المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحلل السندسية في نصائح الجماعات الدعوية الإخوان والتبليغ والسلفية

محمد بن حامد آل عثمان الغامدي

صفحة ٥ من ٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 64 مستخدمين في ذلك وسائل الترغيب والترهيب ، والتبعيد والتقريب ، مستغلين عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولي أمر المسلمين ، واختلافهم في مسألتي حدود الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكيفية كلٍ منهما . 4- تأثر بعض السلفيين باتجاهات دعوية قائمة على اتجاهات عقلانية وتأملات فكرية تخالف أحياناً منهج السلف في الاستدلال والنقل ، وكذلك تأثرهم بما استحدث من وسائل الإعلام وأساليبه المستقاة من الثقافة الغربية ، معتمدين على اجتهاداتهم في تقدير المصالح والمفاسد ، مقررين ذلك بنظرة عقلانية تتجاوز النصوص أحياناً أو تؤولها . ٥- اعتقاد بعض السلفيين أن الاتباع إنما يكون في العقيدة لا في الدعوة وطرقها ، فجعلوا الدعوة مجالاً للاجتهادات ، والمبتدعات ، في طرقها وأساليبها ، والمنافسة في استعمال وسائل العلمانيين أحياناً في ترويجهم لباطلهم وعدوها وسائل دعوية مشروعة ، وقالوا : نحن أولى بها منهم ودعوتنا أحق بها من باطلهم ، وهذا منحى فيه خطر على الدعوة عامة ، وعلى المنهج السلفي العلمي القائم على الاتباع ، وعلى الاستدلال بالنصوص الشرعية في كل صغيرة وكبيرة . ٦- توجّه بعض السلفيين إلى التكفير والتبديع ، والحكم على الناس حكاماً أو محكومين أو دعاة ، دون تبيّنٍ أو رويّة أو تورّعٍ ، مما جعلهم يخطّئون بعضهم بعضاً ، ويرد بعضهم على بعض ، وربما بدّع أو كفّر بعضهم بعضاً ، وهذا غاية في البعد عن منهج السلف الصالح المحكوم بالتقوى والورع والعدل ، وتحرّي الحق والصواب . والله الهادي إلى سواء السبيل . آثار هذا التمزّق والخلاف بين الدعاة السلفيين : 1- ضعف الدعوة السلفية في مواجهة خصومها من أهل البدع والنفاق والزيغ والانحراف ، ومن ثم تجرؤ هؤلاء الخصوم بإظهار بدعهم وانحرافاتهم ، بعد أن كانوا يتهيبون أهل السنة ويتخفون بأباطيلهم وانحرافاتهم ، إضافة إلى تجرؤهم على علماء أهل السنة بالتطاول عليهم ، والرد على مقالاتهم ، ووصفهم بأوصاف لا تليق إلاّ بخصومهم .

عدد الصفحات ٦٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 65 2- نشوء العداوات والخصومات بين أهل ال سنة والجماعة السلفيين ، وانشغالهم بها عن دعوتهم ، وعن مواجهة خصومهم ، حتى أصبحوا فرقاً متناحرة متنافرة ، يتهم بعضها بعضاً ، ويبدع بعضها بعضاً . 3- حيرة طلاب العلم والدعاة إلى من الشباب الناشئين بسبب هذه الانشقاق والتصدّع بين السلفيين أهل السنة والجماعة ، وتشرذمهم بين هذه الاتجاهات المتبانية ، والخلافات المتفاقمة .

عدد الصفحات ٦٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 66 المقالة الثالثة : * المدارس السلفية في عصرنا الحاضر * المدارس الأربع أولاً : المدرسة السلفية الفقهية : (مدرسة الدعوة إلى التوحيد) : أ – منهجها الدعوي : 1- يقوم منهج هذه المدرسة على الدعوة إلى التوحيد خصوصاً توحيد العبادة (الألوهية) ، وإثبات الصفات لله تعالى على مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة . 2- يُعنى علماء هذه المدرسة ودعاتها ببيان أنواع الشرك وأصناف البدعة محذرين منها أشد التحذير ، داعين إلى نبذها والعودة إلى التوحيد والسنّة . 3- يُعنى هؤلاء الدعاة بالفقه وأصوله عناية بالغة مقروناً بالأدلة من الكتاب والسنة ، خصوصاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، ويأخذون بالدليل الراجح من اجتهادات المذاهب الأخرى من أهل السنة إذا ترجح لديهم حتى لو خالف المذهب . 4- يقرون بالمذاهب الأربعة في الفقه ، ويرون أنها جميعاً مذاهب أهل السنة والجماعة ، ولا يستنكفون عن الأخذ من أي منها إذا أسعفه الدليل . 5- منهج هذه المدرسة في الحقيقة هو منهج الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، فقد كان إمام هذه المدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب متأثراً بابن تيمية وتلميذه أشد التأثر في عقيدته ودعوته ووقوفه في وجه الطرق الصوفية وعقائد المتكلمين المبتدعة .

عدد الصفحات ٦٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 67 6- اتسم المنهج الدعوي لهذه المدرسة في وقتنا الحاضر بالطابع الرسمي ، نظراً لتبن ي الدولة السعودية لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، فانتشرت هذه الدعوة في المملكة السعودية عن طريق التعليم العام والجامعي ، وكذلك عن طريق الرئاسة العامة للدعوة والإرشاد ، التي حولت بعد ذلك إلى وزارة ، كما انتشرت عن طريق جهود العلماء في الفتوى والمحاضرات والدروس العلمية داخل المملكة . أما خارج المملكة فقد اقتصر نشر هذه الدعوة على الجهود الحكومية - كذلك - عن طريق تأسيس بعض المعاهد الشرعية في بعض الدول الإسلامية ، أو إعطاء بعض الطلاب المسلمين منح للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، أو نحو ذلك مما جعل هذه الدعوة محدودة الانتشار في البلدان الإسلامية فضلاً عن غير الإسلامية . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب وأبناؤه وأحفاده ، ومن أشهرهم الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد ، والشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب كتاب فتح المجيد ، وهذان الكتابان هما في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب ، ومنهم : الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ ، كان مفتياً للمملكة وفتاواه مشهورة يجلّها العلماء وهي مجموعة في مجلدات كثيرة ، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وهو مفتي المملكة في وقتنا الحاضر . وقد عمّت الجزيرة العربية في عهد الشيخ محمد بن عبدالوهاب كثير من العقائد الشركية والخرافات الصوفية ، وتفشى في الناس الجهل بالدين ، فتوجّهوا إلى الحكم بالأعراف القبلية والعادات الجاهلية . فقام رحمه الله قومة صادقة في وجه هذا الاضمحلال للدين ، ودعا إلى العودة إلى التوحيد والسنة ، ونبذ الشرك والبدعة ، والعادات الجاهلية ، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً ، وقد أعانه الله على ذلك بمساندة

عدد الصفحات ٦٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 68 الإمام محمد بن سعود حاكم الدرعية ، فانتشرت دعوته في أنحاء الجزيرة العربية ، وظل الحكم السعودي يساندها في مختلف مراحله إلى يومنا هذا . 2- الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، العالم الجليل الفقيه المفتي الداعية المبجّل ، عرف – رحمه الله – بسعة علمه وحلمه وجلالة قدره عند الناس ، وتآلف القلوب عليه ، حتى أثنى عليه واعترف بقدره القاصي والدّاني حتى مخالفيه ، توفي رحمه الله عام 1421هـ بمكة المكرمة 3- الشيخ محمد بن صالح العثيمين : العلامة الفقيه الأصولي الداعية المربي ، تخرّج على يديه كثير من التلاميذ ، وبث علمه في الناس بدروسه العلمية في القصيم ومكة المكرمة ، وفتاواه ، ومؤلفاته التي من أشهرها عقيدة أهل السنة والجماعة ، وكتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع في الفقه الحنبلي ، وهو وجميع علماء هذه المدرسة على منهج ابن تيمية في تقديم الدليل من الكتاب والسنة على القياس وأقوال العلماء حتى لو خالف مذهبه الفقهي ، توفي رحمه الله عام 1421هـ بمكة المكرمة 4- الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، أحد العلماء الأجلاء الذين يرجع إليهم في الفتوى ، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة ، وقد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود في الفقه ، وقام بالتدريس فيها . اشتهر حفظه الله بمواقفه الجليلة في التصدي للدعوات العل مانية ودعاة أهل البدع ، والرد عليهم بالردود العلمية المُفْحِمة ، وله مؤلفات عديدة في العقيدة والفقه ، ومقالات كثيرة في الدعوة إلى الله والرد على أهل البدع والانحراف . ج - مزاياها : 1- تتميز هذه المدرسة بالعناية الكبيرة بنشر العلوم الشرعية على مذهب أهل السنة والجماعة خصوصاً ما يتعلق بالعقيدة السلفية والأحكام الفقهية ، وقد تخرّج عليها في المملكة كثير من العلماء وطلاب العلم ، وأصبح – بسبب ذلك – كثير من العامة – في المملكة – على وعي تام ودراية بكثير من الأحكام الشرعية والأصول العقدية .

عدد الصفحات ٦٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 69 2- كما تتميز هذه المدرسة بالتأكيد على مسائل التوحيد في العقيدة خصوصاً توحيد الألوهية وإثبات الصفات ، ومن ثم التأكيد على نبذ الشرك والبدعة بأنواعها . 3- وعلى الرغم مما اشتهر عن دعاة هذه المدرسة في بداية الحكم السعودي من خشونة وفظاظة في الدعوة إلى الله ، وأخ ذ الناس بالشدّة والغلظة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلاّ أن هذا كان – غالباً – من الدعاة العوام وأشباه العوام . أما علماؤها فقد تميزوا في نقدهم للمذاهب والفرق والجماعات الدعوية الأخرى بمنهج علمي رصين يقوم على بيان المخالفات والأخطاء عند غ يرهم ، والرد عليها رداً علمياً مبنياً على الدليل الشرعي من الكتاب والسنة ، في عبارة رصينة متزنة ، دون ثلب أو قدح أو تجريح لمن خالفهم إلاّ في القليل النادر ، فنقدهم غالباً إنما ينصب على المناهج والعقائد المخالفة لا على أشخاص دعاتها ومثالبهم . بل إن الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وهو أحد أئمة هذه المدرسة – قد أضفى عليها بسبب حلمه ولين جانبه طابعاً من الرفق والرحمة تألف به كثيراً من المخالفين ، وحظي بسببه باجتماع القلوب على مودّته من القاصي والداني ، وبتوقيره واحترامه حتى من المخالف المعادي . د – المآخذ عليها : 1- إن الطابع الرسمي الذي اتسمت به هذه المدرسة بسبب ارتباطها بالحكم في المملكة العربية السعودية قد أثر على ظهورها وانتشارها سلباً وإيجاباً . فأما في داخل المملكة فقد كان الأثر الرسمي على هذه الدعوة إيجابياً نظراً لما حظيت به من دعم وعناية من الحكومة ، يتمثل في نشرها عن طريق التعليم العام والجامعي وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووزارة الدعوة والإرشاد وغيرها ، وقد سبق ذكر هذا عند الحديث عن منهجها . أما في خارج المملكة فقد كان للطابع الرسمي أثره السلبي في تحجيم هذه الدعوة ، وضعف آثارها ، وقلة انتشارها ، نظراً لحرص الدولة على أن لا تتأثر

عدد الصفحات ٧٠

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 71 علاقاتها السياسية بردات الفعل التي تواجهها (العقيدة الوهابية 1] لهذا ظلت هذه الدعوة حبيسة المملكة إلاّ ما سبق ذكره من انتشار بعض المعاهد والمراكز المحدودة الأثر في الخارج . 2- لقد صاحب قيام هذه المدرسة الدعوية ، ونشر دعوتها ، نَفَسٌ من العصبية القبلية المُنَفِّرَة ، نظراً إلى أن قيام دعوتها كان في القبائل النجدية التي خرجت بها في ركاب الجيوش السعودية التي سيطرت على قبائل الجزيرة ووحّدتها في كيان واحد هو المملكة العربية السعودية . وقد ظل هذا النَّفَسُ النجدي القبليّ مصاحباً لانتشار هذه الدعوة حتى إن من دعاتها العوام أو أشباه العوام من يحملها على أنها دعوة نجدية ، يعتدُّ بها اعتداداً قبلياً أكثر من اعتداده بعقيدتها السلفية الصافية ، بل قد يُشتَمُّ هذا النَّفَ سُ القبليّ عند بعض طلاب العلم من دعاتها ، حاشا العلماء ، مما جعل النًٍٍفرة منها قائمة في نفوس كثير من الناس زمناً طويلاً ، ولولا قيام الدولة السعودية عليها ونشرها عن طريق التعليم وغيره لكان هذا النَّفَسُ القبليّ سبباً في عدم خروجها عن دائرة بعض القبائل النجدية . 3- خضوع هذه المدرسة للتوجه السياسي للدولة السعودية ، وحرص دعاتها وعلمائها على عدم مصادمة هذا التوجه السياسي سواءً في الداخل أو الخارج ، مما جعل خصومها وبعض أتباعها يصمونهم بالمداهنة ، ويطلقون على علمائها – أحياناً – لقب "علماء السلاطين" . 4- انحصار المجهود الدعوي لهذه المدرسة في دائرة العلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يكن للمجهود التربوي الإيماني حظ من الاهتمام لدى دعاتها وعلمائها ، كإقامة المراكز الدعوية ، وإعداد البرامج التربوية الإيمانية التي تمكّن الدعاة والعلماء من رعاية الشباب وغيرهم من فئات المجتمع والمحافظة على عقائدهم وتوجهاتهم السلفية الصحيحة خارج إطار الأنظمة الرسميّة المعقّدة ، خصوصاً في هذا العصر الذي تتعرض فيه المجتمعات الإسلامية لموجات من التغريب والدعوات القائمة على أفكار وتوجهات بدعية منحرفة .

عدد الصفحات ٧١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 71 ولذلك فقد تُرك الباب مفتوحاً على مصراعيه للجماعات الدعوية الأخرى ، وللثقافات العلمانية وغيرها ، حتى أصبح المجتمع نهباً للدعوات المختلفة ، ومسرحاً للصراعات الفكرية والثقافية المتعددة . ثانياً : مدرسة المحدّثين السلفية : (مدرسة الجرح والتعديل) أ – منهجها الدعوي : 1- يقوم منهج هذه المدرسة على تعليم العلم الشرعي خصوصاً علم الحديث دراية ورواية ، وقد تخرج عدد من طلاب العلم والدعاة على هذا المنهج العلمي الحديثي . 2- يقتفي أصحاب هذه المدرسة آثار المحدثين السابقين من الحنابلة في دعوتهم ومواقفهم من الرواة ومن رؤوس الفرق البدعية ، خصوصاً الفترة (ما بين القرن الرابع الهجري إلى السادس الهجري) ، وهي فترة صراع مرير بين الحنابلة أهل الحديث ومن سواهم من أهل الفرق والمذاهب الأخرى . 3- يعتمد منهج هذه المدرسة في دعوته وتقويمه للعل ماء والدعاة وأتباعهم على منهج (الجرح والتعديل) الذي قوّم به المحدثون السابقون رواة الحديث ورجالات الفرق الأخرى . فهم يواجهون الجماعات الدعوية بجرح دعاتها وزعاماتها والتنقص منهم واتهامهم بالبدعة وربما الحكم عليهم بالكفر والزندقة . وذلك لأنهم يرون أن جرح أولئك الدعاة واتهامهم في عقيدتهم وتمزيق سمعتهم هو أفضل السبل لإسقاط دعوتهم وتحذير الناس منهم . وهذا مسلك تنزه عنه علماء المدرسة الفقهية السابقة وعابوه على من سلكه . ولا شك أنه مسلك خشن يهدم ولكنه لا يصلح . 4- لا يرى أصحاب هذه المدرسة عند تقويمهم ل زعامات الجماعات الأخرى مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات لأولئك الأشخاص وإصدار الحكم عليهم من خلال ذلك ، بل يرون أن في ذلك إضعافاً لحجّتهم ، وقصوراً عن بلوغ

عدد الصفحات ٧٢

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 72 الغاية التي ينشدونها وهي إسقاط أولئك الدعاة وإزالة تلك الجماعات وإبطال مناهجها . 5- يعرف عن أصحاب هذه المدرسة مصانعتهم لولاة الأمور أياً كان حالهم ، وذلك بإظهار تأييدهم لهم ، وبالإنكار على من ينكر عليهم ، حتى إنهم ليتصدون لكل من أنكر على الولاة مهما كان حال الوالي من الفسق ومحادة الدين وإقرار الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك ، ويصفون من يخا لفه أو ينكر عليه علانية بالبدعة ، وينسبونه إلى فرقة الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلاب النار . 6- كان هذا المسلك لأصحاب هذه المدرسة ذريعة لبعض الحكام في البطش بكل من خالفهم أو أنكر عليهم بإيقافهم أو سجنهم أو فصلهم من وظائفه الحكومية ، بحجة عدم جواز الإنكار والمخالفة علانية شرعاً كما تقرره هذه المدرسة السلفية . كما إنه كان في هذا المسلك فرصة لهم في محاولتهم إزالة هذه الجماعات وإسقاطها والانتصار عليها باستعداء الحكام عليها وإفتائهم بوجوب منعها والتنكيل بدعاتها ، وبلغ بهم الأمر حد التحريض على قتل هؤلاء المخالفين ، وكان بعضهم يقول : اقتلوهم ودمهم في رقبتي . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ محمد أمان الجامي : وهو عالم محدث (من الحبشة) ، ولد بالحبشة ، ثم انتقل إلى السعودية وأتم تعليمه الثانوي والجامعي بها ، وحصل على الماجستير من جامعة البنجاب والدكتوراة من دار العلوم بالقاهرة ، ودرس على يد عدد من المشايخ السلفيين منهم : الشيخ محمد بن إبراهيم وعبدالرزاق عفيفي وعبدالعزيز بن باز وغيرهم . و كان مدرساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة . وقد نسبت إليه هذه المدرسة الدعوية فسميت ب(الجامية) ، لأنه كما يبدو كان من أوائل من رسخ منهج الجرح والتعديل في تقويم الدعاة ومحاولة إسقاطهم وإزالة مناهجهم

عدد الصفحات ٧٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 73 الدعوية بهذا الأسلوب النقدي . توفي رحمه الله في 26 /8 /1416 بالمدينة المنورة . 2- الشيخ ربيع بن هادي المدخلي : وهو عالم محدث (من السعودية) ، تخرج من المعهد العلمي بصامطة ، ثم التحق بالجامعة الإسلامية ، وتخرج منها ، وحصل على الماجستير والدكتوراه في الحديث من جامعة الملك عبدالعزيز . ثم كان مدرساّ في الجامعة الإسلامية بالمدينة ، ويعدّ من أبرز رموز هذه المدرسة وأقواهم في إظهار منهجها ، ومواجهة خصومها . يعد الشيخ ربيع المدخلي من أبرز مشايخ هذه المدرسة وأكثرهم تحمساً وإصراراً على منهجها . وله مؤلفات عديدة أكثرها في الرد على رموز الجماعات الدعوية في وقته ، والحط عليهم بتجريحهم وتبديعهم وربما تكفير بعضهم . 3- الشيخ مقبل بنهادي الوادعي : وهو عالم محدث (من اليمن) ، درس في معهد الحرم ، ثم الجامعة الإسلامية حتى حصل على شهادة الماجستير منها ، ثم انتقل إلى اليمن على إثر اتهامه بمراسلة جهيمان العتيبي . رُحِّل بعدها إلى بلده ، حيث بدأ بتأسيس مركز علمي حديثي بقرية (دماج) من محافظة (صعدة) . ثم توافد إليه طلاب العلم من أنحاء اليمن والعالم لدراسة علم الحديث في مركزه حتى صاروا بالآلاف . تبنى الشيخ مقبل منهج الجرح في كلامه وكتاباته عن الدعاة من الجماعات الدعوية الأخرى ، وصنف في ذلك المصنفات ، فهو يعتمر من زعامات هذه المدرسة ورموزها . توفي رحمه الله بمدينة جدة في 31 /4 /1422 ودفن بمقبرة العدل بمكة المكرمة . ج - مزاياها : 1- تتميز هذه المدرسة بعنايتها بعلم الحديث وعقيدة السلف تعلماً وتعليماً ودعوة .

عدد الصفحات ٧٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 74 2 - يتميز أتباع هذه المدرسة بالتصدي للبدع الدعوية لدى الجماعات الدعوية الأخرى ، وقد جعلوا هذا المضمار محط جهودهم واهتمامهم ، لولا ما يشوب نقدهم من روح العداء ، وتقصد الأشخاص ، وكيل التهم بحق وبغير حق ، مما سيأتي ذكره في المآخذ . 3 - حفاوتهم بعلماء السلف ، وسعيهم إلى تقليد منهجهم وطريقتهم في الدعوة ، وإشهار مناقبهم ، وتدريس كتبهم . 4 - قيام طريقتهم في الدعوة على تعلم العلم الشرعي خصوصاً علم الحديث والعقيدة السلفية . د – المآخذ عليهم : 1- حدّة الخطاب ، وعنف العبارة ، وروح العداء في الإنكار على المخالفين ، بدلاً من أسلوب النصح في الدعوة ، والترفق في الخطاب ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي أحسن ، وهذا خلاف التوجيه القرآني ، والهدي النبوي ، في خطاب المخالفين ودعوتهم . 2- تجريح المخالفين ، واتهامهم في نياتهم ومقاصدهم ، وإظهار العداوة لهم ، والسعي بهم أحياناً إلى الحكام وذوي السلطان على خلاف منهج أه ل السنة والجماعة الذي عرف عنهم ، بل إنّ الوشاية والسعاية بالمخالفين إنّما هو مذهب المبتدعة ، أمّا أهل السنّة فمذهبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنّصح لمن خالفهم . 3- تركيزهم على تعلم الحديث ، أو تغليبه على غيره من العلوم الشرعية خصوصاً الفقه ، بحيث ظهر أثر ذلك على الدعاة المحدثين في قلة فقههم وضعفه خصوصاً في مخاطبة المخالفين ، وفي موازنة المصالح والمفاسد ، وفي تقدير الأحكام ، سواء فيما يتعلق بالأحكام أو بالدعوة إلى الله ، وهذا بسبب الخلل في التلقي .

عدد الصفحات ٧٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 75 4- اقتصارهم في إنكار المنكر غالباً علىالجماعات الدعوية ، أو على بعض المبتدعة ، والسكوت عن كثير من أهل الفساد والفسوق ، أو أصحاب التوجهات الإلحادية والعلمانية ، خصوصاً من كان منهم مقرباً إلى الولاة وأصحاب السلطان . 5- مصانعة ولاة الأمور ، واستعداؤهم على المخالفين لهم من الجماعات الأخرى ، بطريق الوشاية والتهمة . 6 - غلو أتباع هذه المدرسة في طاعة ولي الأمر الحاكم ، واعتبار طاعته مطلقة ، فلا يجيزون مخالفته ولا الإنكار عليه أو مناصحته علانية ، وإن كان علمانياً مفسداً محاداً لله ولرسوله حاكماً بغير ما أنزل الله . 7 - إشعال الفتنة بينأهل السنة ، وإيقاظ الفرقة فيما بينهم ، بتصنيفهم على أنهم مبتدعة ، وأكثرهم على أنهم خوارج ، لمجرد اختلافهم مع بعض الولاة في مسائل من الدين جار فيها الولاة أو خالفوا فيها كتاب الله وسنته . 8 - نتج عن غلوهم في طاعة ولي الأمر مع ما يكون من أعمال بعضهم المخرجة عن الملة أحياناً تلبسهم بمذهب الإرجاء ، فلا يرون في عمل هؤلاء الحكام المخرج من الملة ناقضاً للإسلام ، ويرون بأن مجرد نطقه بالشهادتين أو انتسابه للإسلام كاف لتصحيح معتقدة ، فجعلوا الإيمان النطق باللسان ولو ناقضه العمل . وهم مضطربون في هذه المسألة ، وإرجاؤهم فيها إنما يكون في الحكام ومن التحق بهم من العلمانيين والزنادقة ، ولا يخرجون إلى الإرجاء في كل شيء .

عدد الصفحات ٧٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 76 ثالثاً : المدرسة السلفية الفكرية ( أو السلفية العصرية أ – منهجها الدعوي : 1- الأصل في معتقد هذه المدرسة أنها سلفية في كافة أصولها العقدية ، إلاّ أن النَفَس الثقافي الفكري قد طغى على منهجها الدعوي ، ولعل من أسباب ذلك تأثر دعاتها بالمفكرين الإسلاميين المعاصرين من أمثال : أبي الأعلى المودودي مؤسس (الجماعة الإسلامية) بباكستان والهند والبنغال ، وحسن البنا مؤسس (جماعة الإخوان المسلمين) بمصر ، وسيد قطب أحد رموز جماعة الإخوان ، وأبي الحسن الندوي بالهند ومالك بن نبي بالجزائر . بل ومفكرين غربيين وشرقيين مسلمين وغير مسلمين . ولكن خصومهم من سلفية المحدثين ينسبونهم على وجه الخصوص إلى المفكر الإسلامي محمد بن سرور زين العابدين وسموهم لذلك ب(السرورية) ، ولعل ذلك بسبب التوافق بينهم وبينه في المعتقد السلفي مع الفكر الإصلاحي النقدي الحركي . 2- مرور هذه المدرسة بمرحلتين متباينتين بالنسبة لمواقفها الدعوية المرحلة الأولى : (بداية المدّ الدعوي لهذه المدرسة ويسمى بمرحلة ): ويتجلى في هذه المرحلة نشاط الدعاة السلفيين الحركي من أتباع هذه المدرسة ، وتأثر جماهير الناس بدعوتهم من مختلف طبقات المجتمع ، ويقظة المسلمين إلى دينهم ، والتزام أكثر المجتمع بالدين التزاماً شمولياً ، وكأنك تعيش عهود السلف الصالح ، وسميت هذه المرحلة ب(ال صحوة) وحق لها أن تكون صحوة لما ظهر فيها من الخير ، ورجوع الناس إلى الدين . وكانت الأنشطة الدعوية في هذه الفترة تتمثل في المناشط الآتية :

عدد الصفحات ٧٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 77 أ– إلقاء المحاضرات في المساجد والمدارس والجامعات وكذلك عقد الندوات العلمية والدعوية بها من قبل العلماء والدعاة ، وتنقل الدعاة لإلقاء المحاضرات في مختلف المناطق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً . ب الشباب على حلق العلم بين يدي العلماء . جيام دور تحفيظ القرآن الكريم للنساء في جميع الأحياء والقرى والهجر بصورة لم يسبق لها مثيل . د الشباب وتربيتهم على الحياة الإسلامية ، والأخلاق القرآنية ، والنهج النبوي الصافي . هـ _ة الأعداد الغفيرة ممن غرقوا في المعاصي والمنكرات ، حتى صار كثير منهم أئمة مساجد ودعاة ومجاهدين في سبيل الله . و ، وانتشار بعضها في جميع بلاد العالم الإسلامي حتى صار نشاطها على مستوى العالم . ز علمائه ودعاته رموزاً قيادية يقتدي بها ، ويسترشد بتوجيهاتها ، ويلتزم منهجها . المرحلة الثانية : ( مرحلة الالتفاف على الصحوة وضربها ) : وفي هذه المرحلة : أ_ حدوث حرب الخليج ( دخول الجيش العراقي إلى الكويت واحتلالها ) ، وهنا قام أكثر رموز هذه المدرسة بالفتوى بتحريم الاستعانة بالكفار ( الأمريكان ) في محاربة الجيش العراقي المسلم ، ووجوب إعلان الجهاد لإخراج الجيش المحتل . بينما صدرت فتوى كبار العلماء بجواز ذلك . فاعتبرت الدولة أن هذا الموقف كان

عدد الصفحات ٧٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 78 ضد إرادتها ، فكان من آثار ذلك سجن عدد من رموز هذه المدرسة ، منهم : سفر الحوالي ، وسلمان العودة ، وناصر العمر ، وسعيد آل زعير ، وغيرهم . ب وبدأ التضييق على كافة الأنشطة تدريجياً حتى كان حدث ضرب الأبراج الأمريكية في 11 سبتمبر عام2111م ، فتم إغلاق كافة الأنشطة الدعوية تقريباً إلا بعض الجهود الضئيلة لمكاتب دعوة الجاليات . ج الدعوي وتحول كل منهم إلى نشاط فردي يتحاشى فيه غضب الدولة ، أو الوقوع في تهمة الإرهاب المجرمة دولياً . 3 - منهج هذه المدرسة السلفية الفكرية هو منهج دعوي تربوي فكري، والمعروف أن المنهج السلفي يقوم على تعلم العلوم الشرعية وتعليمها وينتشر عن هذه الطريق ، إلا أن السلفية الفكرية تنحو إلى تغليب الجانب التربوي التثقيفي الحركي على مجرد التعليم ، ولا شك أن هذا من تأثر دعاتها بالمناهج الفكرية في دعوة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية بالهند ونحوها . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي : أحد أعلام هذه المدرسة ، ومدار رحاها ، حصل عل ى الشهادة الجامعية الأولى (البكالوريوس) من قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وعلى الجامعية الثانية والثالثة (الماجستير والدكتوراه) من قسم العقيدة جامعة أم القرى بمكة المكرمة ، ودرّس فيها ، ورأس قسم العقيدة الإسلامية بها . عرف بذكائه ودهائه وجرأته في عرض مباحثه وأقواله خصوصاً في كتبه التوعوية في التحذير من المخططات الغربية مثل كتابه ( وعد كيسنجر ) ، وموقفه المعارض لدخول القوات الأمريكية الكويت .

عدد الصفحات ٧٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 79 اشتهر بدرسه في العقيدة الطحاوية الذي كان يلقيه بأحد مساجد جده ، وبمحاضراته التي كان يتداعى لها الشباب ، ويجتمع لسماعها الجم الغفير منهم ، كان شديد الإنكار على بعض سياسات الدولة ، وبعض مظاهر الفساد الإجتماعي ، فسجن بسبب ذلك خمس سنوات متصلة أو نحواً منها . 2- الشيخ سلمان بن فهد العودة : من أبرز أعلام هذه المدرسة ، وأكثرهم تمثيلاً لمنهجها ، كان كثير المحاضرات قبل سجنه ، يلتف حوله الشباب في مواكب في طريقه وفي محاضراته . أما بعد خروجه من السجن فقد نقل نشاطه الدعوي إلى الإعلام ، خصوصاً القنوات الفضائية . إضافة إلى موقعه الإعلامي المسمى (الإسلام اليوم) في شبكة المعلومات (الانترنت) ، وقد أخرج مجلة باسم هذا الموقع ، فجهوده الدعوية من بعد خروجه من السجن كانت إعلامية توعوية ، يحاول الشيخ فيها إظهار بعده عن التوجهات المتشددة ، وإبراز انفتاحه على كافة الأطياف . وقد وصل الشيخ سلمان في هذا الاتجاه إلى أن نحى بعد ذلك منحى تصالحياً مع التوجهات الليبرالية ، ومن يسمون بالحقوقيين ، وحاول المشاركة في بعض مؤتمراتهم المختلطة في بعض دول الخليج التي كانت تعج بالشباب والشابات في صورة مختلطة بعيدة عن أي اعتبار للموقف الديني ، لولا إيقاف بعض هذه الملتقيات من جهات رسمية . 3- الشيخ ناصر بن سليمان العمر : أحد أعلام هذه المدرسة ، كان رئيساً لقسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض . اشتهر بمحاضراته الرصينة المؤثرة . وبحسن اختياره للموضوع والمناسبة والوقت الذي يلقي فيه محاضراته . وتأتي محاضراته تعبيراً قوياً عن توجه هذه المدرسة في النقد الاجتماعي والسياسي المتزن والهادف . ويميل الشيخ ناصر إلى الجانب الدعوي التربوي الوسطي المتزن . له كتيبات ورسائل دعوية منها كتابه الذي أسماه (فقه الواقع) ، وأراد منه اعتبار البعد الواقعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في فقه الدعوة ، إلا أن هذا

عدد الصفحات ٨٠