211 صــلى الله عليــه وســلم تلــك الغــزاة حــين طابــت الثمــار والظــل وآن لهــا أن تصــغر فتجهــز إليهــا رســول الله صــلى الله عليــه وســلم والمؤمنــون معــه وطفقــت أغــدو لكــي أتجهــز معهــم فأرجع ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إن أردت فلم يزل ذلـك يتمـادى بي حتى اسـتمر بالنـاس الجـد فأصـبح رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم غاديـا والمسـلمون معه ولم أقـض مـن جهـازي شـيئا وفلـت الجهـاز بعـد يـوم أو يـومين ثـم ألحقـه فغـدوت بعـد ما فصلوا لأتجهز فرجع ت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولـم أقـض شـيئا فلم يزل ذلك يتمادى بـي حتـى انتهـوا وتفـارط الغـزو فهممـت أن أرتحـل فـأدركهم - وليـت أني أفعل - ثم لـم يقـدر لـي ذلـك فطفقـت إذ خرجـت فـي النـاس بعـد رسـول الله صـلى الله عليه وسلم يحزننـي أنـي لا أرى إلا رجـلا مغموصـا عليـه مـن النفـاق أو رجـلا ممـن عـذره الله . ولـم يــذكرني رســول الله صــلى الله عليــه وســلم حتــى بلــغ تبــوك فقــال وهــو جــالس فــي القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجـل مـن بنـي سـلمة : حبسـه يـا رسـول بــرداه والنظــر فــي عطفيــه . فقــال لــه معــاذ بــن جبــل : بئســما قلــت والله يــا رســول الله مــا علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم »قال كعب بن مالك : فلمـا بلغنـــي أن رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم قـــد توجـــه قـــافلا مـــن تبـــوك حضـــرني همـــي فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بمـاذا أخـرج مـن سـخطه غـدا وأسـتعين علـى ذلـك بكـل ذي رأي مـــن أهلـــي فلمـــا قيـــل إن رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم قـــد أظـــل قادمـــا راح عنـــي الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعـت صـدقه وأصـبح رسـول الله صـلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركـع ركعتـين ثـم جلـس للنـاس فلمـا فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفـون لـه وكـانوا بضـعة و ثمـانين رجـلا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم واستغفر لهـم ووكـل سـرائرهم إلـى الله حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي «تعال فجئـت أمشـي حتـى جلست بين يديه فقال : ما خلفك ألم تكن قـد اشـتريت ظهـرك ؟ فقلـت : يـا رسـول الله لـو جلســت عنــد غيــرك مــن أهــل الــدنيا لرأيــت أن أخــرج مــن ســخطه بعــذر لقــد أعطيــت جــدلا ولكنـه - والله - لقــد علمـت لــئن حـدثتك اليــوم حـديث كــذب ترضـى عنــي بـه ليوشــكن الله يسخطك علي ولئن حدثتك الصـدق وتجـد علـي فيـه أنـي لأرجـو قـرب عتبـي مـن الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين ت خلفـت عنـك فقـال رسـول الله
عدد الصفحات ١٧٧212 صــلى الله عليــه وســلم : أمــا هــذا فقــد صــدق فقــم حتــى يقضــي الله فيــك»فقمــت وبــادرني رجــال مــن بنــي ســلمة واتبعــوني فقــالوا لــي : والله مــا علمنــاك كنــت أذنبــت ذنبــا قبــل هــذا ولقــد عجــزت أن لا تكــون اعتـــذرت إلــى رســول الله صــلى الله عليـــه وســلم بمــا اعتــذر بـــه المتخلفــون فلقــد كــان كافيــك مــن ذنبــك اســتغفار رســول الله صــلى الله عليــه وســلم قــال : فــوالله مــا زالــوا يؤنبــوني حتــى أردت أن أرجــع فأكــذب نفســي ثــم قلــت لهــم : هــل لقــي هــذا معي أحدا ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيـل لهمـا مثـل مـا قيـل لـك فقلـت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الرب يـع وهـلال بـن أميـة الـواقفي فـذكروا لـي رجلـين صـالحين قــد شــهدا بــدرا لــي فيهمــا أســوة حســنة فمضــيت حــين ذكروهمــا ليقــال : ونهــى رســول الله الناس عن كلامنا أيها الثلاثـة مـن بـين مـن تخلـف عنـه فاجتنبنـا النـاس وتغيـروا لنـا حتـى تنكـــرت لـــي فـــي نفســـي الأرض التـــي كنـــت أعـــرف فلبثنـــا علـــى ذلـــك خمســـي ن ليلـــة فأمـــا صـــاحباي فاســـتكانا وقعـــدا فـــي بيوتهمـــا وأمـــا أنـــا فكنـــت أشـــد القـــوم وأجلـــدهم فكنـــت أشـــهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتـي رسـول الله صـلى الله عليـه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه بـرد السـلام أم لا ثــم أصــلي قريبــ ا منــه وأســارقه النظــر فــإذا أقبلــت علــى صــلاتي نظــر إلــي فــإذا التفــت نحــوه أعــرض عنــي حتــى إذا طــال علــي ذلــك مــن هجــر المســلمين مشــيت حتــى تســورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليـه فـوالله مـا رد السـلام علـي فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك الله تعـالى هـل تعلـم أنـي أحـب الله ورسـوله ؟ قـال : فسـكت . قـــال : فعـــدت فنشـــدته فســـكت فعـــدت فنشـــدته قـــال : الله ورســـوله أعلـــم ففاضـــت عينـــاي وتوليــت حتــى تســورت الجــدار وبينــا أنــا أمشــي بســوق المدينــة إذا نبطــي مــن أنبــاط الشــام ممــن قــدم بطعــام يبيعــه بالمدينــة يقــول : مــن يــدل علــى كعــب بــن مالــك ؟ فطفــق النــاس يشيرون له إلي حتـى جـاء فـدفع إلـي كتابـا مـن ملـك غسـان - وكنـت كاتبـا - فـإذا فيـه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضـيعة فـالحق بنـا نواسك فقلـت حـين قرأتهـا : وهـذا أيضـا مـن الـبلاء فيممـت بهـا التنـور فسـجرته فيهـا حتـى إذا مضت أربعون ليلـة مـن الخمسـين إذا برسـول رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم يـأتيني فقال : إن رسول الله صـلى الله عليـه وسـلم يـأمرك أن تعتـزل إمرأتـك . فقلـت : أطلقهـا أم مـــاذا أفعـــل ؟ ! قــــال : بـــل اعتزلهـــا ولا تقربهــــا وأرســـل إلـــى صــــاحبي مثـــل ذلـــك . فقلــــت
عدد الصفحات ١٧٨213 لإمرأتـــي : الحقـــي بأهلـــك فكـــوني عنـــدهم حتـــى يقضـــي الله فـــي هـــذا الأمـــ ر فجـــاءت امـــرأة هـــلال بـــن أميـــة رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم فقالـــت : يـــا رســـول الله إن هـــلالا شـــيخ ضائع وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ولكن لا يقربنك .فقالت : إنـه والله ما به حركة إلى شـيء والله مـا زال يبكـي مـن لـدن إن كـان مـن أمـرك مـا كـان إلـى يومـه هــذا . فقــال لــي بعــض أهلــي : لــو اســتأذنت رســول الله صــلى الله عليــه وســلم فــي امرأتــك فقــد أذن لامـــرأة هــلال أن تخدمـــه . فقلــت : والله لا اســـتأذنت رســول الله صـــلى الله عليـــه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب . قال : فلبثنـا عشـر ليـال فكمـل لنـا خمســون ليلــة مــن حــين نهــى عــن كلامنــا .قــال : ثــم صــليت الفجــر صــباح خمســين ليلــة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضـاقت علـي نفســي وضــاقت علــي الأرض بمــا رحبــت ســمعت صــارخا أوفــى جبــل ســلع يقــول بــأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج فـآذن رسـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم بتوبـــة الله علينـــا حـــين صـــلى الفجـــر فـــذهب النـــاس يبشــــروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسـا وسـعى سـاع مـن أسـلم وأوفـى علـى الجبـل فكـان الصـوت أسـرع مـن الفـرس فلمــا جـاءني الـذي سـمعت صـوته يبشـرني نزعــت لـــه ثــــوبي فكســـوتهما إيــــاه ببشـــارته - والله مــــا أملـــك غيرهمــــا يومئـــذ - فاســــتعرت ثــــوبين فلبســـتهما فانطلقـــت أؤم رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم يتلقـــاني النـــاس فوجـــا بعـــد فـــوج يهنئـــونني بالتوبـــة يقولـــون : ليهنـــك توبـــة الله عليـــك حتـــى دخلـــت المســـجد فـــإذا رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم جـــالس فـــي المســـجد وحولـــه النـــاس فقـــام إلـــي طلحـــة بـــن عبيـــد الله يهـرول حتـى صـافحني وهنـاني والله مـا قـام إلــي رجـل مـن المهـاجرين غيـره .قـال : فكــان كعــب رضــي الله عنــه لا ينســاها لطلحــة .قــال كعــب رضــي الله عنــه : فلمــا ســلمت علــى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السـرور «أبشـر بخيـر يـوم مـر عليـك منـذ ولـدتك أمـك . قلـت : أمـن عنـدك يـا رسـول الله أم مـن عنـد الله ؟ قـال : لا بـل مــن عنــد الله . وكــان رســول الله صــلى الله عليــه وســلم إذا ســر اســتنار وجهــه حتــى كأنــه قطعة قمر . فلما جلست بـين يديـه قلـت يـا رسـول الله إن مـن تـوبتي أن انخلـع مـن مـالي صدقة إلى الله وا لى رسوله صلى الله عليه وسلم قال : أمسك بعض مالك فهـو خيـر لـك .قلــت : إنــي أمســك ســهمي الــذي بخيبــر وقلــت : يــا رســول الله إنمــا نجــاني الله بالصــدق
عدد الصفحات ١٧٩214 وا ن مــن تــوبتي أن لا أحــدث إلا صــدقا مــا بقيتقــال : فــوالله مــا أعلــم أحــدا مــن المســلمين أبـــلاه الله مـــن الصـــدق فـــي الحـــديث منـــذ ذكـــرت ذلـــك لرســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم أحســن ممــا أبلانــي الله تعــالى والله مــا تعمــدت منــذ قلــت ذلــك إلــى يــومي هــذا كــذبا وا نــي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي وأنزل الله لقد تاب الله على النبي والمهـاجرين والأنصـار التوبـة الآيـة 117 إلـى قولــه وكونـوا مـع الصــادقين فـوالله مـا أنعـم الله علــي مـن نعمـة قــط بعـد أن هــداني الله ل سـلام أعظــم فـي نفســي مـن صــدق رسـول الله صــلى الله عليـه وســلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله قال للذين كذبوه حين أنـزل الــــوحي شــــر مــــا قــــال لأحــــد فقــــال ســــيحلفون بــــالله لكــــم إذا انقلبــــتم إلــــيهم لتعرضــــوا عــــنهم فأعرضــوا عــنهم إنهــم رجــس التوبــة الآيــة 93 إلــى قولــه الفاســقين قــال : وكنــا خلفنــا أيهــا الثلاثـــة عـــن أمـــر أولئـــك الـــذين قبـــل مـــنهم رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم حـــين خلفـــوا فبــايعهم واســتغفر لهــم وأرجــأ رســول الله صــلى الله عليــه وســلم أمرنــا حتــى قضــى الله فيــه فبــذلك قــال وعلــى الثلاثــة الــذين خلفــوا ولــيس تخليفــه إيانــا وا رجــاؤه أمرنــا الــذي ذكــر ممــا خلفنا بتخلفنا عن الغزو وا نما هو حلف له واعتذر إليه فقبل منه »(1) من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الدراسة : الثلاثة الذين خلفوا هم كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي وكلهم من الأنصار . وقد خرج البخا ري ومسلم حديث كعب بن مالك قال : ثم قلت لهم هل لقى معي هذا من أحد قالوا أنه لقيه معك رجلان قلت : ومن هما قالوا : مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية . قول ابن شهاب الزهري وافقه عليه مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة( 2) وقتادة والسدي3) وجابر بن عبد(4. ) (1) خرجه مسلم في صحيحه 8/145 ، رقم 1162 (2) جامع البيان14/545 ح رقم 44111 (3) تفسير القرآن العظيم 3/111 (4) جامع البيان1/52-51 ، تاريخ دمشق لابن عساكر 5/165 .
عدد الصفحات ١٨٠213 عن السدي في قوله تعالى (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال : كونوا مع كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية( 1. ) أورد ابن كثير معنى الآية من غير خصوصية بقوله : أي ألزموا الصدق تكونوا من أهله( 2) فوافق بذلك قول قتادة قال : أنه عام وهم الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله على الطاعة( 3. ) سورة يونس قوله تعالى : ( (1) الدر المنثور4/312 عزاه السيوطي في الدر لابن بي حاتم في التفس (2) تفسير القرآن العظيم 3/111 (3) زاد المس 3/514 والكشاف2/324 .
عدد الصفحات ١٨١216 ) (الآية22-23. ) 141/1 عن الزهري قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا تبغ و تكن باغياً فإن الله يقول (إنما بغيكم على أنفسكم))(1( . )3/344) الدراسة قوله تعالى ( ) أي من تلك الورطة ( ) أي كأن لم يكن من ذلك شئ ثم قال تعالى (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم وأنفسكم ولا تضرون به أحداً غيركم كما جاء في الحديث : (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطعية الرحم)( 2()3. ) والبغي : التعدي والأعمال الفاسدة4) والشرك من بغي الجرح إذا فسد وأصله الطلب أي يطلبون الاستعلاء بالفساد(3) وفي الآية والنص من الزجر عن البغي ما يخفى وممن وافق الزهري في هذا القول ابن عمر وابن عباس وأنس وزيد بن أسلم وأبو بكر وغيرهم( 6. ) قوله تعالى : ( (الآية64. ) (1) تخريو النص : خرجه ا اكم في المستدرك على الصحيحين 2/338 كتاب التفسير سورة يونس 2/338 الر مكتبة مطابع النصر الحديثة . (2) خرجه بو داود في السنن 32 كتاب الأدب ،51 باب في النهي عن البغي4/2486 ح رقم 4642 . (3) تفسير القرآن العظيم 2/244 (4) اثرر الوجيز ابن عطية 1/134 (5) امامع لأحكام القرآن للقرط 8/322 – روح المعاني الألوسي 11/144 (2) الدر المنثور السيوطي4/352
عدد الصفحات ١٨٢217 142/2 عن الزهري وقتادة رضي الله عنهما في قوله( ) قالا : البشارة عند الموت 1( . )3/362) الدراسة بشر المؤمن قوله تعالى ( ) يقول الإمام الطبري في تأويل هذه الآية : البشرى من الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون ، ثم اختلف أهل التأويل في البشرى التي يسر الله بها المؤمنين ما هي وما صفتها : 1/ إنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له وفيالآخرة الجنة . 2/ البشارة التي تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت قاله الزهري وقتادة وعطاء . 3/ هي ما يبشرهم الله تعالى به في كتابه من جنته وكريم ثوابه قال تعالى ( ()2 ) وقوله( ()3()4. ) وهذا قول الحسن واختاره الفراء والزجاج واستدلا بقوله (لا تبديل لكلمات قال ابن عباس رضي الله عنه : لا خلف لمواعيده وذلك أن مواعيده بكلماته فإذا لم تبدل الكلمات لم تبدل المواعيد . قال الطبري : وأولى الأقوال بالصواب يقال إن الله تعالى ذكره أخبره أن لأوليائه المتقين البشرى في الدنيا ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله كما روى النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الملائكة التي تحضره عند خروج الروح تقول لنفسه أخرجي إلى رحمة (1) ابن عبدالبر في التمهيد لما في الموط من المعاني والأسانيد5/56 . (2) سورة البقرة الآية 25 (3) سورة فصلت الآية 34 (4) زاد المس 4/44 .
عدد الصفحات ١٨٣218 الله ورضوانه) ومنها بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى(1. ) وهذا ما قال به الإمام الزهري ووافقه عليه أكثر المفسرين وما أراه أن الآية تتحمل كل هذه المعاني فكل ما قيل بشرى من الله تعالى للمؤمنين في الحياة الدنيا والآخرة ويؤيد ذلك ما ذكره القرآن الكريم في غير موضع والسنة النبوية المطهرة قال تعالى (( ) وقال صلى الله عليه وسلم (بشراهم في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وفي الآخرة الجنة)(2. ) سورة هود قوله تعالى : ( (الآية43. ) 143/1 عن الزهري قال : إن الله بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين اثنين ، من الطير والسباع والوحش والبهائم(3( . )3/631) الدراسة (1) جامع البيان11/2/511/582 (2) خرجه الترمذي 35 كتاب الرؤيا ،3 باب يم البشرى 4/534 ح رقم 2213 (3) تخريو النص : تاريخ دمشق 22/255
عدد الصفحات ١٨٤219 ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بين دعوة نوح عليه السلام وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة وكان فار التنور بالهند وطافت سفينة نوح عليه السلام بالبيت أسبوعاً(1. ) قول ابن عباس انفرد به وهو ما عليه جمهور المفسرين 2. ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التنور وجه الأرض قيل له:إذا رأيت الماء على وجه الأرض فأركب أنت ومن معك والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض( 3. ) وهذا القول وافقه عليه الإمام الزهري وابن عيينة4) والضحاك وعكرمة 3. ) اختلف علماء التفسير في عدد الذين آمنوا مع نوح وحملهم معه على أربعة أقوال الأول : كانوا سبعة ، نوح وثلاثة زوجات وثلاثة بنين قاله الأعمش(6. ) الثاني : كانوا أربعين ذكره ابن عباس 7. ) الثالث : كانوا ثلاثين رجلاً قاله ابن عباس8. ) الرابع : كان معه اثنان وسبعون مؤمناً هو وزوجته وأولاده الثلاثة سام وحام ويافث ، وزوجاته الثلاث وأنه ركب في عشر خلون من رجب ونزل في عشر خلون من محرم قاله قتادة(9. ) (1) خرجه الطبري في جامع البيان 1/241 والحاكم في المستدرك في كتاب التفس 2/342 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/422 لابن المنذر وابنحاتم في التفسير . (2) جامع البيان15/321 ح رقم 18123 والبغوي2/323 واثرر الوجيز 1/261 زاد المس 144 وامامع لأحكام القرآن 6/33 تفسير القرآن العظيم 3/244 فتح القدير2/541 . (3) خرجه الطبري في جامع البيان 1/248 وعزاه السيوطي في الدر لابن المنذر وابن حاتم . (4) امامع لأحكام القرآن 6/33 . (5) جامع البيان15/318 ح رقم 18145 وتفسير البغوي2/323 واثرر الوجيز 1/262 زاد المس 4/145 امامع لأحكام القرآن 6/33 . (2) جامع البيان15/322 ح رقم 18111 . (1) زاد المس 4/141 وامامع لأحكام القرآن 6/35 . (8) زاد ا لمسير 4/141 (6) مفحمات الأقران للسيوطي 18 و رر التبيان118 .
عدد الصفحات ١٨٥223 قال ابن كثير : آمن معه عدد يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم 1. ) أما الإمام الطبري فلم يقل بعدد منها ولم يحدد هو عددهم بمقدار وذلم لعدم وجود الأثر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم( 2. ) سورة يوسف قوله تعالى : ( (يوسف24. ) 144/1 من طريق الزهري أن حميد3) بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام هو يعقوب(1( . )4/23 ) (1) تفسير القرآن العظيم 3/244 . (2) جامع البيان15/321 . (3) يد بن عبد الر ن : ترجم له من شيوي الإمام الزهري ص 24
عدد الصفحات ١٨٦221 الدراسة معنى قوله تعالى (( ) الهم بالشئ في كلام العرب حديث المرء نفسه وذكر الإمام البغوي في تفسيره(2) وقال بعض أهل الحقائق أنهم همان 1/ هم ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضى مثل هم امرأة العزيز 2 /وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم قيل هم يوسف عليه السلام فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل كما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال : قال الله عز وجل : (إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها وا ذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها)( 3()4. ) سورة الرعد قوله تعالى : ( (الرعد 43. ) 143/1 عن الزهري رضي الله عنه قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديدا على ر سول الله صلى اله عليه وسلم فانطلق يوماً حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فسمعه وهو يقرأ ( (1) خرجه سعيد بن منصور في سننه 5/385 /1115 (2) تفسير البغوي4/12/321 . (3 ) خرجه البخاري 68 كتاب التوحيد ، 25 باب قول الله تعاا (يريدون ن يبدلوا كلام الله) الفتح 15 ،4/412 ح رقم 1464 ومسلم كتاب الإزان 11155 ح رقم 128 وابن كث 4/1422 . (4) زاد المس 4/25/21 ، تفسير القرآن العظيم 2/4/122 بتصرف
عدد الصفحات ١٨٧222 )(العنكبوت48) حتى بلغ (الظالمون وسمعه و هو يقرأ ( ) إلى قوله (علم الكتاب) فانتظره حتى سلم فأسرع في أثره فأسلم( 1( . )4/129) الدراسة يقول تعالى : يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون (لست مرسلا) أي ما أرسلك الله (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم) أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم(2) وقوله تعالى ( ) في (من) إذا قرئ به كذلك في موضع خفض عطفاً به على اسم الله وكذلك قرأ قراء الأمصار بمعنى (والذين عندهم علم الكتاب) أي الكتب التي نزلت قبل القرآن ، كالتوراة والإنجيل وعلى هذه القراءة فسر ذ لك المفسرين ، وقد ذكر جماعة من المتقدمين أنهم كانوا يقرءونه (ومن عنده علم الكتاب) بمعنى من عند الله علم الكتاب وهو ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( ) قال : من عند الله علم الكتاب(3) ووافقه ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم( 4. ) وذكر الطبري : أن الخبر الذي رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له اصل عند الثقات من أصحاب الزهري ورجح القراءة الأولى لأن ما أجمع عليه القراء أحق بالصواب( 5. ) (1) لم قف عليه (2) تفسير القرآن العظيم 2/842 . (3) خرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء 2/215 وذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن مردويه 4/228 (4) القراءات الشاذة وتوجيهها النحوي د. محمود د الصغير ، دار الفكر ، دمشق سوريا ، 1 1416هـ-1666م ص465 ، اثتسب في وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها ، عثمان بن جني ، حققه علي النجدي ناصف وعبد الفتاح ،سماعيل شلبي ، منة ،حياء التراث الإسلامي 1386هـ-1626م1/358 . (5) جامع البيان الطبري13/118 .
عدد الصفحات ١٨٨223 سورة الحجر قوله تعالى : ( )(الآية4-3. ) 146/1 عن الزهري رضي الله عنه في قوله( ) قال : نرى أنه إذا حضر أجله ، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم ، وأما ما لم يحضر أجله ، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء(1( . )4/173) الدراسة قوله تعالى : ( ) أبي أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ . (1) القدر للفر1 /441 ، حديث رقم 444
عدد الصفحات ١٨٩224 قوله تعالى ) (ما) صلة ، كقولك : ما جاءني من أحد ، أي لا تتجاوز أجلها فتزيد عليه ، ولا تتقدم قبله ، ونظيره قوله تعالى ( ()1()2. ) قال ابن كثير : يخبرتعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها ، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم ، وهذا تنبيه لأهل مكة وا رشادهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك(3. ) سورة النحل قوله تعالى : ( )(الآية :18-12. ) 147/1 عن الزهري قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل4 . ) (4/231) (1) سورة الأعراف الآية 34 . (2) امامع لأحكام القرآن ال قرطبي 14/8 . (3) تفسير القرآن العظيم 2/541 . (4) خرجه ابن بي شيبة في مصنفه 5/331 رقم الحديث 22255
عدد الصفحات ١٩٠223 الدراسة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه : أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح ؟)(1. ) الحديث يدل على عدم جواز قتل النمل وهذا يوافق حديث الزهري وفي قوله تعالى ( ) يقصد النحل قال ابن قتيبة : أي من الثمرات وكل هاهنا ليست على العموم ، قوله تعالى ( ) السبل الطرق2 ) قوله تعالى ( ) يعني العسل ، ( )قال ابن عباس منه أحمر وأبيض وأصفر باختلاف ذوات النحل ومأكولاتها( 3) قوله تعالى( ) في هاء الكناية ثلاثة أقوال : الأول4) : أنها ترجع إلى العسل وا لى هذا ذهب الجمهور . الثاني(3) : إن الهاء ترجع إلى الاعتبار والشفاء بمعنى الهدى قاله الضحاك الثالث(6) : أنها ترجع إلى القرآن قاله مجاهد والفراء الراجح قول الجمهور لأن ظاهر الآية يدل على ذلك فلا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح والسياق البين . والسنة الفعلية أثبتت لنا التداوي بعسل النحل ومما يؤكد ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي (1) خرجه مسلم 36 كتاب السلام ،36 باب النهي عن قتل النمل4/1156 ح رقم 2241 ، والبخاري 52 كتاب الأدب 115 باب قتل الذر 4/2232 ح رقم 5222 والنسائي42 كتاب الص يد والذبائح 38 باب قتل النمل 1/214/4358 . (2) زاد المس 4/344 . (3) زاد المس 4/344 . (4) فتح القدير3/112 . (5) زاد المس 4/341 . (2) فتح القدير3/112 .
عدد الصفحات ١٩١226 استطلق بطنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أسقه عسلاً) فسقاه . ثم جاءه فقال : إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً ، فقال له ثلاث مرات ، ثم جاء الرابعة فقال (أسقه عسلاً) فقال لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صدق الله وكذب بطن أخيك) فسقاه فبرأ( 1) . ونجد أن العسل من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية(2. ) سورة الإسراء قال تعالى : ( )(الآية1. ) 148/1 عن ابن شهاب عن أنس رضي عنه قال : كان أبو ذر(3) رضي الله عنه يحدث أن رسول الله قال : فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج عن صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وا يماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل ع ليه السلام لخازن السماء افتح قال من هذا قال : جبريل . قال : هل معك أحد؟ قال : نعم ، معي محمد . قال : أرسل إليه؟ قال : نعم . ففتح ، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه تبسم وا ذا نظر قبل (1) خرجه مسلم كتاب السلام 131 باب التداوي بسقي العسل4/1132 ح رقم 2211 والبخاري 12 كتاب الطب ، 4 باب الدواء بالعسل4/1824 ح رقم 5284 و د في مسنده3/6 وذكره السيوطي في الدر المنثور 5/145 وعزاه لابن مردويه . (2) فتح القدير3/112 . (3) هو جندب بن جنادة بو ذر الغفاري كان ،سلامه قدزاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، كانت وافته بالربدة سنة 32هـ ، رجع ،ا قومه بعد ،سلامه فقام ،ا شهد بدر و حد والخندق . انظر الإصابة في تمييز الصحابة 1/125-134 والاستيعاب2/32 .
عدد الصفحات ١٩٢