المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحلل السندسية في نصائح الجماعات الدعوية الإخوان والتبليغ والسلفية

محمد بن حامد آل عثمان الغامدي

صفحة ٣ من ٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 32 4- ما عرف عنهم من التزهيد ف ي الدنيا وزينتها ، والتحذير من لهوها وبطرها ، والتوجيه إلى العمل لما بعد الموت من أعمال صالحة ، وحسن معاملة . 5 - ما عرف عنهم من البساطة وعدم التكلف ف ي وسائل الدعوة ، ومخاطبة المدعويين . 6- طريقتهم التربوية ف ي نقل المدعوين من بيئاتهم التي تعوقهم عن الالتزام بالدين ، إلى بيئات دعوية يعايشون فيها العبادة ، ويتذوقون فيها حلاوة الإيمان ، ويطبقون فيها الالتزام بالدين ، ويتدربون فيها على الدعوة إلى الله ، فيما يسمونه بالخروج ف ي سبيل الله . 7- مخاطبتهم لعوام المسلمين بالألفاظ السهلة ، والمعاني الإيمانية المؤثرة ، مما يذكرهم بالله تعالى ، ويرغبهم ف ي الإقبال على الدين والعبادة . وغير ذلك مما يذكرون به ، ويشكرون عليه . وأما ما يؤخذ عليهم ، وننصحهم بالتنبه له ، وتصحيح مساره ،وتقويم اعوجاجه ، والأخذ بالحق فيه ، والحذر من الاستكبار عليه ، أو الإعراض عنه ، فهو ما يلي : أولاً : اقتصار جماعة التبليغ في دعوتها على الدعوة إلى توحيد الربوبية مع إغفا ل الدعوة إلى توحيد العبادة المسمى بتوحيد الألوهية وإغفال التحذيرمما يناقضه من الشرك . وذلك على الرغم من أن كثيرا من البلدان التي تنتشر فيها الدعوة التبليغية تعاني من الوقوع في شرك العبادة ، بل إن من التبليغيين أنفسهم من يقع في أنواع من الشرك والبدعة خصوصاً في البلدان التي تنتشر فيها الصوفية ، ومع ذلك فإنه ليس في دعوتهم ما ينهاه عنها ، وهذا ولا شك خلل كبير ف ي الدعوة التبليغية فيما يتعلق بالعقيدة ومنهج الدعوة . ولولا أن من دعاتها من العرب خاصة من تلقى العقيدة السلفية عن العلماء السلفيين قبل انتسابهم لجماعة التبليغ لما نجا هؤلاء أيضاً من الوقوع في الشرك كما هو الحال عند إخوانهم من الأعاجم . إن دعوة الناس إلى الإيمان بوحدانية الله ف ي ربوبيته فحسب بأنه تعالى الخالق الرازق المدبر المعطي المانع المحي المميت – وهو ما تقتصر عليه دعوة التبليغيين - دون أن يدعى إلى وحدانيته تعالى ف ي عبادته مع التحذير من الشرك في العبادة

عدد الصفحات ٣٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 33 بشتى طرقه وأنواعه ، كأن يدعو المرء غير الله أويستغيث بغير الله أويستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاّ الله ، أو يذبح أوينذر أويسجد لغير الله ، أويتقرب لحجر أولشجر أو لقبر أو لولي أو لنبي بشيء من العبادات أو النذور أو نحوها ، فإن الدعوة حينئذ تكون ناقصة قاصرة عن أهم ما دعى إليه الأنبياء والمرسلين عليهم السلام من لدن نوح إلى محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم وهو توحيد العبادة المسمى بتوحيد الألوهية الذي هو المعنى الحقيقي لكلمة ( لاإله إلا الله ) أي : لا معبود بحق إلا الله أو لا مستحق للعبادة إلا الله . ولما كانت دعوة التبليغيين تدعو الناس إلى توحيد الربوبية ، ولاتدعوهم إلى توحيد الألوهية فإن التبليغي من غير العرب إنما يتقرب إلى الله تعالى في كثير من أحواله بوسائله الشركية ، وطرقه البدعية ، ظناً منه بأنه على كامل الإيمان ، وخالص التوحيد ، وصحيح العبادة . وكذلك فإن من يتوب من العصاة على أيديهم ف ي كثير من بلدان المسلمين إنما يتوب في الغالب عن ترك الصلوات واقتراف بعض المحرمات ، ثم يجتهد بعد ذلك ف ي التوسل بالقبور ، ودعاء الأموات ، والاستغاثة بهم ، وذبح النذور طلباً لإعانتهم وغوثهم ، وغير ذلك من صنوف الشرك وألوان البدعة ، ظنا منهم أنها عبادات مشروعة وقربات متقبلة . فما الذي فعله هؤلاء الدعاة التبليغيون أكثر من أنهم أخرجوا العصاة مما هم فيه من معاص ، ثم أدخولهم فيما هو أشد من ا لكبائر وسائر المنكرات وهو الشرك والبدعة . وليس أدلّ على منهجهم هذا من تفسيرهم لمعنى كلمة التوحيد (لا إله إلاّ الله)، بأنه إخراج اليقين الفاسد من القلب ، وإدخال اليقين على الله بأنه الخالق الرازق ، المعطي المانع ، المحي المميت ، المالك المتصرف . وهذا التفسير هو تفسير صوفي يحصر التوحيد في اليقين بأسماء الله وصفاته دون توحيده تعالى في عبادته من استعانة واستغاثة وذبح ونذر ودعاء واعتقاد النفع والضر من غير الله كالأولياء والأضرحة والأنبياء والملائكة وغيرهم ، وهذا النوع من التوحيد في الحقيقة أي توحيد الربوبية هو ما كان عليه مشركو العرب من اعتقاد حين أرسل

عدد الصفحات ٣٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 34 إليهم نبينا محمدبأن يعبدوا الله وحده لا شريك ، وطلب منهم أن يقولوا ( لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق إلا الله فاستنكفوا واستكبروا ، وظلوا على ما هم عليه من الاعتقاد بالربوبية دون الألوهية ، فأنزل الله تعالى فيهم قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) وقال تعالى :( قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) وقوله تعالى : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون . قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) . إن دعاة التبليغ في بلاد الهند والباكستان والبنغال - مع الأسف الشديد - يمارسون البدع والشركيات كغيرهم من الصوفية ويدعون إليها ، دون أن يروا في ذلك بأساً ، بل إنهم يعتقدون أنهم إذا بلغوا اليقين في الربوبية فإن ما يخالط عباداتهم من شرك بالأولياء والقبور لا يقدح في توحيدهم وإيمانهم . فغاية التوحيد عندهم هو توحيد المعرفة ، أي توحيد الربوبية ، فإذا عرف العبد وأيقن بأنه لا خالق إلاّ الله ولا معطي إلاّ الله ولا مانع إلاّ الله ، ولا مالك إلاّ الله ، ولا محي إلاّ الله ، ولا مميت إلاّ الله ، فقد بلغ بذلك غاية التوحيد عندهم فليتقرب بمن شاء وكيف شاء لتحصيل مطلوبه . وهذا خطأ فادح وشرك صراح من ناحيتي اللغة والاعتقاد ، قد بيّنه كثير من أئمة أهل السنة والجماعة . إذ أن المعرفة يجب أن تقترن بالعمل وهو العبادة ، فإذا عرف العبد وحدانية الله تعالى ف ي ربوبيته ، فيجب أن يوحده ف ي عبادته فلا يشرك معه غيره ، وإلاّ لم تنفعه معرفته ، ولم ينفعه يقينه . فالإله معناه ف ي لغة العرب المألوه : أي المعبود ، وليس معناه الخالق أو القادر على الاختراع ، كما هو مذهب الأشاعرة وسائر أهل الكلام والتصوف . وعلى هذا فمعنى (لا إله إلاّ الله) لا معبود بحق إلاّ الله ، أي : لا مستحق للعبادة إلاّ

عدد الصفحات ٣٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 35 الله فلا سجود ، ولا خضوع ، ولا استغاثة ، ولا استعانة ، ولا ذبح ، ولا نذر ، إلاّ لله وحده لا شريك له . فمن استعان أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاّ الله فقد أشرك ، ومن ذبح أو نذر لغير الله فقد أشرك ، ومن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله من حجر أو شجر أو ولي أو نبي أو غير ذلك ، فقد أشرك مع الله غيره ، واتخذه إله مع الله . ولمزيد البيان نقول بأن العبد قد يكون مشركاً بالله تعالى مع اعتقاده بأن الله هو الخالق الرازق المالك المدبر المتصرف ، كما هو حال المشركين ف ي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذين قال الله فيهم : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) " يونس 31- 33 " ، فنفى الله عنهم صفة الإيمان مع أنهم مقرّون بأن الله هو الذي يرزقهم وأنه الذي يملك الأسماع والأبصار ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأمر ، فلماذا نفى الله تعالى عنهم الإيمان إذن ؟ الجواب : لأنهم مع هذا الاعتقاد يصرفون شيئاً من عباداتهم لغير الله من الأصنام ونحوها . فلما لم يحققوا توحيد العبادة لم ينفعهم توحيد المعرفة الذي تيقّنوه وأقرّوا به ، وإن كانوا يعدون صرفهم العبادة لغير الله تقرباً إلى الله ، وعبودية له ، فيقولون : "ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زلفى" ، قال تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) " الزمر 2- 3 . " وخلاصة الأمر : أنّ تفسير جماعة التبليغ لكلمة (لا إله إلاّ الله) هو تفسير المتكلمين وغيرهم من المبتدعة الصوفية، وهو تفسير لا يمنع الناس من الوقوع ف ي الشرك ف ي العبادة فمن قال (لا إله إلاّ الله) وفهم منها توحيد المعرفة فقط ، فإنه لا

عدد الصفحات ٣٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 36 يبالي ف ي عبادته بالشرك ولا البدعة ما دام أنه قد حقَّق التوحيد – بزعمه – على هذا الفهم القاصر لكلمة (لا إله إلاّ الله) . وهذه الحقيقة تفسر لنا ما يقع فيه كثير من المسلمين ف ي بلدان العالم الإسلامي من الشرك عند القبور وغيرها ، ومن الاعتقاد ف ي قدرة الأولياء على تصريف الكون أو جزء من أجزائه ، ومن البدع المتعددة الأشكال والأصناف ، مع وجود علماء ودعاة لا ينكرون هذا عليهم ولا يقولون بأنه شرك أو بدعة ، لاعتقادهم بأن ما يفعله هؤلاء من الشرك ف ي عباداتهم لا يتعلق بمعنى (لا إله إلاّ الله) الذي هو عندهم قاصر على توحيد المعرفة لا العبادة كما أسلفنا . فهؤلاء عندهم موحدون وإن كانوا يصرفون شيئاً من عباداتهم لغير الله ، ولسان حالهم هو منطوق الآية الكريمة ف ي سورة الزمر :( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) " الزمر 3 " لذا فإننا نحذر إخواننا الدعاة من جماعة التبليغ من هذا التفسير الخاطئ لكلمة التوحيد ، ونقول لهم : اتقوا الله وحققوا الدعوة إلى الله على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ومذهب السلف الصالح ، فهو النهج القويم والصراط المستقيم ، وادعوا إلى توحيد الله ف ي عبادته ، كما تدعون إلى توحيده ف ي أفعاله . واعلموا أنكم إن قصرتم دعوتكم على هذا الفهم لكلمة التوحيد ولم تحققوا ف ي دعوتكم توحيد العبادة ، فإنكم لم تؤدوا الأمانة ، ولم تنصحوا للأمة ، وإنما غررتم من اتبعكم وفهم كلمة التوحيد على فهمكم ، والله يرشدنا وإياكم إلى طريق الحق والصواب . ثانياً : أما موقف جماعة التبليغ من تعلم العلم الشرعي ، فهو موقف سائر الصوفية ، من حيث تقسيم العلم إلى قسمين : علم الحقيقة ، وهو علم أعمال القلوب ، وفضائل الأعمال ، وعلم الشريعة : وهو علم أحكام العبادات الظ اهرة والمعاملات . والصوفية يرون أن العلم الذي تقوم به حقيقة الدين ، ويوصل إلى معرفة الله تعالى ، وإلى اليقين ، هو علم أعمال القلوب ومقامات الإيمان ، وهو ما يسمونه بعلم الحقيقة ، الذي لا يتوصل به إلى اليقين فحسب ، بل وزيادة على ذلك إلى المكاشفة ،

عدد الصفحات ٣٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 37 ثمالمعاينة ، ثم الفناء ، ثم إلى الاتحاد ، أو الحلول ، أو بلوغ الحقيقة المطلقة - كما يسمونها - وهي عندهم وحدة الوجود . أما علم أحكام العبادات الظاهرة والمعاملات الجارية والحدود الشرعية ، فيسمونه علم الشريعة ، أو علم المسائل ، وهو عندهم يقسي القلوب ، ويورث الكبر والجفاء ، ويشغل العابد عن السير ف ي منازل العبادة ، ومقامات الإيمان ، ولا ينبغي أن يتعلمه إلاّ أفراد قليلون من الأمة يرجع إليهم ف ي الفتوى ومعرفة الأحكام الظاهرة . وأما سائر أهل العلم والدين فينبغي لهم أن يبتعدوا عن علم الشريعة والأحكام ، ويحذروا من خطره على قلوبهم ، وذوقهم ، وصفاء نفوسهم ومواجدهم ، ويقصروا معرفتهم على علم أعمال القلوب وأحوالها ، ومراتب السير في المقامات ، والطرق الموصلة إليها . وجماعة التبليغ تدين بهذا المذهب الصوفي ف ي تقسيم العلم ، إلاّ أنهم يسمون القسم الأول منه : علم فضائل الأعمال ، والثاني : علم المسائل والأحكام . ويحثون أتباعهم على تعلم فضائل الأعمال ، ويحذرونهم من علم المسائل ، وأنه لا حاجة إليه إلاّ للقليل من الناس أهل الفتوى . ويصفون من تعلمه بالكبر والجفاء ، كما هو الحال عند سائر الصوفية . وهذا التقسيم الصوفي للعلم ، قد أراح كثيراً من الدعاة التبليغيين من مشقة تعلم العلم الشرعي ، ولو أبسط المسائل وأقرب الأحكام ، وأعطى العوام والجهال منهم الثقة ف ي أنهم يمكن أن يكونوا دعاة كباراً ، يجوبون الأرض ، ويدعون الناس ، مع عدم الحاجة إلى العلم الشرعي ، فيكفي دعوة الناس إلى الإيمان والعبادة إجمالاً دون تفصيل ، وكل من يستجيب لدعوتهم ويلتزم بالدين والعبادة ، فعليه أن يتعلم ذلك ممن حوله من الناس وعلى المذهب الذي يختاره ، أما الدعاة التبليغيون فلا علم لهم يعلمونه ، ولا فتوى عندهم يجيبون بها على سائليهم ، بل إن تعلم العلم الشرعي عندهم يشغل عن الدعوة وعن العبادة ، فليبق الداعية التبليغي عامياً من أجل تفريغ أوقاته للدعوة والعبادة ، ويكفيه ما يتلقاه في بيانات المشايخ التبليغيين من مواعظ وعبارات مكررة ، تلوكها الجماعة في جميع مواعظهم وبياناتهم ، ويحفظها

عدد الصفحات ٣٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 38 مبتدؤهم عن سبقه منهم ، وسيجد التبليغي الجاهل حتماً من هو أجهل منه من المسلمين فليمل عليه من محفوظه من عبارات المشايخ ومواعظهم حتى يصبح مثله في حفظ العبارات الدعوية والبيانات الوعظية التبليغية وهكذا دواليك . ويحتج التبليغيون بعدم حاجة الدعاة إلى تعلم العلم الشرعي ، بقول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما : "بلغو عني ولو آية" . وبحال الصحابة رضي الله عنهم ف ي دعوتهم الناس ف ي مبدأ الدعوة إلى الإسلام . وبمجيء بعض الأعراب من البادية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيسلمون ثم يأمر هم الرسول صلى الله عليه وسلم بإبلاغ قومهم ، دون أن يكون لهم حظ من العلم إلاّ الشهادتين وبعض الفرائض . وهذه الحجج ليس فيها دليل واحد على صحة ما عليه التبليغيون من جهل ، ومن خصومة للعلم الشرعي وأهله . فقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "بلغو عني ولو آية" دليل على أن من تعلم علماً قليلاً كان أو كثيراً فعليه أن يبلغه إلى من هو بحاجة إلى تعلمه أداءً للأمانة ، وإبلاغاً للدين . وفيه حث على التعلم وعلى إبلاغ العلم ولو آية . وليس من معناه ألاّ يتعلم المسلم من العلم إلاّ آية ، أو أن يتقلَّل من العلم . وليس من معناه أن من ليس لديه علم إلاّ آية أو ما ف ي حكمها أن له أن يتصدر لدعوة الناس ، أو ينصب نفسه ف ي مقام الداعية . وإنما المعنى إبلاغ ما لديه من العلم مهما قلّ ، وهذا لكل مسلم . أما من تصدر للدعوة ، وخرج إلى الناس يبلغهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من دي ن الله ، فلا بد أن يؤهل نفسه لذلك بما ينبغي لمثله من الدعاة والمقتدى بهم ، وهذا مما يعلم بالضرورة . وأما دعوة الصحابة رضي الله عنهم ف ي مبدأ الدعوة فكانت إبلاغاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه من الوحي ف ي تلك الفترة ، ولم يكن كثير من تفاصيل الشريعة قد نزل بها الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مراحل الدعوة بعد .

عدد الصفحات ٣٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 39 وأما من يسلم من الأعراب ويعود إلى قومه داعياً إلى الله ، فإنما كان ذلك لأن الرجل منهم يعود إلى قومه ناصحاً وموجهاً لهم ، وغالباً ما يكون ذلك ممن له السيادة والريادة ف ي قومه ، فيعود إليهم ليحثهم على الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعلّم الدين منه . وهنا فرق شاسع بين هذه الحال وبين ما عليه جماعة التبليغ من الخروج إلى الناس على أنهم دعاة إلى الله ، ومبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به ، ولهم ف ي ذلك منهج وطريقة يوجهون الناس إليها ، ويحثونهم على التزامها وعدم مفارقتها ، ومع ذلك فليس عندهم من العلم ما يجيبون به على أدنى تساؤل من المدعوين ، ولا ما يفرقون به بين ما هو حق وما هو باطل ف ي كثير من الأحوال والمسائل . والرسول عندما وجه بعض أصحابه للدعوة في القبائل إنما وجه أهل العلم والقرآن منهم لمهمة الدعوة، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، والقراء أصحاب بئر معونة وأصحاب ماء الرجيع ، ولم يرسل داعية واحداً من غير أهل العلم والقرآن إلا من يأتيه مندوباً عن قومه فيأمره بالعودة إليهم وإبلاغهم عما رآه من حال الرسول وأصحابه وما علمه عن دين الإسلام ليحثهم على الهجرة إلى رسول الله للإسلام والعلم والجهاد . وللأسف فإن موقف جماعة التبليغ من العلم الشرعي لم يقتصر على الإعراض عنه بل اتخذ موقف الخصومة والازدراء له ، والوقوف من االعلماء والفقهاء موقف النفور والجفاء ، وإن كان التبليغيون يتكلمون بما ليس عليه حالهم من تقدير العلماء ، وعدم مجادلتهم أو التصدر بين يديهم ، فهم إنما يفعلون ذلك لأن بضاعتهم مزجاة ، ولو جادلوا أحداً من أهل العلم لا فتضحوا ، فهذا ليس تواضعاً منهم وإنما هو تقيّة ، وعجز. وأولى بإخواننا الدعاة التبليغيين إن كانوا هم يأبون أن يتأهلوا للدعوة بتعلم العلم الشرعي ، فلا أقل من أن يدعوا التزهيد فيه وصرف الناس عنه وادعاء أنه يفضي إلى التكبر وقساوة القلوب والانشغال عن الدعوة إلى الله ونحو ذلك من الدعاوى الباطلة .

عدد الصفحات ٤٠

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 41 ثالثاً : من أصول جماعة التبليغ الثابتة عندهم عدم إنكار المنكر ، وهم يعدون الإنكار من أعظم العوائق للدعوة إلى الله ، وأنه سبب لتنفير الناس عن الدين ، وأنه منافٍ للحكمة ، وللسماحة ، وحسن الخلق . ويكثر ف ي بياناتهم ومواعظهم التأكيد على عدم ذكر عيوب الأمة ، والمقصود بها المنكرات والبدع ، والشركيات ، مدعين بأن ذكرها والتشنيع عليها يزيد من انتشارها وشيوعها بين الناس . فالسكوت عنها وعدم إنكارها أولى عندهم ، وإنما يكتفى بدعوة أصحابها إلى الخروج مع الجماعة ثلاثة أيام أو أربعين يوماً أو أربعة أشهر ، فإذا ابتعدوا عن تلك المنكرات مدة الخروج هذا وتغيرت أحوالهم فهذا يكفي ، وإن كانوا يعودون إلى أقوامهم بعد ذلك دون أن ينكروا شيئاً من المنكرات التي هم عليها ، بل يكتفوا بدعوتهم إلى الخروج مع الجماعة في سبيل الله أي للدعوة . ونحن نسأل الدعاة التبليغيين : كم نسبة هؤلاء الذين يخرجون معكم وتتغير أحوالهم ويتركون ما هم عليه من المنكرات بالنسبة إلى قرية أو مدينة أو بلدة كاملة؟ لاشك إنها نسبة ضئيلة جداً مهما بالغ في تضخيمها الدعاة التبليغيون . فهل تظل المنكرات قائمة لا ينكرها أحد مع ازديادها وتوسعها ، حتى يخرج جميع أهل البلدة مع جماعة التبليغ ، ويهتدون جميعهم ، فتزول بذلك المنكرات؟! فإن قال قائلهم : هل إذا أنكرت المنكرات تزول جميعها؟ فالجواب : هو أنه من المعلوم المشاهد أنه إذا قامت أمة من الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ف ي بلد ما ، فإنها تقل المنكرات ، ويذل أهلها ، ويتخفى المصرون منهم بها عن أعين الناس في الغالب ، فيسلم منها عامة المسلمين ، وخاصة شبابهم ومن يخشى عليه الانجذاب إليها . وإنه ليظهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطان الدين ، وتعلو دولة الفضيلة ، ويعم الأمن ، ويكثر الخير ، وتحل البركة ف ي أهل ذلك البلد . وكفى بذلك فضيلة وأهمية لقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ف ي المجتمعات .

عدد الصفحات ٤١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 41 ثم أليس من أمانة الدعوة إلى– أيها الداعية – إذا شاهدت أحداً من الناس أو جماعة أو أهل بلدة على منكر أو بدعة ، أو شرك ، أن تبلغهم حكم الله ف ي ذلك الأمر الذي هم عليه ، قدر إمكانك وطاقتك؟ فما ظنّك بحال من يموت منهم وهو على شركه أو بدعته أو فسوقه وقد رأيته ووقفت على حاله دون أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإبلاغه بحكم الله فيه الذي هو بالنسبة لك فرض عين لا يحل لك تركه ؟ ألا تخشى أن يكون من حجته عند الله يوم الحساب أنك وجدته يوماً ما على ما كان عليه ، ولم تحذّره منه ، ولم تبلغه حكم الله فيه ، وأنت قد ادعيت له أنك داعية إلى الله ، مبلغاً عن رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هذا وإن الآيات من كتاب الله والأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ف ي فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم أهميته كثيرة معلومة ، يقول الله تعالى ف ي محكم آياته : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) " آل عمران 111 " ، فجعل سبحانه خيرية هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم بسبب ما وكل إليها من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكفى بذلك شرفاً . وقال تعالى : ( ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) " آل عمران 114 " ، فأمر سبحانه بالدعوة على وجه العموم ، وخصّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذكر لوجوبه ف ي الدعوة وأهميته فيها . وقد استحق بنو إسرائيل من الله تعالى اللعن على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام بسبب عصيان بعضهم واعتدائه على حرمات الله ، وسكوت بعضهم الآخر ، فلم ينه أولئك العصاة عن المنكر الذي فعلوه ، أو أنه نهاهم ثم سكت عنهم وواكلهم وشاربهم وجالسهم وهم على ما هم عليه من الإقامة على المنكرات ، كما جاء ف ي الحديث عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل

عدد الصفحات ٤٢

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 42 فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" ، ثم قال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) إلى قوله : ( فاسقون ) " المائدة 78- 81 " ، ثم قال : "كلا والله ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطراً ، أو تقصرنه على الحق قصراً" . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" . فهذا الحديث نصٌ ف ي أن التغيير يكون لعين المنكر ، وما يجادل به الدعاة التبليغيون ف ي أنهم إذا دعوا الناس إلى الخروج معهم ، فخرج معهم أفرادٌ ، ثم ترك هؤلاء الأفراد المنكرات ، فإنه لا حاجة إلى إنكار تلك المنكرات ف ي ذلك البلد ، فهذا من أبطل الباطل لكون الله تعالى أمر بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كليهما في آية واحدة ، فقال تعالى :( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) " آل عمران 114 " ولنسأل الدعاة التبليغيين ، هل مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ف ي الحديث السابق هو ما يدعونه من مجرد الخروج مع الجماعة ؟ أو أن مراده صلى الله عليه وسلم أن يقوم الرجل إلى أصحاب المنكر فينهاهم عنه إما بسلطانه وقوته ، أو بلسانه ودعوته ، أو ببغضه وإظهار كراهيته وعدم الرضى به؟ فإن كان هذا هو المراد فلماذا يصف التبليغيون إنكار المنكر بأنه ليس من الحكمة؟ ويعدونه من معوقات الدعوة؟ أليست هذه الدعوى التبليغية هي ذات الفلسفة التي درجت عليها الصوفية وعرفت بها ف ي موقفها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكراهيته واعتباره مناف للحكمة، أو أنه دليل على الجهل بالأسرار الغيبية ، وهي فلسفة بعيدة عن الحقيقة الشرعية ، مخالفة للنصوص القرآنية ، مناقضة للسنة النبوية .

عدد الصفحات ٤٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 43 إذن فعلى إخواننا من جماعة التبليغ أن يعودوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم فيتدبروا الآيات المحكمة ويتأملوا الأحاديث البينة، فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينظروا إلى السيرة النبوية العطرة ف ي ذلك، وليعضوا عليها بالنواجذ ، مع نبذ الفلسفة الصوفية التي تدعي الحكمة والرحمة ف ي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي أبعد ما تكون عن الحكمة والرحمة التي أرسل بها خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، والله الهادي إلى سواء السبيل . رابعاً : وأما الجهاد ف ي سبيل الله فموقف التبليغيين منه الإنكار الشديد والبغض الأكيد ، فهو عندهم إزهاق للأرواح ، وسبب ف ي دخول الكفار المساكين نار جهنم ، بخلا ف الدعوة التي هي إنقاذ للأرواح ، وسبب ف ي هداية الناس ودخولهم ف ي رحمة الله وجنته ، وهذا أصل من أصولهم ، وإن كان دعاتهم من العرب بسبب ما تلقوه قبل التحاقهم بالتبليغ من علوم شرعية لا يرون ذلك ولا يقرون به ، إلا أن أصول هذه الدعوة شيء والتزام بعض دعاتها بها أوعدم التزامهم شيء آخر . والتبليغيون يصرفون معنى الجهاد ف ي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معنى الدعوة ، ويؤولونه بذلك . وهم لا يتكلمون عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين عند ذكر سيرته إلا نادراً وفي مواطن الرحمة والعفو لا في مواطن القتال والمواجهة ، ولا يستشهدون بما ورد ف ي ذلك من الآيات ، بل يتجاوزون ذلك كله هرباً مما ينقض أصولهم الصوفية من سيرته في قتال المشركين والغلظة عليهم . وليسوا بذلك منكرين لجهادرسول الله صلى الله عليه وسلم، أومكذبين بالأدلة والشواهد عليه من الكتاب والسنة، ولكنهم لايرونه سائغاً للدعوة، و نشر الدين، بل يرون أن التبليغ والدعوة هو السبيل الوحيد السائغ لنشر الدين، وفي هذا انحراف واضح ف ي العقيدة ، وفهم قاصر لأصول الدين .

عدد الصفحات ٤٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 44 وأكثر التبليغيين يحيدون عن الكلام ف ي هذا الجانب ، ويسكتون عنه ، ويتشاغلون بالحديث عن الدعوة والتبليغ وفضائلها ، وحاجة الناس إليها ، هرباً من الحديث عنه ، لأنه مناف لأصولهم الصوفية التي قامت عليها دعوتهم . ومن الدلائل البينة على إعراض جماعة التبليغ عن الجهاد ، ونفورها منه ، وعقيدتها فيه ، أن هذه الجماعة لم يعرف لها أية مشاركة منذ نشأتها ف ي الجهاد القائم ف ي أنحاء العالم الإسلامي ، مع تواجد دعاتهم ف ي أرجاء البلدان الإسلامية ، التي تدور فيها رحى الجهاد مع أعداء الله الكافرين . فالجهاد عندهم منافٍ للرحمة والشفقة ، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) " الأنبياء 117 " فعدوان الكفار والمستعمرين على المسلمين هو عندهم كما هو عند سائر الصوفية من باب قدر الله الذي لا يجوز دفعه ، ولا التبرم به ، بل ينبغي الرضا والتسليم به ، خصوصاً أن الكافرين المعتدين على ديار الإسلام ، يعاملون من لم يجاهدهم ، ولم يصدهم عما جاءوا له ، معاملة طيبة ، ولا يتعرضون لعبادته التي يشتغل بها عنهم . وهذه فرصة سانحة للتقرب إليهم ودعوتهم ، فنكون بذلك سبباً ف ي إنقاذهم من النار ، فالدعوة تكفي عن جهادهم وصدهم بالقوة والقتال ، لأنها - كما يعتقد التبليغيون - سبب في إسلامهم ودخولهم الجنة بينما قتلهم في الجهاد سبب في دخولهم النار . إن هذه العقيدة الصوفية المنحرفة قد جرّت على بلاد الإسلام الويلات والمصائب ، فساد بسببها الجهل ، والتخاذل ، وشاعت بها الخرافات والأوهام والشعوذات . وإن التاريخ ليشهد أنه ماصدّ أعداء الله ، وما ذاد عن حمى الإسلام ، وما أخرج المعتدين المستعمرين من أرضه إلاّ كتائب الجهاد ف ي سبيل الله ، الذي هو ذروة سنام الإسلام ، ومناط عزّه وتمكينه . لذا فإننا ننصح إخواننا الدعاة من جماعة التبليغ ، ألا يُخذِّلوا عن الجهاد ف ي سبيل الله بإشاعة هذه العقيدة الفاسدة ونشرها . ونذكرهم بأنه لا تناقض ولا تضاد بين الدعوة إلى الله والجهاد ف ي سبيل الله ، فكلاهما من دين الله ، ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن لكل منهما مناسبته ومقتضاه . فلا يجوز الإيمان

عدد الصفحات ٤٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 45 ببعض الكتاب والإعراض عن بعضه الآخر . فهذا فعل اليهود الذي ذكره الله ف ي كتابه وذمهم عليه ، وأما أهل الإسلام فإنهم يؤمنون بالكتاب كلّه ، ويعملون به على قدر الطاقة والوسع ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . خامساً : حصر جماعة التبليغ للدعوة فيما يسمونه بـ( الصفات الستة ) وهي بحسب عبارتهم : 1- الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ) . ومعناها عندهم : اليقين على الله بأنه الخالق الرازق المدبر المحيي المميت المعطي المانع . ويلاحظ : ا- أنهم يفسرون الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ) تفسيراً صوفياً ، فيجعلون معناها محصوراً في اليقين بأسماء الله وصفا ته وهذا يعني حصرهم لمعناها في توحيد الربوبية ، أما توحيد الألوهية ( العبودية ) فلا يدخل عندهم في معناها إلا بالتضمن ، لما لديهم في العبادة من تعلق بالأولياء وقبورهم والتوسل بهم والذبح والنذر لهم وغير ذلك مما ينافي معنى توحيد العبادة المسمى بتوحيد الألوهية ، ويدخلهم حسب معناه السلفي في دائرة الشرك والبدعة . ب- ومما يلاحظ كذلك أنهم لا يضمون إليها شهادة أن محمداً رسول الله عند ذكرها في الصفات الستة ، ولعل ذلك بسبب ما يجره تفسيرهم الصوفي الديوبندي لها من خلاف مع البريولية في دول الهند ومع السلفية في دول العرب ، وذلك لغلو البريولية في رسول الله بما يقرب من تأليهه، والتبليغيون على مذهبهم الديوبندي أقل غلواً في شأن الرسول منهم . ولما بينهم وبين السلفية من خلاف في تفسيرها فالسلفيون يجعلون معناها الاتباع والتمسك بالسنة ونبذ البدعة ، والتبليغيون يجعلون معناها بالدرجة الأولى المحبة ، كما إن لديهم من البدع ما يخالف المعنى السلفي لهذه الكلمة ، فلم يضموها إلى كلمة ( لا إله إلا الله ) في الصفات الستة ، وإن كانوا يعتنون بالشهادتين حتماً أشد العناية ، ولكن منهجهم في تجنب الخلاف وما لديهم من تقية عملية دفعتهم إلى هذا المسلك الانتقائي .

عدد الصفحات ٤٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 46 ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض التبليغيين من العرب أنشأ موقعاً ألكترونياً يشرح فيه الصفات الستة محاولاً الجمع بين التفسير السلفي للشهادتين وبين التفسير التبليغي ، فأورد في معنى ( لا إله إلا الله ) لا معبود بحق إلا الله ، وأورد الشهادتين معاً في الصفات ، وقد راعى أيضاً التفسير التبليغي لها وهو أن معناها : كيف نكون في حياتنا كما كان الرسول في عبادته وأخلاقه وسيرته ، وهذا المعنى المجمل يوجه إلى السنن العملية فحسب دون التأكيد على عدم مخالفة أي شيء من هدي الرسول وسنته، كما إنه لا يوجه إلى أن من معناها ترك البدعة في الدين وتجنبها . 2- الصلاة ذات الخشوع والخضوع وهذه ثانية الصفات الست على ترتيب التبليغيين . ويؤكدون عند ذكرها أنها الوسيلة التي تستجلب بها النعم ، وتفرج بها الكربات ، وتستمطر بها الرحمات . وهذا صحيح لا شك فيه . ومن الملاحظ أنهم لا يتدارسون فيما بينهم من العقيدة إلا توحيد الربوبية ، ولا يتدارسون من العبادة إلا الصلاة ، ولعل ذلك لأنهم رأوا أن التوحيد أساس العقيدة وأن الصلاة أساس العبادات ، فقصروا دعوتهم عليهما دون غيرهما من العقيدة والعبادة . ومن العجيب أ ن الجماعة التبليغية تترك لأتباعها بعد ذلك أخذ سائر معتقداتهم وأحكام عباداتهم من مذاهبهم المحلية على اختلافها في العقيدة والعبادة ، فالتبليغيون منهم الصوفيون ومنهم السلفيون ومنهم غير ذلك فيترك لهم الاستزادة على تعاليم الجماعة من مشاربهم المختلفة ، ولكنهم مع ذلك يشتركون جميعاً في عقيدة تبليغية واحدة قوامها دعوة التبليغ المنتقاة بعناية من العقيدة الصوفية الديوبندية . 3- العلم مع الذكر قد سبق أن العلم عند جماعة التبليغ على قسمين : ا- علم الفضائل : وهو علم أعمال القلوب ، وفضائل الأعمال . وهو ما يسمى عند الصوفية علم الحقيقة . وجماعة التبليغ تحث أتباعها على مدارسة فضائل الأعمال ، ومعرفة أحوال القلوب وأعمالها ، لأنه يورث التواضع ويرغب في العبادة والذكر . وأن هذا هو

عدد الصفحات ٤٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 47 العلم الموصل إلى اليقين الذي به تتحقق المعرفة بالأسماء والصفات ، وهذا الحد هو القدر المقبول من العقيدة الصوفية التي لا تقف في الحقيقة عند هذا الحد ، بل تتجاوز اليقين إلى مطالب الكشف والمعاينة والفناء وغيرها . فكأن الجماعة توقف أتباعها على أعتاب التصوف ، ولا تجرؤ على دعوتهم لولوج أبوابه وأسراره الخفية الخرافية . ب- علم المسائل : وهو أحكام العبادات والمعاملات والحدود ، والجماعة تحذر أتباعها من هذا العلم ، لأنه عندهم يورث الكبر وقساوة القلب والانشغال عن الدعوة والعبادة . وليس كل أحد يحتاج إليه ، فإذا وجد في الأمة أفراد يرجع إليهم في الفتوى ومعرفة الأحكام فهذا عند التبليغيين كافٍ ولا حاجة لكثرة المفتين . ومن الواضح أن هذا التقسيم هو التقسيم الصوفي المعروف للعلم ، حيث يقسمونه إلى 1- علم الحقيقة : وهو علم أعمال القلوب ومقامات السلوك ،2- علم الشريعة : وهو علم المسائل والأحكام . والأول هو علم الخاصة وخاصة الخاصة أهل الحقيقة ، والثاني هو علم العامة وأهل الظاهر أهل الشريعة . 4- إكرام المسلمين: أي التلطف بهم في الدعوة ، والرفق وحسن الخلق معهم في المعاملة . وخصوا المسلمين بالإكرام لأن دعوتهم جعلت هدفها الأول دعوة المسلمين للرجوع إلى دينهم ، وكذلك لأن الإكرام سبب في شيوع المحبة والألفة فيما بينهم . ولا ننسى أن في إكرام المسلمين معنى آخر تريد جماعة التبليغ تأصيله ، وهو عدم النفرة ممن يكون منهم على بدعة أو انحراف عقدي ، وعدم تعنيفه بسبب ذلك ، كما هو الحال من الدعاة السلفيين الذين ينفرون من أهل البدع والانحرافات العقدية وربما جفوهم وتنقصوهم ، فيجب على التبليغيين مراعاة كون هذا المخالف مسلماً ويكرمونه لإسلامه ولو كان مبتدعاً أو متلبساً بانحراف أو ما يوصف بالشرك . ٥- الإخلاص وتصحيح النية : فالإخلاص لله سبحانه وتعالى فيما يقوم به الداعية من جهد في دعوته أساس في قبول عمله وانتشار دعوته وتأثر الناس به . وهذا حق لا ريب فيه .

عدد الصفحات ٤٨