المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 3

باحثون

صفحة ٢٠ من ٢٧

- 385 - ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾[85] التربية القرآنية لصلاح البشرية وسعادتها ويوضح ذلك ابن القيم رحمه بقوله: «والقرآن فيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، وليس تحت أد السماء كتاب متضمن للبراهين واآخيات على المطالب العالية؛ من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النِحل الباطلة واآخراء الفاسدة، مثل القرآن؛ فإنه كفيل بذ لك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بياناً ، فهو الشفاء على الحقيقة من الأدواء . ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه، فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عياناً بقلبه، كما يرى الليل والنهار ، واعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها، وإنما هى آراء وتقليد، وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئاً، وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها، وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام فى إثباتها، مع قلة نفعها . فهى " كلحم جمل غثِ عل ى رأس جبل وعر ، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل " وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو فى القرآن أصح تقريراً وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد» (1). (1) اغاثة اللهفان؛45 ، بتصرف يس

عدد الصفحات ٣٠٦

- 386 - المبحث الثاني : خصائص التربية بالقرآن وهي خصائص كثيرة من أهمها الخصائص التال ية : 5. التربية بالقرآن ربانية 2. التربية بالقرآن موجهة لصلاح القل وهدايته 4. التربية بالقرآن شاملة لحياة ا 3. التربية بالقرآن شاملة لوسائل التأث 5) التربية بالقرآن ربانية التربية القرآنية ربانية؛ فمصدرها الذي تؤخذ منه هو وحي الله؛ قال الله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾[9]﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾[6] المربي والمتلقي؛ فهما يعيشان في كنف منهج لا يَتيه الباطل من بين يديه ولا من خلف ه تنزيل من حكيم خبير، فالهم الأكبر لدى الجميع هو المبادر إلى تنفيذ توجيهاته وتح قيق متطلباته، وما يَتي من خلل أو ضعف في النتائج فإنما هو من قبل أنفسهم، وبسبب ضعف العمل بالمنهج أو قصور في تحقيق متطلباته، وقد نبَّه الله إلى هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﴾[165.] ولهذه الربانية أثر مهم تعظيم التربية بالقرآن، وإجلالها والوقف أمامها موق ف المعظم لحكمتها وكمالها وجلالها وجمالها؛ مما يورث القبول والتلقي لها؛ تلقي المخلوق لكلام خالقه، وتلقي العبد لكلام سيده، وتلقي الجندي لأوامر قائده، فلا يضل من اعتمد على تربية القرآن ولا يحتار؛.

عدد الصفحات ٣٠٧

- 387 - 2) التربية بالقرآن موجهة لصلاح القل وهدايته. القلب عليه مدار الهداية والاستقامة فالتربية القرآنية متوجه إلى إصلاحه وهدايته؛ فإذا استقام واهتدى وعظمَّ الله وتعلق باآخخرة استقامت حياة الإنسان كلها استجابةً لله ولمراده، ولذلك لا عجب أن يقول الرسول  :«إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلِه، وإذا فسدتْ فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب »(1) . وإذا اهتدى القلب توجه الإنسان نحو الخير، وسعى نحو الإصلاح، وتطلع نحو الأفضل وهو يمارس شتّ أنواع النشاط البشري، فمتّ حلت التقوى في القلب صلحت سائر العبادات والأعمال والعلاقات، وأصبح الفر د حسيب نفسه، يشعر برقابة الله عليه، فيتسامى بالفضيلة على إغراءات الحياة ، ويتمسك بقيمه مهما أشتدت عليه الضغوط ؛ ولذلك عظمَّ الله شأن التقوى، وكرر ذكرها في القرآن كثيراً، قال الله تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾[37] وقال تعا ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴾[177.] (1) رواه البخاري 52 ومسلم4178 .

عدد الصفحات ٣٠٨

- 388 - لقد كان القرآن يتنزل في مكة ثلاثة عشر سنة ليغرس في القلوب العقيدة والتوحيد - مع قليل من الشرائع العملية - وكانت القلوب هي الميدان المقصود حتّ إذا انفت حت بالإيمان، وانشرحت بنور القرآن تهذبت النفوس، واستقامت على طاعة الله، وأسلمت أمرها لأمر الله ورسوله  ، قال تعا﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ [7] قالت عائشة رضي الله عنها عن القرآن « إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة و النار، حتّ إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء:(لا تشربوا الخمر )، لقالوا :لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل:(لا تزنوا)، لقالوا:لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد  وإني لجارية ألعب ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾[46]رة والنساء إلا وأ عنده »(1). ولا شك أن جميع والواجبات والأوامر والتوجيهات المتعلقة بالأعمال الظاهرة مهمة ومطلوبة؛ لأنها تعزز صلاح القلب واستقامته، ولأنها أيضاً دليل على صحته وسلامته وحسن تلقيه لأوامر ربه، قال تعالى: ﴿ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﴾[45]عا﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ [183.] (1) رواه البخاري؛ 4993؛ كتاب : فضائل القرآن باب تأليف القرآن ، مع الفتح؛ 9/39.

عدد الصفحات ٣٠٩

- 389 - 4) التربية بالقرآن شاملة لحياة ا التربية القرآنية ليست معنية بطهارة القلب مع إهمال شأن الجوارح كلا، بل للظاهر ضوابط ومنهج وسلوك وعبادات تسير عليها الجوارح ويلتزم بها المتربي؛ في منهج نبوي للآداب والأذكار؛ في توازن بديع يربط بين إخلاص القلب وخشوع؛ وبين أداء العبادات واستقامة الجوارح؛ والالتزام بمظاهر الشرع. فالتربية القرآنية شاملة لأعمال القلوب كالإخلاص والخوف والرجاء والحب؛ وشاملة لأعمال الجوارح كالصلاة والحج والصوم وحفظ اللسان والسمع والبصر، والتربية القرآنية شامل ة على إصلاح العلاقات بين الناس كالـبـِر بالوالدين وصلة الأر حام والإحسان للجار وحسن الاخلاق وطيب التعامل، والتربية القرآنية شاملة على حسن التصرف في الأموال بالزكاة والصدقة والإحسان والنفقة على القريب، والتربية القرآنية شاملة لجميع أوقات الإنسان وأحواله، قال الله تعالى : ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾[162 .] 3 )التربية بالقرآن شاملة لوسائل التأث انتشر مفهوم في الميادين التربوية أن المحاضن المدارس القرآنية تقتصر على وسيلة واحدة في التلقى والتعليم وهي الحفظ فقط، ولأن كان هذا واقعاً في كثير من المدارس وحلقات التحفيظ فإنِ هذا خلل وانحراف في تطبيق التربية القرآنية، لا خللاً في التربية القرآنية نفسها ولا قصوراً فيها؛ فإن التربية القرآنية الحقه التي يريدها الله سبحانه من إنزال كتبه وإرسال رسله - والتي تمثلها رسول  - تحمل في طياتها وسائل متنوعة،

عدد الصفحات ٣١٠

- 318 - وطرق متعددة للتأ ثير، خير مما يطمح إليه النقاد التربويون المعاصرون، بل إن وسائل التربية القرآنية في نفوس المتلقين أعمق أثراً، وأقوى تأثيراً، وأشد تثبيتاً؛ حيث تجعل المتربي أكثر تفاعلاً وقبولاً للقيم واقتناعاً بالمبادئ، وإقبالاً على العمل بها، وأدوم استقامة عليه . ولنأخذ نماذج من التربية القرآنية توضح كيف تتحقق فيها وسائل التأثير بعمق وفعالية . المثال الأول : الدعوة إلى الله عند مدارسة قوله تعالى : ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾[ عمران 184] اولاً : ترتيل اآخيات والإنصات لها ثانياً : التذكر بجلال الله وعظمته، وأنَّه الحكيم في أمره وشرعه، ومن حك مته جعل الناس يختلفون في استجابتهم لأوامر الله ليبلوا بعضهم ببعض ، ويصطفي منهم رسلاً وعلماء ودعاة يبلغون رسالات ربهم مبشرين ومنذرين . ثالثاُ : تدبر اآخيات وفهم معاني مفرداتها، وتدارس العمل بما حثت عليه ، وما يلزم لذلك،كما وردت في اآخيات والأحاديث الشريفة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾ [125]﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾[9. ]

عدد الصفحات ٣١١

- 311 - رابعاً : تأمل نماذج دعوية من دعوة الرسل وأتباعهم ، وكيف كان لها أعظم الاثر والنفع . خامساً : محاكاة أسلوب الدعوة عبر وسائل عدة منها : - تقديم محاكات تحوي خلالفات في أسلوب الدعوة ثم التعليق عليها واقتراح الأسلوب الأمثل ثم تعاد مع تعديل ما يلزم . - إلقاء نماذج من التوجيهات الدعوية التي تحاكي التوجيهات الدعوية المطلوبة لتقديمها للمجتمع. سادساً : الاتفاق على العمل بهدي القرآن و ممارسة الدعوة عملياً في محيط المتربي مع التأكيد على أسلوب الدعوة، ومقدماتها، وتهيأت الظروف لتقبلها . المثال الثاني : صفة الوضوء للصلاة عند مدارسة قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾[6.] اولاً : ترتيل اآخيات والإنصات لها ثانياً : التذكير بجلال الله وعظمته ، وأنه الحكيم في أمره وشرعه ، وبيان شيئ من حكمته في تشريع الطهارة .

عدد الصفحات ٣١٢

- 312 - ثالثاُ : تدبر اآخيات وفهم معاني المفردات ،وحدود فروض الوضوء، وما يستلزم ذلك من معرفة الأحاديث الشريفة الواردة في فضل الوضوء، وصفته، المتضمنة آخدابه وأذكاره . رابعاً : تأمل الحكم الشرعية في الوضوء وأثرها المعنوي والحسي على نشاط النفس وحيويتها وعلى الجسم وطهارته . خامساً :مشاهدة صفة الوضوء ومحاكاتها عبر وسائل عدة : - بالقيام بمشاهدة وتطبيق صفة الوضوء دون استخدام الماء . - القيام بأداء الوضوء في مكانه المخصص مع مراعاة تطبيق ما تم تعلمه، مع ت قييم طرق الأداء. سادساً : الاتفاق على العمل بهدي القرآن والسنة بممارسة الوضوء الكامل بسننه وأذكاره وآدابه، كما جاءت به السنة المطهرة، ابتغاء وجه الله . فالتربية القرآنية ذات منهج يبدأ بتعظيم الله وكلامه ثم التلاوة والإنصات، ثم الفهم والحفظ، ثم التطبيق العملي للعبادات والسلوك والأخلاق واآخداب، في وسط إيماني يصل المربي بربه، في تناسق فريد لا تصل إليه أرقى المناهج التعليمة؛ فلا يوجد منهج أرضي يماثله أو يدانيه في التأثير على قلب المتربي وعقله ونفسه و كيانه وحياته كلها (1) . (1) كثير من المهتممجال المناهج التعليمية المعاصرة يشتكون من صعوبة غرس الأهداف الوجدانية وتنميتها، ويعز ون هذه الصعوبة إلى أنها ليس لها محددات، وأنها تحتاج إلى وقت، وأنها تختلف باختلاف المواقف والأفراد، وقد يظهر المتعلم غير ما يبطن. ينظر في ذلك البحوث المتعلقة بتحقيق الأهداف الوجدانية، وعلى سبيل مقال : " صياغة الأهداف التعليمية" ، لـ د. يسري مصطفى السيد .

عدد الصفحات ٣١٣

- 313 - المبحث الثالث : متطلبات التربية بالقرآن في المحاضن القرآنية وهي متطلبات يلزم تحققها لتحقيق التربية القرآنية ومن أهمها ما يلي : 5) الإيمان أولاً 2) التزكية هي الةاية . 4) القدوة الحاضرة . 3) تدارس مستمر . 1) العلم للعمل . وتفصيل ذلك كما يلي : 5) الإيمان أولاً شواهد كثير ة تؤكد أن غرس الإيمان كان يحدث في الرعيل الأول من الصحابة قبل تلقي القرآن، ومن تلك الشواهد قول حذيفة بن اليمان  :«إِناَّ قوم أوتينا الإِيمان قبل أن نؤتى القرآن. وإنَّكم قوم أوتيتم القرآن قبل أن تؤتوا الإيمان »(1). وقول جندب بن عبد الله البَجلي :«كنا غلمانا حزَاورَةً (2)مع رسول ا فتعلِمنا الإِيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثمَّ تعلِمنا القرآن، فازددنا به إِيماناً، وإِنِكم اليوم تعلَّمون القرآن قبل الإِيمان»(3) . (1) رواه البيهقي ، السنن الكبرى5497 (2 ) حزاورة : جمع الحزور ، قال في الصحاح : هو الغلام إذا اشتد وقوي ، وقال في النهاية: إذا قارب البلوغ. انظر:حاشية السندي على ابن ماجه؛ 5/17 . (3)رواه ابن ماجه ؛61، وقال في الزوائد : حديث صحيح ، ورواه البيهقي، السنن الكبرى ؛4598، وصححه الألباني؛ صحيح ابن ماجه ؛ 68

عدد الصفحات ٣١٤

- 314 - وقول عَبْدَ اللَِّّ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما«لقد عشنا برهة من دهرنا و إنَّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته؛ ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل» (1). قال شيخ الإسلام«ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع في اآخخرة ؛ بل صاحبه منافق »(2) . وتعلم الإيمان في التربية القرآنية ليس معلومات تراكمية تهمل فيها حقائق الإيمان ويحفظ فيها رسمه ولفظه، وليست متناً يحفظ أو كتاب يدرَّس فحسب؛ بل هي عقيدة تنغرس في القلب من خلال الوسط الإيماني الذي يعيش فيه المتربي(3) . وهذا يكشف سر قوة تأثير التربية القرآنية، فإن الإيمان بالله وتعظيمه يسبق تلق ي الأحكام التشريعية، فإذا رسخ الإيمان في القلب كان تلقيه للأحكام يحفه التعظيم والإجلال والإقبال والمسارعة والمسابقة، وانظر إلى هذا الترتيب كيف يؤثر في نفوس المؤمنين حين وصفهم الله بقوله ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [2]﴿ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾[2]- والله أعلم- بدأ لقمان الحكيم وعظ ابنه بما يغرس الإيمان في قلبه ؛ قبل أن يوصيه بتنفيذ الأحكام التفصيلية، فأرشده أولاً : إلى ما في قوله : ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ (1) رواه البيهقي السنن الكبرى؛5496، والحاكم في المستدرك؛ 1/35 ، وقال:صحيح على شرط الشيخ (2) مجموع الفتاوى ؛ 15/71 . (3) ينظر : ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي ، لـ د. سفر الحوالي ، 122 .

عدد الصفحات ٣١٥

- 315 - ﭲﭳﭴ﴾ [13] أو بخوفك أو بدعائك بل اجعل كل ذلك لله وحده ،ليصبحك توحيدك كاملاً وإيمانك صافياً، ثم أردفه بعد ذلك بما يقذف في قلبه الوجل والتعظيم والإجلال لله وحده؛ بقوله : ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾[16] ، ثم بعد هذه التهيئة الإيمانية ذكر جملة من التوجيهات العملية، كما في قوله : ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﴾[19.] ولو أنهذه التوجيهات جاءت إلى القلب وهو خال من تعظيم الله، ومن مراقبته ومن احتساب الأجر وابتغاء ما عند الله؛ لاعترى النفس صدود وجمود وتفلت عن التكاليف وتهاون وتقصير وكسل، كحال أهل النفاق الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وقال الله عن حالهم ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾[142 .]

عدد الصفحات ٣١٦

- 316 - 2) التزكية هي الةاية قال الله تعالى: ﴿ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾[164] «يـُزَكِِيهم أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودَنَس النفوس وأفعال الجاهلية، و يخرجهم من الظلمات إلى النور، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمُن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة»(1)2. تزكية النفوس من المتطلبات المهمة للمحاضن التربوية حيث أنها الغاية الكبرى، والمقصد الأسمى فحقيق أن تهيئ لها الظروف، وتوضع لها الأولويات في بذل الجهد والوقت وصرف الأموال وإعداد الخطط، وإقرار المناهج، فتكون التزكية غاية لكل البرامج والأنظمة . فتلاوة القرآن وإتقان تلاوته غايته تلقي آيات الله وكلماته سليمةً كما نزلت، وذلك لحسن فهمها والتأثر به؛ وحفظ القرآن غايته تلاوته آياته وأداء الصلاة به وتدب ره والتأثر به والعمل به. ويترتب على هذا المتطلب أموراً كثيرةً، لعل من أهمها حسن اختيار المعلم وأن تكون تزكيته لطلابه غاية حاضرة في نفسه وفي سمته وتعامله؛ تسبق وعظه وتوجيه ه وكلماته . (1) تفسير ابن كث 1/464 . 2 )

عدد الصفحات ٣١٧

- 317 - 4) القدوة الحاضرة . قال الله تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾[21]،لقد كانت سيرته  كلها أنموذج يقتفى ويحتذى، ومن أعجب الموقف تأثيراً وتجسدياً لمبدأ القدوة ما يصفه محمد بن فضَالَة الأنصاري في قوله: إن رسول الله  أتاهم في بني ظَفَر، فجلس على صخرة لهم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه(1)، فقال الن لعبد بن مسعود  :«اقرأ عليَّ، فقال عبدالله: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزلَ ؟ قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ سورة النساء، حتّ أتى إلى هذه اآخية: ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [41] قال: حسبك اآخن ، فإذا عيناه تَذْرِفَان» (2). إن من أهم متطلبات التربية القرآنية أن يشاهد المتلقي الهدف التربوي مجسداً واقع سلوكي عبر قدوة يعيش معه يخالطه المتربي ويتأثر به، فيتشرب المتربي القيم والمبادئ بكل حواسه، وتسري إلى قلبه وتستقر في كيانه؛ لإن القيم المبادئ لا تنتقل ب سهولة بالتوجيه المجرد، بل إن المتلقي يصعب في الغالب تصور المبادئ والقيم قبل أن يشاهده العمل بها في ميدان الواقع . وها هو الصحابي الجليل مالك بن الحويرث  يصور أياماً عاشها في كنف الن  وهو شاب مع فتيان معه، فيقول  :«أتينا رسول  ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله  رحيماً رفيقاً، فلما ظن أناَّ قد اشتقنا (1 ) ذكر خروجه لبني ظفر ؛ عزاه ابن حجر للطبراني وابن أبي حاتم، ينظر: فتح الباري ؛ 9/99 . (2) رواه البخاري؛ 5858، رواه مسلم؛888 ، بلفظغمزني رجل إلى جنبي ؛ فرفعت؛ فرأيت دموعه تسيل.

عدد الصفحات ٣١٨

- 318 - أهلنا، سألنا عما تركنا بعدنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم؛ فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذ، فإ ذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، وصلوا كما رأيتموني أصلى»(1) . يطول العجب من هذه المعايش الجميلة وهذه الرحلة اللطيفة، وكيف اختصرت القدوة الحاضرة فيها مراحل طويلة وأوقات شاسعة، وكيف حققت ما لم تحققه كتب مقروءة أو متون مشروحة، لتؤدي الغرض بأقل جهد، وأسهل عبارة، وأيسر وسيلة، ولا أدل على ذلك إلا المنهج المقرر للصلاة الذي لا يتجاوز عشرين حرفاً في قوله  :«صلوا كما رأيتموني أصلي » ، مع شملوه لصفة الصلاة بأركانها وواجباتها وخشوعها وسننها وآدابها، ومتعلقاتها القبيلة والبعد ية . أن بيئة تعلم القرآن لا بد أن تكونا محضاً يرى المتعلم فيه قدوات له يتعلم منهم الإيمان والعمل، فيتأثر بهم وتتكون شخصية وتنموا بينهم، ولقد أكد هذا المعنى النبي  في قوله«الرجل على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل »(2) . إنَّ هذا المعايشة التي كانت بين النبي  و أصحابه  ، تمثلها الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة من كان يحملون همَّ حفظ كتاب الله وتعلمه وتعليمه - الذين يسمَّون زمن الصحابة بالقراء عجيب، يصفه أنس بن مالك  في قوله«جاء ناس إلى الن  ، فقالوا : ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم : القراء ، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعو نه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء »(3) . (1) رواهالبخاري؛ 7246 ، ومسلم؛674 . (2 ) رواه الترمذي؛2378 ، وقال: حديث حسن، ورواه أبو داود؛4835، وحسنه الألباني، الصحيحة؛729 . (3 ) مسلم؛677.

عدد الصفحات ٣١٩

- 319 - ويتبين مما سبق أن المحاضن القرآنية حين تقوم بالأنشطة الاجتماعية التي يتعايش فيها الطلاب مع المعلمين – ولو في أوقات محدودة – إنما هي تعويض للمعايشة المفقودة بين الطالب والمعلم؛ أن يتم تلقى الطلاب لهدي القرآن بالمعايشة والمشاهدة والتطبيق، دون الاقتصار على التوجيه الشفهي والتلقي السمعي والتعليم النظ ري . والقدوة الحاضرة المؤثرة يمكن تصورها في المربي من خلال ثلاثة مكونات رئيسة هي: المكوِن الأول : المربي القدوة معايش لطلابه يرونه في غير محل الدرس ومجلس الحلقه في تفاعل اجتماعي؛ يلفه الحب والأنس والرضا؛ يزيل الكلفه ويزيد الأل فة . المكوِن الثاني : المربي القدوة ثبات على المبادئ وملتزم بالقيم مهما تغيرت المؤثرات أو طرأت المغريات يرون فيه التطلع للخير سمة ثابتة وأخلاقاً راسخة لا تتغير عند الغضب أو تزول عند أدنى عارض. المكوِن الثالث : المربي القدوة مضح من أجل قيمه، باذل من أجل دينه، يبتغي م ا عند الله والدار اآخخرة، يبذل في سبيل ذلك من نفسه وماله وجهده ووقته، يضحي بلذاته وراحته من أجل دين الله والدعوة إليه، ومن أجل ترغيب الناس في الخير . 3) تدارس مستمر قال الله تعالى فبيان صفات الربانيين الذي يحملون رسالات الله : ﴿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾[79]، فتدارس آيات الله وكتابه صفة لازمة بل ومستمرة، وهي من متطلبات التربية القرآنية، ولقد كان ذلك هديه  مع جبريل عليه السلام وهديه مع أصحابه ، فعن ابن عباس  قال: (كان رسول  أجود الناس؛ وكان أجود ما يكون في رمضا ن؛

عدد الصفحات ٣٢٠

- 328 - حين يلقاه جبريل؛ وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان ؛ فيدارسه القرآن فلرسول الله  أجود بالخير من الريح المرسلة » (1)8 يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه «يستحب للمؤمن أن يدارس القرآن من يفيده وينفعه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دارس ج بر ائيل للاستفادة، فجبرائيل لابد أن يفيد النبي  أشياء من جهة حروف القرآن؛ ومن جهة معانيه ال أرادها الله؛ فإذا دارس الإنسان من يعينه على فهم القرآن؛ ومن يعينه على إقامة حروفه فهو المطلوب»(2). وقد أخبر الن بفضائل تدارس القرآن في قوله  :«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله؛ ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيته م الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده »(3) . وكان تدارس القرآن هديه  في تعليمه للقرآن، ف عن عبد اللَّّ بن مسعود  قال: «كنا إِذا تعلِمنا من النِ عشر آياتمن القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتّ نعلم ما فيه من العمل» (4) . (1) رواه البخاري ؛ 4/99،ومسلم؛ 2387 . (2) الجواب الصحيح في أحكام صلاة الليل والاويح؛ 12 . (3) رواه مسلم؛2699 . (4) رواه البيهقي؛5495 .

عدد الصفحات ٣٢١