المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحلل السندسية في نصائح الجماعات الدعوية الإخوان والتبليغ والسلفية

محمد بن حامد آل عثمان الغامدي

صفحة ٢ من ٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 16 جعلت كثيراً من الناس يتوهمون أنه لا فرق بين هذه المؤسسات وغيرها من المؤسسات الربوية ، وهذا ما يفسّر ضعف الإقبال عليها وعدم الثقة بها . دعوا إلى أسلمة العلوم الإنسانية الغربية ، كما مرّ معنا في موضوع المعاصرة ، بما يفيد الإقرار بأصولها وفلسفاتها المادية ، مكتفين بالدعوة إلى تعديل وتهذيب هذه العلوم الإنسانية الغربية بما لا يؤثر في طبيعتها الم ادية ، وأصولها الفلسفية . أما الإعلام فلا تسل عن ولع جماعة الإخوان المسلمين بالظهور الإعلامي ، في وسائله المتعددة ، مع عدم الالتفات إلى ما يحوط هذا الظهور من التفاف علماني عليه، حتى أصبح هذا الظهور طُعماً للمسلم العادي يقع بسببه في مصيدة التأثير الإعلامي العلماني الفاسد بحجَّة حضور المشائخ فيه . وللأسف فإن هذا السلوك الإخواني قد أقنع كثيراً من مشائخ السلفية الذين كانوا يتنزهون عن مواطن الشبه ، وينأون عن مقاربة المصيدة الإعلامية بآلياتها التغريبية ، فأصبحوا تحت تأثير هذا السلوك الإخواني ، من الخائضين في غمار البرامج الإعلامية التلفازية ، أو الكاتبين المثابرين في الصحف العلمانية الشهيرة . فإذا انتقلنا إلى النشاط التربوي لجماعة الإخوان المسلمين فإننا سنجد أننا أمام نظرية تربوية يتجسّد فيها مبدأ الشمولية ويتّضح ، لولا ما يشوب هذه الشمولية من اجتهادات ومفاهيم وتصورات تخرج عن حدود الاتباع إلى الابتداع في كثير من الأحيان. فالتربية عند جماعة الإخوان تشمل الروح والجسد والفكر ، وهذا من حيث المبدأ جيد ولا غبار عليه . فأما الروح فقد شرع الله سبحانه وتعالى العبادة لتربيتها وتزكيتها والسمو بها ، وقد عنيت جماعة الإخوان بهذا الجانب عناية كبيرة ، وهذا مسلك دعوي أصيل ، ذلك أن الغاية الأساسية التي تقوم من أجلها الدعوة الإسلامية إنما هي توجيه الناس وحثهم على عبادة الله وحده لا شريك له ، والعمل على الفوز بمرضاته وبلوغ جنَّته . ولكن جماعة الإخوان تجنح في تربيتها الروحية إلى توجيه أتباعها إلى التصوف ، وتعدّه مسلكاً في العبادة مرضياً ، مع ما هو معروف عن الصوفية من الجهل

عدد الصفحات ١٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 17 والخرافة والبدعة ، بل إن إمام جماعة الإخوان الشيخ حسن البنا كان ممن تربَّى على الطرق الصوفية وكانت طريقته هي الطريقة الحصافية ، فلا بأس عند كثير من أتباعه من اتخاذ الداعية الإخواني طريقة صوفية يتربَّى عليها ، ويلتزم بها ، بل إن أكثر مرشديهم من أتباع الطرق الصوفية ومن أقطابها مثل التلمساني وغيره . وأما التربية الجسمانية ، فإن لجماعة الإخوان عناية كبيرة بالرياضة ، وخاصة كرة القدم ، ويؤخذ عليهم إسرافهم في تربية شبابهم على ممارستها مع ما فيها من اللهو والغفلة ، وكان حري بهم إذا كان ولا بد من الرياضة أن يجعلوا من رياضات ألعاب القوى المبنية على ألعاب رجولية وبطولية لها آثارها الجسمية والنفسية الإيجابية على اللاعبين وسيلة تربوية جسمانية وأخلاقية ، أما كرة القدم فهي لا تعدو عن كونها وسيلة لهو ولعب وغفلة لا تربية وأخلاق ورجولة . وهي – للأسف – وسيلة من أهم وسائل الدعوة والتربية عند جماعة الإخوان المسلمين ، وليتهم إذ جعلوا الرياضة وسيلة من وسائل الدعوة والتربية اكتفوا منها بما يحمل على الرجولة ، ويح فز على البطولة والجهاد ، كألعاب القوى المختلفة من قفز وجري وتسلق وحمل أثقال وسباحة ورماية ، وركوب خيل ونحوها . ولكنهم جعلوا جل اهتمامهم وعنايتهم بألعاب كرة القدم ، مع أنها من وسائل اللهو والغفلة التي ينبغي أن يتنزه عنها الدعاة أويقلوا منها ولا يستكثروا. وأما الجانب الفكري فإن جماعة الإخوان المسلمين تشجع أتباعها على الثقافة العامَّة ، والإطلاع على الفكر الإنساني بكل ألوانه وأبعاده وتوجهاته ، لتكون للداعية ثقافة عامَّة ، ورؤية شاملة ، وقدرة على الحوار . لذا فإن التوجه إلى الثقافة العامَّة أقوى لدى جماعة الإخوان من التوجه إلى العلوم الشرعية عن طريق الدروس العلمية على يد المشايخ المتخصصين في العلوم الشرعية . إن الدعوة الشمولية في الفكر الإخواني تعني أن على الداعية التنزل في ممارسة الحياة بجميع أنشطتها بما يتناسب مع الذوق العام للمجتمع وبما لا ينتج عنه تميز يدعو العامة للنفرة من الداعية . وهذه الممارسة تقتضي التنزل مع

عدد الصفحات ١٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 18 مقتضيات الحياة العصرية بكل ما فيها من شوائب المادية ، ولوثات المفاهيم الغربية ، ومجاراة الواقع المشوب بالممارسات الخاطئة ، والسلوك غير الفاضل شرعاً أحياناً . ولو أنَّ جماعة الإ خوان اقتصرت على المجهود الدعوي الإرشادي الإصلاحي ، لما احتاجت إلى هذا التنزل الذي جعل دعوتها مرقعة بألوان من الترخصات وأجزاء من التلفيقات لإرضاء الذوق العام للمجتمعات . ثالثاً : الوحدة الإسلامية : الوحدة الإسلامية مطلب ينشده كل مسلم ، ويتمناه ، ويتساءل هل يتحقق هذا المطلب العزيز؟ وعلى أي الأصعدة يتحقق؟ ومتى؟ وكيف؟ وفي بداية القرن الرابع عشر الهجري جاء إلى مصر رجل أفغاني أو إيراني على خلاف في نسبه ، يسمى (جمال الدين الأفغاني) ، ينادي بمبدأ الوحدة الإسلامية ، ويدعو إليه . وذلك في الوقت الذي كان فيه الاستعمارالغربي قد مزّق جسد الأمة الإسلامية أشلاءً ، وفرّقها دويلات وشيعاً وأحزاباً ، عدا وسط جزيرة العرب ، فقد زهدوا فيه ، وأبعدهم الله عنه . فكانت الفكرة – فكرة الوحدة الإسلامية -حلماً جميلاً وأمنية غالية أيقظتها في النفوس عاطفة الإسلام ، وأجَّجتها في القلوب الغيرة على أمة الإسلام التي بسبب تفرقها وتجزئة بلدانها غدت لقمة سائغة للأعداء . ومن ثم فقد تحمّس لهذه الفكرة عدد من علماء مصر على رأسهم الشيخ محمد عبده ، ثم تلميذه الشيخ رشيد رضا ، وأخذت تتردد في أقوالهم وكتاباتهم . أما كيفية تحقيق هذه الوحدة ، فقد رأى جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده أنَّ تحقيقها يكون على بُعدين : البعد الأول : التقريب بين أهل السنة والشيعة ، وقد تأسس لهذا الغرض مركز في القاهرة يبحث في سبل هذا التقريب ، ليكون ملتقى دعاة السنة والشيعة ، للتفاهم والتقريب .

عدد الصفحات ١٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 19 وأما البعد الثاني : فعدم التعرض لأي خلاف يكون بين المذاهب والفرق ، ولو كان في أصل العقيدة ومعاقد التوحيد فضلا عن الفروع الفقهية أو السنن النبوية المرعية ، وذلك طلباً لتحقيق هذه الوحدة المنشودة . ثم جاء بعد ذلك الشيخ حسن البنّا زعيم الإخوان المسلمين فأسَّس جماعته (جماعة الإخوان المسلمين) على هذا الأصل ( تحقيق الوحدة الإسلامية ) ، وأطلق كلمته المشهورة : "نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" ومقصوده الخلاف بين الفرق والمذاهب . وبدأ الشيخ حسن البنّا يطبق هذا المبدأ تطبيقاً عملياً في تكوينه لجماعته الدعوية ، فيضم إليها شتى المشارب ، ومختلف المذاهب ، تحقيقاً لمبدأ الوحدة الإسلامية ، مستوعباً لها في منهج هلامي يضم جميع الأطراف ، فكان من نتيجة ذلك : أولاً : اجتناب الدعوة إلى التوحيد إلاّ على أساس الحاكمية ، أي بالدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بما أنزل الله وذلك على تفسير كل مذهب . أما ما يتعلق بتوحيد العبادة الذي هو أساس دعوة الأنبياء عليهم السلام والذي يقتضي نبذ جميع أنواع الشرك ف ي العبادة كتقديس القبور والأضرحة ، والتقرب إليها بأنواع القربات ، والاعتقاد ف ي أصحابها أن لهم القدرة على التصرف والعطاء والمنع وغير ذلك مما ينتشر ف ي كثير من بلاد المسلمين بواسطة الطرق الصوفية أو المذاهب المنحرفة الأخرى ، فلا تتطرق إليه دعوة الإخوان المسلمين ، وليس هو من أصول دعوتها . بل إن من أصحاب الطرق الصوفية ، والعاكفين على أنواع من الشركيات والمخالفات الشرعية من هم أعضاء ف ي جماعة الإخوان ، ومنهم من هومن قادتها وزعمائها . وكل ذلك طلباً للوحدة الإسلامية وهرباً من الفرقة والخلاف . ثانياً : عدم الإنكار على أهل البدع أياً كانت ، وعدم الدعوة الجادة إلى اتباع السنة ومنهج السلف الصالح ، بل الجنوح إلى العق لانية التي لا تقف عند حدود النص، بل تتعدى إلى تفسيره وتأويله وفق ما ترتضيه تلك العقول المفسّرة له ، وما يقتضيه واقعها الذي تعيشه ، ومذهبها الذي ترتضيه .

عدد الصفحات ٢٠

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 21 فالوحدة الإسلامية قد لا تتحقق كما يريد الأفغاني وتلامذ ته مع الدعوة إلى توحيد العبادة ، ومع الالتزام بمنهج السلف ف ي الاتباع ، واحترام النصوص بالوقوف عند دلالاتها اللغوية الشرعية ، فهذا المسلك السلفي سيحمل الفرق الضالّة والمبتدعة على النفور منه ومصادمته كما هو الحال مع السلفية ، ومن ثم عدم تحقق الوحدة الإسلامية كما يريدون . من أجل ذلك فإن الإغضاء عن الخلافات سواءً كانت ف ي أصل العقيدة أو ف ي فروع الشريعة أمر تتطلبه هذه الرغبة ف ي تحقيق الوحدة مهما كان الثمن . إنّ الدعوة إلى الوحدة الإسلامية جعلت جماعة الإخوان المسلمين يتعاملون ف ي دعوتهم إلى الله تعا لى بأساليب أهل السياسة ، فيسارعون إلى التنازل عن بعض المبادئ ف ي سبيل كسب الأعضاء الهامين والأتباع الكثيرين ، ولا بأس بالإغضاء عن بعض المخالفات الشرعية ، أو ارتكابها ف ي سبيل كسب الجماهير ، وقبول التائبين . ويعدون ذلك من الحكمة وتأليف القلوب ، وتوحيد الصفوف . وإنك لتعجب أن يكون من جماعة الإخوان المسلمين – نتيجة للإغضاء والتسامح – محامون يترافعون بالقوانين الوضعية ، بل مستشارون وقضاة يحكمون بغير ما أنزل الله . كما إن من أعضاء هذه الجماعة كتاباً ومفكرين ينادون باختلاط الجنسين ، أو بالعمل السياسي ل لمرأة ، أو حتى التمثيل والغناء للمرأة ، وهي أمور تمنعها نصوص شرعية اتفق عليها سلف الأمة ، ومع ذلك ففي منهج جماعة الإخوان المسلمين ما يتسع لكل هذه المشارب لكي تتحقق بها الوحدة الإسلامية . إضافة إلى هذا كلّه فإن السعي وراء تحقيق الوحدة الإسلامية جعل جما عة الإخوان المسلمين يبحثون عن أقصر الطرق إلى تحقيق هذه الوحدة ، وأجدرها بالوصول إليها ، فوجدوا أنه الحكم ، فإذا قامت حكومات إسلامية ف ي أقطار العالم الإسلامي تعنى بتطبيق الشريعة الإسلامية ، فمن السهل بعد ذلك أن تقوم بين هذه الحكومات وحدة إسلامية ، ربما تصل إلى أن تصير الأمة كلها تحت حكم واحد ، وهذا هو الحلم المنشود .

عدد الصفحات ٢١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 21 ولكن تجارب جماعة الإخوان المسلمين المريرة مع الحكومات الطاغية ، التي ما إن أحست بهذا التوجّه لدى جماعة الإخوان حتى أسرعت إلى اتخاذ كل التدابير للقضاء عليها ، فقتلت زعيمها ومؤسسها الشيخ حسن البنا ، وسجنت دعاتها ، وأسرفت ف ي تعذيبهم ، وتشريدهم ، واتهامهم بالعنف والتآمر والسعي لقلب نظام الحكم ، وأخيراً قامت الحكومات المستبدة بتصنيفها على أنها جماعة إرهابية لتتم محاربتها عالمياً وليس محلياً أو إقليمياً فقط . وقد وصل الأمر بجماعة الإخوان ال مسلمين إلى هذا الحد من المعاناة رغم التنازلات السياسية من خلال الأساليب الحزبية التي قامت بها الجماعة سعياً منها إلى المشاركة السياسية بنفس الطرق والأساليب العلمانية للوصول إلى مواقع القيادة ومراكز اتخاذ القرارات ، والمشاركة ف ي البرلمانات ، وغيرها من قنوات العمل السياسي ، مع القبول التام بكل ما تقتضيه هذه المشاركة من الالتزام بالقوانين والأعراف والدساتير العلمانية ، والخضوع لها ، والاحتكام إليها ، والقسم على الوفاء لها والإخلاص في تطبيقها ، وكل ذلك لطمأنة الحكومات العلمانية ، بأن الجماعة لا تتآمر عليها ، ولا تتخذ أساليب العنف ضدها ، وإنما تخضع لقوانينها ، وتسعى إلى مشاركتها السياسية بالطرق التي ترتضيها تلك الحكومات ، ولكن هذه الأساليب لم تكن ترضي تلك الحكومات المستبدة ، وفي نفس الوقت هي لا ترضي المتمسكين بالنصوص الشرعية والطريقة السلفية لمصادمتها كثيراً من النصوص وكثيراً من منهج السلف الذي هو المرجعية الرئيسة لأهل السنة والجماعة . لقد أصبحت المناورات السياسية رائدة العمل الإخواني ، والأصل الذي تنبثق منه كافة الجهود الدعوية تقريباً ، وهي تارة تسمى الحكمة ، وتارة تسمى الواقع ، وتارة تسمى روح العصر ، أو روح الشريعة ، وفي جميع الأحوال فهي مبررة ، بناء على اعتمادهم العقلانية أصلاً ف ي فهم الدين وفهم الواقع . فكل ما ساغته العقلانية ، واقتضته ظروف العصر والواقع فهو من الدين ، وما لم تسغه ، أو ليس من مقتضيات العصر فليس من الحكمة ولو كان نصاً ثابتاً صريح الدلالة . وليست

عدد الصفحات ٢٢

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 22 هذه مبالغة بل هذا ما تنطق به فتاوى الإخوان وبياناتهم السياسية لمن أراد الرجوع إليها . ومن هذه المنطلقات نرى كيف يجيزون القسم بين يدي العلمانيين على تطبيق دستورهم ، وكيف يجيزون مشاركة المرأة ف ي العمل السياسي مع الاختلاط والتبرج بالضرورة ، وك ذلك التعاون مع بعض الأحزاب العلمانية وحتى الشيوعية منها والتحالف معها ، بل والانضمام إليها ، والتصويت لزعمائها ، كل ذلك خدمة للدين ووصولاً إلى الحكم كما يعتقدون . وهكذا يمارس الإخوان العمل السياسي على الطريقة العلمانية ، بصفته لعبة سياسية ؛ التنازلات فيها عن بعض المواقف والقيم هو من مقتضياتها لكسب مواقف أخرى والحصول على مكتسبات إضافية ، ولو كان هذا التنازل مما لا يسوغ شرعاً ولا تحتمله النصوص الشرعية . وإذا فهمنا أن العلمانيين لا يبالون بالتنازل أحياناً عن بعض آرائهم وأفكارهم ف ي سبيل الحصول على مكاسب سياسية ، أو مناصب إدارية ، أو مزايا مالية ، أو نحو ذلك ، فكيف نفهم أن يتنازل الإخوان المسلمون ، وكل من يمارس العمل السياسي باسم الدين عن أصول شرعية ومقتضيات دينية لا يصح شرعا التنازل عنها ؟ أيتنازلون عن شيء من دينهم الذي شرعه الله لعباده لكسب بعض المواقف ، أو الحصول على بعض المميزات ، حسب ما تقتضيه اللعبة السياسية؟ وهل من حق المسلم أن يفعل هذا، ولو خدمة للدين أو المسلمين كما يعتقد؟ إننا ندعو إخواننا من جماعة الإخوان المسلمين إلى التورع ف ي ممارساتهم السياسية ، وفيما تقتضيه هذه الممارسات من رؤى وتصورات ومواقف واجتهادات . فالانسياق وراء الأحلام السياسية ، والرؤى المستقبلية ، تجعل الركض وراء هذه الأمور يتجاوز الحدود الشرعية ، والثوابت العقدية ، إلى مت اهات من المفاهيم الضبابية، والمواقف الهلامية ، تجعل الدين لعبة سياسية ، ومراوغات دبلوماسية ، ومبادئ مصلحية ، لا حدوداً قائمة ، ونصوصاً ثابتة ، وقيماً راسخة .

عدد الصفحات ٢٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 23 إن السياسة وجميع مجالات الحياة ومناشطها يجب أن تخضع خضوعاً تاماً للإسلام ، وتقف عند حدوده ، وتسير وفق شريعته ومنهجه . ولنا ف ي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فحين عرضت قريش عليه الرئاسة ، وعرضت عليه المال ، وعرضت عليه متع الدنيا ، لم يقل أكسب هذه الصفقة ثم استأنف بعد ذلك الدعوة ، حاشاه من ذلك ، بل قال قولته العظيمة الكريمة : "والله لو وضعوا الشمس ف ي يميني والقمر ف ي يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" . ثم لننظر كيف أنه صلى الله عليه وسلم مع عظيم حفظ الله له ، وكريم عنايته به ، كان يعاتبه أحياناً على بعض المواقف التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهم فيها أن يتألف المشركين ببعض المهادنة اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( وإن كادوا ليفتن ونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذن لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا * إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ) " الإسراء 73-75 " ، وقال تعالى : ( أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة ) " عبس 5-11 ." وهذا يدل على أن الاجتهاد لا يكون ف ي أصول الدعوة ، فهي قائمة على نصوص صريحة ، وسيرة نبوية صحيحة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلقاها وحياً سماوياً لا يحيد عنه ولا يتجاوزه . فالحذر الحذر – إخواني الدعاة – فإنه مهما كانت النوايا حسنة ، والمقاصد عالية كريمة ، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة ، بل يجب أن تكون الوسيلة والغاية كلاهما ف ي إطار الدين وتحت لوائه ، والوسائل السياسية اليوم ليست كذلك فما المبرر لخوض وحولها ، والغرق ف ي مستنقعاتها . إنَّ للدعوة وسائلها الكريمة الكفيلة بظهور الدين وتمكينه بإذن الله دون الحاجة إلى سياسية العلمانيين وعلمانية السياسيين ، والله الموفق والمستعان ، وعليه التكلان.

عدد الصفحات ٢٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 24 رابعاً : فقه التيسير إن التملق ف ي هذه الآونة أصبح عند بعض الجماعات الدعوية وسيلة من وسائل الدعوة ، وأصلاً من أصولها ، ومنها جماعة الإخوان المسلمين . فكما تملقت جماعة الإخوان المسلمين الحكومات العلمانية بانتهاج أساليبها السياسية والدبلوماسية ، والانضواء تحت مظلَّة التشريعات والقوانين التي تحكم مجالسها النيابية ، أو أحزابها السياسية ، طلباً للوصول إلى إقامة الحكومة الإسلامية (العصرية) . فإنها كذلك تملّقت الجماهير الإسلامية ، بالدعوة إلى الترخص ف ي الفتوى الشرعية بدعوى التيسير ، سواءً كان ذلك ف ي الأصول العقدية ، أو الأحكام العملية . ومن تبريراتهم لهذا الترخص والتنزل بالأحكام الشرعية ما يلي : 1- لكي يقبل الناس على الدين إذا رأوا التيسير ف ي أحكامه ومعاملته ، وتنتشر الدعوة ، ويعود المسلمون جميعاً إلى تطبيق تعاليم الإسلام وشرائعه . 2- لئلا يوصم الإسلام بالتشدد ، والتطرف ، والرجعية 3- لمسايرة العصر الحديث ، وانفتاح على ما فيه من تطوّر وتمدّن ، فالتيسير يظهر الإسلام بمظهر التسامح ، والمعايشة لثقافات العصر ، وتطوراته المادية . 4- لأن المسلمين ف ي هذا العصر يقعون تحت وطأة المغريات والملهيات ، التي أغرقتهم بها الحضارة الغربية ، وروّج لها الإعلام الغربي بكل وسائله ، فأصبحوا بحاجة إلى أن تتنزل معهم بالتيسير ف ي الأحكام إلى الحد الذي يشعرون معه أن الإسلام لا ينتزعهم من حياتهم العصرية ، ولا يحرمهم من التمتع بمنجزاته المادية ، بل يعيشون متعهم ورغباتهم مع بقائهم على الإسلام . 5- لأن الإسلام أتى بالتيسير ورفع الحرج قال تعالى : ( هو الذي اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) " الحج 78 "، وقال صلى الله عليه وسلم : "يسِّروا و تعسِّروا ، وبشِّروا ولا تنفروا" .

عدد الصفحات ٢٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 25 ومع تسليمنا بأن هذه التبريرات منطقية وواقعية وشرعية إلا أن الترخص بها له ضوابطه الشرعية وحدوده المعتبرة التي لا ينبغي تجاوزها والتوسع فيها فوق ما قرره علماء الشريعة من سلف هذه الأمة . لهذا فنودّ أن ننبه إلى أمور هامة - ونرجو أن تتسع صدور إخواننا الدعاة لها ، ويتأملوا ما فيها من الحق والصواب – وهي كما يلي : 1- إنَّ الإمعان ف ي الترخص ، والتيسير ف ي الأحكام والعقائد عن طريق الاجتهادات غير المنضبطة بالنصوص الشرعية مسلك مخالف لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح ، خصوصاً أن الأصل في الدين هو العزيمة لا الرخصة وحثِّ الناس على أخذ دينهم بالعزائم ، وترغيبهم ف ي الوصول فيه إلى مراتب الكمال ، ودرجات السابقين . وتوجيههم إلى التنافس ف ي الخير ، وبذل أقصى الجهد وأعظم التضحيات ف ي سبيل ذلك . ولا أدلُّ على هذا كلّه مما نعلمه من حياة الصحابة رضوان الله عليهم ، وجدّهم واجتهادهم ، وبذلهم وتضحياتهم ، ولو أنهم تربَّوا على الترخص والأخذ بالتيسير لما كان منهم ما كان من فعالٍ جميلة ، وخصال نبيلة . أما الأخذ بأوسط الأمور وأيسرها ، والأخذ بالرخص الشرعية ، فإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوجه إليه ويحثُّ عليه ، عندما يرى من أصحابه من يندفع اندفاعاً قوياً إلى تحميل نفسه المشقات العظيمة ف ي العبادة أو الجهاد أو الزهد أو نحو ذلك ، بحيث ربما أضرَّ بنفسه وحملها على ما لا تطيق ، أو من يخاف عليه الغلوّ والتنطّع ف ي الدين بما هو خارج عن هديه صلى الله عليه وسلم فيردّه إلى القصد ، ويدله على التوسط ، ويحمله على التيسير . أما أن تكون الدعوة إلى الترخص والتيسير منهجاً للدعوة يخاطب الناس بها ابتداءً ، وفي أناس يتهافتون على الترخص ، ويسعو ن إلى التفلت من الأحكام الشرعية، ويربون على ذلك ، مع الإنكار في نفس الوقت على المجدين المشمرين من أهل العزائم ف ي الدين ، أو المتقين المتورعين ، أو نحوهم ، وحسبانهم ف ي عداد أهل التنطّع والغلو ، أو التطرف والجمود ، أو ينسبون إلى عدم الفهم ، أو إلى قلَّة

عدد الصفحات ٢٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 26 البصيرة . فهذا مسلك ولا شك غير قويم ، فهو إنما يوجه الناس إلى بوابة الخروج من الدين ، ويدعوهم إلى التنصل من تكاليفه التي قوامها مجاهدة النفس والشيطان ، وأطر النفس على الحق والالتزام به . وقد جاء ف ي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : "حفّت النار بالشهوات ، وحفّت الجنة بالمكاره" . وإذا ما رأى الناس الدعاة إلى الله تعالى وهم يترخصون ف ي الأحكام ، ويتساهلون ف ي الأخذ بالدين ، ويوجهونهم إلى الترخص والتساهل بدعوى التيسير عليهم ، فإنهم ولا شك سيجدون أنهم يدعون إلى أدنى المراتب ، وأقل المكاسب ، لا إلى التسامي ف ي مراتب الكمال ، والتنافس ف ي عزائم الدين ، ومن ثم ترخص ف ي نفوسهم المطالب ، ويهون عليهم ارتكاب المعايب . 2- إنَّ الدعوة إلى الأخذ بالرخص بدعوى التيسير ، يجعل الناس يعتقدون أنَّ هذا هو الدين كله ، أو أنَّ هذا أفضل ما ف ي الدين وأحسنه ، ثم ينظرون إلى الأخذ بالعزائم ف ي الدين ، والجد والاجتهاد ، ومراتب الكمال ، على أنها نوع من التنطّع والغلو ، أو ما يسمّونه اليوم بالتطرف والتشدد ، أو القسوة والغلظة ، أو يقولون كما يشيع بين كثير من الناس اليوم : هذا ليس من الدين ف ي شيء ، مع أنه من صميم الدين ، وخيره ، وأفضله . 3- وبسبب الدعوة إلى الأخذ بالرخص أو ما يسمّى التيسير ، يتربّى الناس على اعتقاد أن الدين إنما جاء ليخدم مصالحهم الدنيوية ، ونوازعهم البشرية ، ويحافظ على متعهم النفسية والجسدية ، فتصبح هذه الحاجات الدنيوية عندهم هي الأصل ، فما وافقها وأباحها من الدين فهو الحق ، وما خالفها وحرمها أو كرهها فليس من الدين ف ي شيء ، فيقاس الدين بمقاييس المصالح الدنيوية ، والنوازع البشرية . ً 4- وبسبب الدعوة إلى ما يسمونه بفقه التيسير، فإن حياة السلف الصالح وما كانوا عليه من اجتهاد ف ي العبادة ، وغيرة على الدين ، وعلوّ ف ي الهمم ، تلك الحياة الفاضلة تصبح عند من تربّى على الترخص والتيسير نوع خيال ، لا يمكن تطبيقه ف ي واقعنا المعاصر ، ولا الاقتداء به ، فهو اليوم غير صالح للتطبيق كما يقول بعضهم ، لأن عصرنا يقتضي التساهل ، أو لأنهم لم يكونوا يحتاجون إلى التيسير ،

عدد الصفحات ٢٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 27 أو لأننا فهمنا الدين أفضل مما فهموه ، أو غير ذلك من الحجج الواهية ، والجرأة الزائفة على الدين وعلى سلف الأمة . وكل ذلك بسبب انفتاح باب التي سير والترخص ف ي الدين على مصراعيه ، حتى ولجه كل من لا هِمَّة له ، ولا رغبة ، ولا نية حسنة ف ي الدين ، بل يتلمس أن يعد من أهله رياءً ، أو أن يتقي منهم تقاة . ولنقف الآن مع الدعاوى التي يحتج بها أصحاب فقه التيسير لنجيب عنها ف ي عجالة وإيجاز ، فنقول : 1- أما القول بأن الدعوة إلى فقه التيسير أو فقه الترخص إنما قامت لتكون سبباً ف ي انتشار الدعوة ، وقبول الناس لها . فالجواب : أن الدعوة هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، ذلك الميراث النبوي الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه أو أن ينقص منه ، كما لا ينبغي أن تصاغ بغير الصياغة النبوية ، ولا يسلك بها غير المسلك المحمدي الذي بلّغ به الناس . فالدعاة مقتدون ، والاجتهاد ف ي الدعوة إنما يكون ف ي المواقف المتغيرة لا ف ي منهج الدعوة وأصولها المؤصلة بنصوص القرآن والسنة ، ولذلك فإن الاجتهادات التيسيرية ، والدعوات الترخيصية ، خروج بالدعوة عن مسيرتها النبوية ، وطريقتها المحمدية : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) " يوسف 118 . " وأما قبول الناس للدعوة أو عدم قبولهم لها ، فهذا أمر يعود إلى ما قدره لهم من الهداية أو الضلالة ، وليس من شأن الداعي إلاّ البلاغ والدلالة. (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) " البقرة 272"، ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) "النور 54 " 2- أما دعوى أننا نتيسَّر ف ي الدين ونترخص حتى لا يوصم الإسلام بالتشدد ، أو التطرف ، أو الرجعية . فهذا القول إنما يصدر عن انهزامية وانكسار ، لا ينبغي أن تكون من صفات الدعاة الأخيار ولا من منهجهم ، فنحن ندعوا إلى ديننا الذي ارتضاه الله لنا وللناس كافَّة ، على الطريق الذي بلّغه به رسولنا صلى الله عليه وسلم ، دون التفات إلى أقوال المغرضين ، أو سخرية الساخرين ، أو استخفاف المستخفين .

عدد الصفحات ٢٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 28 ًً 3- وأما دعوى حال الناس اليوم وما هم عليه من الضعف ف ي مواجهة المغريات والملهيات التي جاءت بها حضارة الغرب وروّج لها إعلامهم ، فالجواب عليها أنَّ الدين إنما جاء ليرتفع بحياة الناس ويسمو بهم عن الشهوات المادية المحرمة ، والنوازع الحيوانية المستقذرة ، إلى مراتب العبادة ، وسمو الفضيلة ، وصفاء الإيمان ، ونقاء السلوك والمعاملة ، وهو يتدرج بهم ف ي العلو والسمو إلى درجات الكمال البشري ، والمثال الإنساني ، والحياة الكريمة الفاضلة . أما التنزل بالدين إلى موافقة الحياة المادية الجامدة ، والشهوات المتدنية التافهة ، والسلوك اللاهي الساهي الذي تقسو معه القلوب ، وتهزل الأرواح ، وتضعف الضمائر ، والذي تخفت به الأنوار الإيمانية ، وتجف الينابيع الروحانية، فإن ذلك إضاعة للدين ، وانحراف عن مسلك النبي الأمين . والله نسأل لنا ولإخواننا التوفيق والسداد والهداية والرشاد إلى طريق الحق ومزيد الإمداد . وفي الختام فإن هذه دعوة صادقة مخلصة إلى إخواننا الدعاة من جماعة الإخوان لمسلمين أن يراجعوا أصولهم التي بنوا عليها دعوتهم ، وأن يتأملوها حق التأمل ، فما كان منها مبنياً على السنة النبوية والطريقة السلفية ، فهو الأصل الأصيل ، وما كان منها مبنياً على التجارب والاجتهادات والافتراضات فليعرضوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليجتهدوا ف ي المطابقة بينه وبينها على طريقة السلف الصالح ، فهي الحق الذي لا مرية فيه ، والصواب الذي لا تثريب عليه ، وليخضعوا الأعصار والأمصار ، والآراء والأفكار لمنهج الكتاب والسنة ، فإن دين الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ،ويحكّم في ما سواه ولا يحكّم ما سواه فيه ، وليصبروا وليصابروا ، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) ، والله الموفق والمستعان ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .

عدد الصفحات ٢٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 29 النصيحة الثانية الدرع السبيغ في نصيحة جماعة التبليغ مقدمة : هذه نصيحة أقدِّمها إلى إخواني الدعاة إلى الله من جماعة التبليغ ، امتثالاً لقول الله عزّ وجل ف ي وصف المؤمنين : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) " العصر : 3 " ، واستجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ، قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم من حديث أبي رقية تميم الداري رضي الله عنه . والدعاة إلى الله هم أولى الناس بتقدير النصيحة ، والإقبال عليها ، والقبول بكل ما فيها من الحق والفرح به ، وإن كان مراً ؛ لأنهم هم أهل النصيحة ، وأربابها ، فهم يسعون ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً لكي يقبل الناس نصحهم ، وينتفعوا بما لديهم من العلم والحق ، ويسوؤهم أن ترد عليهم نصيحتهم ، ويتنكر الناس لهم ، لما يعلمونه من العاقبة الحسنة لمن قبل بالحق وعمل به وصبر عليه ، والعاقبة السيئة لمن ردّ الحق ، وأعرض عنه ، وتبرم به ، فهم لذلك أولى الناس بقبول النصح ، والاستجابة للحق ، والعمل به . وقد حملني على كتابة هذه النصيحة لإخواني الدعاة التبليغيين أمور منها : 1- إن الدعوة إلى الله تعالى هي إبلاغ للرسالة النبوية ، وأداء للأمانة الشرعية ، ونصح للأمة المحمدية ، ودلالة على الهدى والجنة ، فمن حملها فعليه أن يؤديها كاملة غير منقوصة ، سويّة غير معوجّة ، نقية غير مشوبة .

عدد الصفحات ٣٠

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 31 وإن نصحه ف ي القيام بدعوته على أتم الأحوال وأكمل الوجوه أعظم من نصح غيره ممن قصّر ف ي عبادته ، أو انحرف ف ي ديانته ، لأن تقصير الداعي أو خطأه يعم الأمة ، أما تقصير العابد أو خطأه فيخصه وحده ، ولا يتعدى إلى غيره . 2- إن الدعاة التبليغيين لهم انتشار ف ي أنحاء الأمة ، وأقطار الأرض ، فأثرهم ف ي الناس أوسع ، ونصحهم لذلك أولى . 3 - إنّ من دعاة التبليغ من ينشدون الحق ، ويتواضعون لقبوله ، فسمة التواضع فيهم ظاهرة ، وطلب كثير منهم للحق بيّن جليّ ، إلاّ من غلبت عليه العصبية لجماعته ، أو الحمية لمنهجه ، أو من داخله شيء من بطر الحق ، واستنكاف الرجوع إلى الصواب ، فأولئك عسى الله أن يلهمنا وإياهم الهدى وأن يسلك بنا وإياهم سبيل الرشاد . 4 - إني قد خرجت معهم ف ي رحلاتهم الدعوية ، وعايشت طريقتهم ومنهجهم فيها ، كما إني قد قرأت جلّ ما كتب عنهم وعن طريقتهم ، فعرفتهم معرفة نظرية، وخبرتهم خبرة عملية ، ووقفت على جوانب من القوة والضعف ، والخطأ والصواب ف ي دعوتهم ، فكان من حقهم عليّ أن أقدم لهم نصحي ، وأن أبيّن لهم ما تجلّى من الحق عندي ، وأن أنبههم إلى مواضع من الخلل والزلل ف ي منهجهم حسب علمي ، وقدر طاقتي ، لعل الله يخرج منهم من يلتزم الحق ، ويصحح الطريق . 5 - إن كثيراً مما كتب عنهم من الأخطاء المنهجية أو العقدية ، قد تداركه المشرفون على طريقتهم ومنهجهم فيما يتعلق بدعاتهم من العرب ، فعدلوه أو صححوه أو حذفوه ف ي مراحل سابقة ، لتحظى دعوتهم بقبول الدعاة من العرب خصوصا أهل الجزيرة العربية لمكانهم من الحرمين الشريفين ، ولمنزلتهم من نسب الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي لله عنهم ، ولشيوع العلم السلفي بينهم . أما ما يتلقاه الأعاجم من طريقتهم خصوصا أهل الهند والبنغال والباكستان فهو باقٍ على أصولهم الصوفية الديوبندية ، وطرقهم التعبدية من قادرية و نقشبندية وسهروردية وجشتية .

عدد الصفحات ٣١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 31 فكان التعديل ف ي منهجهم للدعاة العرب هو بفضل الله تعالى ثم بفضل ما كتب عنهم من نقد وتحذير من بعض المشايخ والدعاة السلفيين نتج عنه تعديل وإخفاء كثيراً من المعتقد الصوفي الصريح في دعوتهم فيما يتعلق بالدعاة العرب ، حتى إن الدعاة التبليغيين المتأخرين منهم ينكرون كثيراً مما كتب عن جماعتهم من نقد وتحذير ، ويقولون هذه الأمور التي تنتقد من البدع والخرافات والشركيات لانجدها في منهج الجماعة الذي تتلقاه اليوم ، فيتبادر إلى أذهانهم تكذيب كثير مما كتب عن الجماعة وهم واهمون ف ي ذلك . والحق أنهم لم يدركوا إلاّ ما عُدّل من منهج التبليغيين ، وهو مع ذلك لا زال يحمل بعض الأخطاء والمخالفات العقدية والمنهجية التي نحن ف ي هذه المقالة بصدد معالجة ما يتيسر لنا منها ، رجاء أن يعيد المشرفون على جماعة التبليغ النظر ف ي طريقتهم كرّة أخرى فينقحوها ويهذّبوها حتى توافق المنهج النبوي من جميع جوانبها ، ثم يعمموا هذا المنهج على جميع دعاتهم من العرب والعجم ليتحقق في منهجهم صحة الاعتقاد وصدق المتابعة مع سلامة المنهج الدعوي ، والله الهادي إلى سواء السبيل . وقبل أن أقف بإخواني الدعاة من جماعة التبليغ على ما أردت النصيحة به لهم، أود أن أذكّر غيرهم ممن يطلع على هذه النصيحة ، أن لهم – أي التبليغيين - من الآثار الطيبة ، والصفات الحميدة ، ما يذكر لهم فيشكرون عليه ، وهو من توفيق الله لهم وفضله عليهم . فأما ما هو من محامدهم ، فنذكر منه ما يلي : 1- ما عرف عنهم من التواضع ، ولين الجانب ، وحسن الخلق ، وخاصة خلق الإيثار والبشاشة وحسن المعاملة . 2- ما عرف عنهم من الإخلاص لدعوتهم ، والتفاني ف ي نشرها ، وبذل الأوقات ف ي ذلك دون كلل ولا ملل . 3- ما عرف عنهم من العناية بالصلاة ا لتي هي عمود الد ين ، وحسن الخشوع فيها ، والحرص على نوافلها وخاصة قيام الليل .

عدد الصفحات ٣٢