الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 48 ٦- الدعوة إلى الله والخروج في سبيل الله : والمقصود بالخروج أي انتقال الداعية ومن يصاحبه من المدعوين من بلدهم وبيئتهم التي يمارسون فيها حياتهم اليومية ، والتي تكون فيها دواعي الغفلة وانشغال القلب والبدن بالدنيا أو المعاصي ، في سفر طويل أو قصير ، إلى بيئة يتفرغ فيها الخارج في سبيل الله للدعوة والعبادة أياماً أو شهوراً أو سنين . وقد حدوا لهذا الخروج أزماناً تعارفوا عليها من باب الترتيب وتحصيل الفائدة والمقصود ، فحدوا لذلك ثلاثة أيام ، أو أربعين يوماً ، أو أربعة أشهر . أو أكثر من ذلك . وبعضهم يقضي في خروجه للدعوة والتبليغ سنين عدداً . وقد أنكر عليهم بعض العلماء والدعاة تحديد الأوقات بهذه الطريقة ، ولكن من العلماء والدعاة من رأى بأن التحديد لغرض تنظيم الجهود وحصول الفائدة والمقصود من الخروج هذا لا غبار عليه ، ولا يزال الناس يحددون الأوقات في التعليم والإدارة والتجارة من غير نكير . ولكن يؤخذ على التبليغيين أنهم يعدون الخروج للدعوة يقوم مقام الخروج للجهاد في سبيل للله ويغني عنه ، ولذلك فهم يستشهدون بالآيات والأحاديث التي تنص على الجهاد في سبيل الله على أنه خروجهم هذا للدعوة . وهذه لوثة صوفية ظاهرة في سلوك جماعة التبليغ من حيث موقفهم من الجهاد في سبيل الله ، فهم كغيرهم من الصوفية يرون القتال في سبيل الله إزهاق للأرواح وأنه منافٍ للرحمة التي أرسل بها رسول الله ، ويزيد التبليغيون أن هذه الأرواح التي أزهقت بالقتال كان من الممكن أن تدخل في دين الله وتحيا بالدعوة ، وهذا خلط في الاعتقاد وجهل بمسائل القدر وأحكام الشرع خطير . وقد سبق تفصيل معتقد جماعة التبليغ في الجهاد في سبيل الله عند ذكر موقفهم منه . سادساً : ومما يؤخذ على جماعة التبليغ ف ي دعوتهم أخذهم بالتقيّة وعملهم بها ، ففيهم من هذا الجانب شبه بالشيعة ، إلاّ أنهم لا يعدون التقيّة عقيدة شرعية ، وإنما يرونها سياسة وحكمة . ومحصّلة الأمر أنها أتاحت لهم التنصّل من أي قول أو فعل يدينهم ، فمن السهل على أي تبليغي أن ينفي كلّ ما جاء
عدد الصفحات ٤٩الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 49 عنهم ف ي هذه النصيحة مثلاً ، وأن يؤكد لك بكل المؤكدات أنهم من أحرص الناس على العلم ، أو إنكار المنكر ، أو الجهاد ، أو غير ذلك مما هو ثابت ف ي أصولهم ومنهجهم . وقد أتاحت لهم – التقيّة – أن تظل دعوتهم ف ي حالة هلامية أو قل زئبقية تتملص من أية إدانة ، وتتماشى مع كل بيئة ، ومذهبية . ولا أدل على ذلك من أن المنهج الت بليغي بما فيه من مضامين عقدية ودعوية ف ي بلاد الهند والبنجال والباكستان وما جاورها يختلف عن المنهج التبليغي والعقدي والدعوي ف ي بلاد العرب وما شاكلها . فدعاتهم ف ي الهند والباكستان والبنجال يتلقون المعتقدات الصوفية ويدعون إليها من خلال التزامهم ودعوتهم للطرق الصوفية الأربع الجشتية والقادرية والسهروردية والنقشبندية . ودعاتهم من العرب يتلقون من الصوفية ما لا يصادم العقيدة السلفية المنتشرة ف ي بلادهم بشكل صريح ، ولكنها تأخذهم قليلاً أو كثيراً بعيداً عن السلفية ، وبالتالي فإن ارتباط التبليغي بعلماء بلده يضعف تدريجياً بينما يقوى ارتباطه بمشايخ التبليغ و كذلك احترامه لهم والأخذ عنهم حتى يكونوا له مصدراً للتلقي ومرجعاً للفتوى . وما كان لجماعة التبليغ أن تصل هذه الدرجة من القدرة على الانغماس في المجتمعات المختلفة المشارب والمعتقدات واستدراج الدعاة فيها والعوام ليكونوا من أتباعها ، لولا القدرة على المراوغة والزئبقية التي تتمتع بها بسبب التقيّة العملية التي تمارسها ، فتتيح لها المرونة والمسايرة لمختلف التوجهات والمشارب المتعددة ، حتى تستخرج لها أتباعاً ومريدين يصيرون بعد ذلك دعاة مخلصين لمنهجهم التبليغي ومشايخهم التبليغيين. وعلى هذا فقد أتاحت التقيّة العملية لجماعة التبليغ اختراق الحواجز العقدية للمذاهب الأخرى ، والتسلل إلى أتباع تلك المذاهب مما أدَّى إلى انتشار دعوتهم ف ي جميع الأقطار ، وبين أتباع المذاهب والعقائد المختلفة . ومن العجيب أنه بسبب هذه التق يّة التي يطبقونها عملياً ، نجد أن كثيراً من أتباعهم ودعاتهم لا يعرفون شيئاً عن أصول دعوتهم ، ولا عن مؤسسيها ، ولا عن
عدد الصفحات ٥٠الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 51 مصادرها ، ولا عن أهدافها وغاياتها الحقيقية . إنهم مخلصون متفانون لشيء واحد وهو الدعوة إلى مجمل الإيمان ، وإلى الرجوع إلى الله من الغفلة والعصيان ، أما أصول دعوتهم ومذاهب علمائها ومؤسسيها فقلما تجد تبليغياً يعرف شيئاً من ذلك خصوصاً أتباعهم من العرب والأجانب ؛ أي غير الهنود والباكستان والبنغال . وعندما يتساءل أحد هؤلاء الدعاة عن شيء من ذلك فإن الإجابات المموهة بالتعميمات تكفي لإسكات هذا السائل خصوصا إن من أصولهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ، فهم قد جعلوه أصلاً في دعوتهم حتى يحتجبوا خلفه عن المساءلات والاستفسارات التي قد يجابههم بها بعض أتباعهم الأجانب . ومما سهّل على مشايخ التبليغ التمويه والتعمية على أتباعهم أن عامّة هؤلاء الأتباع من عوام الناس الذين لا يعنيهم البحث والاستقصاء ، ويكفيهم ما تلقنوه من أصول الدعوة وصفاتها الستة ، فهي عندهم علم كافٍ مكّنهم من أن يكونوا دعاة يجوبون الأرض بدعوتهم ، فقنعوا بهذه الصفات الستة واستغنوا بها عما سواها ، وما عليهم بعد ذلك من أين جاء هذا العلم؟ ومن هم رواته؟ ومما زاد التبليغيين تعلّقاً بدعوتهم وطريقتهم ، واعتقاداً بصحتها وتفردها بالحق في نظرهم ، ما يرونه من توبة كثير من العصاة ، وعودتهم إلى الله ، بل وتحولهم إلى دعاة ومرشدين ، بسبب دعوتهم لهم . وهذا في الحق يقة ليس دليلاً على صحَّة المضمون وشرعيّته ، بل هو دليل على جودة الأسلوب وجاذبيّته فحسب . ومن التقية التي يعمل بها التبليغيون ، أنهم جعلوا من أصول دعوتهم أن لا تكون الكتابة من وسائلها ، أعني تأليف الكتب ، أو كتابة المقالات عنها ، ومن يفعل ذلك منهم فإنما هو مخالف للأصول التبليغية التي قامت عليها الجماعة ، فليس من مشايخهم ولا من كبار دعاتهم من يفعل ذلك إلا نادراً . وسبب ذلك أن ف ي الكتابة إلزاماً لهم بما يكتبون عن دعوتهم ، وإثباتاً لأصولها ، وتحديداً لمعالمها ، وهذا ينافي سياستهم ف ي التغير والتبدل وا لتملص والتوقي ، لذلك لا يرون الكتابة عن
عدد الصفحات ٥١الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 51 دعوتهم أبداً ، ولا يحبون ذلك ، بل ينهون عنه ، ويعدونه مخالفاً لأصولهم ومنهجهم. وكل من كتب عن التبليغ أو دافع عنها فإنه إما أن يكون من خارج الجماعة ، أو ممن تعرف عليها وراقه ما عرفه عنها ، ولكنه حتماً ليس من المحسوبين عليها ، فضلاً عن أن يكون من مشايخها ودعاتها . وعلى كلٍّ فإن بين التصوف والتشيع اشتراكاً ف ي أمور يجمع بينها عناية الطرفين بعبادة الباطن ، ومحاولة التستّر على ما عندهم من انحرافات عند التعامل مع غيرهم ف ي عباداتهم الظاهرة . والتقيّة عامل مهم ف ي الجمع بين الأمرين . إلاّ أن الشيعة يبالغون فيها ، ويجعلونها معتقداً شرعياً ، وأما الصوفية فهي عندهم وسيلة للتوقي من علماء الظاهر الذين ليس لهم معرفة بالحقائق . وفي خاتمة هذا المقال : لا بدّ من التذكير بأن أتباع هذه الجماعة ودعاتها ليسوا ف ي الالتزام بأصولها ، والقناعة بعقائدها على حدٍّ سواء . فمنهم من يدرك الأخطاء والعيوب ف ي هذه الجماعة أو بعضها ، ولكنّه متعلق بخصلة من خصالها ، مأخوذ بمأثرة من مآثرها ، فيتغاضى عن السيئات ، حرصاً منه على ما يعتقد من حسناتها ، ويخشى أن لا يجد ف ي غيرها ما يجد فيها مما تعلّق به وحرص عليه . ومنهم من يدين لها بالجميل والعرفان ، فلعلها كانت سبباً ف ي هدايته ، وبعده عن المعاصي ، فقد كان مشرفاً على الهلاك لولا أن الله أنقذه بها ، وهذا ف ي كثير من دعاتها ، ذلك لأن المرء يتحول ف ي هذه الجماعة دفعة واحدة من مرتكب للمعاصي والمنكرات إلى داعية من كبار الدعاة ، فليس من شروطها العلم للدعاة ، بل يكفي الإيمان وأداء الصلاة ليكون المرء داعية مبلغاً ، وهذا يجعل الداعية من هذا النوع مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً ، ولا يلتفت إلى شيء من عيوبها ، وذلك لأسباب عدّة : أولها : جهله بهذه العيوب .
عدد الصفحات ٥٢الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 52 وثانيها : شعوره بأنه مدين لها ، فليس من الوفاء أن يتركها إلى غيرها ، أو أن يقف منها موقف الناقد لها الممحص لعيوبها . وثالثها : أن غيرها من المناهج قد يجشمه مشقّة تعلم العلم الشرعي الذي يقتضيه عمل الداعية ، أو أنه قد لا يمكنه من الرحلات الدعوية التي تهيؤها له جماعة التبليغ ف ي أقطار شتى . ومنهم من يبدأ منتقداً لها ، معترضاً على كثيرٍ من أصولها ووسائلها ، ثم لا يلبث بعد خروج أربعين يوماً ، أو أربعة أشهر ، أو نحو ذلك ، أن ينصهر فيها ، ويذوب ف ي رحلاتها المتكررة ، فينسى كل عيب كان يذكره فيها ، بل الأعجب من ذلك أن يجد لهذه العيوب ما يبررها ، فإذا به من أشدّ المدافعين عنها ، المقتنعين بأنها فضائل وحسنات ، ولكن الناس بجهلهم يحسبونها معائب وسيئات ، والله الهادي إلى سواء السبيل . وأخيراً فإننا نسأل الله تعالى أن يلهمنا وإخواننا الدعاة من جماعة التبليغ الحق والصواب ، وأن يرشدنا وإياهم إلى السنة وهدي الكتاب ، وأن يجعلنا وإياهم هداة مهتدين ، لا ضالين ولا مضلين . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٥٣الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 53 النصيحة الثالثة النسمة الندية في نصيحة دعاة السلفية المقالة الأولى : التعريف بالسلفية وأسباب ضعفها اليوم : السلفية منهج يقوم على المحافظة على روح الإسلام وحقيقته ، كما يحافظ على صورته وطريقته ، كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبلّغه عن ربه ، وعمل به أصحابه من بعده ، وحافظ عليه أئمة الهدى ومصابيح الدّجى من التابعين وتابعيهم ، ثم من بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة وعامتها إلى يومنا هذا ويسمى هذا المذهب مذهب أهل السنة والجماعة ، كما يسمى مذهب أهل الحديث ، أو أهل الأثر ، وهو يعرف اليوم بالسلفية . ومعالم مذهب أهل السنة والجماعة أو أهل الحديث أو السلفية بارزة ظاهرة ، وطريقته بيّنة واضحة ، ومن أهم معالمه : 1- تقديم الدعوة إلى التوحيد والسنة على غيرهما ، فأعظم ما يعنى به الدعاة السلفيون تصحيح العقيدة لدى المدعوين ، وأول ما يدعون إليه من العقيدة نبذ الشرك والبدعة ، وتحقيق التوحيد والسنة ، وهكذا كانت دعوة الرسل من لدن نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام .
عدد الصفحات ٥٤الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 54 2- تعظيم الكتاب والسنة ، والتقيد بنصوصهما ، وعدم معارضتهما برأي أو تأويل ، والتقيد فيهما بفهم السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم ، وأئمة التابعين وتابعيهم من القرون الثلاثة الأولى المفضلة . 3- تقديم النص الصحيح الصريح على الرأي والعقل ، فلا رأي مع النص ، وتقديم أقوال السلف على أقوال الخلف ، لقربهم من صفاء الإسلام وجوهره ، ولبعدهم عن التكلّف ، ولعمق علمهم ، وصحة مقاصدهم ، وقوة فهمهم . 4- تقديم المحكم من كتاب الله على المتشابه ، وتقديم الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الضعيف ، وتقديم المعنى اللغوي الظاهر في نصوص الكتاب والسنة على التأويل والمجاز . وإقرار الأسماء الحسنى والصفات العلى على ظاهرها اللغوي من غير تعطيل ولا تحريف ومن غير تمثيل ولا تكييف . ٥- الحذر الشديد من التأثر بمبتدعات العصور ، ومجريات الأحداث ، ومذاهب الباطل ، ودعوات الانحراف ، حفاظاً على صفاء الدين ونقائه على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الهدى من بعده . ٦- الدعوة إلى الجماعة بطاعة الله وطاعة رسوله ثم أولي الأمر وهم الأمراء والعلماء ، وعدم منازعة أولي الأمر ولايتهم ، أو الخروج عليهم ، إلاّ لكفر بواح عندهم القدرة على تغييره . 7- عدم تكفير أهل الكبائر من المسلمين ، أو اعتقاد أنهم بمنزلة بين المنزلتين ، بل اعتقاد أنهم مؤمنون ناقصوا الإيمان ، فهم مؤمنون بما لديهم من أصل الإيمان ، فاسقون بما ارتكبوه من المعاصي والآثام ، وأنهم تحت مشيئة الله يوم القيامة إما يعذبهم أو يعفو عنهم . 8- الالتزام التام بنصوص الكتاب والسنة ، والاتباع التام لرسول الله صلى عليه وسلم والاقتداء بصحبه ، من غير غلو ولا إفراط ، ومن غير تهاون ولا تفريط ، فهم وسط بين طرفين ، وحسنة بين سيئتين .
عدد الصفحات ٥٥الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 55 9- الاحتكام عند التنازع إلى الدليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم ، من غير تعلق بالرجال ، ولا تعصب لمذاهبهم وآرائهم ، فالحق ما ثبت بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة على فهم الصحابة رضي الله عنهم ، ومالا نص فيه فالاجتهاد فيه جائز ، والخلاف فيه سائغ . 11- العناية البالغة بالعلم الشرعي ، وتعلمه ، وجعله مقدمة للعمل والدعوة ، فلا يصحّ العمل ، ولا تسلم الدعوة ، إلاّ إذا قاما على العلم الشرعي الصحيح . فمراتب العبادة عندهم على النحو التالي : 1- تعلم العلم 2- العمل به 3- الدعوة إليه 4- الصبر على الأذى فيه فمن عمل بغير علمٍ فقد ضلّ ، ومن دعا بغير علم فقد أضل . 11-العناية البالغة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع التواصي فيه بالحكمة ، ومراعاة مراتبه الثلاث التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" . 12- تعظيم فريضة الجهاد في سبيل ، وذكر فضائلها ، وأنها ذروة سنام الإسلام ، واعتقاد أنها قائمة إلى قيام الساعة ، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تزال من أمتي عصابة يقاتلون على الحق قاهرين لعدوهم لا يضرهم معاداة من عاداهم حتى تأتيهم الساعة ، وهم على ذلك" رواه مسلم . وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال" ، رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي . هذه من أهمّ معالم الدعوة السلفية أو مذهب أهل السنة والجماعة ، والمؤلفات في عقيدة أهل السنة والجماعة وأهل الحديث معروفة مشهورة ، نظمت فيها المنظومات ، ووضعت فيها المختصرات والمطولات ، ومن أشهرها :
عدد الصفحات ٥٦الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 56 1- من المنظومات نونية ابن القيم وميميته ، ونونية القحطاني ، وسلم الوصول للحكمي ، وغيرها . 2- ومن المختصرات الطحاوية للإمام الطحاوي ، وا لواسطية ، والتدمرية ، والحموية ، وكتاب الإيمان للإمام ابن تيمية ، وعقيدة أهل السنة والجماعة للإمام الصابوني ، وكتاب التوحيد والأصول الثلاثة ، وكشف الشبهات للإمام محمد بن عبدالوهاب ، وعقيدة أهل السنة والجماعة لابن باز ، وابن عثيمين ، ومجمل عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل ، وغيرها كثير . 3- ومن المطولات شروح هذه المختصرات جميعها . 4- ومن الكتب الحديثية في ذلك : السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل ، والإيمان لابن منده ، ومعتقد أهل السنة والجماعة للالكائي ، والإبانة لابن بطة ، والسنة لابن أبي عاصم ، وغيرها كثير . ولأن أهل السنة والجماعة (السلفيين) يعنون عناية بالغة بالاتباع في الدين وعدم الابتداع ، فهم يحرصون على التذكير بأئمتهم وسلفهم الذين يقتدون بهم ، ويتبعون أثرهم ، ويسيرون على نهجهم وطريقتهم ، ومنهم على مرّ العصور ، وتعاقب الأزمان : 1- إمامنا الأعظم وقدوتنا الأكبر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم خلفاؤه الراشدون ، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . 2- ومن التابعين وتابعيهم سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبدالله ، وسليمان بن يسار ، وعلي بن الحسين ، وعمر بن عبدالعزيز ، ومحمد بن مسلم الزهري . ثم مالك بن أنس ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وابن أبي مليكة ، وعمرو بن دينار ، وسفيان بن عيينة ، وفضيل بن عياض ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، ورجاء بن حيوة ، وعبدالرحمن الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وعبدالله بن وهيب ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري ، ووكيع بن الجراح ، ومحمد ابن سيرين ، وأيوب السختياني وعبدالله بن عون ، وحماد بن زيد ، وسهل بن عبدالله ، وأحمد بن
عدد الصفحات ٥٧الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 57 حنبل ، وأبوعبيد القاسم بن سلام ، وأبوثور إبراهيم بن خالد ، وعبدالله بن المبارك ، ونعيم بن حماد ، ومحمد بن نصر المروزي ، ومحمد بن إسماعي ل البخاري ، وأبوداود سليمان بن الأشعث ، وأبوعيسى الترمذي ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم . 3- ومن القرون المتوسطة : ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، وابن كثير ، والذهبي ، والمقدسي ، والسخاوي ، وغيرهم . 4- وفي عصورنا المتأخرة : محمد بن عبدالوهاب ، والصنعاني ، والشوكاني ، والقرعاوي ، والحكمي ، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وعبدالعزيز بن باز ، وابن عثيمين ، والألباني ، وغيرهم من العلماء السلفيين . رحم الله الجميع . أما المآخذ التي طرأت واستجدت على علماء ودعاة السلفية في زماننا هذا ، وأحببت أن أهدي إليهم نصحي بتجنبها ، وتدارك ما فرط منها ، فهي على النحو التالي : من أسباب ضعف السلفية اليوم وتفككها : في الوقت الذي تسطّر فيه هذه السطور تعيش الدعوة السلفية أزمة بالغة الخطورة ، وشدّة عصيبة بالغة القسوة ، وذلك للأسباب التالية : أولاً : الفرقة القائمة والخلاف الحادّ بين دعاة السلفية من علماء وطلاب علم ، فقد تميّزوا بسبب هذه الخلافات إلى أربع فئات ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع شتاتهم وأن يلم شملهم ، وأن يؤلّف بين قلوبهم : أ – فئة منهم جعلت همها نصرة ولاة الأمور ، ومداراة أهل السياسة ، وذلك لتخوفهم من وقوع الفتن والتناح ر بين الولاة ورعاياهم ، فتتفرق المجتمعات الإسلامية ، وتتقاتل ، فتسفك الدماء ، وتعظم الفتن حسب ظنهم ، فرأوا أن تماسك هذه المجتمعات تحت سلطان واحد ، ولو كان ما كان ، أسلم لدينها ودنياها . ب – وفئة منهم جعلت همّها توعية الشعوب والمجتمعات الإسلامية بما يكيد به لها أعداؤها ، وبما يمكر به المنافقون العلمانيون من أبنائها ، وبما يقع فيه أهل السياسة والسلطان من أخطاء وتفريط وإسراف ، وهم يرون أن ذلك كفيلٌ بظهور أجيال مؤمنة واعية يمكنها أن تقاوم الأعداء ، وتصحح الأخطاء ، ولا سبيل عندهم إلى
عدد الصفحات ٥٨الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 58 إقامة الدين وظهور الحق وقمعالباطل إلاّ بإيقاظ المسلمين وتبصيرهم بدينهم بما هم فيه من تسلط الأعداء عليهم ، ولو كره ذلك أهل السياسة والسلطان . ولكن هؤلاء لم يفطنوا إلى أهمية العلم الشرعي في تنشئة الأجيال المؤمنة ، وصرفوا جهودهم إلى التوعية الإعلامية ، مع ما يحيط هذه التوعية الإعلامية من محاذير شرعية ومداهنة لفساق الإعلام ، وموافقة على كثيرٍ من فساده . ج - وفئة ثالثة رأت أن فعل هؤلاء الذين يسعون إلى تبصير الناس بمكائد الأعداء من اليهود والنصارى بالإسلام وأهله ، وبتقصير الحكام المسلمين في النهوض بالدفاع عن الدين وصد أعدائه ، أن فعلهم هذا مخالف لما كان عليه السلف ، وأنه خروج على ولاة أمر المسلمين ، وعدم إذعان لطاعتهم الواجبة . وقد بالغت هذه الفئة في تشديد النكير على هؤلاء والتغليظ عليهم ، والتحذير منهم ، حتى وصفتهم بالخوارج ، والمبتدعة ، ونبزتهم بألقاب عديدة منفّرة . وهم يرون أن هذا كله من النصح للنهج السلفي الصافي ، الذي من أصوله طاعة ولاة الأمور ، وهم يرون كذلك أنهم يقتدون في غلظتهم وحدتهم هذه على غيرهم من الدعاة بحدّة علماء الجرح والتعديل من أهل الحديث ، وشدتهم في ألفاظهم ومواقفهم على من يرتابون في عدالته أو حفظه من الرواة . وكذلك بمن تصدّى منهم لأهل البدع والأهواء فأغلظ عليهم القول وناصبهم العداء ، وكرّ على أقوالهم ومعتقداتهم حتى سقط كثير منها أو كاد . د - أما الفئة الرابعة : فهم المجاهدون في سبيل الله ، الذائدون عن حمى الإسلام بالتصدّي لأعدائه المحاربين له ، المحتلين لديار المسلمين ، في كل مكان . وقد وقعت هذه الفئة المجاهدة اليوم في محنة عظيمة ، بعد أن تألبت عليها قوى الكفر ، وجموع الباطل ، وأجلبت عليهم بخيلها ورجلها ، وتناصرت في حربهم وقتالهم ، وآلت ألا تبقى لهم باقية ، ولا تتوانى في قتالهم واجتثاث عصابتهم بما لديها من قوة حربية هائلة ، وأعداد مجندة غفيرة ، مع قلة عدد المجاهدين ، وقلة عتادهم ، وهم مع ذلك لا يتخلون عن جهادهم ولا يلتفتون إلى من يلومهم أو يخذلهم .
عدد الصفحات ٥٩الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 59 إلاّ أنهم قد تبنوا آراء شديدة فيمن خذلهم من أهل الإسلام ، أو من خالف اجتهاداتهم في معاملة الدول الكافرة بتغ ليب جانب السياسة والمداراة على جانب المواجهة والمعاداة . ووقعوا بسبب ذلك في أخطاء عديدة ، فكفروا بعضهم ، ورأوا الخروج عن سلطة بعض حكامهم ، وقتل المعاهدين في تلك الدول بحجة أنهم محاربون لأهل الإسلام ومحتلون لبعض بلدانه . فصدرت الفتاوى من بعض علماء المسلمين ضدهم بوصفهم بأنهم خوارج أو أنهم بغاة ، أو أنهم مفسدون في الأرض ، ونحو ذلك مما كان سبباً في تحير كثير من المسلمين في أمر هذا الخلاف الحاد والعداوات الظاهرة بين أهل السنة . وكان هذا الخلاف الحادّ بين السلفيين أهل السنة والجماعة سبباً في ضعف السلفية وفي تفرق الدعاة السلفيين في آرائهم واجتهاداتهم في الوقت الذي تنبه فيه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمنافقين إلى أنّ السلفية أهل السنة والجماعة ، الذين هم شوكة الإسلام ، ومصدر الرعب والخوف للطامعين في اجتثاثه وقهر أمته ، حتى سمّوهم بالإرهابيين ، أصبحوا فرقاً ممزقة ، وشيعاً متفرقة ، فتجرأوا عليهم بالضغط على دولهم ، وبنشر العلمانية من جهة الغرب والتشيع من جهة الفرس في ديارهم . وإنا لله وإنا إليه راجعون . إن السلفية اليوم تواجه الأخطار من داخلها ومن خارجها . والخطر الأعظم هو تصدع بنيانها من الداخل ، وتفرق علمائها ودعاتها إلى أحزاب وفرق شتى ، مع أنهم مجتمعون على الأصول السلفية ، وما الخلاف إلاّ في بعض المسائل من النوازل التي تتعدد فيها الاجتهادات ، أو في منهج الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكيفية قيامهما . ولو أن أهل السنة السلفيين تناصحوا فيما بينهم لكان خيراً من أن يتنازعوا ، فيفشلوا ، وتذهب ريحهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولكن مع هذا كله فإنه ليس ببعيد ولا على الله بعزيز أن يتنبه السلفيون إلى ما يحيط بهم من الأخطار ، وما هم به مستهدفون ثم يتنبهوا إلى إمكان إصلاح ذات البين ، وتقريب وجهات النظر ، وتصحيح الأخطاء ، وتوحيد الاجتهادات ، والتئام
عدد الصفحات ٦٠الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 61 الصدع ، ومداواة الجرح ، فإذا هم يدٌ واحدة ، وقلب واحد ، وصف واحد ، وإخوة متحابون ، فيزول بذلك الخطر الأعظم الذي يهددهم وهو تفرق كلمتهم ، وتشتيت أمرهم وتفاقم الصدع فيما بينهم . أما أعداؤهم أعداء الإسلام المتربصون من اليهود والنصارى والملحدين والمنافقين العلمانيين والروافض ، فشأنهم أقل ، وخطرهم أهون ، إذا توحدت الكلمة ، واجتمعت القلوب ، فجهاد هؤلاء قائم إلى قيام الساعة ، وقد وعدنا الله بالنصر عليهم ، وقذف الرعب في قلوبهم ، وردهم خائبين ، بعد أن اشترط علينا الاعتصام بحبله المتين ، والالتجاء بركنه الشديد ، وعدم التنازع والتفرق فيما بيننا ، والله لا يخلف الميعاد . ثانياً : ومن أسباب الضعف في الدعوة السلفية اليوم عدم التنسيق بين دعاتها وضعف التعاون فيما بينهم ، وكأن التعاون بين الدعاة أمر غير مشروع ، بل ربما عدّه بعضهم بدعة ، وهذا أمر عجيب ، ومردّه – والله أعلم – إلى شدة حذر الدعاة السلفيين من الوقوع في أي صورة من صور البدعة ، خاصّة أنهم هم المعنيون بقمع البدعة والإنكار على أهل البدع . ولكن التنسيق والتعاون والتنظيم بين الجهود والمواقف والأدوار ليس من باب البدعة في شيء بل هو - ولاشك - من باب التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم به ، وهو ألصق بدعوة السلفيين ومنهجهم من غيرهم إذ هم أهل العلم والعمل . ثالثاً : ومن أسباب ضعف الدعوة السلفية حبّ التفرد في ال دعوة ، والتصدر في التعليم ، والأثرة بالخير والفضل . وهذه أدواء ربما تسلّلت إلى نفوس كثير من الدعاة السلفيين وقلوبهم ، وهم في ميادين التنافس على الفضل والتسابق إلى الخير ، وهذا أيضاً ناتج عن إهمال بعضهم بل كثير منهم لرياضة النفوس وتزكيتها بالآداب والكمالات التي تصفيها وتزكيها من نوازع الأثرة والكبر والحسد وحبِّ الظهور والتفرّد ونحوها من نوازع النفس ومثالبها . ولا يردنا إجلالهم عن ذكر هذه النقيصة الظاهرة خصوصاً أننا في سياق النقد وسبيل الإصلاح .
عدد الصفحات ٦١الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 61 رابعاً : ومن أسباب الضعف في الدعوة السلفية اليوم ما يُرى على كثير من طلاب العلم السلفيين من التواكل والكسل في دعوتهم ، فبينما نجد الدعاة في الجماعات الدعوية الأخرى بكل اتجاهاتها وعقائدها الإسلامية منها وغير الإسلامية عرفت في هذا العصر بالنشاط والحركة الدائبة والفاعلية القوية ، وذلك لتيسر أسباب الاتصال ، ولبروز الاتجاه إلى العمل الجماعي المنسق ، إلاّ أننا نجد في كثير من طلاب العلم بل من القائمين على الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من السلفيين فتوراً ظاهراً ، وتواكلاً بيّناً ، وضعفاً في الاستعداد للتضحية والعمل الجادّ أو الشاق ، وما ذلك إلاّ لانفراد كل واحد منهم بمجهود فردي ضعيف ينشط إليه حيناً ويتقاعس عنه في أحيان كثيرة فيكون ناتج ذلك هو الضعف والتواكل والكسل ، وقد شخص الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الداء ، ووصف له الدواء ، فقال صلى الله عليه وسلم : "عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ، فياليت قومي يعلمون بل يا يليت قومي يعملون . خامساً : ومن أسباب الضعف في الدعوة السلفية تسلط الحكومات على الدعوة والدعاة في بلادها ، فكل حكومة إسلامية في زماننا هذا أصبحت موكلة من قبل الغرب بمنع الأنشطة الدعوية في بلادها ، والتضييق على الدعاة الناشطين أو سجنهم ، وتنشيط الإعلام ووسائل اللهو واللعب المضادة لهذه الدعوة ، وإلا كانت عرضة لتهمة الإرهاب وعقوبات الغرب الاقتصادية وغيرها . وليس الأمر قاصراً على الضغوط الغربية بل إن كثيراً من المتنفذين في بعض الحكومات الإسلامية علمانيون معادون للدعوة الإسلامية عامة والسلفية منها خا صة ، ومن ثم فهم يواجهون الدعوة السلفية مواجهة العداء والخصومة . وقد آن لنا الشروع في وصف حال الدعوة السلفية في عصرنا الحاضر ، وانقسامها من حيث المنهج الدعوي إلى أربعة اتجاهات أو مدارس دعوية لكل منها معالمه وخصائصه ، على وجه التفصيل والبيان إن شاء الله .
عدد الصفحات ٦٢الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 62 المقالة الثانية: المدارس السلفية في عصرنا الحاضر التمزق والخلاف تمهيد : نستعير كلمة (المدارس) مع حرصنا الشديد – كما هو مذهب أهل السنَّة والجماعة – على أن لا نخرج عن المصطلحات الشرعية ، والعبارات السلفية ، عند الكتابة أو التحدّث عن أمر من الأمور الشرعية ، وندعو جميع العلماء والدعاة والكتاب أن يلتزموا ذلك ما وجدوا لذلك سبيلاً ، لأنه سبب من أسباب حفظ الدين على الوجه الذي بلّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقله الصحابة من بعده ، والأئمة الأعلام من أهل السنة والجماعة ، خصوصاً في زماننا هذا الذي فشت فيه العدوى بمصطلحات غربية أو بدعية حتى جرت على ألسنة علماء من أهل السنة والجماعة ، ودخلت في كتاباتهم ، ومحاضراتهم ، فضلاً عن غيرهم ممن تحدّث أو كتب في أمور شرعية . ولكن مع ذلك فإني أجلّ أهل السنة والجماعة السلفيين من أن أسمّي اختلافهم وانق سامهم بالفرق أو الأحزاب أو الطوائف أو ما أشبه ذلك من المصطلحات التي أطلقت على أهل البدعة والانحراف ، فاسميتها (مدارس) . مع العلم كذلك أن إطلاق هذه التسمية (مدارس) على الانقسام والاختلاف بين أهل السنة والجماعة السلفيين لا يعني الرضا أو الإقرار بما آلت إليه حالهم من الفرقة والتشتت ، أو التهوين من شأن هذا الخلاف بينهم ، ولكنَّه التلطُّف بهم ، والإجلال لأصل معتقدهم الذي يجتمعون عليه ، وهم يجتمعون ولله الحمد على أصول الدين وفروعه كما جاءت في كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة السلف الصالح ، وإنّما الخلاف بينهم في سبيل
عدد الصفحات ٦٣الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 63 الدعوة وأساليبها ، وهو خلاف لا يستهان به ولكنه ليس كالخلاف في أصول الدين كما هو الحال مع الفرق الضالّة والمنحرفة . أسباب التمزّق والخلاف بين الدعاة السلفيين اليوم : 1- الحدَّة في النقد والتجريح بدلاً من النصح والتصحيح ، فمن المعلوم أن السبّ والشتم والتجريح إنما تورث البغضاء والعداوة والعناد والتعصّب ، ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى رسوله ومن معه من المؤمنين أن يسبّوا أصنام الكافرين وآلهتهم حتى لا يقابلوا ذلك بسب الله جل وعلا ، فيكون المؤمنون سبباً في فعلهم هذا . قال تعالى : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) " الأنعام 118 " ، فلما علم الله سبحانه أن السب والشتم يورث التشدد في العداوة والبغضاء والتعصّب ، والرد المؤذي لله ولرسوله والمؤمنين ، نهاهم عنه ، وأهل السنّة أولى بأن يهتدوا بهدي الكتاب والسنة ، وهم أهل الاتباع والوقوف عند حدود الله . 2- عدم التواضع للنصيحة بين زعامات هذه المدارس ، ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون ) " المؤمنون 53 " ، ولو أنهم تواضعوا للنصيحة لاجتمع شملهم والتأم صدعهم ، وعاد كل م نهم على نفسه بالمحاسبة والتصحيح والإصلاح حتى يزول ما قد علق بدعوتهم من غبار الدعوات الأخرى ، ويصلح ما قد وقع في اجتهاداتهم من الخطأ والخلل والجور والزلل ، والعصمة إنما وهبها الله لأنبيائه ورسله ، وأما من عداهم فيؤخذ من كلامه ويرد ، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم وقّافين عند حدود الله ، يقبلون النصح ، ويرجعون إلى الحق . وسير الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة وكذلك أئمة السلف الصالح تحفل بهذا الخلق العظيم ، والأمثلة على ذلك كثيرة يعرفها العام قبل الخاص . 3- ومن أسباب التمزّق والخلاف بين الدعاة السلفي ين اليوم تدخل أهل السياسة والسلطان في توجيه الدعوة بما يتفق مع سياساتهم ويؤمّن سلطانهم ،
عدد الصفحات ٦٤