به، هو أول واجب على الخلق كافة، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ـ وكان فيها يهود ونصارى ـ (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ـ فإذا عرفوا ذلك ـ وفي رواية فإن هم أطاعوا لذلك ـ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يو م وليلة ، فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في (1) إبراهيم1 . (2) النحل98. (3) الأنبياء101 . (4) محمد18 .

عدد الصفحات ٣

4 أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فخذ منهم، واتق كرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).(1) وهذا الربط الوثيق بين توحيد ا، ودفع الزكاة للفقراء، وتجنب الظلم، أوضح دليل على معنى التوحيد ومعرفة مقاصده، إذ دفع الأموال والضرائب لا يكون عادة إلا بعد الإقرار بالطاعة للجهة التي تأمر بدفعها أو جبايتها، وهم الملوك والرؤساء عادة، فكان أول واجب يدعوهم إليه هو توحيد الله وإفراده بالطاعة ـ التي هي أبرز مظاهر العبودية ـ له وحده لا شريك له، فلا طاعة للأحبار، ولا للرهبان، ولا للملوك الذين صاروا أربابا من دون الله، يتحكمون في عباده ويخضعونهم لطاعتهم، ويجبون أموالهم، ليزداد الملوك والملأ بها ترفا وبطرا وطغيانا على حساب الفقراء والمستضعفين! كما أن في ذكر دفع الزكاة للفقراء ورفع الظلم عن الضعفاء بعد توحيد الله، بيانا لمقاصد التوحيد وغاياته، وهو تحرير الخلق، وتحقيق العدل، ونصرة المستضعفين، ورفع الظلم عنهم، الذي طالما مارسه عليهم الجبابرة والطغاة، الذين نازعوا الله في ملكه وخلقه وعباده. وقال ﷺ: (من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله)، وفي رواية (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله...).(2) وقوله (وكفر بما يعبد من دون ا يشمل الكفر بكل معبود غير الله، سواء كانوا ملوكا وأوثانا ، أو أحبارا ورهبانا، إذ أن طاعتهم عبادة لهم واخااذهم أربابا من دون الله كما سيأي بيانه. فحقيقة التوحيد إفراد الله وحده لا شريك له، في كل ما يجب له، وذلك باعتقاد وحدانيته في: (1) رواه البخاري ح1312و1381و1481، ومسلم ح18 . (2) رواه البخاري، ومسلم ح23 .

عدد الصفحات ٤

5 1- الخالقية كقوله ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾(1) أي ليس لغيره معه خلق ولا أمر، وكقوله ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ (2 ) ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾.(3) 2- والربوبية كقوله ﴿ ﭙ ﭚ﴾(4)،وقوله ﴿ ﮂ ﮃ﴾(1)،وقوله ﴿ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾.(1) 3- والألوهية كقوله: ﴿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾.(1) 4- وصفات الكمال وأسماء الجلال كقوله : ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾.(9) 1- والملك كقوله: ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾(8)،وقوله: ﴿ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾(10)،فكما لا إله للناس إلا الله، فليس كذلك لهم ملك سواه. 1- والحكم كقوله: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾(11)،وقوله: ﴿ ﰄ ﰅ﴾(12) أي ليس لغيره (1) الأعراف14 . (2) غافر12. (3) الأنعام102. (4) الفاتحة2. (1) الناس1. (1) الأنعام114. (1) البقرة211 . (9) الأعراف190. (8) الزمر1 . (10) الناس2 ـ3. (11) الأنعام11، ويوسف11 . (12) القصص10 .

عدد الصفحات ٥

6 1- والطاعة كقوله ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾(1) أي بأمر الله وحده لا شريك له. 9- والعبادة كقوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾(2)،وكقوله ﴿ ﭺ ﭻ﴾.(3) 8- والرهبة والخشية والخوف كقوله: ﴿ﭻ ﭼ﴾(4)،وتقديم المفعول يفيد القصر والحصر، أي لا ترهبوا أحدا غيري، وكقوله: ﴿ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾(1 )،وكقوله: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾(1)،وكقوله في أبرز صفات الموحدين المؤمنين ﴿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾(1)،وكقوله في صفات أهل الإيمان ﴿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾.(9) إلى غير ذلك من صور التوحيد ومعانيه مما أوجب الله على عباده إفراده بها ، وحرم عليهم الإشراك به في ها، كقوله في العبادة: ﴿ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﴾ (8)،وقوله في الحكم: ﴿ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ﴾(10)،وقوله (1) النساء14. (2) الأنبياء21. (3) العنكبوت11.. (4) البقرة40 . (1) النحل11 . (1) المائدة44 . (1) الأحزاب38 . (9) التوبة19 . (8) الكهف110 . (10) الكهف21.

عدد الصفحات ٦

7 في التشريع: ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾(1)،وقوله في الملك: ﴿ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾(2)،وفي الطاعة كقوله: ﴿ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾.(3) فكما أوجب توحيده بكل ما سبق من معاني التوحيد وحقائقه، فقد حرم كذلك الإشراك به في كل تلك المعاني. معنى إله في الخطاب القرآني: وقد جاء بيان هذه اللفظة التي عليها مدار كلمة التوحيد نفيا (لا إله)، وإثباتا (إلا الله) ، في آيات كثيرة قطعية في دلالاتها، ومن ذلك إطلاقه على: 1- المعبود من دون ا: سواء كان حجرا أو بشرا ، كما في قوله تعالى : ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾(4)،وقوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾(1)،وقوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ (1 )،وقال مشركو العر ب حين تصدوا لدعوة التوحيد: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾.(1) 2- المتبوع من دون الله: سواء كان ملكا أو عالما أو هوى، كما في قوله تعالى: ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾(9)،أي: المتبعين غيره، وكما في قوله: ﴿ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ (1) الشورى21 . (2) الإسراء 111 والفرقان2 . (3) الأنعام121 . (4) الأعراف18 و11 و13 و91. (1) الأنعام102. (1) الأنبياء21. (1) ق1. (9) الأنعام 101.

عدد الصفحات ٧

8 ﭩ ﭪ ﭫ ﴾(1)،وقوله: ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾(2)،فجعل كل متبوع من دون الله شريكا وتابعه مشركا ، وقوله: ﴿ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾(3)،وقوله: ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾(4)،والجبار في لغة العرب الملك والطاغية، وكما في قوله: ﴿ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾(1)،وقوله: ﴿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾(1 )،وقوله: ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾(1 )،وقد صرح القر آن بأن المتبوع من دون الله إله من دون الله عند من اخاذه متبوعا، كما في قوله تعالى: ﴿ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾(9)،وقوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾(8)،فسمى القرآن الهوى إلها، وذلك حين يتبع الإنسان هواه ليجعل من نفسه إلها من دون الله. 3- المطاع من دون ا: كما قال تعالى: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾(10)،والشرك نقيض التوحيد، والشياطين هنا هم شياطين البشر الذين يجادلون عن الباطل من الرؤساء والعلماء، فدل على وجوب إفراد الله وحده بالطاعة، وقال سبحانه: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾(11)،وقال أيضا في بيان أن الغاية من إرسال الرسل أن تكون الطاعة لله وحده وبإذنه وأمره ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾(12)،فالطاعة (1) الأعراف3. (2) يونس11. (3) البقرة111. (4) هود18 . (1) هود81. (1) القصص10. (1) مريم18. (9) الفرقان43 . (8) الجاثية23. (10) الأنعام121. (11) الأحزاب11 . (12) النساء14.

عدد الصفحات ٨

9 للرسول إنما وجبت لكونها طاعة، إذ الرسول هو المبلغ عن الله، كما قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾(1)،والفرق بين الطاعة والإتباع أن الطاعة تكون عادة من أدنى لأعلى، كما تقتضي وجود أمر ونهي من الأعلى للأدنى، كطاعة الناس للملوك، بينما الإتباع أعم من ذلك، فقد يكون بلا أمر ولا سلطة، كاتباع رجال الدين، واتباع الهوى، واتباع الشهوات ، واتباع خطوات الشيطان. 4- المتحاكم إليه من دون ا : كما قال تعالى : ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾(2 )،وقوله: ﴿ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾(3 )،وقوله: ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾(4)،وقال أيضا: ﴿ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ﴾(1)،وفي قراءة سبعية: ﴿ ﯴ ﭽ ﯶ ﯷ ﯸ﴾. ومما يؤكد أن (إله) تطلق على كل من تبذل له الطاعة من دون الله قوله تعالى في قصة فرعون: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﴾(1 )،وقال لموسى : ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾(1)،وإنما أراد فرعون من موسى وبني إسرائيل طاعته وعدم الخروج عن سلطته ، فكانت تلك هي الألوهية التي أرادها لنفسه، وهي الربوبية التي ادعاها في قوله: ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ﴾، أي السيد والملك الذي لي الطاعة عليكم، وهذه هي العبودية التي كان فيها بنو إسرائيل كما في قول الملأ من قوم فرعون ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾(9)،أي: خاضعون طائعون لا يخرجون عن سلطتنا. (1) النساء90. (2) الأنعام114. (3) يوسف40. (4) النساء10 . (1) الكهف 21. (1) القصص39 . (1) الشعراء28. (9) المؤمنون41.

عدد الصفحات ٩

11 ويؤيد ذلك قراءة : ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾(1)،فقد كان لفرعون آلهة يعبدها هو وقومه ، فدل ذلك على أنه إنما كانت الألوهية التي ادعاها فرعون لنفسه والربوبية التي انتحلها هي إتباع أمره، وطاعته وعدم الخروج عن سلطته. قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه ﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾، فنتبعها ﴿ ﮅ﴾، من بني إسرائيل ﴿ ﮆ ﮇ﴾، يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم). فهذا نص صريح يكشف معنى العبادة والعبودية في لغة العرب، وأن كل من دان لملك وأطاعه فقد عبده وصار عبدا له، فجاء الإسلام بالتوحيد، وعبادة الله وحده، والكفر بعبادة كل ما سواه، ومن ذلك طاعة الملوك والرؤساء ورجال الدين. الفرق بين لفظ إله ورب: ولفظ (إله) و(رب) إذا اجتمعتا في السياق افترقتا في المعنى ، فكان لكل منهما معنى أخص به ، كقوله سبحانه ﴿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾، فالرب هو السيد الذي له الأمر والسيادة، والملك هو الذي له الملك والحكم والطاعة، والإله هو الذي له الدعاء والعبادة. وإذا افترقتا في السياق اجتمعتا في المعنى، كقول فرعون: ﴿ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾، وهذا بمعنى قوله: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ﴾، فكل من تبذل له الطاعة والخضوع من دون الله فهو رب وإله عند من خضع له وأطاعه، وهذا كقوله تعالى في شأن طاعة أهل الكتاب لرجال الدين : ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾(2 )،وكقوله ع لى لسان يوسف : ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾(3 )، (1) الأعراف121 . (2) التوبة31. (3) يوسف38.

عدد الصفحات ١٠

11 وكقوله: ﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾(1)،وكقوله: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾(2)،فسمى الله كل ما يعبد من دونه، أو يدعى من دونه، أو يطاع من دونه، أو يتبع من دونه ربا وإلها، وكل من فعل ذلك فقد أشرك بالله في ربوبيته وألوهيته. وبهذا جاءت كلمة التوحيد لتنفي كل صور الألوهية، وكل صور الربوبية، عن كل من سوى الله جل جلاله، من بشر أو حجر، ولتبطل كل صور العبودية لغير الله من عبادة أو طاعة أو إتباع أو تحاكم، ولتفرد الله وحده بذلك كله لا إله إلا هو، بل ولتوحده أيضا بكل نعوت الكمال وصفات الجمال وأسماء الجلال التي تتعلق بذلك كله ـ كما سيأي بيانه ـ ليقطع الطريق على كل صورك الشرك والوثنية والجاهلية. وقد أكثر القرآن من تقرير وحدانية الله في الخلق، والملك، والحكم، والطاعة، والسيادة، والعبادة، لبيان بطلان منازعة الملوك والطغاة له في شيء من خلقه، لشيوع هذا الشرك في المجتمعات الإنسانية كافة، فقد كان من أبرز صور الشرك وأظهرها، منازعة ملوك الأرض له في ربوبيته، واستعبادهم خلقه، ولهذا افتتح الله القرآن بقو له سبحانه : ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭚ ﮬ ﮭ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ﴾.(3) فتضمنت هذه الآيات تأكيد وحدانية الله في ربوبيته للعالمين كافة، وأنه وحده ربهم وسيدهم، لا رب لهم سواه، ولا مالك لهم غيره ، لكونه خالقهم ورازقهم ، ومحييهم ومميتهم ، وهو الملك الذي سيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم يوم الدين والجزاء، وليس أحد سواه، فملوك الأرض عبيده، ليس لهم من الملك معه شيء، ولهذا أوجب على عباده أن يعبدوه وحده، وأن يستعينوا به وحده ، فلا يعبدون الملوك، ولا يتذللون لهم، لأنهم بشر مثلهم، لا يستطيعون نفعا ولا ضرا ، ولا خيرا ولا شرا ، إلا ما شاء الله وحده. (1) آل عمران14. (2) آل عمران90. (3) الفاتحة2- 1.

عدد الصفحات ١١

12 كما ختم الله القرآن بقوله تعا: ﴿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾(1)،ليؤكد الحقيقة نفسها التي افتتح بها كتابه، فهو رب الناس وسيدهم الذي تجب له الطاعة وحده، وهو ملك الناس الذي له الملك والحكم وحده، وهو إله الناس الذي تجب له العبادة وحده، وليجيب عن أول سؤال مشكل تواجهه المجتمعات الإنسانية كلها منذ وجدت: فمن رب الناس وسيدهم الذي له حق الطاعة عليهم؟ ومن ملك الناس الذي له حق الحكم بينهم؟ ومن إله الناس الذي له حق العبادة والتذلل والخشية والرهبة والرغبة؟ وإنما أكد القرآن هذه الحقائق الثلاث لكون الشرك فيها أظهر ، والنزاع فيها أشهر، وآثارها على الإنسانية أشد وأخطر، خاصة في جاهلية الأمم الأخرى من غير العرب كالفرس والروم. وربما تمسك أنصار الخطاب السلطاني لرد الخطاب القرآني بالمتشابهات من الآيات كقوله تعالى: ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾(2)؛ لبيان مشروعية وجود الملوك، وأن الله هو الذي وهبهم الملك! ولا دليل في ذلك على مشروعية ادعاء الملوك للملك ، بل هذا كقوله تعالى : ﴿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾(3)،وقوله: ﴿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾.(4) فالله يرزق الخلق جميعا ، سواء منهم البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، وسواء حصل لهم ذلك بأسباب الحلال أو الحرام، فالله يؤي رزقه من يشاء، ولا يكون في ذلك حجة على مشروعية ما كسبه الظالم من مال لا يحل له، بل هو ابتلاء من الله، واستدراج للعبد، وقد قال سبحانه في شأن قارون: ﴿ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ (1) الناس1-3. (2) آل عمران21. (3) الإسراء 30. (4) الشورى42.

عدد الصفحات ١٢

13 ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾... ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾... ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾.(1) فالله هو الذي آتاه المال والثروة، وإن كان قارون قد كسب هذا المال بأسباب الحرام، كذلك يؤي الله الملك من يشاء، ولا حجة فيه لملوك الأرض، إذ منهم من يؤتيه الله الملك بالحق والعدل، كالأنبياء الذين جعلهم الله خلفاء وملوكا بالحق، ليحكموا بين الناس بالعدل ، كداود، وسليمان، كما قال تعالى: ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾(2)،وقال تعالى أيضا عنه: ﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾.(3) ومن الملوك من يؤتيه الله الملك وهو ظالم لنفسه، بالسيطرة والقهر للناس، ليبتليه ويبتلي به، كما هو حال فرعون والنمرود، كما في قوله تعالى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴾. (4) فكل ملك في الأرض تملك بإذن من الله -كحال ملوك بني إسرائيل الأنبياء ، كداود، وسليمان، ومن ملك من بعدهم على شريعتهم، أو ملك بوحي من أنبيائه ورسله، كما هو حال طالوت ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾(1)،وكما هو حال خلفاء المسلمين، الذين خاتارهم الأمة بالشورى والرضا، وفق شريعة المصطفى- فهو خليفة وملك بالحق، وكل من لم يكن كذلك من ملوك الأرض، فهو ملك باطل، غاصب للملك، جبار في الأرض، ظالم للخلق، كما قال تعالى لنبيه إبراهيم : ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾.(1) (1) القصص11. (2) البقرة211. (3) ص21. (4) البقرة219. (1) البقرة241. (1) البقرة124.

عدد الصفحات ١٣

14 قال ابن كثير في تفسيره للآية: (قال سفيان بن عيينة لا يكون الظالم إماما.. وقال ابن خويز منداد: لا الظالم لا يكون خليفة، ولا حاكما).(1) ولهذا جاءت الشريعة المحمدية بالخلافة ، وإبطال الملك كله بجميع صوره الفرعونية ، والقيصرية، والكسروية، فالأرض لله، والملك لله، والطاعة لله، والأمر لله، والسيادة لله، والخلق لله، ليس لهم رب غيره، ولا ملك سواه. بل إن توحيد العبادة لله يتعارض مع الدينونة للملوك، كما في لسان العرب: (العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، وكل من دان لملك فهو عابد له)، ومنه قول الملأ من قوم فرعون: ﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾ انتهى ـ. والفرق بين الطاعة للخلفاء والطاعة للملوك، أن الطاعة للخلفاء تكون عن شورى ورضا واختيار بلا إكراه ولا إجبار ، وتبعا لطاعة الله ورسوله، بينما طاعة الملوك تكون جبرا وقهرا على أساس الاستحقاق المزعوم لهم على الناس بطاعتهم والخضوع لهم، لقوتهم وسطوتهم وجبروتهم، وهذا هو التأله والألوهية في لغة العرب، كما في قول فرعون لموسى: ﴿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾(2). وقد أشار ابن خلدون إلى ظاهرة التأ له في الملوك التي تتمثل في إخضاع الخلق لطاعتهم وحدهم دون سواهم فقال في مقدمة تاريخه: (فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة، فيأنف ـ أي الملك ـ حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم ، ويجئ خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضي ه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام ﴿ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ فتجدع حينئذ أنوف العصبيات، وتفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم ، وتقرع عصبيتهم عن ذل ك، وينفرد به ـ أي بالملك ـ ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة و لا جملا، فينفرد بذلك المجد بكليته، ويدفعهم عن مساهمته، وقد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة).(3) (1) تفسير ابن كث1/221. (2)الشعراء 28. (3) مقدمة ابن خلدون1/209.

عدد الصفحات ١٤

15 والمقصود من ذلك قوله: (فيأي خلق التأله)، ليؤكد أن ما عليه الملوك والجبابرة هو من التأله الذي جاء القرآن للقضاء عليه، وهذا بخلاف ملك النبوة، كملك داود وسليمان، فإنه بوحي من الله، دون إجبار وقهر، ليحكم بحكم الله، كما قال تعالى: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾. وقد خُيرر النبي ﷺ أن يكون ملكا، أو عبدا نبيا، فاختار عبدا نبيا(1)،فكانت تلك شريعته، وسنة لخلفائه وأمته من بعده، وعندما أرسل رسائله إلى ملوك الأرض يدعوهم للدخول في الإسلام لم يسمهم بوصف الملك بل قال: (إلى هرقل عظيم الروم)، (إلى كسرى عظيم الفرس)، قال النووي (ولهذا قال النبي ﷺ (إلى هرقل عظيم الروم )، ولم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له، ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام).(2) وجاء في الحديث: (لا قيل ولا ملك ولا قاهر إلا الله)(3)،فنفى النبي أن يكون هناك قيل -والأقيال هم ملوك حمير في اليمن- ونفى أن يكون هناك ملوك، إلا الله وحده لا شريك له، وفي حديث آخر (كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فوقف ذات ليلة واجتمع عليه أصحابه، فقال إن الله أعطاني الليلة الكنزين، كنز فارس والروم، وأيدني بالملوك ملوك حمير، ولا ملك إلا لله! يأتون يأخذون من مال الله، ويقاتلون في سبيل الله! قالها ثلاث).(4) فقرر أن لا ملوك في الإسلام، بل الملك لله وحده، وملوك حمير كغيرهم من المسلمين يقاتلون في سبيل الله، ويأخذون من بيت المال، حالهم كحال غيرهم من المسلمين. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله)، وفي رواية: (اشتد غضب الله على)، وفي رواية: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله)، وفي رواية: (أخنى اسم)، قال الراوي: كـ(شاهنشاه).(1) (1) رواه النسائي في السنن الكبرى4/111، والبيهقي1/48، وله شاهد في مصنف عبدالرزاق3/193. (2) انظر شرح النووي لصحيحمسلم ح رقم 1113. (3) رواه أحمد في المسند 4/391 بإسنادين أحدهما صحيح، والطبراني في الكب20/89 من حديث عمرو بن عبسة (4) رواه عبد الرزاق في المصنف11/49 ، وعنه أحمد في المسند1/212 من حديث الخثعمي بإسناد مقبول (1) رواه البخاري ح1201، ومسلم ح2143 .

عدد الصفحات ١٥

16 وليست العلة في التحريم كونه اتصف بلقب ملك الملوك كما ظنه بعض الرواة، بل العلة هو كون هذه الدعوى الكاذبة، محادة لله في اسم من أسمائه، وصفة من صفاته، التي تسمى بها الله ووصف بها نفسه، بل وأبطل أن يكون له شريك فيها، سواء تسمى أحد من خلقه بملك الملوك، أو باسم الملِك، وإن كان التسمي بملك الملوك أخنع ، وأخبث، وأخنى، من التسمي بالملِك ، كما تقتضيه صيغة أفعل التفضيل ، وقد نص الفقهاء على تحريم الأول أي ملك الملوك، دون الثاني، مع أن لفظ أخنع، وأخبث، يدل على أن هناك ما هو أقل خبثا، وأقل خنا، وهو التسمي بالملك، ولهذا جاء في آخر الحديث: (لا ملك إلا الله)، وفي رواية: (لا مالك إلا الله)، ولم يقل: (لا ملك للملوك إلا الله)، ليؤكد أن التحريم ليس قاصرا فقط على التسمي بملك الملوك، بل وكذلك لقب الملك، لأنه لا ملك على الحقيقة إلا الله، فالتعليل في آخر الحديث واضح في دلالته على تحريم إطلاق كلا اللفظين ملك الملوك، أو الملك، على أحد من البشر، لما ورد فيهما من الوعيد الشديد، وأن أصحابهما أخنع وأذل وأخنى وأفجر الناس يوم القيامة، ويؤكد ذلك حديث النداء يوم القيامة (أين ملوك الأرض؟ أنا الملك). وفي الحديث الصحيح : (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).(1) وفي الحديث الآخر: (قالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال الله عز وجل: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء).(2) وقال أيضا: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس)، وفي رواية: (يوشك أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخطه)، وفي رواية: (يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته).(3) وهم الجلاوزة والجلادون، الذين يسعون في تعذيب الناس وإرهابهم، وتعبيدهم للملوك وإخضاعهم. (1) رواه البخاري ح1111، ومسلم ح 1191 . (2) رواه مسلم ح1112 . (3) مسلم ح1184-1181 .

عدد الصفحات ١٦