الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 64 مستخدمين في ذلك وسائل الترغيب والترهيب ، والتبعيد والتقريب ، مستغلين عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولي أمر المسلمين ، واختلافهم في مسألتي حدود الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكيفية كلٍ منهما . 4- تأثر بعض السلفيين باتجاهات دعوية قائمة على اتجاهات عقلانية وتأملات فكرية تخالف أحياناً منهج السلف في الاستدلال والنقل ، وكذلك تأثرهم بما استحدث من وسائل الإعلام وأساليبه المستقاة من الثقافة الغربية ، معتمدين على اجتهاداتهم في تقدير المصالح والمفاسد ، مقررين ذلك بنظرة عقلانية تتجاوز النصوص أحياناً أو تؤولها . ٥- اعتقاد بعض السلفيين أن الاتباع إنما يكون في العقيدة لا في الدعوة وطرقها ، فجعلوا الدعوة مجالاً للاجتهادات ، والمبتدعات ، في طرقها وأساليبها ، والمنافسة في استعمال وسائل العلمانيين أحياناً في ترويجهم لباطلهم وعدوها وسائل دعوية مشروعة ، وقالوا : نحن أولى بها منهم ودعوتنا أحق بها من باطلهم ، وهذا منحى فيه خطر على الدعوة عامة ، وعلى المنهج السلفي العلمي القائم على الاتباع ، وعلى الاستدلال بالنصوص الشرعية في كل صغيرة وكبيرة . ٦- توجّه بعض السلفيين إلى التكفير والتبديع ، والحكم على الناس حكاماً أو محكومين أو دعاة ، دون تبيّنٍ أو رويّة أو تورّعٍ ، مما جعلهم يخطّئون بعضهم بعضاً ، ويرد بعضهم على بعض ، وربما بدّع أو كفّر بعضهم بعضاً ، وهذا غاية في البعد عن منهج السلف الصالح المحكوم بالتقوى والورع والعدل ، وتحرّي الحق والصواب . والله الهادي إلى سواء السبيل . آثار هذا التمزّق والخلاف بين الدعاة السلفيين : 1- ضعف الدعوة السلفية في مواجهة خصومها من أهل البدع والنفاق والزيغ والانحراف ، ومن ثم تجرؤ هؤلاء الخصوم بإظهار بدعهم وانحرافاتهم ، بعد أن كانوا يتهيبون أهل السنة ويتخفون بأباطيلهم وانحرافاتهم ، إضافة إلى تجرؤهم على علماء أهل السنة بالتطاول عليهم ، والرد على مقالاتهم ، ووصفهم بأوصاف لا تليق إلاّ بخصومهم .
عدد الصفحات ٦٥الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 65 2- نشوء العداوات والخصومات بين أهل ال سنة والجماعة السلفيين ، وانشغالهم بها عن دعوتهم ، وعن مواجهة خصومهم ، حتى أصبحوا فرقاً متناحرة متنافرة ، يتهم بعضها بعضاً ، ويبدع بعضها بعضاً . 3- حيرة طلاب العلم والدعاة إلى من الشباب الناشئين بسبب هذه الانشقاق والتصدّع بين السلفيين أهل السنة والجماعة ، وتشرذمهم بين هذه الاتجاهات المتبانية ، والخلافات المتفاقمة .
عدد الصفحات ٦٦الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 66 المقالة الثالثة : * المدارس السلفية في عصرنا الحاضر * المدارس الأربع أولاً : المدرسة السلفية الفقهية : (مدرسة الدعوة إلى التوحيد) : أ – منهجها الدعوي : 1- يقوم منهج هذه المدرسة على الدعوة إلى التوحيد خصوصاً توحيد العبادة (الألوهية) ، وإثبات الصفات لله تعالى على مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة . 2- يُعنى علماء هذه المدرسة ودعاتها ببيان أنواع الشرك وأصناف البدعة محذرين منها أشد التحذير ، داعين إلى نبذها والعودة إلى التوحيد والسنّة . 3- يُعنى هؤلاء الدعاة بالفقه وأصوله عناية بالغة مقروناً بالأدلة من الكتاب والسنة ، خصوصاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، ويأخذون بالدليل الراجح من اجتهادات المذاهب الأخرى من أهل السنة إذا ترجح لديهم حتى لو خالف المذهب . 4- يقرون بالمذاهب الأربعة في الفقه ، ويرون أنها جميعاً مذاهب أهل السنة والجماعة ، ولا يستنكفون عن الأخذ من أي منها إذا أسعفه الدليل . 5- منهج هذه المدرسة في الحقيقة هو منهج الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، فقد كان إمام هذه المدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب متأثراً بابن تيمية وتلميذه أشد التأثر في عقيدته ودعوته ووقوفه في وجه الطرق الصوفية وعقائد المتكلمين المبتدعة .
عدد الصفحات ٦٧الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 67 6- اتسم المنهج الدعوي لهذه المدرسة في وقتنا الحاضر بالطابع الرسمي ، نظراً لتبن ي الدولة السعودية لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، فانتشرت هذه الدعوة في المملكة السعودية عن طريق التعليم العام والجامعي ، وكذلك عن طريق الرئاسة العامة للدعوة والإرشاد ، التي حولت بعد ذلك إلى وزارة ، كما انتشرت عن طريق جهود العلماء في الفتوى والمحاضرات والدروس العلمية داخل المملكة . أما خارج المملكة فقد اقتصر نشر هذه الدعوة على الجهود الحكومية - كذلك - عن طريق تأسيس بعض المعاهد الشرعية في بعض الدول الإسلامية ، أو إعطاء بعض الطلاب المسلمين منح للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، أو نحو ذلك مما جعل هذه الدعوة محدودة الانتشار في البلدان الإسلامية فضلاً عن غير الإسلامية . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب وأبناؤه وأحفاده ، ومن أشهرهم الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد ، والشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب كتاب فتح المجيد ، وهذان الكتابان هما في شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب ، ومنهم : الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ ، كان مفتياً للمملكة وفتاواه مشهورة يجلّها العلماء وهي مجموعة في مجلدات كثيرة ، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وهو مفتي المملكة في وقتنا الحاضر . وقد عمّت الجزيرة العربية في عهد الشيخ محمد بن عبدالوهاب كثير من العقائد الشركية والخرافات الصوفية ، وتفشى في الناس الجهل بالدين ، فتوجّهوا إلى الحكم بالأعراف القبلية والعادات الجاهلية . فقام رحمه الله قومة صادقة في وجه هذا الاضمحلال للدين ، ودعا إلى العودة إلى التوحيد والسنة ، ونبذ الشرك والبدعة ، والعادات الجاهلية ، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً ، وقد أعانه الله على ذلك بمساندة
عدد الصفحات ٦٨الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 68 الإمام محمد بن سعود حاكم الدرعية ، فانتشرت دعوته في أنحاء الجزيرة العربية ، وظل الحكم السعودي يساندها في مختلف مراحله إلى يومنا هذا . 2- الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، العالم الجليل الفقيه المفتي الداعية المبجّل ، عرف – رحمه الله – بسعة علمه وحلمه وجلالة قدره عند الناس ، وتآلف القلوب عليه ، حتى أثنى عليه واعترف بقدره القاصي والدّاني حتى مخالفيه ، توفي رحمه الله عام 1421هـ بمكة المكرمة 3- الشيخ محمد بن صالح العثيمين : العلامة الفقيه الأصولي الداعية المربي ، تخرّج على يديه كثير من التلاميذ ، وبث علمه في الناس بدروسه العلمية في القصيم ومكة المكرمة ، وفتاواه ، ومؤلفاته التي من أشهرها عقيدة أهل السنة والجماعة ، وكتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع في الفقه الحنبلي ، وهو وجميع علماء هذه المدرسة على منهج ابن تيمية في تقديم الدليل من الكتاب والسنة على القياس وأقوال العلماء حتى لو خالف مذهبه الفقهي ، توفي رحمه الله عام 1421هـ بمكة المكرمة 4- الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، أحد العلماء الأجلاء الذين يرجع إليهم في الفتوى ، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة ، وقد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود في الفقه ، وقام بالتدريس فيها . اشتهر حفظه الله بمواقفه الجليلة في التصدي للدعوات العل مانية ودعاة أهل البدع ، والرد عليهم بالردود العلمية المُفْحِمة ، وله مؤلفات عديدة في العقيدة والفقه ، ومقالات كثيرة في الدعوة إلى الله والرد على أهل البدع والانحراف . ج - مزاياها : 1- تتميز هذه المدرسة بالعناية الكبيرة بنشر العلوم الشرعية على مذهب أهل السنة والجماعة خصوصاً ما يتعلق بالعقيدة السلفية والأحكام الفقهية ، وقد تخرّج عليها في المملكة كثير من العلماء وطلاب العلم ، وأصبح – بسبب ذلك – كثير من العامة – في المملكة – على وعي تام ودراية بكثير من الأحكام الشرعية والأصول العقدية .
عدد الصفحات ٦٩الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 69 2- كما تتميز هذه المدرسة بالتأكيد على مسائل التوحيد في العقيدة خصوصاً توحيد الألوهية وإثبات الصفات ، ومن ثم التأكيد على نبذ الشرك والبدعة بأنواعها . 3- وعلى الرغم مما اشتهر عن دعاة هذه المدرسة في بداية الحكم السعودي من خشونة وفظاظة في الدعوة إلى الله ، وأخ ذ الناس بالشدّة والغلظة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلاّ أن هذا كان – غالباً – من الدعاة العوام وأشباه العوام . أما علماؤها فقد تميزوا في نقدهم للمذاهب والفرق والجماعات الدعوية الأخرى بمنهج علمي رصين يقوم على بيان المخالفات والأخطاء عند غ يرهم ، والرد عليها رداً علمياً مبنياً على الدليل الشرعي من الكتاب والسنة ، في عبارة رصينة متزنة ، دون ثلب أو قدح أو تجريح لمن خالفهم إلاّ في القليل النادر ، فنقدهم غالباً إنما ينصب على المناهج والعقائد المخالفة لا على أشخاص دعاتها ومثالبهم . بل إن الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وهو أحد أئمة هذه المدرسة – قد أضفى عليها بسبب حلمه ولين جانبه طابعاً من الرفق والرحمة تألف به كثيراً من المخالفين ، وحظي بسببه باجتماع القلوب على مودّته من القاصي والداني ، وبتوقيره واحترامه حتى من المخالف المعادي . د – المآخذ عليها : 1- إن الطابع الرسمي الذي اتسمت به هذه المدرسة بسبب ارتباطها بالحكم في المملكة العربية السعودية قد أثر على ظهورها وانتشارها سلباً وإيجاباً . فأما في داخل المملكة فقد كان الأثر الرسمي على هذه الدعوة إيجابياً نظراً لما حظيت به من دعم وعناية من الحكومة ، يتمثل في نشرها عن طريق التعليم العام والجامعي وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووزارة الدعوة والإرشاد وغيرها ، وقد سبق ذكر هذا عند الحديث عن منهجها . أما في خارج المملكة فقد كان للطابع الرسمي أثره السلبي في تحجيم هذه الدعوة ، وضعف آثارها ، وقلة انتشارها ، نظراً لحرص الدولة على أن لا تتأثر
عدد الصفحات ٧٠الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 71 علاقاتها السياسية بردات الفعل التي تواجهها (العقيدة الوهابية 1] لهذا ظلت هذه الدعوة حبيسة المملكة إلاّ ما سبق ذكره من انتشار بعض المعاهد والمراكز المحدودة الأثر في الخارج . 2- لقد صاحب قيام هذه المدرسة الدعوية ، ونشر دعوتها ، نَفَسٌ من العصبية القبلية المُنَفِّرَة ، نظراً إلى أن قيام دعوتها كان في القبائل النجدية التي خرجت بها في ركاب الجيوش السعودية التي سيطرت على قبائل الجزيرة ووحّدتها في كيان واحد هو المملكة العربية السعودية . وقد ظل هذا النَّفَسُ النجدي القبليّ مصاحباً لانتشار هذه الدعوة حتى إن من دعاتها العوام أو أشباه العوام من يحملها على أنها دعوة نجدية ، يعتدُّ بها اعتداداً قبلياً أكثر من اعتداده بعقيدتها السلفية الصافية ، بل قد يُشتَمُّ هذا النَّفَ سُ القبليّ عند بعض طلاب العلم من دعاتها ، حاشا العلماء ، مما جعل النًٍٍفرة منها قائمة في نفوس كثير من الناس زمناً طويلاً ، ولولا قيام الدولة السعودية عليها ونشرها عن طريق التعليم وغيره لكان هذا النَّفَسُ القبليّ سبباً في عدم خروجها عن دائرة بعض القبائل النجدية . 3- خضوع هذه المدرسة للتوجه السياسي للدولة السعودية ، وحرص دعاتها وعلمائها على عدم مصادمة هذا التوجه السياسي سواءً في الداخل أو الخارج ، مما جعل خصومها وبعض أتباعها يصمونهم بالمداهنة ، ويطلقون على علمائها – أحياناً – لقب "علماء السلاطين" . 4- انحصار المجهود الدعوي لهذه المدرسة في دائرة العلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يكن للمجهود التربوي الإيماني حظ من الاهتمام لدى دعاتها وعلمائها ، كإقامة المراكز الدعوية ، وإعداد البرامج التربوية الإيمانية التي تمكّن الدعاة والعلماء من رعاية الشباب وغيرهم من فئات المجتمع والمحافظة على عقائدهم وتوجهاتهم السلفية الصحيحة خارج إطار الأنظمة الرسميّة المعقّدة ، خصوصاً في هذا العصر الذي تتعرض فيه المجتمعات الإسلامية لموجات من التغريب والدعوات القائمة على أفكار وتوجهات بدعية منحرفة .
عدد الصفحات ٧١الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 71 ولذلك فقد تُرك الباب مفتوحاً على مصراعيه للجماعات الدعوية الأخرى ، وللثقافات العلمانية وغيرها ، حتى أصبح المجتمع نهباً للدعوات المختلفة ، ومسرحاً للصراعات الفكرية والثقافية المتعددة . ثانياً : مدرسة المحدّثين السلفية : (مدرسة الجرح والتعديل) أ – منهجها الدعوي : 1- يقوم منهج هذه المدرسة على تعليم العلم الشرعي خصوصاً علم الحديث دراية ورواية ، وقد تخرج عدد من طلاب العلم والدعاة على هذا المنهج العلمي الحديثي . 2- يقتفي أصحاب هذه المدرسة آثار المحدثين السابقين من الحنابلة في دعوتهم ومواقفهم من الرواة ومن رؤوس الفرق البدعية ، خصوصاً الفترة (ما بين القرن الرابع الهجري إلى السادس الهجري) ، وهي فترة صراع مرير بين الحنابلة أهل الحديث ومن سواهم من أهل الفرق والمذاهب الأخرى . 3- يعتمد منهج هذه المدرسة في دعوته وتقويمه للعل ماء والدعاة وأتباعهم على منهج (الجرح والتعديل) الذي قوّم به المحدثون السابقون رواة الحديث ورجالات الفرق الأخرى . فهم يواجهون الجماعات الدعوية بجرح دعاتها وزعاماتها والتنقص منهم واتهامهم بالبدعة وربما الحكم عليهم بالكفر والزندقة . وذلك لأنهم يرون أن جرح أولئك الدعاة واتهامهم في عقيدتهم وتمزيق سمعتهم هو أفضل السبل لإسقاط دعوتهم وتحذير الناس منهم . وهذا مسلك تنزه عنه علماء المدرسة الفقهية السابقة وعابوه على من سلكه . ولا شك أنه مسلك خشن يهدم ولكنه لا يصلح . 4- لا يرى أصحاب هذه المدرسة عند تقويمهم ل زعامات الجماعات الأخرى مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات لأولئك الأشخاص وإصدار الحكم عليهم من خلال ذلك ، بل يرون أن في ذلك إضعافاً لحجّتهم ، وقصوراً عن بلوغ
عدد الصفحات ٧٢الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 72 الغاية التي ينشدونها وهي إسقاط أولئك الدعاة وإزالة تلك الجماعات وإبطال مناهجها . 5- يعرف عن أصحاب هذه المدرسة مصانعتهم لولاة الأمور أياً كان حالهم ، وذلك بإظهار تأييدهم لهم ، وبالإنكار على من ينكر عليهم ، حتى إنهم ليتصدون لكل من أنكر على الولاة مهما كان حال الوالي من الفسق ومحادة الدين وإقرار الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك ، ويصفون من يخا لفه أو ينكر عليه علانية بالبدعة ، وينسبونه إلى فرقة الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلاب النار . 6- كان هذا المسلك لأصحاب هذه المدرسة ذريعة لبعض الحكام في البطش بكل من خالفهم أو أنكر عليهم بإيقافهم أو سجنهم أو فصلهم من وظائفه الحكومية ، بحجة عدم جواز الإنكار والمخالفة علانية شرعاً كما تقرره هذه المدرسة السلفية . كما إنه كان في هذا المسلك فرصة لهم في محاولتهم إزالة هذه الجماعات وإسقاطها والانتصار عليها باستعداء الحكام عليها وإفتائهم بوجوب منعها والتنكيل بدعاتها ، وبلغ بهم الأمر حد التحريض على قتل هؤلاء المخالفين ، وكان بعضهم يقول : اقتلوهم ودمهم في رقبتي . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ محمد أمان الجامي : وهو عالم محدث (من الحبشة) ، ولد بالحبشة ، ثم انتقل إلى السعودية وأتم تعليمه الثانوي والجامعي بها ، وحصل على الماجستير من جامعة البنجاب والدكتوراة من دار العلوم بالقاهرة ، ودرس على يد عدد من المشايخ السلفيين منهم : الشيخ محمد بن إبراهيم وعبدالرزاق عفيفي وعبدالعزيز بن باز وغيرهم . و كان مدرساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة . وقد نسبت إليه هذه المدرسة الدعوية فسميت ب(الجامية) ، لأنه كما يبدو كان من أوائل من رسخ منهج الجرح والتعديل في تقويم الدعاة ومحاولة إسقاطهم وإزالة مناهجهم
عدد الصفحات ٧٣الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 73 الدعوية بهذا الأسلوب النقدي . توفي رحمه الله في 26 /8 /1416 بالمدينة المنورة . 2- الشيخ ربيع بن هادي المدخلي : وهو عالم محدث (من السعودية) ، تخرج من المعهد العلمي بصامطة ، ثم التحق بالجامعة الإسلامية ، وتخرج منها ، وحصل على الماجستير والدكتوراه في الحديث من جامعة الملك عبدالعزيز . ثم كان مدرساّ في الجامعة الإسلامية بالمدينة ، ويعدّ من أبرز رموز هذه المدرسة وأقواهم في إظهار منهجها ، ومواجهة خصومها . يعد الشيخ ربيع المدخلي من أبرز مشايخ هذه المدرسة وأكثرهم تحمساً وإصراراً على منهجها . وله مؤلفات عديدة أكثرها في الرد على رموز الجماعات الدعوية في وقته ، والحط عليهم بتجريحهم وتبديعهم وربما تكفير بعضهم . 3- الشيخ مقبل بنهادي الوادعي : وهو عالم محدث (من اليمن) ، درس في معهد الحرم ، ثم الجامعة الإسلامية حتى حصل على شهادة الماجستير منها ، ثم انتقل إلى اليمن على إثر اتهامه بمراسلة جهيمان العتيبي . رُحِّل بعدها إلى بلده ، حيث بدأ بتأسيس مركز علمي حديثي بقرية (دماج) من محافظة (صعدة) . ثم توافد إليه طلاب العلم من أنحاء اليمن والعالم لدراسة علم الحديث في مركزه حتى صاروا بالآلاف . تبنى الشيخ مقبل منهج الجرح في كلامه وكتاباته عن الدعاة من الجماعات الدعوية الأخرى ، وصنف في ذلك المصنفات ، فهو يعتمر من زعامات هذه المدرسة ورموزها . توفي رحمه الله بمدينة جدة في 31 /4 /1422 ودفن بمقبرة العدل بمكة المكرمة . ج - مزاياها : 1- تتميز هذه المدرسة بعنايتها بعلم الحديث وعقيدة السلف تعلماً وتعليماً ودعوة .
عدد الصفحات ٧٤الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 74 2 - يتميز أتباع هذه المدرسة بالتصدي للبدع الدعوية لدى الجماعات الدعوية الأخرى ، وقد جعلوا هذا المضمار محط جهودهم واهتمامهم ، لولا ما يشوب نقدهم من روح العداء ، وتقصد الأشخاص ، وكيل التهم بحق وبغير حق ، مما سيأتي ذكره في المآخذ . 3 - حفاوتهم بعلماء السلف ، وسعيهم إلى تقليد منهجهم وطريقتهم في الدعوة ، وإشهار مناقبهم ، وتدريس كتبهم . 4 - قيام طريقتهم في الدعوة على تعلم العلم الشرعي خصوصاً علم الحديث والعقيدة السلفية . د – المآخذ عليهم : 1- حدّة الخطاب ، وعنف العبارة ، وروح العداء في الإنكار على المخالفين ، بدلاً من أسلوب النصح في الدعوة ، والترفق في الخطاب ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي أحسن ، وهذا خلاف التوجيه القرآني ، والهدي النبوي ، في خطاب المخالفين ودعوتهم . 2- تجريح المخالفين ، واتهامهم في نياتهم ومقاصدهم ، وإظهار العداوة لهم ، والسعي بهم أحياناً إلى الحكام وذوي السلطان على خلاف منهج أه ل السنة والجماعة الذي عرف عنهم ، بل إنّ الوشاية والسعاية بالمخالفين إنّما هو مذهب المبتدعة ، أمّا أهل السنّة فمذهبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنّصح لمن خالفهم . 3- تركيزهم على تعلم الحديث ، أو تغليبه على غيره من العلوم الشرعية خصوصاً الفقه ، بحيث ظهر أثر ذلك على الدعاة المحدثين في قلة فقههم وضعفه خصوصاً في مخاطبة المخالفين ، وفي موازنة المصالح والمفاسد ، وفي تقدير الأحكام ، سواء فيما يتعلق بالأحكام أو بالدعوة إلى الله ، وهذا بسبب الخلل في التلقي .
عدد الصفحات ٧٥الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 75 4- اقتصارهم في إنكار المنكر غالباً علىالجماعات الدعوية ، أو على بعض المبتدعة ، والسكوت عن كثير من أهل الفساد والفسوق ، أو أصحاب التوجهات الإلحادية والعلمانية ، خصوصاً من كان منهم مقرباً إلى الولاة وأصحاب السلطان . 5- مصانعة ولاة الأمور ، واستعداؤهم على المخالفين لهم من الجماعات الأخرى ، بطريق الوشاية والتهمة . 6 - غلو أتباع هذه المدرسة في طاعة ولي الأمر الحاكم ، واعتبار طاعته مطلقة ، فلا يجيزون مخالفته ولا الإنكار عليه أو مناصحته علانية ، وإن كان علمانياً مفسداً محاداً لله ولرسوله حاكماً بغير ما أنزل الله . 7 - إشعال الفتنة بينأهل السنة ، وإيقاظ الفرقة فيما بينهم ، بتصنيفهم على أنهم مبتدعة ، وأكثرهم على أنهم خوارج ، لمجرد اختلافهم مع بعض الولاة في مسائل من الدين جار فيها الولاة أو خالفوا فيها كتاب الله وسنته . 8 - نتج عن غلوهم في طاعة ولي الأمر مع ما يكون من أعمال بعضهم المخرجة عن الملة أحياناً تلبسهم بمذهب الإرجاء ، فلا يرون في عمل هؤلاء الحكام المخرج من الملة ناقضاً للإسلام ، ويرون بأن مجرد نطقه بالشهادتين أو انتسابه للإسلام كاف لتصحيح معتقدة ، فجعلوا الإيمان النطق باللسان ولو ناقضه العمل . وهم مضطربون في هذه المسألة ، وإرجاؤهم فيها إنما يكون في الحكام ومن التحق بهم من العلمانيين والزنادقة ، ولا يخرجون إلى الإرجاء في كل شيء .
عدد الصفحات ٧٦الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 76 ثالثاً : المدرسة السلفية الفكرية ( أو السلفية العصرية أ – منهجها الدعوي : 1- الأصل في معتقد هذه المدرسة أنها سلفية في كافة أصولها العقدية ، إلاّ أن النَفَس الثقافي الفكري قد طغى على منهجها الدعوي ، ولعل من أسباب ذلك تأثر دعاتها بالمفكرين الإسلاميين المعاصرين من أمثال : أبي الأعلى المودودي مؤسس (الجماعة الإسلامية) بباكستان والهند والبنغال ، وحسن البنا مؤسس (جماعة الإخوان المسلمين) بمصر ، وسيد قطب أحد رموز جماعة الإخوان ، وأبي الحسن الندوي بالهند ومالك بن نبي بالجزائر . بل ومفكرين غربيين وشرقيين مسلمين وغير مسلمين . ولكن خصومهم من سلفية المحدثين ينسبونهم على وجه الخصوص إلى المفكر الإسلامي محمد بن سرور زين العابدين وسموهم لذلك ب(السرورية) ، ولعل ذلك بسبب التوافق بينهم وبينه في المعتقد السلفي مع الفكر الإصلاحي النقدي الحركي . 2- مرور هذه المدرسة بمرحلتين متباينتين بالنسبة لمواقفها الدعوية المرحلة الأولى : (بداية المدّ الدعوي لهذه المدرسة ويسمى بمرحلة ): ويتجلى في هذه المرحلة نشاط الدعاة السلفيين الحركي من أتباع هذه المدرسة ، وتأثر جماهير الناس بدعوتهم من مختلف طبقات المجتمع ، ويقظة المسلمين إلى دينهم ، والتزام أكثر المجتمع بالدين التزاماً شمولياً ، وكأنك تعيش عهود السلف الصالح ، وسميت هذه المرحلة ب(ال صحوة) وحق لها أن تكون صحوة لما ظهر فيها من الخير ، ورجوع الناس إلى الدين . وكانت الأنشطة الدعوية في هذه الفترة تتمثل في المناشط الآتية :
عدد الصفحات ٧٧الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 77 أ– إلقاء المحاضرات في المساجد والمدارس والجامعات وكذلك عقد الندوات العلمية والدعوية بها من قبل العلماء والدعاة ، وتنقل الدعاة لإلقاء المحاضرات في مختلف المناطق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً . ب الشباب على حلق العلم بين يدي العلماء . جيام دور تحفيظ القرآن الكريم للنساء في جميع الأحياء والقرى والهجر بصورة لم يسبق لها مثيل . د الشباب وتربيتهم على الحياة الإسلامية ، والأخلاق القرآنية ، والنهج النبوي الصافي . هـ _ة الأعداد الغفيرة ممن غرقوا في المعاصي والمنكرات ، حتى صار كثير منهم أئمة مساجد ودعاة ومجاهدين في سبيل الله . و ، وانتشار بعضها في جميع بلاد العالم الإسلامي حتى صار نشاطها على مستوى العالم . ز علمائه ودعاته رموزاً قيادية يقتدي بها ، ويسترشد بتوجيهاتها ، ويلتزم منهجها . المرحلة الثانية : ( مرحلة الالتفاف على الصحوة وضربها ) : وفي هذه المرحلة : أ_ حدوث حرب الخليج ( دخول الجيش العراقي إلى الكويت واحتلالها ) ، وهنا قام أكثر رموز هذه المدرسة بالفتوى بتحريم الاستعانة بالكفار ( الأمريكان ) في محاربة الجيش العراقي المسلم ، ووجوب إعلان الجهاد لإخراج الجيش المحتل . بينما صدرت فتوى كبار العلماء بجواز ذلك . فاعتبرت الدولة أن هذا الموقف كان
عدد الصفحات ٧٨الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 78 ضد إرادتها ، فكان من آثار ذلك سجن عدد من رموز هذه المدرسة ، منهم : سفر الحوالي ، وسلمان العودة ، وناصر العمر ، وسعيد آل زعير ، وغيرهم . ب وبدأ التضييق على كافة الأنشطة تدريجياً حتى كان حدث ضرب الأبراج الأمريكية في 11 سبتمبر عام2111م ، فتم إغلاق كافة الأنشطة الدعوية تقريباً إلا بعض الجهود الضئيلة لمكاتب دعوة الجاليات . ج الدعوي وتحول كل منهم إلى نشاط فردي يتحاشى فيه غضب الدولة ، أو الوقوع في تهمة الإرهاب المجرمة دولياً . 3 - منهج هذه المدرسة السلفية الفكرية هو منهج دعوي تربوي فكري، والمعروف أن المنهج السلفي يقوم على تعلم العلوم الشرعية وتعليمها وينتشر عن هذه الطريق ، إلا أن السلفية الفكرية تنحو إلى تغليب الجانب التربوي التثقيفي الحركي على مجرد التعليم ، ولا شك أن هذا من تأثر دعاتها بالمناهج الفكرية في دعوة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية بالهند ونحوها . ب – أهم رموزها : 1- الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي : أحد أعلام هذه المدرسة ، ومدار رحاها ، حصل عل ى الشهادة الجامعية الأولى (البكالوريوس) من قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وعلى الجامعية الثانية والثالثة (الماجستير والدكتوراه) من قسم العقيدة جامعة أم القرى بمكة المكرمة ، ودرّس فيها ، ورأس قسم العقيدة الإسلامية بها . عرف بذكائه ودهائه وجرأته في عرض مباحثه وأقواله خصوصاً في كتبه التوعوية في التحذير من المخططات الغربية مثل كتابه ( وعد كيسنجر ) ، وموقفه المعارض لدخول القوات الأمريكية الكويت .
عدد الصفحات ٧٩الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 79 اشتهر بدرسه في العقيدة الطحاوية الذي كان يلقيه بأحد مساجد جده ، وبمحاضراته التي كان يتداعى لها الشباب ، ويجتمع لسماعها الجم الغفير منهم ، كان شديد الإنكار على بعض سياسات الدولة ، وبعض مظاهر الفساد الإجتماعي ، فسجن بسبب ذلك خمس سنوات متصلة أو نحواً منها . 2- الشيخ سلمان بن فهد العودة : من أبرز أعلام هذه المدرسة ، وأكثرهم تمثيلاً لمنهجها ، كان كثير المحاضرات قبل سجنه ، يلتف حوله الشباب في مواكب في طريقه وفي محاضراته . أما بعد خروجه من السجن فقد نقل نشاطه الدعوي إلى الإعلام ، خصوصاً القنوات الفضائية . إضافة إلى موقعه الإعلامي المسمى (الإسلام اليوم) في شبكة المعلومات (الانترنت) ، وقد أخرج مجلة باسم هذا الموقع ، فجهوده الدعوية من بعد خروجه من السجن كانت إعلامية توعوية ، يحاول الشيخ فيها إظهار بعده عن التوجهات المتشددة ، وإبراز انفتاحه على كافة الأطياف . وقد وصل الشيخ سلمان في هذا الاتجاه إلى أن نحى بعد ذلك منحى تصالحياً مع التوجهات الليبرالية ، ومن يسمون بالحقوقيين ، وحاول المشاركة في بعض مؤتمراتهم المختلطة في بعض دول الخليج التي كانت تعج بالشباب والشابات في صورة مختلطة بعيدة عن أي اعتبار للموقف الديني ، لولا إيقاف بعض هذه الملتقيات من جهات رسمية . 3- الشيخ ناصر بن سليمان العمر : أحد أعلام هذه المدرسة ، كان رئيساً لقسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض . اشتهر بمحاضراته الرصينة المؤثرة . وبحسن اختياره للموضوع والمناسبة والوقت الذي يلقي فيه محاضراته . وتأتي محاضراته تعبيراً قوياً عن توجه هذه المدرسة في النقد الاجتماعي والسياسي المتزن والهادف . ويميل الشيخ ناصر إلى الجانب الدعوي التربوي الوسطي المتزن . له كتيبات ورسائل دعوية منها كتابه الذي أسماه (فقه الواقع) ، وأراد منه اعتبار البعد الواقعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في فقه الدعوة ، إلا أن هذا
عدد الصفحات ٨٠