- 321 - وعن أبي عبد الرحمن السلمي (1)قال«حدثنا الذين يقرؤننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتّ يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً »(2). وعن عبد اللَّّ بن عمر رضي الله عنهما «تتزل السورة على محمد فنتعلم حلالها، وحرامها، وآمرها، وزاجرها، وما ينبغى أن يقف عنده منها »(3) . فكان الصحابة يتعلمون معاني القرآن مع تعلم حروفه، ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: « دخل في قوله :« خيركم من تعلم القرآن وعلمه »(4) ؛ تعليم حروفه ومعانيه جميعاً؛ بل تعلم معانيه هو المقصود الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة »(5). وعن مسروق رحمه الله قال «كان عبد ابن عباس رضي الله عنهما يقرا علين ا السورة؛ ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار » (6)8 ويقول مجاهد رحمه «عرضت المصحف على بن عباس رضي الله عنهما ثلاث عرْضات؛ من فاتحته إلى خاتمته؛ أوقفه عند كل آية منه، وأساله» (7). (1 ) هو عبدالله بن حبيب الكوفي، المقرئ من كبار التابعين ثقة ثبت؛ أقرأ القرآن في مسجد الكوفة أرب عين سنة؛ انظر: تقريب التهذيب ؛1/488 . (2) تفسالطبري؛1/28،وتفسير ابن كثير ؛ 1/18، وجامع أحكام القرآ ن للقرطبي؛ 1\39 ، وزاد المسير لابن الجوزي؛ 1/4 . (3 ) البيهقي؛5496 . (4 ) رواه البخاري ؛ 9/66،والترمذي؛ 2989 ؛ و أبو داود؛ 1452، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه (5) مجموع الفتاوى،13/483. (6) تفسير الطبري؛1/68؛84 . (7) تفسير الطبري؛ 1/98 ، و مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام؛ 182
عدد الصفحات ٣٢٢- 322 - ولأهمية هذا الأمر ذكر ابن مفلح ر ه الله أنَّ من آداب متعلم القرآن: «أن تكون قراءته عن العدول الصالحين العارفين معانيها »(1). ويقول التابعي القاضي إياس بن معاوية رحمه «مثل الذين يقرؤون القرآن ولا يعرفون التفسير؛ كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً ؛ وليس عندهم مصباح؛ فتداخلتهم روعة لا يدرون ما في الكتاب؛ ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح؛ فقرؤوا ما في الكتاب» (2). ولقد عدَّ البيهقي رحمه الله ذلك من شعب الإيمان فقال «التاسع عشر شعب الإيمان وتعلم حلاله وحرامه » (3). قال اآخجري رحمه «القليل من الدرس للقرآن مع التفكر فيه؛ و تدبره أحب إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه؛ وظاهر القرآن يدل على ذلك؛ والسنة؛ وقول أئمة المسلمين»(4). وعن عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله قال «إن عائشة رضي الله عن ها كانت لا تسمع شيئاً لا تفهمه إلا راجعت فيه حتّ تفهمه؛ وإن النبي قال: من حوسب عذب ، فقالت عائشة رضي الله عنها: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾[19]! فقال رسول : إنما ذلك العرض ؛ و ليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (5). (1) اآخداب الشرعية ؛ 2/388 . (2) جامع أحكام القرآن للقرطبي ؛1/26 ،ونحوه في زاد المسير ؛ 1\4 . (3 ) خلتصر شعب الإيمان؛ 17 . (4) أخلاق حملة القرآن ؛ 82 . (5) أخرجه البخاري ؛ 6537 8
عدد الصفحات ٣٢٣- 323 - قالابن حجر رحمه الله : «وفي الحديث ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث؛ وأن النبي لم يكن يتضجر من مراجعة العلم؛ وفيه جواز المناظرة؛ ومقابلة السنة بالكتاب 888وقد وقع نحو ذلك لغير عائشة؛ ففي حديث حفصة أنها لما سمعت:( لا يدخل النار أحد شهد بدراً و الحديبية) قالت: أليس الله يقول : ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾[71]فأُجيبت بقوله﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾[72]؛ وسأل الصحابة لما نزلت﴿الَّذِينَ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾[82 ]، أينا لم يظلم نفسه ؟ فأجيبوا : بأن المراد بالظلم الشرك » (1). وعن ابن عباس رضي الله عنهم ا قال : «قال عمر : ما ترون في قول الله تعا: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾[1 ]؟ قال بعضهم : أمرنا أن نحمد ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئاً، فقـال: أكذا يا ابن عباس ؟!، فقلت: لا ، قال: فما تقول ؟ ، قلت: هو أجل رسول الله أعلمه له، قال : ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [1 ]؛ و ذلك علامة أجلك؛ فسبح بحمد ربك؛ واستغفره إنه كان تواباً ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول»(2). وعن عبيد بن عمير رحمه الله قال «قال عمر رضي الله عنه يوماً لأصحاب النبي : فيم ترون هذه اآخية نزلت ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ [266 ]، قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا : نعلم أو لا نعلم، فقال (1) فتح الباري؛ 1/197 (2) رواه البخاري ؛ 4978 ،والترمذي؛ 3359 8
عدد الصفحات ٣٢٤- 324 - ابن عباس: في نفسي منها شئ يا أمير المؤمنين ، قال عمر : يا ابن أخي، قل و تحقر نفسك ، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل؛ قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له شيطان، فعمل بالمعاصي حتّ أغرق أعماله »(1). قال ابن حجر رحمه الله : «وفيه تحريض العالم تلميذه على القول بحضرة من هو أسن منه إذا عرف فيه الأهلية؛ لما فيه من تنشيطه، وبسط نفسه، وترغيبه في العلم »(2). قال ابن القيم رحمه «ولـم يـكـن للصحابة كتاب يدرسونه وكلام محفوظ يتفقهو ن فيه إلاَّ القرآن وما سمعوه من نبيهم، ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك ... ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين : قوم يقرؤون القرآن ولا يفهمونه ... بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي يعتنون به حفظاً وفهماً وعملاً وتفقهاً، وكانوا احرص الناس على ذ لك»(3) . ومن المهم إدراك أن المدارسة غايتها الفهم والتأثر، وليس مقصودها البحث عن الغرائب والنوادر أو جمع الأقوال المتعددة والمختلفة؛ فهذا مما يشتت الذهن ويصرف عن القصد، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الاختلاف يزيد الطالب عمى عن معرفة المراد الذي يحصل به الهدى والرشاد ، فإن الله تعالى إنما انزل القرآن ليهتدى به لا يختل ف فيه»(4) . وهذه الشواهد تؤكد أنَّ المدارسة متطلب مهم للتربية القرآنية، وأنها جزء لا يتجزأ منها وليست امراً عارضاً يشرع تركه وإهماله، أو أمراً ثانوياً يبحث له عن وقت فراغ ، أو (1) رواه البخاري ؛ 4538 . (2) فتح الباري؛ 8/282 . (3) خلتصر الصواعق المرسلة؛ 4419 . (4) مجموع الفتاوى؛ 15/187 .
عدد الصفحات ٣٢٥- 325 - مجال يترك شأنه للمعلم، وقصارى الجهد أن يحثَ عليه، ليقوم به إن شاء، كيف ما شاء، ومتّ ما اتفق !! . إن مدارسة القرآن ليست برنامجاً إضافياُ لحلقات تحفيظ القرآن والمحاضن التربوية بل هي أحد مكوناتها الرئيسة، ومن الضروري وضع خطط وبرامج للمدارسة كما توضع خطط وبرامج للحفظ والم راجعة . 1) العلم للعمل ومن خلال مدارسة القرآن تتبين جوانب العمل بأحكام القرآن وهدايته، فمن المتطلبات الأساسية أن يكون مقصود العلم العمل، وشواهد ذلك كثير منها ما يلي: عن أنس أن رسول قال«إنَّ لله تعالى أهلين من الناس، قيل: من هم ؟ قال : أهل القرآن هم أهل الله و خاصته » (1). يقول ابن القيم رحمه «أهل القرآن هم العالمون به، العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم»(2) . وفي تفسير قوله تعا ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴾ [121]؛ يقول ابن عباس رضي الله عنهما «يتبعونه حق اتباعه»(3) . و يقول ابن مسعود :«والذي نفسي بيده إن﴿ ﭸ ﭹ﴾[121 : ]أن يحل (1 ) رواه أحمد؛ 2/242 ، وابن ماجه؛ 1/78، وصححه الألباني، صحيح الجامع؛ 2165 . (2) زاد المعاد؛ 1/338 . (3)تفسير الطبري؛ 1/566 .
عدد الصفحات ٣٢٦- 326 - حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله »(1) ، ويقول مجاهد و عطاء رحمهما «يعملون به حق عمله» (2). قال سفيان الثوري رحمه الله : «ليس في كتاب الله آية أشد عليِ من قوله تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ [68 ]وإقامتها : فهمها والعمل بها»(3) . وقال أبو الدرداء :«أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر أعلمتَ أم جهلتَ؟، فإن قلتُ: علمتُ، لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها، اآخمرة: هل ائتمرت؟ و الزاجرة : هل ازدجرت ؟، وأعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع»(4) 8 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه « قوله تعا﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾[2]أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه اآخيات، زاد في قلبه بفهم القرآن، ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن؛ حتّ كأنه لم يسمع اآخية إلا حينئذ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر ما لم يكن؛ فزاد علمه بالله، ومحبته لطاعته ، وهذه زيادة الإيمان »(5) . (1) تفسير الطبري؛ 1/566 (2) تفسالطبري؛ 1/568 ؛ والزهد لابن المبارك ، 273 8 (3) كتاب البدع والحوادث؛ 181 8 (4) زوائد الزهد ؛ 2/65 ،لعبد الله بن أحمد،وعنه أبو نعيم في الحلية؛1/213، وينظر: جامع بيان العلم؛2/7 (5) مجموع الفتاوى؛ 7/228 .
عدد الصفحات ٣٢٧- 327 - وقال عكرمة رحمه : «جئت ابن عباس رضي الله عنهما و هو يبكي؛ وإذا المصحف بين يديه في حجره، فأعظمت أن أدنوا منه؛ ثم لم أزل على ذلك حتّ تقدمت فجلست؛ فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك ؟ فقال: هؤلاء الورقات؛ وإذا هو في سورة الأعراف، وذكر أصحاب السب ت، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾[165]؛ قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا؛ ولا أرى اآخخرين ذكروا، و نحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟! قلت: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم ، وقالوا: ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾[164]؛ فأمر لي؛ فكسيت ثوبين غليظ»(1)8 وبهذا يتضح أهمية مجال التطبيق العملي لما يتعلمه المتلقي في المحاضن القرآنية و أن يكون هناك منهج خلصص لتطبيق هدي القرآن، والسنن النبوية، واآخداب الشرعية، خاصة المتعلقة بالأذكار والنوافل التي يمكن أن يؤديها المتربي، وتكرر عليه في يومه وليلته، ويكون هذا مقرراً لكل فئة عمرية بما يناسبها؛ مع التواصي على العمل به، والتواصي بالصبر على الثبات عليه . (1) تفسير ابن كثير؛ 2\247 .
عدد الصفحات ٣٢٨- 328 - المبحث الرابع : محاذير في تحفيظ القرآن الكر وهي محاذير قد يقع فيها من يحفظ القرآن في المحاضن القرآنية فلزم التن بيه عليها ومن أهمها ما يلي : 5) التحذير من حفظ القرآن دون فهمه 2) التحذير من حفظ القرآن دون العمل بهديه 4) التحذير من حفظ القرآن مع الانحراف في فهمه وتفصيل ذلك كما يلي : 5) التحذير من حفظ القرآن دون فهمه . فهم القرآن بحر عميق ، وباب واسع ، وكلما تزود المؤمن منه كلما زاد عل ماً ورفع عن نفسه جهلاً، وهناك أمور لابد للمسلم من فهمها والعلم بها؛ وهي التي لا يقوم إسلامه وإيمانه الواجب إلا بها؛ وهي أمور لا يعذر بجهلها، وهناك مستوى من الفهم لا بد منه ولا تصح القراءة بدونه، وبدون فهمه يصبح كحال من يردد لغة لا يَعِيَها، فربما قلِ أجره أو عدم بسبب عدم فهمه لها . ولهذا عاب الله على أهل الكتاب حفظ حروف كتابه وترك فهم معانيه، وفي هذا تحذير من صنيعهم، كما في قوله تعالى : ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾[78]، قال ابن تيمية رحمه «عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى ﴿ ﭜ ﴾[ة78 ]أي: غير عارفين بمعاني الكتاب،
عدد الصفحات ٣٢٩- 329 - يعلمونها حفظاً وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها،وقوله﴿ﭠ ﭡ﴾[رة 78]أي تلاوة، لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم»(1) . قال الشوكاني رحمه «لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر»(2) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه و العمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه، لم يكن من أهل العلم والدين»(3). وعن عبيد بن عمير رحمه الله أنه قال لعائشة رضي الله عنها «أخينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله قال : فسكتت، ثم قالتا كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني لأحِب قربك، وأحب ما يسرك، فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتّ بلَّ حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتّ بل لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتّ بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي؛ وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾[198 ]»(4). (1) مجموع الفتاوى؛ 17/434. (2) فتح القدير؛1/163 . (3) مجموع الفتاوى؛ 2/235. (4) رواه ابن حبان؛628،2/386،قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح ، على شرط مسلم ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة؛ 68 .
عدد الصفحات ٣٣٠- 338 - قال النووي رحمه الله (ت 676هـ«إن قوماً يقرؤون وليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب؛ بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب »(1) . قال شيخ الإسلام رحمه الله (ت 728ه- في مسالة تزاحم الوقت بين الاشتغال بطلب العلم أو التلاوة أو الحفظ- : «الأفضل فى حق الشخص يختلف بحسب حاجته ومنفعته، فإن كان حفظ من القرآن ما يكفيه وهو محتاج الى علم آخر، فتعلمه ما يحتاج اليه أفضل، وكذلك إن كان قد حفظ القرآن أو بعضه وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معانى القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه »(2) . وقال شيخ الإسلام ره الله : «المؤمنون كلهم على بينة من ربهم وإن لم يحفظو ا القرآن؛ بخلاف البصيرة في الدين، فإنه من لم يكن على بصيرة من ربه لم يكن مؤمناً حقاً، بل من القائلين - لمنكر ونكير- : آه آه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ، والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ر به ، فهو على هدى ونور وبصيره ، سواء حفظ القرآن أو لم يحفظه » (3) . قال الزركشي رحمه الله (ت 794 هـ«ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئاً (4). وقال الزركشي رحمه «وتكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه حمل حديث عب د الله بن عمرو : لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، ...وكذا قوله في صفة (1) شرح النووي على مسلم؛ 6/185 . (2)مجموع الفتاوى؛ 23/56 . (3) مجموع الفتاوى؛ 15/87 . (4) البرهان في علوم القرآن؛ 2/155.
عدد الصفحات ٣٣١- 331 - الخوارج: يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ذمهم بإحكام ألفاظه وتركهم التفهم لمعانيه»(1) . ولهذا لا بد أن يطالب قارئي القرآن نفسه بمعرفة مفردات القرآن وفهم مقاصد اآخيات، وأن يكون على بصيرة وفهم لكي ينتفع بهدي القرآن وبركاته، وعلى ا لمحاضن التربوية أن تضع ضمن برامجها ما يعين المتربين على مطالعة معاني اآخيات من المختصرات المفيدة والموثوقة، وذلك كحد أدنى تبرأ به الذمة، ورفع به الجهل . 2) التحذير من حفظ القرآن دون العمل بهديه من أعظم هدي القرآن إخلاص العبادة لله وحده؛ وخاصة حال قراءة القرآن وحفظه وتلاوته، وقد حذر الله سبحانه من أراد بعمله غير الله، فقال تعالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾ [15. ] ولقد عاب الله على أهل الكتاب أنهم لا يعملون بما أنزل إليهم في قوله تعا ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [68] . وفي قوله تعا﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ (1) البرهان في علوم القرآن؛ 1/455 .
عدد الصفحات ٣٣٢- 332 - ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [176]. وفي قوله تعا ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [5. ] وعن أبي موسى عن النبي قال«مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرٌّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ، ولا ريح لها»(1) . قال ابن حجر رحمه «قراءة الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو عن ده، وإنما يزكو عنده ما أريد به وجهه، وكان عن نية التقرب إليه، وشبهه بالريحانة حين لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، فلم يجاوز الطيب موضع الصوت، وهو الحلق ولا اتصل بالقلب » (2) . وعن أبي مالك الأشعري قال رسول : «القرآن حجة لك أو عليك»(3) . وقال شداد أبي عمار الشامي سمعت عوف بن مالك يقول«يا طاعون خذني إليك، فقالوا له: أليس قد سمعت رسول الله يقول: ما عُمِِر المسلم كان خيراً له ؟ قال: بلى ولكني أخاف ستاً: إمارة السفهاء، وبيع الحكم، وكثرة الشرط، وقطيعة (1) رواه البخاري؛ 7568، ومسلم؛883. (2) فتح الباري؛ 13/536 . (3) رواه مسلم؛223
عدد الصفحات ٣٣٣- 333 - الرحم، ونشء ينشئون يتخذون القرآن مزامير، وسفك الدم (1)، وفي رواية: ونشء يتخذون القرآن مزامير، يتغنون غناء، يقدمون الرجل بين أيديهم ليس بأفضلهم ولا أعلمهم؛ لا يقدمونه إلا ليغني لهم» (2). قال ابن مسعود (ت32هـ«إناَّ صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإنَّ مَن بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب علي هم العمل به»(3. قال ابن عمر (ت73هـ«كان الفاضل من أصحاب رسول في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخـــر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل »(4) . قال الحـسـن البصري رحمه الله (ت: 118 هـ«إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا باتـبـاعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتّ إن أحدهم ليقول : لقد قرأت القرآن فما أسـقـطـت منه حرفاً، وقد والله! أسقطه كله، ما يُرى القرآن له في خلق ولا عمل، حتّ إن أحدهـــم ليقول: إني لأقرأ السورة في نـَفَس ! والله! ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء ولا الوَرَعــة، مـتّ كـانـت الـقــراء مـثـل هــذا؟ لا كـثَّــر الله في الناس أمثالهم» (5). وقال رحمه «نزل القرآن ليـُتَدَبَّر ويعمل به؛ فاتخذوا تلاوتهعملاً »(6) . (1) رواه أحمد؛23978، قال المحقق: صحيح لغيره (2) رواه البيهقي؛ في شعب الإيمان؛ 2489. والطبراني؛58، وصححه الألباني، الصحيحة؛979. (3) الجامع لأحكام القرآن ؛1/39. (4) الجامع لأحكام القرآن ؛ 1/52. (5) الزهد لابن مبارك؛ 779، فضائل القرآن للفريابي؛ 247، أخلاق حملة القرآن للآجري؛ 1/39 . (6) مدارج السالك ؛ 1/485 .
عدد الصفحات ٣٣٤- 334 - قال اآخجري رحمه الله (ت 368 هـ) في باب "أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله عز وجل" : «من أخلاقه أن يكون حافظاً لحروف القرآن، مضيعا لحدوده لا يتأدب بأدب القرآن، ولا يزجر نفسه عن الوعد والوعيد، لاه غافل عما يتلو أو يتلى عليه، همته حفظ الحروف . قليل النظر في العلم الذي هو واجب عليه فيما بينه وبين الله عز وجل . إذا درس القرآن، أو درسه عليه غيره همته متّ يقطع، ليس همته متّ يفهم، لا يتفكر عند التلاوة بضروب أمثال القرآن، ولا يقف عند الوعد والوعيد . ومن كانت هذه صفته فقد تعرض لسخط مولاه الكريم، وأعظم من ذلك، إن أظهر على نفسه شعار الصالحين بتلاوة القرآن، وقد ضيع في الباطن ما يجب لله، وركب ما نهاه عنه مولاه، كل ذلك بحب الرياسة والميل إلى الدنيا قد فتنه العجب بحفظ القرآن، والإشارة إليه بالأصابع . يحفظ القرآن ويتلوه بلسانه، وقد ضيع الكثير من أحكامه، أخلاقه أ خلاق الجهال، إن أكل فبغير علم، وإن شرب فبغير علم، وإن لبس فبغير علم، وإن جامع أهله فبغير علم، وإن نام فبغير علم، وإن صحب أقواما أو زارهم، أو سلم عليهم، أو استأذن عليهم، فجميع ذلك يجري بغير علم من كتاب أو سنة، وغيره ممن يحفظ جزءاً من القرآن مطالب لن فسه بما أوجب الله عليه من علم أداء فرائضه واجتناب محارمه، وإن كان لا يؤبه له ولا يشار إليه بالأصابع فمن كانت هذه أخلاقه صار فتنة لكل مفتون؛ ومن كانت هذه حاله، فقد تعرض لعظيم، وثبتت عليه الحجة، ولا عذر له إلا أن يتوب»(1). (1) أخلاق حملة القرآن؛ 1/32. باختصار يس
عدد الصفحات ٣٣٥- 335 - قال القرطبي (ت 671 : )«ومن أتي علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من الإثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً، كان القرآن حجة عليه وخصماً لديه، قال : القرآن حجة لك أوعليك »(1) . قال ابن القيم رحمه الله (ت 751هـ«أهل القرآن هم العالمون به، العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم »(2) . 4) التحذير من حفظ القرآن مع الانحراف في فهمه وردت أحاديث كثيرة في التحذير من الانحراف في فهم القرآن؛ وقد ضلت فرق كثيرة في فهمه فحرفت معاني نصوصه أو عطلت أحكامه، ومن أبرز الفرق التي ضل في فهم القرآن فرقة الخوارج، وتميزوا عن غيرهم أنهم يظهرون تعظيم القرآن، ويكثرون من تلاوته، ولقد وردت نصوص كثيرة في التحذير من الانحراف في فهم القرآن، منها قوله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﴾[7] وحذر الله من تغيير معاني كتابه وجعلها في غير مواضعها وصرفها عن مرادها قوله تعالى : ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ (1) الجامع لأحكام القرآن؛ 1/2 . (2) زاد المعاد؛ 1/338.
عدد الصفحات ٣٣٦- 336 - ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾[13] وجاءت أغلب الأحاديث في التحذير من انحراف الخوارج؛ ومن ذلك الأحا ديث التالية : 1- «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ». 2- «قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم » 3- «يَتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خ قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ». 4- «يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن، يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاو ز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية » قال النووي رحمه الله في مع «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم » :«قال القاضي: فيه تأويلان أحدهما معناه لا تفقهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق؛ اذ به ما تقطيع الحروف، والثاني معناه : لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل »(1) . وقد خاف عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما - في وقت مبكر- من ظهور هذا المحذور، ولم يسرهما كثرة القراء مع الجهل بالقرآن، وأدركا أن ذلك سبب (1) شرح النووي على مسلم؛ 7/159، وذكر ابن حجر نحوه في فتح الباري؛ 6/618 .
عدد الصفحات ٣٣٧