المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحلل السندسية في نصائح الجماعات الدعوية الإخوان والتبليغ والسلفية

محمد بن حامد آل عثمان الغامدي

صفحة ١ من ٧

الحلل السندسية في نصح الجماعات الدعوية [ أبوحامد محمد بن حامد آل عثمان الغامدي

عدد الصفحات ١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 1 مقدمة الحلل السندسية بسم الله الرحمن الرحيم عليه أتوكل وبه أستعين الحمد لله الذي أوحى إلى عبده ما أوحى من العلم وال حكمة والهدى ، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى ، محمد الصادق الأمين ، الذي شرع لأمته سنن الهدى ، ودلهم بقوله وفعله على معالم التقى ، ومواطن الهدى ، وعلى سبيل النجاة ، ومراقي النجوى ، صلى الله عليه وعلى آله النجبا وعلى صحابته أولي الفضل والتقى . أما بعد : فقد قال الله تعالى :( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) . وقال تعالى عن أهل الكتاب :( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) . وقال تعالى عنهم :( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ) . وقال صلى الله عليه وسلم :( تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) . وقال صلى الله عليه وسلم :( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ؛ كتاب الله وسنتي ) . هذا وإن اختلاف الأمة الإسلامية بعد نبيها صلى الله عليه وسلم في أمر دينها قد تعدد وتكاثر ، حتى تفرقت إلى فرق كثيرة وتعددت إلى أحزاب عديدة ، ومرجع ذلك عند العلماء المحققين إلى تعدد الأهواء وإلى تكالب الأعداء ، وإلى غيرذلك من الأسباب ، التي أفرد لها بعضهم مصنفات مستقلة ، وفصّل فيها أنواع هذه الفرق وأحوالها وأسباب تفرقها. وكان من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن وقوع هذا التفرق والاختلاف قبل وقوعه ، فقال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :( افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ) الحديث . بيد أن ما نحن بصدده من افتراق الجماعات الدعوية واختلاف مذاهبها في الدعوة إلى الله وإن كان يمس أحياناً جوانب من أصول الدين ومسائل الاعتقاد ، إلا

عدد الصفحات ٢

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 2 إنه في الغالب الأعم يعد اختلافاً في طرق الدعوة ، وسبل إيصالها إلى المدعوين فحسب . ولذلك فإنه لا ينبغي لأحد ممن له حظ من علم ، أو مسكة من عقل ، أن ينسب واحدة من هذه الجماعات إلى الكفر أو إلى الضلالة المخرجة لها من الملة أو من أهل السنة والجماعة ، وإن كان لديهم من الاجتهادات الخاطئة والممارسات غير السوية ما يجب أن يحذروا منه وينبهوا عليه ، كما هو الحال فيما قمنا به في هذه المقالات من النصيحة والدعوة إلى التصحيح . ومع ذلك فإنه يخشى عليهم مع التمادي فيما هم فيه ، أن يصلوا إلى درجة الفرق الضالة ، وأن يخرجوا عن منهج أهل السنة والجماعة وعقيدتهم . ومن أهم الأسباب التي أدت إلى اختلاف هذه الجماعات الدعوية ، ومفارقتها قليلاً أو كثيراً للمنهج النبوي ، ما يلي : 1- خروجها من بيئات وفرق متباينة الأصول ، بل إن بعضها خرج من مدارس منحرفة وفرق مبتدعة ، وإن كان جرى عليها من التهذيب والتصحيح ما يقربها من أهل السنة والجماعة ، ويعطي الأمل في إمكان تقريبها أكثر حتى توافق السنة ، وتنأى عن الانحراف والبدعة . فعلى سبيل المثال فإن جماعة الإخوان المسلمين خرجت بعد تهذيبها - شيئاً ما -من المدرسة الأشعرية العقلانية الفكرية الحديثة التي أسسها الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في مصر ، ثم اتخذت - أي جماعة الإخوان - المنحى الفكري والتربوي أساساً لمنهجها وممارساتها الدعوية ، وركزت دعوتها في الاعتقاد على توحيد الحاكمية والربوبية دون توحيد الألوهية ودون التحذير من أنواع الشرك والبدع في الدين . كذلك فإن جماعة التبليغ خرجت بعد تهذيبها -شيئاً ما - من تحت عباءة الصوفية الديوبندية في بلاد الهند ( أعني النسخة العربية منها لا الهندية ، فإن الهندية لم تخرج من عباءة الصوفية ولم تغادرها بل هي ملتفة بها وملتحفة ) ، واتخذت المنحى الذوقي التعبدي القاصر على الدعوة إلى الذكر والصلاة و توحيد الربوبية والأسماء والصفات ، دون الدعوة إلى توحيد الألوهية ونبذ الشرك والبدعة . 2- ومن أسباب الاختلاف وقوع أحداث ونوازل تباينت فيها اجتهادات زعامات هذه الجماعات إلى درجة الخصومة والتنابذ والقطيعة فيما بينها ، يتضح ذلك في انقسام المدرسة السلفية العلمية إلى أربعة أقسام متنافرة ، بعد نازلة حرب الكويت التي استعانت فيها بعض الدول بأمريكا لصد العدوان العراقي على الكويت وإخراج الجيش العراقي منها .

عدد الصفحات ٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 3 3- ومن الأسباب كذلك اقتصار كل جماعة إلا القليل منها على إبراز جزء من الدين وتركيز دعوتها عليه دون غيره من أصول الدين وفروعه ، مع الإدعاء بأن ما تدعو إليه هو الدين كله وأنه الحق دون سواه . هذا وتجدر الإشارة إلى أن هناك جماعة دعوية كبيرة ومؤثرة ، ضاربة أطنابها في بلاد الهند والبنغال والباكستان ، هي ( الجماعة الإسلامية ) التي أسسها الشيخ أبوالأعلى المودودي ، ولم نتطرق إليها في هذه المقالات لسببين : الأول : أنها في فكرها ومنهجها تكاد تكون متطابقة مع جماعة الإخوان المسلمين والحديث عن إحداهما يمثل الحديث عن الأخرى تقريباً ، مع بعض الفروق الطفيفة التي لا تشكل فارقاً جوهرياً ككون الجماعة الإسلامية تمارس الدعوة في بلاد الهند وجماعة الإخوان تمارسها في بلاد العرب ، وهذا يمثل تكاملاً في جهودهما لا تبايناً واختلافاً . الثاني : أن هذه المقالات مختصة بما يجري في العالم العربي الذي تتأثر به جميع الشعوب الإسلامية وهو بالنسبة لها بمثابة الرأس للجسد . وكوننا تحدثنا عن جماعة التبليغ مع أنها مثل الجماعة الإسلامية إنما ظهرت في الهند ، هو بسبب كونها استهدفت العالم العربي في دعوتها ، وكونت لها فيه شريحة لا بأس بها من الدعاة العرب الذين صاروا يجوبون الأقطار باسم التبليغ . وعلى كل فالجماعة الإسلامية في الهند تستحق دون شك أن يفرد لها بحثاً مستقلاً ، لعل الله أن ييسر لنا تناوله ، على أن نلحقه فيما بعد بمجموعة المقالات في هذا المبحث . وقد دعاني إلى كتابة هذه المقالات التي هي عبارة عن تأمل واستقراء لأحوال الجماعات الدعوية القائمة اليوم ،حرصي البالغ على النصح لإخواننا الدعاة من العلماء وطلاب العلم والمجتهدين في خدمة الدعوة ، بتصحيح مسارهم في الدعوة إلى الله ، ومراجعة مناهجهم ابتغاء مرضاة الله ، والانضواء جميعاً تحت حكم الكتاب والسنة ، وعدم التأثر بالأهواء والعصبيات والسياس يات والأفكار المخالفة للكتاب والسنة ، والمجافية لحقوق الأخوة الإيمانية ولأمانة الدعوة إلى الله وحمل الرسالة إلى الناس كافة . متمثلين في ذلك قول الله تعالى:( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) وقوله تعالى:( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) ، وقوله صلى الله عليه وسلم :( المؤمن للمؤمن كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) . مع يقيني التام بإمكان التكامل والتعاون بين كافة الجماعات والدعاة ، بل وأن تتوحد في دعوة واحدة إذا توفر الإخلاص في دعاتها مع التجرد من الأهواء والعصبيات والأنانيات و من التأثر بالسياس ة وأهلها . فإن ديننا واحد ، والقرآن

عدد الصفحات ٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 4 والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان لم تغادر شيئاً من أمر الدين إلا جعلته من البيان والوضوح كالشمس في رابعة النهار . فهل من متجرد لله، مخلص لدينه، نابذ للفرقة، محكم الكتاب والسنة في دعوته وجميع أمره ؟ . الأمة بخير ، والأمل مشرق ، والأجيال القادمة بإذن الله تعالى تسير نحو التصحيح والوحدة . هذا وإني لأرجو ممن يجد في عبارتي -في هذه المقالات -شيئاً من الحدة ، أو نوعاً من القسوة ،عند مناقشتي لبعض القضايا - مما أعتقد أنه مخالفات شرعية أو ممارسات دعوية غير سوية -أن يتذكر بأني إنما أمارس في هذه المقالة عمل الشفوق المناصح ، والطبيب المعالج ، وقد يكون مبضع الجراح المؤلم سبباً في العلاج الناجع والدواء الشافي - بإذن الله -، وهو مايرضى به الطبيب والسليم معاً إذا صح القصد وسلمت النوايا . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . أبوحامد محمد حامد آل عثمان الغامدي

عدد الصفحات ٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 5 *النصيحة الأولى العقد الثمين في نصيحة الإخوان المسلمين مقدمة وتمهيد : جماعة الإخوان المسلمين من أبرز الجماعات الدعوية الجادَّة التي كان لها ف ي هذا العصر دور هام ف ي إيقاظ أمَّة الإسلام من سباتها ، وتحريكها إلى دينها ، وتبصيرها بأعدائها ، وتوجيهها إلى الأخذ بأسباب القوة المادية والمعنوية ف ي مواجهة ما يحاك لها ، وما يدبَّر لإخضاعها وإذلالها . فقد كان مؤسِّس هذه الجماعة الشيخ حسن البنّا رحمه الله دؤوب الليل والنهار ف ي العمل على إقامتها ، وترشيدها ، ووضع الأسس التي تقوم عليها ، ورسم الأطر التي تحدد معالمها . وقد تم له كثيرٌ مما أراد ، فقامت الجماعة ف ي زمانه على سوقها ، وتبينت معالمها ، وتعددت أنشطتها وأعمالها ، وأخذت تنمو نماءً سريعاً ، وتنتشر ف ي الأقطار انتشاراً ملحوظاً . ثم تواصلت الجهود بعده على نشرها وإظهارها والتمكين لها ، وخاصَّة ف ي صفوف الطبقات المثقَّفة ، والأوساط المتعلمة ، ف ي الجامعات ، والمعاهد ، والمدارس ، والمنتديات . وكان للتنظيم الجيد الذي نظمت به جماعة الإخوان أثر بالغ ف ي تحقق إنجازاتها، واتساع رقعة نفوذها ، والتواصل المستمر بين أفرادها ، والنفوذ القوي لقياداتها على كل من انضمّ إليها ودخل ف ي دائرتها .

عدد الصفحات ٦

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 6 وقد تميزت جماعة الإخوان المسلمين بمميزات قلما تتوفر في غيرها ، ومن ذلك : 1- الانتشار الواسع والتغلغل في جميع الطبقات الاجتماعية 2- أنها تحظى بولاء منقطع النظير من أتباعها على اختلاف طبقاتهم 3- عنايتها الكبيرة بالتننظير الفكري إلى جانب التأصيل الإيماني والتأهيل التربوي . 4- ثبات الجماعة في المحن والشدائد وصبر أفرادها على جور الحكام وما تعرضوا له من الأذى الشديد والسجن والتعذيب دون تراجع ولا تخاذل . 5- الحراك المستمر والحيوية الدائمة في بر امجها الدعوية والتربوية رغم الصعوبات البالغة التي تواجهها . وقد بنى مؤسِّس هذه الجماعة الشيخ حسن البنّا رحمه الله جماعته الدعوية بناءً عقلياً يقوم على الأصول التي كان ينادي بها من قبله الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني ، وتردد كثير منها ف ي كتابات الشيخ رشيد رضا صاحب المنار رحمهم الله ، فيما يتعلق بالمنهج الدعوي من حيث وسائله وغاياته ، بحيث أصبحت جماعة الإخوان تمثل الجانب التطبيقي العملي لهذه المدرسة الدعوية العقلانية . ومن أهمّ الأصول المنهجية التي برزت آثارها ف ي السلوك الدعوي لجماعة الإخوان المسلمين والتي نحن بصدد نقدها وبيان ما فيها من المآخذ والعيوب حسب ما نرى ، وحسب ما تدل عليه الأدلة الشرعية والمنهج النبوي في الدعوة إلى الله ، هي الأصول الأربعة التالية: 1- المعاصرة 2- الشمولية 3- الوحدة الإسلامية 4- فقه التيسير

عدد الصفحات ٧

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 7 وسوف نقتصر ف ي هذه المقالة على مناقشة هذه الأصول الأربعة فحسب ، رغبةً ف ي الاختصار ، واعتقاداً بأنها من أهم الركائز والمنطلقات التي تأثّر بها السلوك الدعوي لجماعة الإخوان . ولست أرى مانعاً من أن أنوّه منذ البداية بأن هذه الأ صول الأربعة هي ف ي حقيقتها أسباب قوة ورشاد للدعوة التي تهدف إلى إقامة دين الإسلام ف ي أمته أولاً ، ثم تسعى بعد ذلك إلى نشره وإظهاره على الدين كلّه ف ي هذا العصر الذي تكثر فيه المعوقات، التي من أهمها : مصادمة الحضارة المادية الغربية الملحدة الطاغية للدعوة الإسلامية ، وتكريس الغرب جهودهم للحيلولة دون تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين . بيد أن الجماعة التي قامت على هذه الأصول – أعني جماعة الإخوان المسلمين – توسعت فيها توسعاً عريضا تأصيلاً وتنظيراً وتطبيقاً إلى الحدّ الذي أصبحت فيه هذه الأصول – في أحيان كثيرة- مبررات غير مشروعة للخروج عن الهدي النبوي ومنهج سلف الأمة ف ي وسائل الدعوة وغاياتها ، وللالتفات عن النص إلى العقل ، وتقديم المصالح المرسلة على الأدلة المحكمة ، مما جعل هذه المنطلقات والأصول موضع نظر، ومثار جدل ، ومدعاة للنقد من كثير من الأوساط العلمية والدعوية . مناقشة الأصول الأربعة : وسوف نعرض لهذه الأصول الأربعة ف ي شيء من الإيجاز والاقتضاب ، للإلماح إلى بعض ما عليها من المآخذ ، وما ينبغي لها من الإصلاح ، نصحاً لإخواننا ، ودعوة لهم ولجميع الدعاة إلى أن يراجعوا الأصول والمنطلقات لدعواتهم ، وأن يعودوا عليها بالتهذيب والتصحيح ، وأن يقبلوا فيها النصح ، حتى تكون موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ف ي وسائلها وغاياتها ، وفي أصولها وتطبيقاتها ، وهي أكمل دعوة ، وأصح طريقة ، وأنفع وسيلة لهداية الناس ، ونشر الدين ، وإظهاره على الدين كلّه

عدد الصفحات ٨

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 8 وإنَّا لنعتقد جازمين أنَّ من رام أن يجدد ف ي وسائل الدعوة المعنوية لا المادية ، أو ف ي أصولها العلمية ، أو العملية على غير ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ف ي دعوته ، فإنه يزل عن الطريق ، وينحرف عن المسير، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك" . هذا وقد آن لنا الشروع ف ي مناقشة هذه الأصول الأربعة التي يتشكل منها المنهج العملي والسلوك الدعوي لجماعة الإخوان المسلمين وبالله التوفيق . أولاً : المعاصرة : ويراد بها أن يواكب المسلمون الأمم الغربية ، فيما وصلت إليه من أساليب مدنية ، وتنظيمات اجتماعية ، ومصطنعات مادية ، ومفاهيم حضارية . وذلك لأن الغرب قطع شوطاً واسعاً ف ي التمدن ، حتى طغت حضارته المادية ، وأساليبه المدنية على جميع العالم ، فلا ينبغي للمسلمين – كما يرى أصحاب هذا الاتجاه – أن يرفضوا هذه الحضارة ، أو أن يقفوا منها موقفاً معادياً ، بل عليهم أن يقبلوا كل ما تفرضه هذه الحضارة ، ويأخذوا به ، ولكن بعد أن يهذبوه ، ويوجِّهوه الوجهة التي توائم مبادئ الإسلام العامة ، وقواعده الكبرى . وهذا ما ينادي به الإخوة الدعاة من جماعة الإخوان المسلمين ويجعلونه أصلاً من أصولهم ، وقاعدة من قواعد دعوتهم ، ومن هذا المنطلق قامت دعوتهم إلى أسلمة العلوم والفنون الإنسانية الغربية ؛ أي القبول بها بعد صياغتها بما يوافق الإسلام ، إظهاراً للإسلام على أنه دين حضاري متمدن ، لا يرفض شيئاً من صور الحضارة المادية الغربية ، ولا مدنيتها ، بل يستوعبها ، ويتماشى مع ما وصلت إليه من تصور للحياة الإنسانية في جوانبها المختلفة . إنَّ هذا المبدأ الذي تنادي به جماعة الإخوان المسلمين نظراً وتتبنَّاه عملاً ، وإن كان ينم عن حرص منها على الإسلام ، ورغبة في أن لا يوصف بالرجعية والتخلف من أعدائه ، وإن كان بالنظرة العقلانية المجردة يرى معقولاً ومقبولاً ومتوازناً إلا أنه في الحقيقة يتضمن تعظيماً لهذه الحضارة المادية الغربية الطاغية

عدد الصفحات ٩

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 9 وانبهاراً بها ، وانهزامية عميقة أمام منجزاتها ، مع ضعف واضح في الثقة بالرصيد الحضاري التربوي والإنساني للأمة الإسلامية ، وكأن هذا المنحى في أسلمة العلوم الإنسانية الغربية يتضمن تصوراً بأن الحضارة الإسلامية لا يمكنها أن تنهض بمتطلبات هذا العصر دون الاستنجاد بالفكر الغربي الإنساني واستعارة قيمه ومنطلقاته الثقافية والإنسانية مع تعديل ما يلزم تعديله ليتواءم مع قيمنا الإسلامية . يدل على هذا ان مفكري جماعة الإخوان المسلمين بدلاً من العكوف على منجزات الإسلام الحضارية ، ومنطلقاته التربوية ، ومبادئه الإنسانية في مصادرها الأصلية ، واستخراج كنوزها ومخرجاتها ، والوقوف عند حدودها وتشريعها ، والعمل بتطبيقاتها وممارساتها ، فإنهم بدلاً من ذلك عكفوا على العلوم الإنسانية الغربية يدرسونها ويظهرونها ويجرون عليها من المواءمات والتعديل والتبديل ما يتناسب في نظرهم مع الدين الإسلامي وقيمه ، فيما يسمى بأسلمة العلوم الإنسانية . وقد كانوا في حقيقة الأمر في غنى عن ذلك كله بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه وسيرته،ومستخرجات علماء السلف لما فيهما من منهج حكيم وتربية إيمانية صافية . إن التطبيق العملي لهذا المبدأ أفرز من العيوب والمآخذ والمحاذير الشرعية ، ما جعل المتابعين لأعمال جماعة الإخوان ، وأنشطتها ا لدعوية من أهل العلم والدعوة يصرخون بكل قوة ؛ إنكم تشوهون الإسلام ، وتطمسون معالم شخصيته ، بسعيكم الحثيث ولهثكم الدائب في مجاراة الحضارة الغربية باسم المعاصرة ، والتحضر ، وتمدين الإسلام وفق المعايير الغربية . إنَّ الإسلام دين إلهي له معالمه الربانية ، وشخصيته العبادية ، وكيانه الحضاري المستقل ، وله أن يقبل أو أن يرفض من الحضارة الغربية أو من غيرها ما يراه صالحاً أو غير صالح وفق معاييره ومبادئه وشرائعه المنزلة من عند الله تعالى لتكون هي دين البشرية وموازينها . وهو الذي يقوم بتحديد معاني الخير والشر ، والصلاح والفساد ، والمعروف والمنكر ، فما عرفه الإسلام فهو معروف ، وما أنكره فهو منكر ، أينما كان وممن كان .

عدد الصفحات ١٠

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 11 إن لأهل الإسلام تجربةً مريرةً في تطبيق هذا المبدأ ، مبدأ المعاصرة والقبول بالمعارف العقلانية التي أفرزتها حضارات الأمم الأخرى بثقة غير متناهية ، واطمئنان غير محدود . تتمثل هذه التجربة فيما قام به خلفاء الدولة العباسية من تشجيع الترجمة عن اليونان والرومان منذ عهد المنصور إلى أن بلغت ذروتها في زمن المأمون . فما إن اطّلع بعض أهل الإسلام على تلك المترجمات في الفلسفة والمنطق وغيرها ، حتى انبهروا بها وبما فيها من قواعد منطقية ، ومناقشات فلسفية ، فتصوّروا أنهم يمكن أن يسخّروها في خدمة دينهم الإسلام ، ويتخذوها وسيلة للمجادلة عنه ، والمنافحة عن شرائعه ، وما فطنوا إلى ما سيعلق بأفئدتهم وعقولهم من غبار تلك الفلسفات ، وأقذار تلك المعتقدات ، فما لبثوا بعد ذلك أن خرجوا على أهل دينهم بمذاهب ضالّة ، وعقائد منحرفة ، كالجهمية والمعتزلة ، والقدرية ، والجبرية ، بل ومنهم من حمل عقائد الفلاسفة اليونانيين الإلحادية ، كما هي حال من سُمُّوا بالفلاسفة المسلمين . بل لم يسلم من التأثر بتلك الفلسفات والمعتقدات اليونانية وغير اليونانية حتى العبّاد والزّهاد من المسلمين ، فقد تحول تعبدهم وزهدهم فيما بعد إلى طرق صوفية بلغت في بعض الأحيان حدَّ الزندقة والكفر ، إضافة إلى ما عرف بعد ذلك من المذاهب الباطنية الموغلة في الانحراف والضلالة . لذلك فإنه بدلاً من أن نر كّز الدعوة ونوجّهها إلى أسلمة العلوم الإنسانية الغربية، التي إنما قامت على أصول إلحادية ، وفلسفات مادية ، ونظرة دنيوية لا أخلاقية ، فإننا يجب أن نركزها في الدعوة إلى بعث علومنا ومعارفنا الإنسانية الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة وهدي السلف الصالح ، ونعمل على تطبيقها والتحلي بها ، ومن ثم دعوة الأمم الأخرى إليها . إن لدينا من العلوم والمعارف في الجانب الإنساني ثروةً عظيمةً سواءً كانت عقدية أو تربوية أو اجتماعية أو أخلاقية أو غيرها ، مما نفخر به على كل الأمم . فلنعمل على إظهاره ، والكشف عنه ، والدعوة إليه ، ليكون بديلاً صالحاً لكل الأمم عن الإلحاد والإباحية والعبثية والمادية التي تحملها العلوم الإنسانية الغربية اليوم ، فلسنا

عدد الصفحات ١١

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 11 بحاجة إلى التنقيح والتهذيب لعلوم الغرب الإنسانية المادية ، وإنما تحتاج إلى ذلك الأمم المفلسة من القيم والمبادئ الأصيلة ، أما نحن فقد أغنانا الله تعالى بالإسلام وفيه من المبادئ والقيم والأخلاق ما يكفل للإنسانية السعادة في الدنيا والآخرة . هذا ومن آثار الحرص الشديد لدى جماعة الإخوان المسلمين على تحقيق مبدأ المعاصرة ، أي التمشي مع ما تفرضه النظرة الغربية ، من مفاهيم وأذواق عصرية ، ا لحرص على مسايرة الأذواق العصرية المتأثرة بالنظرة الغربية ف ي سمات الشخصية للداعية المسلم . فإرخاء اللحية مثلاً يضر بمصلحة الدعوة ، وربما كان عائقاً لها ، إذن فليزل هذا العائق للدعوة ، ولتقصّر اللحى إن لم تحلق ، إرضاء للذوق المعاصر . أما تقصير الثياب إلى أنصاف الساقين أو إلى ما فوق الكعبين ، فإنما هو سببٌ في تنفير المدعوين من قبول الإسلام والالتزام به فليترك ، بل إن الثياب العربية ذاتها لم تعد لائقة عند بعض هؤلاء الدعاة لأن الزيّ الغربي أكثر أناقة وقبولاً عند العصرانيين ، فصار أكثر دعاة الإخوان المسلمين لا يعرف من سمته بأنه داعية إسلامي حتى يتكلم ويعرف بنفسه . إننا ندعو إخواننا الدعاة من جماعة الإخوان المسلمين أولاً أن لا يتوسعوا في دعوتهم إلى أسلمة العلوم الغربية فيما يسمى بالعلوم الإنسانية ذات الأصول المادية الإلحادية ، وكذلك الفنون الأدبية وغير الأدبية بحجَّة المعاصرة ، فإنها تحمل من جراثيم الكفر وميكروبات الإلحاد ، ما يفسد الأمة ولا يصلحها ، ويطمس هويتها ولا يحررها ، وما يكون سبباً في أن نفقد شخصيتنا ، ونتباعد عن ديننا . كما ندعوهم إلى الاعتداد بالشخصية الإسلامية في سمتها وهيئتها ، والتزامها بالسنن النبوية ، مهما خالفت الأساليب الغربية السائدة ، فلسنا بتبع لهذه الأمم ، بل نحن خيرُ أمَّة أخرجت للناس ، قال تعالى : ( كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) " آل عمران 111 " ، فلنعتد بهذه الخيرية في كل أمر بما في ذلك مظهر المسلم وسمته . وقد رأينا كثيراً ممن أسلم من الغربيين أنفسهم لا يرضى لنفسه إلاَّ أن يكون في هيئته وسلوكه ملتزماً بالسنن

عدد الصفحات ١٢

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 12 النبوية ، محافظاً على السمت الإسلامي المعروف ، فأولى بالدعاة الصادقين أن يكونوا في سمتهم وأعمالهم قدوة صالحة للناس أجمعين . أما عن وسائل الدعوة إلى الله تعالى وأساليبها فقد توسعت جماعة الإخوان المسلمين فيها توسعاً بالغاً طلباً للمعاصرة ، حتى إنها جعلت من وسائلها الدعوية التمثيل المسرحي ، هذا الفن الوثني اليوناني الذي عرف عنه وعن القائمين عليه من ممثلين ومخرجين وغيرهم أنهم بيئة ساقطة رخيصة في موازين الأخلاق والمبادئ السوية ، أصبح هذا الفن بكل ما ينقله من آثار تلك الحضارات الوثنية وسييلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، دونما تورّع أو تنزّه عنه في معرض إبلاغ العقيدة والأخلاق الإسلامية لخالصة النقية . إن الداعية بسبب هذا الفن المنحرف إذا أراد أن يبلغ دعوته بهذه الطريقة فما عليه إلاّ أن يسلم نفسه للمخرج المسرحي أو التلفازي أو نحوهم ، ليقوم بطمس شخصيته الحقيقية بالأصباغ والملابس التمثيلية بحسب الدور الذي يعطى له ، ثم يخرج للناس في صورة غير صورته ، ربما كانت صورة عربيد سكير ، أو مجرم محتال ، أو متكبر مختال ، أو عدوّ للدين لدود ، أو غيرها من الأدوار ، ليوصل هو وزملاؤه الدعاة الممثلون إلى الناس في نهاية التمثيلية مسرحية كانت أو غير مسرحية إيحاءً غامضاً بأن ما مثلوه على المسرح مخالف للدين مجانب للفضيلة . وإنهم إنما فعلوا ذلك تنفيراً للمشاهدين عن تلك المشاهد بزعمهم . والحقُّ أن أكثر المشاهدين ربما تعلّق بما مثَّلوه من باطلٍ نظراً لما قد يكون في تمثيله من جودة ومهارة ، فينتج من جراء ذلك خلاف المقصود الذي أراده الدعاة . فسبحان الله! بأيّة سنّة يستنّ هؤلاء الإخوة في دعوتهم؟ وبأ يّة قدوةٍ يقتدون؟ من شرع لهم هذه الوسيلة؟ ومن أحوجهم إليها؟ ألم تعد طرق الأنبياء والمرسلين ووسائلهم في إبلاغ دين رب العالمين صالحة لإبلاغ دين الإسلام في هذا الزمان؟ ألم تعد كافية ولا مغنية؟ حتى يأتي هؤلاء من عند اليونانيين الوثنيين ، والغربيين الإب احيين بهذه الوسائل المسرحية الملتوية المشبوهة .

عدد الصفحات ١٣

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 13 وإذا احتجُّوا بالعصرانية فالسؤال هو : ألم تكن هذه الوسيلة - أي التمثيل والمسرح - موجودة في أزمنة بعض الأنبياء السابقين وفي مجتمعاتهم كعيسى بن مريم عليه السلام ومن سبقه ؟ بلى إن التمثيل في الحقيقة كان من أشهر الوسائل الدعائية والترفيهية في تلك الأزمنة عند اليونان والرومان . فلماذا اجتنبها الأنبياء عليهم السلام وأعرضوا عنها ولم يتخذوها وسيلة لهم لإبلاغ دين الله إلى عباده؟ إنَّ الجواب على هذا واضح جليّ ، وهو أن دعوة الأنبياء عليهم السلام مبني ة على الصدق الذي لا يشوبه تمثيل ولا تزوير ، وعلى الخطاب المباشر الذي لا يحتمل التأويل ولا التهويل ، وهي دعوة نقية من شوائب الشرك والوثنية ، ومن لوثات اللهو واللعب والعبثية ، لذلك كانت وسائلها من الوضوح والجلاء والنقاء والصفاء بحيث لم تشبها شائبة التمثيل والتزوير . لذا فإنا لندعو إخواننا من جماعة الإخوان المسلمين أن يتجنّبوا هذه الوسيلة التي لا تليق بدين رب العالمين ، ولا بهدي سيد المرسلين ، وإنما تليق بحال من ابتدعها وتفنن فيها من الضالين المفسدين . ثانياً : الشمولية : لقد سعت جماعة الإخوا ن المسلمين إلى أن تكون شاملة بدعوتها جميع جوانب الحياة ؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها ، من منطلق أن الإسلام يشمل بعقائده وشرائعه جميع جوانب الحياة وينظمها . فدخلت هذه الميادين المختلفة بهذه الرؤية الشاملة ، ولكن لا لمجرد الدعوة إلى إصلاحها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لممارسيها من السياسيين العلمانيين ومن يسير في ركابهم بحيث توجه توجيهاً إسلامياً بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع المجالات ولكنهم شاركوا في الممارسات السياسية مشاركات فعلية ، مع ما هي عليه من تلوّث بالنظم العلم انية ، والفلسفات الإلحادية ، والتوجهات الإباحية المنحرفة ، بدعوى أنهم لو تركوا هذه المجالات للعلمانيين

عدد الصفحات ١٤

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 14 وأشباههم من غير المتدينين لكان الفساد أعظم ، ولما قامت للدين قائمة ، ولكن المأخذ الكبير عليهم هو في التنازلات التي يضطر لها كل من زج بنفسه تحت القوانين العلمانية اللادينية . وقد غفل هؤلاء الدعاة – هداهم الله – وهم يزجون بأنفسهم في هذه الممارسات ، غفلوا أو تغافلوا عن أن الإسلام عقيدة وشريعة لا يقبل أن يكون شريكاً في ميادين بنيت على أسس ماديَّة وفلسفات إلحادية ، صاغها الملاحدة البائسون ، والإباحيون المارقون ، وهو دين الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون عقيدة ربانية ومنهجاً مقدساً لحياة البشرية ، ينظم حياة الإنسان الدنيوية ويهيئه فيها للحياة الأبدية الأخروية ، فجاء تاماً كاملاً بعقيدته السامية وشريعته الشاملة الكاملة ، قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) " المائدة 3 "، وقال تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) " التوبة 33 . " إنَّ الإسلام حين يكون هو المحكّم في أوجه الحياة المختلفة ، ستكون ل ه سياسة غير هذه السياسة البراغماتية أوالميكافيلية ، وسيكون له اقتصاد غير هذا الاقتصاد الربوي اليهودي العلماني ، وستكون الحياة الاجتماعية والفكرية والأخلاقية على غير هذه الصورة الملوّثة بالانحرافات والممارسات غير الأخلاقية . إنَّ الإسلام صالح لكل زمان ومك ان ، ولكن لا ليكون محكوماً بالزمان والمكان بل ليحكم هو بشرائعه الزمان والمكان ، ويقرر بسلطانه أصول المعاملات ، ومشروعية الممارسات ، في كل وجه من أوجه الحياة ، وفي كل ميدان من ميادين العمل والانتاج . أما والحال كما هي عليه في هذا العصر ؛ سياسة تحكمها المصالح العلمانية الغربية ، واقتصاد يوجهه الجشع اليهودي الرأسمالي ، وأنظمة اجتماعية وقضائية تسيطر عليها الفكرة الغربية . فهل يقال إنَّ الإسلام يصلح لهذه الممارسات أو أنها

عدد الصفحات ١٥

الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 15 تصلح له؟ وهل يقال إنَّ من الدعوة إلى الله أن نقبل بالمشاركة أو المنافسة في مثل هذه الميادين الملوثة ، لنتمكن من التغيير أو التعديل أو الإصلاح؟ إنَّ هذا الوهم قد سيطر بالفعل على جماعة الإخوان المسلمين حتى أدخلهم في جميع هذه الميادين ، وبروح انهزامية ضعيفة ، قابلين بكل ما يفرض عليهم من قوانين وضعية منحرفة ، بدعوى المنافسة والتسابق لإحراز المقاعد والأصوات ، ومن ثم تحقيق المكاسب والإنجازات لصالح الإسلام كما يدعون . لقد سيطرت على إخواننا الدعاة من جماعة الإخوان – هدانا الله وإياهم إلى الحق والصواب – عقدة الخوف من أن يوصم الإسلام بالتخلف عن ركب الحضارة الغربية ، أو عدم القدرة ع لى ممارسة المجالات التي تخوضها حضارة الغرب المادية ، فجدّوا في السعي إلى ولوج كل باب يوصلهم إلى ممارسة الأنشطة المختلفة التي يمارسها الغرب ، وبنفس الأساليب إلاّ أنها معدَّلة بعض التعديل الذي لا يخرجها عن كونها أصول علمانية ، ولكنه يظهرها على أنها غير مصادم ة للشريعة الإسلامية ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخله هؤلاء الدعاة . كل ذلك استجابة لعقدة النقص والخجل من هذه الحضارة الغربية . دخلوا السياسة منضوين تحت مظلّة البرلمانات العلمانية ، قابلين أو صابرين على أنظمتها وقوانينها ومبادئها المستمدة من القوانين الغربية الملحدة ، متحالفين في أحيان كثيرة مع أحزاب شيوعية أو ليبرالية أو غيرها ، بل منتسبين إليها أحياناً توسلاً بها إلى دخول البرلمانات التي تحرم المشاركة الإسلامية الصريحة ، كل ذلك لإقامة حكم إسلامي مهجّنٍ من الأنظمة الغربية أو معدّلٍ عنها . دخلوا الاقتصاد وساهموا بالفعل في إقامة مؤسسات اقتصادية معدّلة عن المؤسسات الغربية ، محاولين الخروج بصيغة اقتصادية إسلامية بعيدة عن الربا وغيرها من المحرمات المالية ، وهذا مجهود تشكر عليه جماعة الإخوان وتقدّر ، لولا أن السَّعي الحثيث للاقتراب من النظام الاقتصادي الغربي في هذا المجال جعلهم يبحثون جاهدين عن الرخص الفقهية ، والآراء المتساهلة المرجوحة ، حتى قويت في هذه المؤسسات الاقتصادية شبه الربا والغرر وغيرها من الشبه التي

عدد الصفحات ١٦